وقوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] محمولٌ على المصيد متعينٌ ذلك.
وقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة: 96] يَحتمل الأمرين معًا، وحمله على المصدر أولى من جهة عدم الحاجة إلى الإضمار، فإن الأفعالَ لا يتعلَّق بها التحريمُ لأنفسها.
الثانية: قال أبو عبد الله بن خالَوَيْهِ في كتاب "ليس في كلام العرب": الصيد من غير حيوان، إلا في ثلاثة أشياء: صِدتُ الصيدَ، وصدتُ بيضَه، وصدت كَمَاه.
وقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} [المائدة: 94]؛ يعني: بيض النعامة والوحش (1).
قلت: لا يتعين حملُ ما تناوله الأيدي على بيض النَّعام من حيث اللفظ.
الثالثة: قال بعضُ الفقهاء في حد الاصطياد: إماتة الصيد، وهو كلُّ جرح مقصود حصل الموتُ به (2).
الرابعة: ذكر الجوهري: أن التذكية: الذبح (3).
وقال ابن سيده في "المحكم": والذكاة الذبح؛ عن ثعلب.--------------------------------------------
(1) لم أقف عليه في كتاب ابن خالويه "ليس في كلام العرب" مطبوعة مكة المكرمة سنة (1979 م) بتحقيق أحمد عبد الغفور عطار، وذلك بعد النظر في الكتاب كاملًا، والله أعلم بحقيقة الحال.
(2) انظر: "الوسيط" للغزالي (7/ 114).
(3) انظر: "الصحاح" للجوهري (6/ 2346)، (مادة: ذ ك ا).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 464)
وقال ابن سِيْدَه: وذكى الحيوان: ذبحه؛ ومنه قوله: يذكيها الأسد، وجلد ذكي: ذبيح (1).
* * *
* الوجه الخامس:
الإضافة تكسب الاسمَ معنى الصفة؛ لأنها توجب نسبةً بين المضاف والمضاف إليه، وتلك النسبة أمر زائد على الذات، يعود بوصفٍ لها عليه.
وقد نصَّ النحويون في تعبيرات الاسم في النسب: أنه كان اسمًا فصار صفة، والنسب إضافة، وبهذا التعبير يعبِّر سيبويه، فيوقع اسم الإضافة على النسب (2)، وليس الاصطلاح أن يوقع اسم النسب على الإضافة؛ لأن النسبَ إضافةٌ خاصة، وستأتي فائدة هذا الكلام في قسم الفوائد، والله أعلم.
الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: سؤالُ أبي ثعلبة رضي الله عنه يَحتمل أن يكون لطلب معرفة الحكم قبل الإقدام عليه، وقد ذكر بعضُهم: أنه لا يجوز الإقدام على الفعل إلا بعد معرفة الجواز، أو ما يقرب من هذا (3).--------------------------------------------
(1) انظر: "المحكم" لابن سيده (7/ 133)، (مادة: ذ ك و).
(2) انظر: "الكتاب" لسيبويه (3/ 335)، باب: الإضافة، وهو باب النسبة.
(3) انظر: "المحصول" للرازي (4/ 522).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 465)
ويحتمل أن يكون عَلِمَ أصلَ الإباحة، وسأل عن أمور اقتضت عنده الشكَّ في بعض الصور، أو قيام مانعٍ من الإباحة التي علم أصلها، وهذا أقرب؛ لأن كل ما سأل عنه، فالمانع فيه ظاهر، يجوز أن يُمنع الفعل بسببه، فاستعمال أواني المشركين في الخمر والخنزير مانع ظاهر، بعد العلم بتحريم الميتة (1)، فلما احتمل أن يكون ذلك مانعًا سأل عنه.
الثانية: سأل عن الصيد بالقوس مطلقًا، وعن الصيد بالكلب المُعلَّم، فلعلَّ سببَه: أن الاصطياد كان بالكلب معلومًا عنده، والسؤال عن طلب الفرق بين المُعلَّم وغيره، وهل يفترق الحكم فيهما، أم لا؟
وأما الصيد بالقوس فلم يكن معلومًا عنده، فاحتاج إلى معرفة أصل حكمه، أو يكون السؤال عن كيفية الصيد به، وما يشترط فيه من الشروط.
