بيانه: أن خبرَ النهي عامٌّ في جلود السباع قبل الدباغ وبعده، وخاص في السباع، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُر" عامٌّ في كل إهاب، خاصٌّ في الدباغ، فإذا قال أحد الخصمين: قوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُر" عامٌّ في كل إهاب، فأخص عنه جلد الكلب لنهيه صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود السباع، قال خصمُه: نهيه صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود السباع عام بالنسبة إلى المدبوغ وغيره، فأخص منه المدبوغَ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُر"، فيتساويان، ويُحتاج إلى الترجيح.
والذي يقال في ترجيح الطريق الأول: أنا إذا أخرجنا الكلبَ من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُر" لم تسقط فائدةُ تخصيصِ الدباغ؛ لأنه ينفي هناك ما لا يطهر جلده إلا بالدباغ، وإذا أخرجنا ما دبغ من نهيه صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود السباع سقطت فائدة تخصيص السباع؛ لأن جلودَ السباع وغيرِ السباع في النهي عن افتراشها قبلَ الدباغ سواءٌ.
والاعتراض عليه من وجوه:
أحدها: أن طلبَ الفائدة في تخصيص جلود السباع غيرِ المدبوغة لم ينشأ من تخصيصنا هذا النهي بما لم يُدبغْ من جلود السباع، وإنما هو ناشئٌ عن ثبوت النهي عن جلود السباع قبل الدباغ ثبوتًا على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص؛ لأنه متى ثبت أن اللفظَ يتناولُ جلودَ السباع غيرِ المدبوغة بطريق العموم مع أن الحكم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 424)
غيرُ مخصوص بها، لزِمَ عدمُ الفائدة في تخصيص جلود السباع في القول بهذا العموم، كما يلزم عدمُ الفائدةِ في التخصيص من القول بالتخصيص، وإذا كان طلبُ الفائدة في التخصيص بأشياءَ عن ثبوت الحكم في جلود السباع المدبوغة مع اشتراك غيرِها معها في الحكم ثبوتًا عامًا، أو خاصًا، وأنهم يقولون بثبوت هذا الحكم في جلود السباع غيرِ المدبوغة، فالإلزامُ مشترك بيننا وبينكم، وطلبُ الفائدة إن لزم لزِمَ الجمعُ.
فإن قيل: التخصيصُ يُحوِج إلى طلب الفائدة فيه بخلاف العموم.
قلنا: التخصيص بالذكر مُحوِج إلى طلب الفائدة، أو تخصيصُ الحكم محوج إلى طلب الفائدة؟ الأول مسلّم، والثاني ممنوع، وهذا لأن الحاجة إلى طلب الفائدة في التخصيص حيث يطلب ذلك حكم يتبع اللفظَ لأمرٍ يرجع إلى اللفظ والوضع، لا مطلق ثبوت الحكم، فإنَّا في مفهوم الصفة قد نَدَّعي التخصيصَ، وطلبَ الفائدة لأمرٍ يرجع إلى ثبوت الحكم في بعض الأفراد، ولهذا نفرق بينه وبين التخصيص باللقب، ولو كانت العلةُ هو مطلق ثبوت الحكم في الفرد لاستويا، وإذا كان كذلك فنحن هاهنا لم ندَّعِ التخصيصَ بالذكر حتى يلزمنا الفرقُ بين تناول الحكم بالخصوص، وتناوله بالعموم، وإنما ادَّعينا تخصيصَ الحكمِ ببعض ما تناوله العامُّ، وليس ذلك من التخصيص باللفظ، بل هو ادعاءُ ثبوتِ الحكم مخصوصًا ببعض موارد العام،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 425)
فالتخصيص بالذكر يُحوِج إلى طلب الفائدة فيه، وتخصيصُ الحكم يحوِج إلى طلب دليل التخصيص، وهذه القاعدة تبين أن الردَّ على القائلين بالمفهوم بقول من قال: ثبوت الحكم في الفرد لا يدل على نفيه عمَّا عداه، وإلا لَمَا كانت القضيةُ الكليةُ ممكنةً غيرُ (1) تام؛ لأن القائلَ بالمفهوم لا يقول به؛ لأجل ثبوت الحكم في الفرد، بل لأجل ثبوته فيه بطريق التخصيص بالذكر، حكما لفظيا يتبع الوضعَ والعرف، ولا يتبع الحكمَ فقط.
