Arabic source text

📘 শিফাউল আলীল ফী মাসায়িলিল কাযা ওয়াল কাদার ওয়াল হিকমাহ ওয়াত তালীলি - ত আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 শিফাউল আলীল ফী মাসায়িলিল কাযা ওয়াল কাদার ওয়াল হিকমাহ ওয়াত তালীলি - ত আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ينفعهم، فالعلم يضعف قطعًا بالغفلة والإعراض واتباع الهوى وإيثار الشهوات، وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده.
فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل والحكمة.
فالعلم يُراد به العلم التام المستلزم لأثره، ويراد به المقتضي، وإن لم يتم بوجود شروطه وانتفاء موانعه، فالثاني يجامع الجهل دون الأول، فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم.
وإذا كان كذلك، فعدم العلم ليس أمرًا وجوديًا، بل هو كعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة، والعدم ليس شيئًا حتى يستدعي فاعلًا مؤثرًا فيه، بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده، وعدم السبب الموجِب لضده.
والعدم المحض لا يضاف إلى الله؛ فإنه شر، والشر ليس إليه.
فإذا انتفى هذا العلم الجازم عن العبد، ونفسه بطبعها متحركة مريدة، وذلك من لوازم نشأتها= تحركت بمقتضى الطبع والشهوة، وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة، فوقعت في أسباب الشر ولا بدّ.
فصل(1)
والله سبحانه قد أنعم على عباده ــ من جملة إحسانه ونعمه ــ بأمرين، هما أصل السعادة:
أحدهما: أنْ خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» (14/ 295 - 297).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 64)

يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وشَبَّهَ ذلك بخروج البهيمة صحيحة سالمة حتى يجدعها صاحبها(1).
وثبت عنه أنه قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا»(2).
فإذا تُرِكت النفس وفطرتَها لم تؤثْر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئًا، ولم تشرك به، ولم تجحد كماله وربوبيته، وكان أحب شيء إليها، وأطوع شيء لها، وآثر شيء عندها، ولكن يفسدها(3) من يقترن بها من شياطين الجن والإنس بتزيينه وإغوائه، حتى ينغمس(4) موجبها وحكمها.
الأمر الثاني: أنه سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة، ومكَّنهم من أسبابها، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل، وعلّمهم ما لم يكونوا يعلمونه، ففي كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق ومحبتها له.
وقد هدى الله كل عبد إلى أنواع من العلم يمكنه التوصّل بها إلى سعادة الآخرة، وجعل في فطرته محبة لذلك، لكن قد يُعرض العبد عن طلب علم ما--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه في (1/ 103).
(2) جزء من حديث أخرجه مسلم (2865) من طريق عياض بن حمار.
(3) «د» «ج»: «يعدها»، والمثبت من «م» أليق، وموافق لـ «مجموع الفتاوى» (14/ 296).
(4) كذا في الأصول، ولعلها: «ينطمس»، والله أعلم.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 65)

ينفعه فلا يريده ولا يعرفه، وكونه لا يريد ذلك ولا يعرفه أمر عدمي، فلا يضاف إلى الرب لا هذا ولا هذا؛ فإنه من هذه الحيثية شرّ، والذي يُضاف إلى الرب علمُه به، وقضاؤه له بعدم مشيئته لضده، وإبقائه على العدم الأصلي، وهو من هذه الجهة خير؛ فإن العلم بالشرّ خير من الجهل به وعدم رفعه بإثبات(1) ضدّه، إذا كان مقتضى الحكمة كان خيرًا، وإن كان شرًّا بالنسبة إلى محله، وسيأتي تمام تقرير هذا في باب دخول الشر في القضاء الإلهي، إن شاء الله(2).
فصل(3)
وههنا حياة أخرى غير الحياة الطبيعية الحيوانية، نسبتها إلى القلب كنسبة حياة البدن إليه، فإذا أمد عبده بتلك الحياة أثمرت له من محبته، وإجلاله، وتعظيمه، والحياء منه، ومراقبته، وطاعته مثل ما تثمر حياة البدن له من التصرف والفعل، وسعادة النفس ونجاتها وفلاحها بهذه الحياة، وهي حياة دائمة سرمدية لا تنقطع.
ومتى فُقِدتْ هذه الحياة، واعتاضت عنها بحياتها الطبيعية الحيوانية؛ كانت ضالة معذّبة شقية، ولم تسترح راحة الأموات، ولم تعش عيش الأحياء، كما قال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا} [الأعلى: 10 - 13]، فإن الجزاء من جنس--------------------------------------------
(1) «د»: «بإتيان».
(2) في الباب الواحد والعشرين (81).
(3) انظر: «مجموع الفتاوى» (14/ 296 - 298).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 66)