الثالثة: ثياب المشركين وأوانيهم على أقسام:
منها ما عُلمت طهارتُهُ، مثل الثوب يشتريه قبل أن يلبسَه، والإناء قبل أن يستعملَه، فهذا ظاهر.
ومنها ما علمت نجاسته، فهو نجس حتى يغسل.
ومنها ما جُهِل حالُه، وهو ما لبسوه من ثيابهم، واستعملوه من--------------------------------------------
(1) أي: وقد تكون بعض آنيتهم مصنوعة من جلود الميتة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 466)
أوانيهم، فهذا مختلَف فيه:
ففي "مختصر المزني" (1)، قال الشافعي: لا بأس بالوضوء من مَزَادة مشرك، وبفضل وضوئه ما لم تتحققْ نجاسة، توضأ عمر رضي الله عنه من جرِّ نصرانية (2).
وقال الشيخ أبو حامد من أتباعه في هذا القسم: إن الأصل عند الشافعي الطهارة حتى تتحققَ النجاسة، سواء كانوا يتدينون باستعمال النجاسة؛ كالمجوس الذين يعتقدون تعظيمَ الماء عن أن يُغسلَ به نجاسة، أو لا يتدينون به.
قال حَرْمَلَة: وسواء في ذلك عبدة الأوثان وغيرهم، وأهل الكتاب، فإن استعمال أوانيهم جا [ئـ]ـز، ولكن يُكره ذلك.
وقال في القديم: أكره استعمالَ أوانيهم إلا ما كان للماء، وأكره--------------------------------------------
(1) انظر: (ص: 1) منه. وانظر: "الأم" للإمام الشافعي (1/ 8).
(2) ذكره البخاري في "صحيحه" (1/ 82) فقال: وتوضأ عمر بالحميم، ومن بيت نصرانية. وقد رواه الدارقطني في "السنن" (1/ 32) من حديث سفيان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر رضي الله عنه توضأ من بيت نصرانية. وكذلك رواه الإمام الشافعي في "الأم" (1/ 8)، ومن طريقه: ابن المنذر في "الأوسط" (1/ 314)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 32).
قال الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" (2/ 131): وهذا إسناد ظاهره الصحة، وهو منقطع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 467)
لبس ثيابهم، وأنا للبس السراويلات أشدُّ كراهةً؛ لأنها تجاوِرُ محلَّ النجاسات.
قال الشيخ أبو حامد: هذا مذهبه في كل المشركين، وهذا كما يقوله في معاملة مَنْ أكثرُ ماله من ربا أو حرام: إن علم أنه حلال؛ كالميراث ونحوه، فهو حلال، وإن علم أنه حرام؛ كالضريبة والمصادرة، فهو حرام، وإن أشكل ذلك حلَّ أخذه، ولكنه مكروه، كذلك هاهنا.
وقال أبو إسحاق: إن كانوا يتدينون باستعمال النجاسة فهي نجسة؛ لأن الأصل النجاسة، وإن كانوا لا يتدينون بذلك؛ فالأصل الطهارة؛ على ما قال الشافعية (1).
وأما المالكية: فعندهم في سؤر الكافر وما أدخل يدَه فيه خلافٌ (2).
وأما الحنابلة: ففرَّقوا بين أهل الكتاب وغيرهم، فأما أهل الكتاب، فأباحوا الأكلَ في أوانيهم ما لم تتحقق نجاسة، قال ابن عَقِيل منهم: لا تختلف الرواية في أنه يجوز (3) استعمالُ أوانيهم.
قالوا: وهل يكره له استعمالُ أوانيهم؟ على روايتين.--------------------------------------------
(1) انظر: "المهذب" للشيرازي (ص: 12).
(2) انظر: "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص: 26).
(3) "ت": "لا يجوز".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 468)
وأما غير أهل الكتاب، كالمجوس وعبدة الأوثان، فاختلفوا في أوانيهم: فقال القاضي منهم: لا يستعملُ ما يستعملوه من أوانيهم؛ لأن أوانيهم لا تخلوا من أطعمتهم، وذبائحُهم ميتة، فآنيتهم نجسة من وضعهـ[ـا]، فيها.