وثانيها: أن يقول: النهي عن افتراش جلود السباع مخصوصٌ بالاتفاق منا ومنكم بخروج كل جلد دُبغ من جلود السباع ما عدا جلدِ الكلبِ والخنزير عن النهي؛ فإنه لا يتناوله، وطهارةُ كل إِهابٍ دُبغ ليس (2) مخصوصًا بالاتفاق؛ لوجود القائل به، وما دخله التخصيصُ بالاتفاق مرجوحٌ بالنسبة إلى ما لم يدخله بالاتفاق.
وهذه هي الطريقة التي سُلِكَتْ في الاستدلال على جواز صلاة ما له سببٌ من الصلوات في وقت الكراهة، حيث استدلَّ بقوله صلى الله عليه وسلم: "منْ نامَ عن صلاةٍ، أو نسيَهَا، فليصلِّهَا إذا ذكرَهَا" (3)، فإذا عُورِض--------------------------------------------
(1) أي: أن الردَّ على القائلين بالمفهوم … غير تام.
(2) أي: الطهارة حكمها ليس مخصوصًا.
(3) رواه البخاري (572)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ومسلم (684)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، من حديث =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 426)
بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها (1)، وقيل: كل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه، رُجِّح الأولُ بأن التخصيصَ دخل ذلك النص في عصر اليوم بالاتفاق، ولم يدخل التخصيص في ذلك النص بالاتفاق … إلى آخر التقرير (2).
وكذلك لمَّا قيل بقتل المرتدة، واحتُجَّ بقوله صلى الله عليه وسلم: "من بدَّلَ دينَهُ فاقتلُوهُ" (3)، فعُورِض بنهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان (4)، وكلُّ واحد منهما عامٌّ من وجه خاصٌّ من وجه، رُجِّح الأولُ بدخول التخصيص في حديث النهي بالاتفاق على قتل النساء في بعض الصور؛--------------------------------------------
= أنس رضي الله عنه بلفظ: "من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذ ذكرها".
(1) رواه البخاري (556)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ومسلم (826)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
(2) انظر: "المستصفى" للغزالي (ص: 254).
(3) رواه البخاري (2854)، كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يعذب بعذاب الله، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) رواه البخاري (2852)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قتل النساء في الحرب، ومسلم (1744)، كتاب: الجهاد والسير، باب: تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 427)
كالقصاص مثلًا، أو عند مقاتلتهن (1).
وثالثها: أنه إن لم يُحمل النهيُ عن افتراش جلود السباع على العموم بالنسبة إلى المدبوغة وغيرِ المدبوغة، لم يصحَّ الاستدلالُ به على عدم طهارة جلد الكلب بالدباغ، وإذا كان عامًا بالنسبة إلى المدبوغ وغيرِه، فهو عامٌّ بالنسبة إلى الجلد المدبوغ، فيكون عامًا بالنسبة إلى كل جلد مدبوغ، فإذا حملناه على جلد الكلب فقط، أو على جلد الكلب والخنزير فقط، كان تنزيلًا للفظ العام على الصورة النادرة، وتنزيلُ الألفاظ العامة على الصور النادرة من غير تعدٍ إلى غيرها قد ردُّوه وأَبَوْه.
ألا ترى كيف ردُّوا على الحنفية تنزيلَ قولِه صلى الله عليه وسلم: "أيّما امرأةٍ نكحَتْ نفسَهَا بغيرِ إذنِ وليِّهَا، فنكاحُهَا باطلٌ" (2) على المكاتبة، وأبطلُوا التأويلَ بأنه تنزيلُ اللفظ العام على الصورة النادرة، وعلى ما لا يجوز حملُ لفظِ الشارع؟
وكذلك ردُّ بعضِ أكابر الشافعية الاستدلالَ بقوله صلى الله عليه وسلم: "منْ ملكَ ذا رحمٍ محرَّم عتقَ عليهِ" (3) على من حمله على الأصل والفرع--------------------------------------------
(1) انظر: "الإحكام" للآمدي (3/ 198).
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (4897)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال: لا نعلم أن أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر، وقال الترمذي (3/ 647): رواه ضمرة بن ربيعة، =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 428)
فقط؛ لأنه حملٌ للصيغة العامة على الصورة المخصوصة، وقصر له عليها (1).