العمل، فإنه في الدنيا لمّا لم يحي الحياة النافعة الحقيقية التي خُلِق لها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتًا عديم الإحساس= كانت حياته في الآخرة كذلك.
فإن مقصود الحياة حصول ما يُنْتفع به، ويُلْتذ به، والحي لا بُدَّ له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء ولا هو مع الأموات.
إذا عُرِف هذا، فالشر من لوازم عدم(1) هذه الحياة، وعدمها شر، وهو ليس بشيء حتى يكون مخلوقًا، والله خالق كل شيء، فإذا أمسك عن عبده هذه الحياة كان إمساكها خيرًا بالنسبة إليه سبحانه، وإن كان شرًّا بالإضافة إلى العبد؛ لفوات ما يلتذّ، ويتنعَّم به.
فالسيئات من طبيعة النفس، ولم(2) تمد بهذه الحياة التي تحول بينها وبينها، فصار الشر كله من النفس، والخير كله من الله، والجميع بقضائه وقدره وحكمته، وبالله التوفيق.
فصل
قال القدري: نحن نعترف بهذا جميعه، ونقرّ بأن الله خلق الإنسان مريدًا، ولكن جعله على خِلْقة يريد بها، فهو مريدٌ بالقوة والقبول، أي خَلَقه قابلًا لأن يريد هذا وهذا، وأما كونه مريدًا لهذا المعنى وهذا المعنى فليس ذلك بخلْق--------------------------------------------
(1) «عدم» ساقطة من «م».
(2) كذا في الأصول، وفي اتساقه مع ما قبله شيء، فلعلها: «التي لم».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 67)

لله، ولكنه هو الذي أحدثه بنفسه، ليس هو من إحداث الله فيه.
قال الجبري: هذه الإرادة حادثة، فلابدّ لها من مُحْدِث، فالمُحْدِث لها إما أن يكون نفس الإنسان، أو مخلوق خارج عنها، أو ربها وفاطرها وخالقها جملة، والقسمان الأولان محالان، فتعين الثالث.
أما المقدمة الأولى فظاهرة، إذ المُحْدِث إما النفس، وإما أمر خارج عنها، والخارج عنها إما الخالق وإما المخلوق.
وأما المقدمة الثانية فبيانها أن النفس لا يصح أن تكون هي المُحْدِثة لإراداتها، فإنها إما أن تحدثها بإرادة، أو بغير إرادة، وكلاهما ممتنع؛ فإنها لو توقف إحداثها لها على إرادة أخرى فالكلام فيها كالكلام في الأولى، ويلزم التسلسل إلى غير نهاية، فلا توجد إرادة حتى تتقدّمها إرادات لا تتناهى.
وإن لم يتوقف إحداثها على إرادة منها بطل أن تكون هي المؤثّرة في إحداثها؛ إذ وقوع الحادث بلا إرادة من الفاعل المختار محال.
وإذا بطل أن تكون مُحْدِثة للإرادة بإرادة، وأن تحدثها بغير إرادة؛ تعيّن أن يكون المُحْدِث لتلك الإرادة أمرًا خارجًا عنها، فحينئذ إما أن يكون مخلوقًا، أو يكون هو الخالق سبحانه، والأول محال؛ لأن ذلك المُحْدِث إن كان غير مريد لم يمكنه جعل الإنسان مريدًا، وإن كان مريدًا فالكلام في إرادته كالكلام في إرادة الإنسان سواء، فتعين أن يكون المُحْدِث لتلك الإرادة هو الخالق لكل شيء، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
قال القدري: قد اختلفتْ طرق أصحابنا في الجواب عن هذا الإلزام.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 68)