وقال أبو الخطاب: حكمُهم حكمُ أهل الكتاب، وثيابهم وأوانيهم طاهرةٌ مباحةُ الاستعمالِ ما لم تتيقن نجاسة.
قال بعضُهم: وظاهر كلامه رحمه الله مثل قول القاضي، فإنه قال في المجوس: لايؤكل من طعامهم إلا مثلُ الفاكهة (1).
وأما الظاهرية: فقال أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المغلِّس (2) - وهو من كبار الظاهرية - في ديوانه الذي تكلم فيه على مسائل "المختصر" لأبي إبراهيم المزني على مذهب داود وأصحابه: وجاز الوضوء من أواني أهل الشرك، وبفضلِ وضوئِهم إذا لم تظهر في ذلك نجاسةٌ تمنع من استعماله، لأنَّ اللهَ عز وجل لم يحظر استعمال ذلك، ولا رسولَه صلى الله عليه وسلم، ولا اتَّفق الجميعُ عليه (3).
الرابعة والخامسة والسادسة: إذا جَرينا على مقتضى لفظ--------------------------------------------
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 61 - 62).
(2) المتوفى سنة (324 هـ)، وعنه انتشر مذهب الظاهرية في بغداد، وكان من بحور العلم، وله عدة مصنفات. انظر: "تاريخ بغداد" للخطيب (9/ 385)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (15/ 77).
(3) وانظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 424 - 425).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 469)
الحديث، فالنهيُ يدلُّ على التحريم، فيقتضي أن يحرَّم الأكلُ في آنيتهم إذا وجدنا منها بدًا، ولو غسلت، وأن يجب غسلها إذا لم نجد بدًا؛ لأن الأمر على الوجوب.
السابعة: استدل بحديث أبي ثعلبة في مسألة استعمال أواني الكفار من جانب المنع على الكراهة أو التحريم، ووجه الدليل منه ظاهر.
والذين قالوا بجوازِ استعمال آنية المشركين، والبناءِ فيها على الطهارة، مخالفون لظاهر هذا الحديث على الجملة، والاعتذار بالمعارضة بما يدل على جواز أكل طعامهم واستعمال آنيتهم، ثم بالتأويل بعد بيان المعارضة.
الثامنة: أقاموا الدليلَ على جواز الاستعمال من الكتاب والسنة:
أما الكتاب فقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5].
وأما السنة: فدل على هذا حديثُ عبد الله بن المُغفَّل، قال: دُلِّيَ جِرَابٌ من شحمٍ، فالْتزمتُهُ وقلت: واللهِ لا أعطي أحدًا منهُ شيئًا، فالتفتُ فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتبسمُ (1).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2984)، كتاب: الخمس، باب: ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، ومسلم (1772)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 470)
والشاةُ المسمومة التي أَكَلَ منها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بخيبر (1).
وروي: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أضافه يهوديٌّ بخبزٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ، وهو في "المسند" عن أحمد، وفي كتاب "الزهد" له (2).
وبالحديث الذي يأتي بعد هذا في توضُّؤِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من مَزَادة مُشركةٍ.
وتوضَّأَ عمرُ من جر نصرانية (3).
التاسعة: وإذا أقام المعارض المبيح، فالتأويل من وجهين:
أحدهما: حمل النهي على الكراهة دون التحريم.
والثاني: الحمل على آنية استعملوا فيها الخمر أو الخنزير، وحينئذٍ يكون الحديث في غير محل الخلاف، فإن محل الخلاف - كما ذكرناه - ما لم يتيقن طهارته، ولا نجاسته.
وعند أبي داود: إنَّا نُجاوِرُ أهلَ الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2474)، كتاب: الهبة وفضلها، باب: قبول الهدية من المشركين، ومسلم (2190)، كتاب: السلام، باب: السم، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2) رواه الإمام أحمد في "المسند" (3/ 133)، وفي "الزهد" (ص: 5). وقد رواه البخاري (1963)، كتاب: البيوع، باب: شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة، كلاهما من حديث أنس رضي الله عنه.