وقيل: إن التعبيرَ عن الآباء والأبناء بهذا اللفظ تلبيسٌ، وقيل أيضًا: ليس كلُّ ما يشمله اللفظُ يجوز القصرُ عليه.
فإن قيل: لم يحمل اللفظ العام على الصورة النادرة؛ لأن النهي محمولٌ على جلود السباع غيرِ المدبوغة، وعلى جلد الكلب، فلا ندرةَ في الحمل عندنا.
قلنا: هذا اللفظُ العام يتناول نوعين، كلُّ واحد منهما عام في أفراده، فلزم على مذهبكم حملُ أحدِ العمومين في أحد النوعين على الصورة النادرة، ومثل هذا لا يلزمنا، فكان ما ذكرنا أرجح.
واعلم أن هذا السؤال واردٌ على ما قالوه في مسألة التخصيص--------------------------------------------
= عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث.
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 289): المحفوظ بهذا الإسناد حديث: "نهى عن بيع الولاء وعن هبته".
وقد رد الحاكم ذلك في "المستدرك" (2851) بأن روى من طريق ضمرة الحديثين بالإسناد الواحد. وقد صححه ابن حزم، وعبد الحق، وابن القطان، كما ذكر الحافظ في "التلخيص الحبير" (4/ 212).
(1) انظر: "البرهان في أصول الفقه" للجويني (1/ 352)، و"المستصفى" للغزالي (ص: 200)، و"الإحكام" للآمدي (3/ 66).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 429)
بالمكاتبة؛ لأن المرأةَ عامٌّ يدخل تحته الصغيرةُ والكبيرةُ والعاقلةُ، فإن تمَّ هذا السؤال فللحنفية أن يقولوا: لم نخصَّه بالصورة النادرة؛ لأناّ نحمله على المكاتبة، وعلى الصغيرة المجنونة، فلا يكون حملًا على الصورة النادرة. فتأمل هذا مع الجواب الَّذي تقدم، فأحد الأمرين لازم، إما فساد السؤال، أو تصحيحُه وإفساد الإبطال، والله أعلم.
الوجه الثالث: في العدول عن ترك العموم، والقول بالتخصيص: أن الكلب ما لا يعتاد في العرف دباغُ جلده، فتنفكُّ الأفهامُ عن ذكره إذا جرى التعرض للدباغ، واللفظ ينزَّل على الاعتياد فيما يُدْبَغ، فلم يبقَ إلا عمومُ اللفظ من غير ظهور قصد التعميم، والعرف مُصادِق للعموم، فَظَنُّ الإخراجِ مع هذه القرائن أقوى من ظن الإدخال.
وجوابه بالقاعدة التي قدمناها، وهي: أن المخصصَ إرادةُ قصد الإخراج عن العموم، وليس المعممَ قصدُ الإدخال للفرد المعين تحتَ العموم، ولذلك نتَّفق على إدخال بعض جلود الحيوانات التي لم تطرقْ الأسماعَ أسماؤُها، ولا رأت العيونُ أشخاصَها، ونُدرجها تحت العموم، ونحكمُ بطهارة جلودها بالدباغ، مع أنها ليست مما يغلب أن تدخل تحت القصد.
الوجه الرابع من الأعذار: القياس على محل التخصيص، وهو جلد الخنزير، وهذا إن نفع فإنما ينفع في حق من يسلِّم أن جلد الخنزير لا يَطهُر بالدباغ، ومن يرى أن الجميعَ يطهر منعَ الحكمَ في الأصل، فهذا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 430)
عذرٌ لا يفيد في إثبات الحكم في نفس الأمر، وإنما هو إلزام لبعض المجتهدين - أو قياس - يعارضه هذا العمومُ القوي، والله أعلم.
الوجه الخامس: قياس جلد الكلب بعد الدباغ على جلده حالَ الحياة، فقيل: هو بعد الدباغ جلد كلب، فكان نجسًا كحال الحياة، وهذا داخل تحت قاعدةِ تخصيص العموم بالقياسِ الشَّبَهي، أو قياسِ العلة التي لم يُومَأ إليها في النص، وقد تقدم الكلامُ فيه.
ومن يرى الموازنة بين الظنَّين في مسألة معارضة القياس للعموم، فعليه اعتبارُ ذلك هاهنا، ولا أظنُّه يخفى وجهُ الرجحان عمَّن نظرَ في ذلك.