فقال أبو عُثمان الجاحظ(1): العبد يحدث أفعاله بغير إرادة منه، بل بمجرد قدرته وعلمه بما في الفعل من الملاءمة، فإذا علم موافقة الفعل له وهو قادر عليه أحدثه بقدرته وعلمه.
وأنكر توقفه على إرادة مُحْدَثة، وأنكر حقيقة الإرادة في الشاهد، ولم ينكر الميل والشهوة، ولكن لا يتوقف إحداث الفعل عليهما، فإن الإنسان قد يفعل ما لا يشتهيه، ولا يميل إليه.
وخالفه جميع الأصحاب، وأثبتوا الإرادة الحادثة، ثم اختلفوا في سبب حدوثها.
فقالت طائفة منهم: كون النفس مريدة أمر ذاتي لها، وما بالذات لا يُعلَّل، ولا يُطلب سبب وجوده، وطريقة التعليل تُسْلك ما لم يمنع منها مانع، واختصاص الذات بالصفة الذاتية لا يُعَلَّل، فهكذا اختصاص النفس بكونها مريدة هو أمر ذاتي لها، وبذلك كانت نفسًا، فقول القائل: لِمَ أرادت كذا؟ وما الذي أوجب لها إرادته؟ كقوله: لمَ كانت نفسًا؟ وكقوله: لمَ كانت النار مُحْرِقة أو متحركة؟ ولِمَ كان الماء مائعًا سَيّالًا؟ ولِمَ كان الهواء خفيفًا؟
فكون النفس مريدة متحركة بالإرادة هو معنى كونها نفسًا، فهو بمنزلة قول القائل: لِمَ كانت نفسًا؟ وحركتها بمنزلة حركة الفلك، فهي خُلِقت هكذا.
وقالت طائفة أخرى: بل الله سبحانه أحدث فيها الإرادة، والإرادة صالحة للضدين، فخلق فيها إرادة تصلح للخير والشر، فآثرت هي أحدهما على الآخر بشهوتها وميلها، فأعطاها قدرة صالحة للضدين وإرادة صالحة--------------------------------------------
(1) انظر: «المنية والأمل» (175)، «الملل والنحل» (1/ 75).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 69)

لهما، فكانت القدرة والإرادة من إحداثه سبحانه، واختيارها أحد المقدورين المرادين من قبلها، فهي التي رجّحته.
قالوا: والقادر المختار يرجّح أحد مقدوريه على الآخر بغير مرجِّح، كالعطشان إذا قُدِّم له قدحان متساويان من كل وجه، والهارب إذا عَنَّ له طريقان كذلك؛ فإنه يرجح أحدهما بلا مرجِّح.
فالله سبحانه أحدث فيه إرادة الفعل، ولكن الإرادة لا توجب المراد، فأحدثها فيه امتحانًا له وابتلاء، وأقدره على خلافها، وأمره بمخالفتها، ولا ريب أنه قادر على مخالفتها، فلا يلزم من كونها مخلوقة لله حاصلة بإحداثه؛ وجوب الفعل عندها.
وقال أبو الحسين البصري: إنّ فعل العبد يتوقف على الداعي والقدرة، وهما من الله خَلْقًا فيه، وعندهما يجب وجود الفعل باختيار العبد وداعيه، فيكون هو المُحْدِث له بما فيه من الداعي والقدرة.
فهذه طرق أصحابنا في الجواب عما ذكرتم.
قال السني(1): لم تتخلّصوا بذلك من الإلزام، ولم تبيّنوا به بطلان حجتهم المذكورة، فلا منعتم مقدماتها وبيّنتم فسادها، ولا عارضتموها بما هو أقوى منها، كما أنهم لم يتخلصوا من إلزامكم، ولم يبيّنوا بطلان دليلكم، وكان غاية ما عندكم وعندهم المعارضة، وبيان كل منكم تناقض الآخر، وهذا لا يفيد نصرة الحق وإبطال الباطل، بل يفيد بيان خطئكم وخطئهم، وعدولكم وإيّاهم عن منهج الصواب.--------------------------------------------
(1) انظر لما سيأتي من تقرير: «منهاج السنة» (3/ 235 - 243).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 70)