(3) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 471)
"إنْ وجدتُمْ غيرَهَا فكلُوا منها واشربُوا، وإنْ لَمْ تجدُوا غيرَها، فارْحَضُوها (1) بالماء، وكلُوا واشربُوا" (2).
قال بعضُ الشارحين: المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود (3).
قلت: حملُه على الكراهة مع كونه على خلاف الظاهر يقتضي أنه يكره استعمالها بعد غسلها، والغسل للنجاسة، وإذا زالت النجاسة بالغسل، فكيف ثبتت الكراهة؟
أجاب بعضهم: بأنه إنَّما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار، وكونها معدة للنجاسة، كما يكره الأكلُ في المِحْجَمة المغسولة.
قال: وأما الفقهاء فمرادهم مطلق آنية الكفار التي ليست مستعملةً للنجاسات، فهذه يكره استعمالها قبل غسلها، فإذا غسلت فلا كراهة فيها؛ لأنها (4) طاهرة، وليس (5) فيها استقذار، ولم يريدوا نفي الكراهة عن آنيتهم المستعملة في الخنزير وغيره من النجاسات (6).--------------------------------------------
(1) أَي: اِغسِلُوها.
(2) رواه أبو داود (3839)، كتاب: الأطعمة، باب: الأكل في آنية أهل الكتاب.
(3) انظر: "شرح مسلم" للنووي (13/ 80)، وهو الذي قصده المؤلف بكلامه.
(4) "ت": "فالكراهة فيها لا غير"، والمثبت من "شرح مسلم".
(5) "ت": "ولكن".
(6) انظر: "شرح مسلم" للنووي (13/ 80).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 472)
قلت: الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وكراهةُ الأكل من المِحْجَمة المغسولة أو الحديدة، إن أراد به كراهيةً طبيعية فمسلَّم، إلا أنها مبنية على قوة وهمية، صحبت الوهم لكثرة ملازمتها ذلك، وهذه الكراهة الوهمية إن أُثبت بها الكراهةُ الشرعية فتحتاج إلى دليل شرعي، ونظيرُ ذلك من مسألة الأواني أن تكون الآنيةُ التي استعمل فيها لحم الخنزير والنجاسات آنيةً مخصوصة بذلك، يصحب الوهم فيها ملازمتها للنجاسات.
وأما حملُ الحديث على الآنية التي استعمل فيها لحم الخنزير والخمر، وقولُه: كما صرَّح به في رواية أبي داود، ليس كما قال في دعوى الصراحة بالنسبة إلى ما حمل عليه الحديث، فإن السؤال وقع عن الأكل في آنيتهم غيرَ مقيَّدٍ بما عُلِم أنهم استعملوا فيه لحم الخنزير والخمر.
وقوله: "وهم يطبخون في قدورهم الخنزيرَ، ويشربون الخمر" قد يُحمل على أن المراد به: أن من شأنهم ذلك، وعادتهم فعله، وحينئذٍ يكون السؤالُ واقعا على محل الإشكال الذي اختلف فيه الفقهاء، ولا يتعيَّن أن يكون المراد السؤال عن آنية استعمل فيها ذلك بعينها، فليس إذنْ بصريحٍ فيما ادَّعاه.
العاشرة: الاستدلالُ بالآية على هذه المسألة استدلالٌ بالعموم في الطعام، فيدخل تحته محلُّ النزاع، وهو الطعام الذي في آنيتهم، ويعترض عليه بأمرين:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 473)
أحدهما: أن يحمل الطعامُ على الذبائح، وهذا - وإن كان فيه تخصيص، وهو على خلاف الأصل - إلا أن فيه وفاءً بفائدة تخصيص أهل الكتاب بالذكر؛ لأنا إذا حملناه على الذبائح، دلَّ المفهوم على منع أكل ذبائح غير أهل الكتاب، فكان في التخصيص بهم فائدة.
وإذا حملناه على الطعام، فالمبيحون لاستعمال أواني المشركين لا تخصُّ جماعة منهم ذلك بأهل الكتاب؛ كما هو مذهب الشافعي؛ كما قدمنا حكايتَه عن الشيخ أبي حامد، فلا فرق بين أهل الكتاب وبين غير أهل الكتاب، فلا يبقى في التخصيص بذكرهم فائدةٌ.