الثانية والعشرون: لمَّا كان النظرُ الصحيح بالنسبة إلى هذا القياس ودلالة النص، هو الترجيح بين الظنين، فإن كلَّ ما يقتضي الترجيح يُحتاج إليه في التخصيصِ والكلامِ على الحديث، وكذلك ما يدفع ذلك الراجح يُحتاج إلى النظر فيه، فمن الأسئلة الضعيفة التي وُجِّهت على هذا القياس منعُ كونِ هذا جلدَ كلب، وإنما هو جلدُ ما كان كلبًا، وهذا بناء على أن الجلد (1) كان كلبًا باعتبار أوصاف قامت به، فإنَّ بعضَها انتفى بموته، فانتفت الحقيقةُ بانتفاء بعضِها بعد الموت.
وجوابه: أن الأحكام تترتَّبُ على المتعارف بين الناس، وما يطلقون عليه الألفاظ، لا على الحقائق العقلية، والناس يطلقون على الكلب--------------------------------------------
(1) "ت": "العبد" بدل "الجلد"، ولا أرى له وجهًا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 431)
اسمه بعد الموت إطلاقَهم إيَّاه عليه قبل الموت، وتبدُّل الحياة والموت عليه كتبدل صفة الصغر والكبر، فلا ينتفي به الإطلاق.
الثالثة والعشرون: من الأسئلة التي لا نأنس بها: أن جلدَ الميتة نجسُ الذات، ويؤثر الدباغ فيه، والكلب إذا ثبتت نجاستُه في حال الحياة، فليس فيه أكثرُ من أن نجاسةَ ذاته في أزمنة أكثرُ من نجاسة ذاتِ جلد الميتة، وهذا ضعيفُ الأثرِ بعد الحكم بأن نجاسة الذات لم تنافِ تطهيرَ الدباغ.
الرابعة والعشرون: لقائل أن يقول: القول بطهارة جلد الكلب لا يتوقف إلا على ثبوتِ هذا الحديث، وتناولِ صيغة العموم له، وكلاهما ظاهرُ الثبوت؛ لتخريج الأول في الصحيح، ودلالة صيغة العموم بالاتفاق من القائلين به.
وأما القول بنجاسته بعد الدباغ فيتوقف على أن يكونَ الكلبُ نجسًا في حال الحياة، ثم على أن الدباغ لا يَرفعُ إلا نجاسةً ثبتت بالموت، وإثبات نجاسة الكلب من دلائلَ أُخرَ، أقواها قولُه صلى الله عليه وسلم: "طَهُورُ إناءِ أحدِكُم … " الحديث (1)، وهو يتوقف على أن لفظة "طَهور" لا تستعمل إلا في حَدَثٍ أو خَبَثٍ، ثم على أن ذلك الخبث هو نجاسة عين اللُّعاب، ثم أن نجاسة عين اللعاب تدل على نجاسة الفم، ثم أن نجاسة الفم تدل على نجاسة باقي الذات، وأن الدباغ لا يرفع إلا نجاسةً ثبتت بالموت.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 432)
الخامسة والعشرون: إذا ثبتت الملازمةُ بين نجاسة ذات الكلب في حال الحياة ونجاسةِ جلده بعد الدباغ، فمن المعلوم أن إثباتَ الملزوم يلزم منه إثباتَ اللازم، وانتفاءَ اللازم يلزم منه انتفاءَ الملزوم.
فكما يقال: الكلب نجس في حال الحياة فلا يطهر جلدُه بالدباغ، وثبتت نجاستُه في حال الحياة بدليل من خارج، وهو الملزوم، فثبتت نجاسة جلده بعد الدباغ، وهو اللازم.
فكذلك يمكن أن يقال: جلده طاهر بعد الدباغ، فلا يكون نجسًا في حال الحياة كما يعتقده المالكي وغيره.
وطريقه أن يقول: لو كان نجسًا في حال الحياة لما طهر جلده بالدباغ، لكن يطهر بالدباغ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر"، فلا يكون نجسًا في حال الحياة، والملازمة يثبتها بعين ما أثبته أصحاب الشافعي رحمهم الله، وانتفاء اللازم يثبته بقوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر"، وحينئذ يبقى النظرُ في المقابلة بين دليل ثبوت الملزوم وبين دليل انتفاء اللازم، وأيهما أرجح فيعمل به.