فنقول وبالله التوفيق: مع كل منكما صواب من وجه وخطأ من وجه.
فأما صواب الجبري فمن جهة إسناد الحوادث كلها إلى مشيئة الله وخلقه وقضائه وقدره، والقدري خالف الضرورة في ذلك، فإنّ كون العبد مريدًا فاعلًا بعد أن لم يكن أمرٌ حادث، فإما أن يكون له مُحْدِث وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له مُحْدِث لزم حدوث حوادث بلا مُحْدِث، وإن كان له مُحْدِث فإما أن يكون هو العبد، أو الله سبحانه، أو غيرهما.
فإن كان هو العبد فالقول في إحداثه لتلك الفاعلية كالقول في إحداث سببها، ويلزم التسلسل، وهو باطل ههنا بالاتفاق؛ لأن العبد كائن بعد أن لم يكن، فيمتنع أن تقوم به حوادث لا أول لها.
وإن كان غير الله فالقول فيه كالقول في العبد، فتعين أن يكون الله هو الخالق لإرادة العبد وقدرته وإحداثه وفعله.
وهذه مقدمات يقينية لا يمكن القدح فيها، فمن قال: إن إرادة العبد وإحداثه حصل بغير سبب اقتضى حدوث ذلك، وأن العبد أحدث ذلك، وحاله عند إحداثه كما كان قبله، بل خص أحد الوقتين بالإحداث من غير سبب اقتضى تخصيصه، وأنه صار مريدًا فاعلًا مُحْدِثًا بعد أن لم يكن كذلك مِن غير مَن جعله كذلك= فقد قال ما لا يُعقَل، بل يخالف صريح العقل، وقال بحدوث حوادث بلا مُحْدِث.
وقولكم: «إن الإرادة لا تُعلَّل» كلام باطل لا حقيقة له؛ فإن الإرادة أمر حادث، فلابد له من مُحْدِث.
ونظير هذا المحال قولكم في فعل الربّ تعالى: إنه بواسطة إرادة يحدثها

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 71)

لا في محل من غير سبب اقتضى حدوثها، يكون مريدًا بها للمخلوقات. فارتكبتم ثلاث محالات: حدوث حادث بلا إرادة من الفاعل، وحدوث حادث بلا سبب حادث، وقيام الصفة بنفسها لا في محل.
وادعيتم مع ذلك أنكم أرباب المعقول والنظر، فأي معقول أفسد من هذا، وأي نظر أعمى منه؟!
وإن شئت قلت: كون العبد مريدًا أمر ممكن، والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجِّح تام، والمرجِّح التام إما من العبد، وإما من مخلوق آخر، وإما من الله سبحانه، والقسمان الأولان باطلان، فتعين الثالث كما تقدم.
فهذه الحجة لا يمكن دفعها، ولا يمكن دفع العلم الضروري باستناد أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وقدرتنا، وأنا إذا أردنا الحركة يمنة لم تقع يسرة وبالعكس، فهذه الحجة لا يمكن دفعها، والجمع بين الحجتين هو الحق.
فإن الله سبحانه خالق إرادة العبد وقدرته وجاعلهما سببًا لإحداثه الفعل، فالعبد مُحْدِث لفعله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة، والله خالق ذلك له حقيقة، وخالق السبب خالق للمسبَّب، ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله لما خلق له السبب الموجِد له.
فقال الفريقان للسني: كيف يكون الربّ تعالى مُحْدِثًا لها والعبد مُحْدِثًا لها أيضًا؟
قال السني: إحداث الله لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه قائمة بمحلها وهو العبد، فجعل العبد فاعلًا لها بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 72)