واعلم بأن القولَ بأن المرادَ بالطعام الذبائحُ منقولٌ عن غير واحد من السلف.
روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب "أحكام القرآن" (1) قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] قال: الذبائح.
قال: حدثنا يحيى، ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن القاسم بن نافع، عن مجاهد قال: ذبائحهم.--------------------------------------------
(1) للإمام الحافظ شيخ الإسلام أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ابن محدث البصرة حماد بن زيد المالكي، قاضي بغداد وصاحب التصانيف، وكتابه "أحكام القرآن" لم يسبق إلى مثله. توفي سنة (282 هـ). انظر: "تاريخ بغداد" للخطيب (6/ 284)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (13/ 339).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 474)
قال: حدثنا يعقوب بن الدَّورقي، ثنا ابن إدريس، عن كثير، عن مجاهد: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]، قال: الذبائح (1).
حدثنا محمد بن أبي بكر، ثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن كعب، عن مجاهد وسفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم وأشعث، عن الحسن: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]،، قالوا: الذبائح (2).
عن سعيد بن جبير، وعكرمة: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]، قال: الذبائح (3).
حدثنا محمود، أنبأ هشيم، عن يونس، عن الحسن والمغيرة، عن إبراهيم في قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] قالا: ذبائحهم.
فهذه روايات ساقها القاضي عن إبراهيم، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة في حمل طعامهم على ذبائحهم، ولم يذكر حملَها على مطلق الطعام عن أحد فيما رأيت في كتابه، وفي هذا قوةٌ للحمل على ذلك.
الوجه الثاني: أن يقال: المقصود من الكلام الحكمُ على--------------------------------------------
(1) ورواهما ابن أبي شيبة في "المصنف" (32694)، وابن جرير في " تفسيره" (6/ 102 - 103)، عن مجاهد وإبراهيم.
(2) رواه ابن جرير في "تفسيره" (6/ 103).
(3) انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 282).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 475)
طعامهم - من حيث هو - بالحل، وامتناعُ أكله؛ لأجل غلبة النجاسة من قَبيل الموانع التي لا يُقصد التعرضُ لها؛ لِمَا (1) عُلِمت نجاستُه من أوانيهم، وهذا ليس بالشديد القوة؛ لإمكان المنازعة في هذه الدعوى، والتمسك بالعموم الذي يزعمه، والله أعلم.
الحادية عشرة: الاستدلالُ بأكل النبيِّ صلى الله عليه وسلم أهدته له اليهوديةُ في القول بالطهارة، وفي معارضته حديث أبي ثعلبة، إلا أنه استدلالٌ بفعل في واقعة خاصة لا عمومَ لها، وحديث أبي ثعلبة استدلالٌ بلفظ عام، فتكون معارضةُ الخصوصِ العمومَ في محل التخصيص فقط، فمن منع الاستعمالَ فيمكنه أن يقول: هذه واقعةُ حال لا عمومَ لها، فأَحمِلُها على صورة العلم بالطهارة لاحتمالها، وأنا لا أمنع الاستعمال في هذه الصورة، وهذا وإن كان متجهًا في المناظرة إلا أنه لا يقوى في النفس أن الواقع هو تلك الصورة؛ أعني: تيقن الطهارة، وقد تكون القرائنُ دليلًا على ما ذكرناه.
أما من أراد الاستدلال به على جواز استعمال أواني الكفار، فإما أن يكون ممن يبيحُ ذلك مطلقًا، وإما أن يكون ممن يفرِّق بين من يتديَّن باستعمال النجاسة، أو لا.
فإن كان من الأولين فقد بيَّنا أنه لا عمومَ فيه، وإذا لم يكن عموم، فالحكم مستفاد في غير محل النص بالقياس فقط، وشرط--------------------------------------------
(1) "ت": "كما".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 476)
القياس مساواةُ الفرع للأصل في المعنى الموجب للحكم، أو زيادتُه عليه، وهذا الشرط مفقودٌ هاهنا؛ لأن اليهود لهم تحذُّر من النجاسات على ما جاء في الحديث: مِنْ قَرْضِ بني إسرائيل ما أصاب الثوبَ بالمقراض (1)، وعلى ما صحَّ من مجانبتهم الحائضَ، وعدم مؤاكلتها، ومشاربتها، ومجامعتها في البيوت (2)، ومحل النزاع عليه النجاسة على ما جُهِلَ حالُه.