السادسة والعشرون: الذين منعوا تأثيرَ الدباغ في طهارة الجلد مطلقًا اعتمدوا على حديث عبد الله بن عُكَيم: "أتانا كتابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قبلَ موتِهِ بشهرٍ أن لا تنتفعُوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عصبٍ". وهو حديث أخرجه أصحابُ السنن؛ أبو داودَ، والترمذيُّ والنسائي، وأخرجه ابنُ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 433)
خزيمةَ في "صحيحه" (1)، وفي ألفاظه اختلاف، ويعارضه هذا الحديثُ وغيرُه، مثل حديث شاة ميمونة في الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ (2).
فيحتاج هؤلاء إلى الاعتذار عن تلك الأحاديث وفي ذلك طرق: الأول: ادِّعاء النسخ، وأن حديثَ المنعِ متأخرٌ عن حديث الإباحة، وذلك لوجوه:
أحدها: التاريخ الَّذي ذكره في حديث عبد الله بن عُكَيم بالشهر أو بالشهرين، وهذا بناء على أن المؤرَّخَ مقدمٌ على المطلق إذا تعارضًا، وقد قيل: يجوز أن تكون الإباحة قبل موته بيوم أو يومين، وهذا مصير إلى عدم التقديم.
وثانيها: ما في كتاب البخاري: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم استسقى من ماء في غزوة تبوك من شَنٍّ مُعلَّقة، فقيل: يا رسول الله! إنها ميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دِباغُ الأديمِ طَهورُهُ" (3)، فاستدل بذلك على تقدم الإباحة على المنع.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه. ولم أره عند ابن خزيمة فيما طبع من "صحيحه".
(2) تقدم تخريجه.
(3) لم أقف عليه عند البخاري بهذا السياق، ولا ذكره المؤلف رحمه الله في "الإمام".
قلت: وقد تقدم تخريجه من حديث سلمة بن المحبق رضي الله عنه بنحو اللفظ المذكور.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 434)
ووجهُ الدليل: أن أهلَ السير والتاريخ يذكرون أنَّ غزوةَ تبوك كانت في رجب سنة تسع، ودخول النبي صلى الله عليه وسلم منها إلى المدينة في رمضان، وهذا قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهور عديدة، فيكون كتابُ المنعِ قبلَ موته بشهر متأخرًا عنه.
وثالثها: روى البخاريّ عن ميمونة: "ثم ما زلنا ننبذُ فيه حتى صار شنًّا" (1)، ولا تصيرُ القِربة شنًا في استعمال شهر، فتكون الإباحة متقدمة على الشهر.
ورابعها - وهو أقوى الأدلة في التأخير -: ما في بعض الروايات: "كُنْتُ رخَّصتُ لكمْ في جلودِ الميتةِ" (2)، وهو لفظ يدل على تقدُّم الترخيص على المنع بنفسه.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (6308)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: إن حلف أن لا يشرب نبيذًا فشرب طلاء أو سكرًا أو عصيرًا، لم يحنث في قول بعض الناس، لكن من حديث سودة رضي الله عنها.
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 17): ورواه عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل فقال: "عن ميمونة" بدل "سودة".
(2) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (104)، ومن طريقه: الخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (2/ 171)، من حديث فضالة بن المفضل ابن فضالة، عن أبيه، عن يحيى بن أيوب، عن أبي سعيد البصري، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، به.
قال الطبراني: لم يروه عن أبي سعيد البصري إلا يحيى بن أيوب، تفرد به فضالة بن المفضل، عن أبيه، وانظر: "نصب الراية" للزيلعي (1/ 121).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 435)
فأما الوجه الأول: فقد ذكرنا أنه ينبني على تقديم المؤرَّخ على المطلق، وفيه خلاف، وكذلك الثاني.
وأما الثالث: فإن دلَّ فإنما يدل على تقدم الإباحة في جلد شاة ميمونة على المنع، ولا يدل على تقدم الإباحة مطلقًا على المنع، والإباحة لم ينحصرْ طريقُها في التعليق بحديث شاة ميمونة، وإذا لم ينحصر، فلا امتناعَ من تأخُّر الإباحة في غير حديث ميمونة، كهذا الحديث الَّذي نحن فيه المقتضي للإباحة مطلقًا.