وإحداث العبد لها بمعنى أنها قامت به وحدثت بإرادته وقدرته، وكل من الإحداثين مستلزم للآخر، ولكن جهة الإضافة مختلفة، فما أحدثه الربّ تعالى من ذلك فهو مباين له، قائم بالمخلوق، مفعول له لا فِعْل، وما أحدثه العبد فهو فعل له قائم به، يعود إليه حكمه، ويُشتق له منه اسمه.
وقد أضاف الله سبحانه كثيرًا من الحوادث إليه، وأضافها إلى بعض مخلوقاته، كقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42]، وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11]، وقال: {تَوَفَّتْهُ رُسْلُنَا} [الأنعام: 61]، وقال: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12]، وقال: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27]، وقال: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [النساء: 113]، وقال: {لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} [النحل: 102]، وقال: {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} [النحل: 113]، و {أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} [الحجر: 73]، وقال: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40]، {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 42] وهذا كثير.
فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه؛ إذ هي واقعة بخلقه ومشيئته وقضائه، وأضافها إلى أسبابها؛ إذ هو الذي جعلها أسبابًا لحصولها، فلا تنافي بين الإضافتين، ولا تناقض بين النسبتين(1).
وإذا كان كذلك تبين أن إضافة الفعل الاختياري إلى الحيوان بطريق--------------------------------------------
(1) «ج»: «السببين»، وأهملها في «م»، وجوّدها في «د».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 73)

التسبيب وقيامه به ووقوعه بإرادته= لا ينافي إضافته إلى الرب تعالى خلقًا ومشيئة وقدرًا.
ونظيره قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11]، وقال لنوح: {احْمِلْ(1) فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: 40]، فالرب تعالى هو الذي حملهم فيها بإذنه وأمره ومشيئته، ونوح حملهم بفعله ومباشرته.
فصل
وأما قول الجاحظ: «إن العبد يحدث أفعاله الاختيارية من غير إرادة منه، بل بمجرد القدرة والداعي»(2)، فإن أراد نفي إرادة العبد وجحد هذه الصفة عنه فمكابرة لا تُنكَر من طوائف المتكلمين، فهم أكثر الناس مكابرة وجحدًا للمعلوم بالضرورة، فلا أرخص من ذلك عندهم.
وإن أراد أن الإرادة أمر عدمي وهو كونه غير مغلوب ولا مُلجَأ، فيقال: هذا العدم من لوازم الإرادة لا أنه نفسها، وكون الإرادة أمرًا عدميًا مكابرة أخرى، وهي بمنزلة قول القائل: القدرة أمر عدمي لأنها بمعنى عدم العجز، والكلام عدمي لأنه عدم الخرس، والسمع والبصر عدمي لأنهما عدم الصمم والعمى.
وأما قوله: «إن الفعل يقع بمجرد القدرة وعلم الفاعل بما فيه من الملاءمة» فمكابرة ثالثة؛ فإن العبد يجد في نفسه قدرة على الفعل، وعلمًا--------------------------------------------
(1) في الأصول: «فاحمل».
(2) تقدمت حكاية قوله قريبًا في (69) وفيه اشتراطه القدرة والعلم، لا الداعي، وسيأتي تأكيده.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 74)