وإذا أردنا أن نقيسَ استعمالَ أواني النصارى في الجواز على استعمال أواني اليهود، مع كون النصارى لا احتراز لهم عن شيء من النجاسات، فلا يصح؛ لأن أبوالَهم في ثيابهم وأبدانهم من غير كلفة، والرهبان منهم يتدينون بإبقاء النجاسة، ويروْنَ أن ذلك من باب الترفُّهِ الداخل تركُه في الزهد في الدنيا، والعلةُ، وهي غلبة النجاسة في الفرع، وهو (3) آنية النصارى والمشركين، قاصرةٌ عن محل النص، وهو استعمال أواني اليهود، فكيف يصِحُّ القياس؟!
وأما الذين يفرِّقون بين من يتدين باستعمال النجاسات، ومن--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (224)، كتاب: الوضوء، باب: البول عند سباطة قوم، ومسلم (273)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2) رواه مسلم (302)، كتاب: الحيض، باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، من حديث أنس رضي الله عنه.
(3) "ت": "هي".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 477)
لا يتدين باستعمالها، فإذا قال: إن اليهود ليسوا ممن يتدين باستعمال النجاسة، فجواز استعمالِ آنيتهم خارجٌ عن محل النزاع عندي، فلا يكون الحديثُ حجةً عليَّ، وهذا ظاهر.
الثانية عشرة: إدارة حكم المنع على التدين باستعمال النجاسة ليس بالقوي عندي؛ لأن العلةَ غلبةُ النجاسة على ما جهل حاله من أوانيهم، وهذا يكفي فيه عدمُ التدين بتجنب النجاسة، لا التدين باستعمال النجاسة، وبين المعنيين فرق ظاهر.
وإنما قلنا: إنه يكفي في ذلك عدمُ التدين بتجنب النجاسة، فإن من لا يفرق بين البول والماء في ملابسة ثيابه وبدنه، فالظنُّ القوي حاصلٌ بنجاسة ما يحاوله، ولا نزاعَ في أن التدينَ باستعمالها أقوى في غلبة الظن من عدم التدين بتجنبها، لكن يحتاج إلى دليل اعتبار ذلك القيد الزائد وإلغاء القدر الحاصل، والظن بعدم التدين باجتنابها مع مناسبة الاعتبار يعُمُّ.
إن كان هاهنا نصٌّ على منع استعمال أواني من يتدين بالنجاسة، فأردنا أن نلحق به من لا يتدين بها، لم يستقم ذلك؛ لأنَّ فيه إلغاءَ القدر الزائد الوارد في محل النص مع إمكان اعتباره شرعًا، إذ الأصلُ ترتُّب الحكم على أوصاف محل النص، إلا إذا عُلم إلغاءُ بعضها، فالفرق بين أن يردَ ما يقتضي اعتبار القدر الزائد، ويريد إلغاءَه، وبين أن يكون المقتضى لاعتبارٍ مطلقٍ غلبَةُ الظن الحاصل، يريد إلغاءه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 478)
وتعليقَ الحكم بوصف زائد ظاهر؛ لأن في الأول إلغاء ما يمكن أن يكون معتبرًا، والمقتضي لاعتباره موجودٌ، وهو ورود النص في محله من غير دليل على إلغائه.
وأما الثاني: ففيه إلغاء ما اقتضى الدليلُ اعتبارَه من تعليق الحكم بغلبة الظن بنجاسة الآنية، وطلب وصف زائد على ذلك، وهذا يفتقر إلى دليل يقتضي التعبُّدَ بالقدر الزائد من الظن.