وَيرِدُ على هذا: أنه إذا ثبت تقدمُ الإباحة في حديث ميمونة على المنع، فلو تأخرتْ إباحةٌ أخرى عن المنع لزم النسخُ مرتين، وفي ذلك تكثيرُ مخالفةِ الدليل.
وإنما رددنا القولَ في دَلالة الحديث على الإباحة؛ لأن قولَها: "فما زلْنَا ننبذُ حتى صارَ شنًا"، إنما يدل على التقدم على الشهر إذا كان دالًا على كونه صار شنًا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس في اللفظ ما يدل عليه، فجاز أنْ يستمرُّوا على استعماله بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنْ يصيرَ شنًا، ويمكن لمُدَّعٍ (1) أنْ يدَّعيَ أن هذا خرج مَخرجَ الاستدلال، ولا دليلَ إلا في فعل الرسول أو قوله أو إقراره، فلو انتفى كلُّ ذلك لم يصحَّ الاستدلال، ويمكن أن يُنازَعَ في هذه الدعوى.--------------------------------------------
(1) "ت": "مدعي".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 436)
وأما الوجه الرابع: وهو اللفظ الدال على تقدم الإباحة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "كُنْتُ رخَّصتُ لكم": فيتوقف على إثبات هذه اللفظة بعينها، وقد زعم بعضُ من ينسب إلى الحفظ من المتأخرين أنها بعيدةُ الثبوت، وكأن هذا كلامٌ لم يُحط به خُبْرًا، وهو حديث رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي من رواية أبي سعيد البصري (1)، من جهة الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عُكَيم قال: جاءنا كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن بأرض جُهَينة: "إنِّي كُنْتُ رخَّصتُ لكم في إهابِ الميتةِ وعصبِهَا، فلا تنتفعوا بعصبٍ ولا إهابٍ".
وذكر ابن عدي، عن علي بن المديني أنه قال في أبي سعيد: كان ثقةً، وكان من أصحاب يونس، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح.
قال علي: وقد كتبنا (2) عن ابنه أحمد بن أبي سعيد.
وقد ذكر ابن عدي: أنه حدث عنه ابنُ وهب بالمناكير (3)، وقد ذكرت في كتاب "الإمام في أحاديث الأحكام": أن لقائل أن يقول: إذا ثبت توثيقه بقول علي بن المديني، فلْتُعَدَّ هذه تفردات ثقة؛ أعني: الأحاديث التي قيل: إنها منكرة، رواها عنه ابن وهب (4).--------------------------------------------
(1) عن شعبة.
(2) في "الإمام" للمؤلف (1/ 321): "كتبتها"، وفي المطبوع من "الكامل": "كتبها".
(3) انظر: "الكامل في الضعفاء" لابن عدي (4/ 30 - 31).
(4) انظر: "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام" للمؤلف (1/ 322).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 437)
الطريق الثاني في الاعتذار: تأويل لفظ "طَهُر" على صلح وطاب ونظف، بناءً على إباحة استعمال الجلد بعد الدباغ، ويحمل "طهر" على مثل هذا، وهذا كما في قوله تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55]، وهذا يرجع إلى القاعدة التي ذكرناها من وجوب حمل الألفاظ الشرعية على حقائقها الشرعية.
وهذا التأويل إما أن يقال فيه: إنه حمل للفظ على حقيقته اللغوية، وهي أن الطهارة هي الوَضاءة والنظافة، وما أشبه هذا، أو على المجاز الشرعي.
ومما يضعف هذا التأويل أن يقال: إن الحاجة إنما مسَّت إلى معرفة الطهارة الشرعية؛ لاعتقاد أن الموت ينافيها، والجواب كان على ذلك، ثم يحتاج إلى بيان عاضد مرجح لهذا التأويل على العمومِ، وقرينةِ الحال في أحاديث الطهارة، وفيه عسر.