الثالثة عشرة: إن قلت: فقد ورد في هذا الحديث النهيُ عن استعمال أواني أهل الكتاب إذا وُجِد غيرُها، والأمرُ بالغسل إذا لم يُوجد غيرها، هل يُحقق ذلك ورودُ النص ممن يتدين باستعمال النجاسة حتى يمتنعَ قياسُ من لا يتدين باجتنابها عليه، على ما قرَّرتَ أولًا؟
قلت: في كلام بعض الفقهاء تمثيلُ من لا يتدين باستعمال النجاسة باليهود والنصارى، وهذا لا يصح في النصارى؛ لأن ما يسمُّونه قُربانًا لا بد فيه من استعمالهم الخمر، فقد صار لهم تدينٌ باستعمال الخمر، وهي نَجِسة عند الجمهور، ومنهم الذي مثَّل باليهود والنصارى.
أما اليهود فقد تبين من الحديث تشديدُهم في البول، وفي ملابستهم الحائض، ولا علم لنا هل يتعلق لهم تعبدٌ باستعمال نجاسة أخرى، أم لا؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 479)
فإن ثبت تعبُّدُهم في شيء بالاستعمال وتنجيسه كالنصارى، فقد ورد النصُّ على هذا التقدير في المتدينين باستعمال النجاسة، فلا يلحق به من لا يتدين باجتنابها على ما قررناه.
وإن لم يثبت ذلك في حقهم، أو ثبت أن لا تدينَ لهم بذلك، لم يجُزْ أن يعلَّلَ الحكمُ بالامتناع بالتدين باستعمال النجاسة؛ لأن اللفظَ واحدٌ يقتضي حكمًا واحدًا يتناول الفريقين، فلا يجوز أن تكون العلةُ مخصوصةً بأحدهما؛ لأن الحكم لا يثبت لعلة مع انتفائها في المحل.
وعلى هذا التقدير: يكون الحديثُ دليلًا على إلغاء التعليل بالتدين باستعمال النجاسة؛ لأنه إذا تعذَّرَ التعليلُ بما به الافتراقُ، تعيَّنَ التعليلُ بما به الاشتراكُ.
الرابعة عشرة: أقام الفقهاء قاعدة يدخل تحتها استعمال أواني المشركين، وغير ذلك، وهي ما إذا تعارض الأصل والظاهر، فأيُّهما يُقدم؟
ورجَّحَ مصنفو الشافعية - أو من قال منهم - الأصلَ (1)، ولا يخفى أن الظنَّ المستفادَ من العِلّيَّة أقوى من الظن المستفاد من الأصل، يعرف هذا بالرجوع إلى العوائد والنظر إلى ما يحدث في النفس من اعتبارها، بل ربما انتهى ذلك إلى قريبٍ من درجة القطع، وإذا ترجَّح الظنُّ المستفادُ من العِلِّيَّة، وجب بناءُ الحكمِ عليه؛ لأن العملَ بأرجح--------------------------------------------
(1) انظر: "الإبهاج" للسبكي (3/ 173)، و"المنثور" للزركشي (1/ 311).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 480)
الظنين واجبٌ، وحديث أبي ثعلبةَ هذا: فيه الأمر بالغسل قبل استعمالها، والنهي عن استعمالها إذا وجد غيرها، وهما يدلَّانِ على ذلك؛ أعني: اعتبارَ العِلِّيَّة.
الخامسة عشرة: هذا الذي ذكرناه وهو بالنسبة إلى الظنين من حيث هما هما، وقد حكمنا بأن الراجح: الظن المستفاد من الغلبة، ولكن قد يقوم مانعٌ معارضٌ لاعتبار هذا الظن الراجح بالعليَّة؛ كالمشقة وعُسر الاحتراز مثلًا، ولا بِدْعَ في ترجيح المانع الراجح على المقتضى، ودرجات هذا المانع مختلفة، فما قوي منها ولزم منه الحرجُ والمشقة العامة، فاعتبارُه ظاهر، وما كان دون ذلك، فهو محلُّ نظرٍ.
فإذا نظرت إلى العوام وأرباب الحِرَف والمِهَن، ومن لا يصلي منهم، ومباشرتهم النجاسات في حوانيتهم ومهنِهم وأشغالِهم، وطَرَآن (1) النجاسات الخارجة عنهم على حوانيتهم ومواضع أشغالهم، علمت غلبة النجاسة على كثير - أو على أكثر - ما هم فيه، لا سيما في بعض الحِرَف، فالقول بالتزام مجانبتهم ومُلابَستِهم في كل شيء يُفْضي إلى حَرجٍ ومشقة عامة، يعسُر اعتبارُها، فيقوى المانع من اعتبار الظن المستفاد من الغالب عمومًا، ويتأيَّد ذلك في بعض الصور بعمل السلف الصالح، ويمكن أن يكون ما في حديث أبي ثعلبة هذا من--------------------------------------------
(1) مصدر (طرأ)، والمعروف عند أهل اللغة في مصدره: طَرْء وطُرُوء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 481)
الفرق بين أن يجدوا غيرها، أو لا، مراعاةً (1) لهذا المعنى؛ لأن الظنَّ لما كان غالبًا بنجاسة ما يستعملونه فحيث لا ضرورةَ في تركه؛ لوجود غيره، أَعملَ غلبةَ الظن؛ لرجحانها مع عدم المعارض، وهو (2) الضرورة في استعمالها، وحيث لا يوجد غيرُها قد تدعو الضرورة إلى الاستعمال، فيكون هاهنا مانع من إعمال غلبة الظن، فأُجيز الاستعمالُ، إلا ما يقتضيه الحديثُ من الأمر بالاجتناب مطلقًا عند عدم غيرها، وإن غُسِلَت، والأمر بغسلها إذا لم يوجد غيرها يبقى محلًا للنظر، زائدًا على ما ذكرناه.
السادسة عشرة: هاهنا مانعٌ آخرُ من اعتبار الظن الناشئ من الغلبة، اعتبره بعضُ المالكية، وهو إتلاف المالية.
وذلك أنَّ عندهم في سؤر ما عادته استعمال النجاسة، ولا يعسر الاحتراز عنه؛ كالسباع، والدجاج المُخَلَّاة؛ أي: غير المقصورة، أقوالًا: المنع، والإباحة، والفرق بين الماء والطعام، فيُطرح الماء ويؤكل الطعام.
وسؤرُ الكافر وما أدخل يدَه فيه، جارٍ مجرى هذا القسم عندهم (3).--------------------------------------------
(1) "ت": "ومراعاة".
(2) "ت": "هي".
(3) الصواب عندهم: أن هذه الأمور كلها محمولة على التنزه والاستحباب، كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي، وصوبه ابن عبد البر، كما في "التمهيد" له (1/ 335).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 482)
إلا أن هذا المانعَ ضعيفٌ يحتاج إلى دليل شرعي يدل على اعتباره بعد قيام المقتضي للتنجيس.
والذي يُستدلُّ به على هذا من نهيه عليه السلام عن إضاعة المال (1)، يردُّ عليه منعُ كونه مالًا بعد قيام الدليل على نجاسته.
فلو قوِيَ هذا المانعُ كان ذلك عذرًا آخرَ عن أكل النبيِّ صلى الله عليه وسلم طعامَ اليهوديَّةِ، غير ما ذكرناه متقدمًا.
السابعة عشرة: أمر عليه السلام بغسل الآنية، والأكل فيها بعد غسلها، وهذا مطلقٌ يكفي في امتثال الأمر به غسلةٌ واحدة، فيدل على جواز الاكتفاء في فضل العامة بغسلة واحدة.
الثامنة عشرة: يمكن أن يستدلَّ به على الاكتفاء بغسلة واحدة في نجاسة الخنزير؛ لأنه قد ذكر في الحديث: أنهم يطبخون في قدورهم الخنزير، فهذا الأمر إما أن يكون على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاحتياط والندب، وأيًّا ما كان، فلا بدَّ أن تفيدَ فائدةً في التطهير، وإلا كان الإناءُ باقيًا على ما كان عليه قبل الغسل، فإذا اكتفى بالمرة الواحدة في تحصيل المقصود، إما بإزالة النجاسة بالتطهير، أو بحصول مقصود الاحتياط بالتطهير، دلَّ على ما ذكرناه.
التاسعة عشرة: فيه دليل على جواز الصيد في الجملة، مع تظافر الأدلة من الكتاب والأحاديث والإجماع.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 483)