وممَّا يدل على أن السؤال كان عن الطهارة الشرعية، والجواب كان عن ذلك، الحديثُ الصحيح عن ابن وعلةَ السبأي قال: سألت ابنَ عباس، قلت: إنا نكون بأرض المغرب، ومعنا البربرُ والمجوسُ، نؤتى بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحَهم، ونُؤتى بالسِّقاء يجعلون فيه الوَدَك، فقال ابنُ عباس: قد سألنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "دِبَاغُهُ طَهُورُه" (1).--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (366/ 106).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 438)
وكذلك قولُهم في حديث ميمونة بعد قوله صلى الله عليه وسلم: "هلَّا أخذْتُم إهابَها فدَبغْتُموه، فانتفعْتُم به؟ " قالوا: إنها ميتة، قال: "إنَّما حَرُم أكلُها" (1).
وكذلك قولهم: لما استسقى صلى الله عليه وسلم من شَنٍّ معلقة، فقال: يا رسولَ الله! إنها ميتة، فقال صلى الله عليه وسلم: "دِباغُ الأديمِ طَهُورُه" (2).
السابعة والعشرون: الذين قالوا بطهارة الجلد بالدباغ يحتاجون إلى الجواب عن حديث عبد الله بن عُكَيم، والذي يقال فيه وجوه:
الأول: التعليل باضطراب الإسناد، قال الترمذيُّ: سمعت أحمدَ بن الحسين يقول: كان أحمدُ بن حنبل يذهب إلى حديث عبد الله بن عُكَيم لما ذكر فيه: "قبل وفاته بشهرين"، وكان يقول: هذا آخر أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم ترك أحمدُ هذا الحديث لمَّا اضطربوا في إسناده، حيث يروي بعضُهم: قال عبد الله بن عُكَيم عن أشياخ من جُهَينة (3).
وفي كتاب الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي (4)--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) انظر: "سنن الترمذي" (4/ 222).
(4) هو الإمام الحافظ الكبير علي بن المفضل بن علي أبو الحسن المقدسي ثم الإسكندراني المالكي، جمع وصنف، وبرع في المذهب، وكان مقدمًا فيه، وفي الحديث، له تصانيف محررة، وكان ذا دين وورع، وأخلاق =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 439)
شيخ شيوخنا: وقد اعتمد الأصحاب على حديث عبد الله بن عُكَيم، ثم ذكره، قال: وهو ضعيف في إسناده، قابل للتأويل في مراده.
وأقول: قولُه: وهو ضعيفٌ في إسناده، لا يُحمل على الطعن في الرجال، فإنهم ثقاتٌ إلى عبد الله بن عكَيم، وإنما ينبغي أن يحملَ على الضعف بسبب الاضطراب، كما ذكرنا عن أحمد بن حنبل رحمه الله (1).
وأبو حاتم ابن حبان قد أخرجه في "صحيحه" (2).
الوجه الثاني: القول بموجبه بناء على أن الإهابَ اسم للجلد قبل الدباغ، وقد تقدم الخلافُ فيه بين نَقَلة اللغة، وأن بعض أهل اللغة يجعل الإهابَ اسمًا للجلد من غير تقييد، وهو قول الهُنائي في "مجرده" (3)، والزُّبيدي في "مختصره" (4)، والأزهري في "تهذيبه" (5)،--------------------------------------------
= رضية، توفي سنة (611 هـ). انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (3/ 290)، و"سير أعلام النبلاء" (22/ 66)، و"تذكرة الحفاظ" كلاهما للذهبي (4/ 1390).
(1) نقله عنه الحافظ في "التلخيص الحبير" (1/ 47).
(2) برقم (1277).
(3) هو كتاب: "مجرد الغريب" على مثال "العين" في اللغة، للإمام النحوي علي ابن الحسن أبي الحسن الهنائي الدوسي المصري المعروف بكُراع النمل، توفي بعد سنة (307 هـ). انظر: "هدية العارفين" للبغدادي (1/ 358).
(4) تقدبم ذكره والتعريف به، وهو "مختصر العين".
(5) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (6/ 245)، (مادة: أهب).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 440)
وقال الأزهري في "غريب كتاب المزني": وكل جلد عند العرب إهاب (1).
وعلى قول هؤلاء لا يتمُّ القولُ بالموجب.
الوجه الثالث: التخصيص، وهو مبنيٌّ على أن الإهاب اسم للجلد مطلقًا، فإذا كان كذلك، فهو عامٌّ فيما قبلَ الدباغ وبعدَه، فنخصه بما قبل الدباغ، وهذا يُحوِج إلى قاعدتين قدمناهما؛ إحداهما: أن لا يُقدَّم المؤرَّخ. والثانية: حكمُ العام مع الخاص إذا جُهل التاريخ.
الوجه الرابع: الترجيح، وهذا مذكور عن الشافعي رحمه الله في المناظرة التي ذكرها أبو الشيخ الحافظ، قال: إن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعيَّ وأحمدَ بن حنبل (2) في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغُها طهورُها، فقال له إسحاق: ما الدليل؟ فقال: حديث االزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هلَّا انتفعْتُم بإهابِهَا".
فقال له إسحاق: حديث ابن عُكَيم: كتب إلينا النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبلَ موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإِهابٍ ولا عَصَبٍ، فهذا يشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة؛ لأنه قبلَ موتِه بشهر.--------------------------------------------
(1) انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: 38).
(2) في المطبوع من "غرر الفوائد" لابن العطار: "بحضرة الإمام أحمد" ولعله كذلك؛ إذ المناظرة معروفة بين الإمامين الشافعي وإسحاق بن راهويه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 441)
فقال الشافعيُّ رضي الله عنه: هذا كتاب، وذاك سماع.
فقال إسحاق: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصرَ فكانت حجةً عليهم عند الله.
فسكت الشافعيُّ، فلما سمع ذلك أحمدُ ذهب إلى حديث ابن عُكَيم، وأفتى به، ورجع إسحاقُ إلى حديث الشافعي (1).
قلت: وكان والدي رحمه الله يحكي عن شيخه الحافظ أبي الحسنن علي المقدسي، وكان من مشاهير من ينسب إلى مذهب مالك: أنه كان يرى أن حجةَ الشافعي باقيةٌ، يريد: لأن الكلامَ في الترجيح بالسماع والكتاب، لا في إبطال الاستدلال بالكتاب. هذا معنى ما احتج به الشيخ، أو ما يقاربُه، والله أعلم.
الثامنة والعشرون: اختلفوا في نجاسة الآدمي بالموت، وإذا قيل بنجاسته، فهل يطهر جلدُه بالدباغ؟ على وجهين للشافعية، وقيل: أظهرُهما: نعم؛ لعموم الخبر، والثاني: لا يطْهُر؛ لما فيه من الامتِهان (2).
قلت: لا شك في تناول العموم له؛ فإما أنْ يخصَّ عنه بالعادة الفعلية كما أشرنا إليه في بعض الأعذار عن استثناء جلد الكلب، وقد--------------------------------------------
(1) روى الحكاية: الحافظ رشيد الدين ابن العطار في "غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة" (ص: 325 - 327).
(2) انظر: "فتح العزيز في شرح الوجيز" للرافعي (1/ 290).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 442)
قدَّمنا الجوازَ عنه، على أن هذه المرتبةَ أقربُ من مرتبة استثناء جلد الكلب عن العموم، وإلى الإخراج عنه، وإما أن يخصَّ بما ذُكِر من الامتهان، وربما قيل: لأنه معصية، إلا أن هذه المعصيةَ مجانبةٌ لمقصود الدباغ، لا تعود بخَلَل ولا نقص فيه، فيمكن أن يُردَّ إلى أنَّ الرخصَ لا تُناطُ بالمعاصي، بعد تقرير أنَّ تطهيرَ الدباغ للجلد رخصةٌ، والله أعلم.
التاسعة والعشرون: ويمكن من يقول بتنجيس الآدمي بالموت أن يستدل بالحديث، فيقول: إن كان يطهر جلدُه بالدباغ فقد نجس بالموت، والملزومُ ثابتٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما إهابٍ دُبغ" فاللازم ثابت، وهو النجاسة بالموت.
وبيان الملازمة: أن التطهيرَ بالدباغ يقتضي عدمَ الطهارة قبل الدباغ، وعدمُها بحصول النجاسة.
الثلاثون: اختلفوا في طهارة ما لا يؤكل لحمُه بالذكاة، ومذهب الشافعي: عدم الطهارة (1)، وعن أبي حنيفة: ثبوتُها (2)، واستدلَّ لعدم الطهارة بقوله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر"، وطريق الاستدلال من وجهين:
أحدهما: أن الحديث يقتضي ترتبَ حكم الطهارة على الدباغ--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح العزيز في شرح الوجيز" للرافعي (1/ 299).
(2) انظر: "الهداية" للمرغيناني (4/ 69).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 443)