بمصلحته، ولا يفعله لعدم إرادته له؛ لما في فعله من فوات محبوب له، أو حصول مكروه إليه، فلا توجب القدرة والعلم وقوع الفعل ما لم تقارنهما الإرادة.
فصل
وأما قول الآخر: «إن كون النفس مريدة أمر ذاتي لها فلا يُعلّل … » إلى آخره، كلام في غاية البطلان، فهب أنا لا نطلب علة كونها مريدة، فكونها كذلك هو أمرٌ مخلوق فيها أم غير مخلوق؟ وهي التي جعلت نفسها كذلك، أم فاطرها وخالقها هو الذي جعلها كذلك؟ وإذا كان سبحانه هو الذي أنشأها بجميع صفاتها وطبيعتها وهيأتها فكونها مريدة هو وصف لها، وخالقها خالق لأوصافها، فهو خالق لصفة المريديّة فيها، فإذا كانت تلك الصفة سببًا للفعل، وخالق السبب خالق للمسبَّب، فالمسبَّب واقع بقدرته ومشيئته وتكوينه، وهذا مما لا ينكره إلا مكابر معاند.
فصل
وأما قول الطائفة الأخرى: إن الله سبحانه خلق فيه إرادة صالحة للضدين، فاختار هو أحدهما على الآخر، فلا ريب أن الأمر كذلك، ولكن وقوع أحد الضدين باختياره وإيثاره له وداعيته إليه لا يخرجه عن كونه مخلوقًا للربّ تعالى، مقدورًا له، مقدّرًا على العبد، واقعًا بقضاء الربّ وقدره، وأنه لو شاء لصرف داعية العبد وإرادته عنه إلى ضده.
فهذه هي البقية التي بقيت على هذه الفرقة من إنكار القدر، فلو ضموها إلى قولهم لأصابوا كل الإصابة، ولكانوا أسعد بالحق في هذه المسألة من سائر الطوائف.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 75)

وتحقيق ذلك: أن الله سبحانه بعدله وحكمته أعطى العبد قدرة وإرادة يتمكن بها من جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فأعانه بأسباب ظاهرة وباطنة، ومن جملة تلك الأسباب: القدرة والإرادة، وعَرَّفه طريق الخير والشر، ونَهَجَ له الطريق، وأعانه بإرسال رسله، وإنزال كتبه، وقرن به ملائكته، وأزال عنه كل علة يحتج بها عليه.
ثم فطرهم سبحانه على إرادة ما ينفعهم، وكراهة ما يؤذيهم ويضرهم، كما فطر على ذلك الحيوان البهيم.
ثم كان كثير مما ينفعهم لا علم لهم به على التفصيل، والذي يعلمونه من المنافع أمر مشترك بينهم وبين الحيوانات.
وثَمّ أمور عظيمة هي أنفع شيء لهم، لا صلاح لهم ولا فلاح ولا سعادة إلا بمعرفتها وطلبها وفعلها، ولا سبيل لهم إلى ذلك إلا بوحي منه وتعريف خاص، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، تعرّفهم ما هو الأنفع لهم، وما فيه سعادتهم وفلاحهم، فصادفتهم الرسل مشتغلين بأضدادها، قد ألفوها وساكنوها، وجرت عليها عوائدهم حتى ألفتها الطباع، فأخبرتهم الرسل أنها أضر شيء عليهم، وأنها من أعظم أسباب ألمهم، وفوات لذتهم وسرورهم.
فنهضت الإرادة طالبة للسعادة والفلاح؛ إذ الدعوة إلى ذلك محركة للقلوب والأسماع والأبصار إلى الاستجابة.
فقام داعي الطبع والإلف والعادة في وجه ذلك الداعي معارضًا له، يَعِدُ النفس ويمنّيها ويرغّبها ويرهّبها، ويزيّن لها ما ألفته واعتادته لكونه ملائمًا لها، وهو نقد عاجل، وراحة مؤثرة، ولذة مطلوبة، ولهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 76)

وداعي الفلاح يدعو إلى أمر آجل في دار غير هذه الدار، لا يُنال إلا بمفارقة ملاذها وطيباتها ومسراتها، وتجرّع مراراتها، والتعرض لآفاتها، وإيثار(1) الغير بمحبوباتها ومشتهياتها، وجعل يقول:
خُذْ ما تراه ودَعْ شيئًا سَمعتَ به(2)

فقامت الإرادة بين الداعيين، تصغي إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، فههنا معركة الحرب ومحل المحنة، فقتيل وأسير، وفائز بالظفر والغنيمة.
فإذا شاء الله عز وجل رحمة عبد جذب قوى إرادته وعزيمته إلى ما ينفعه ويحييه الحياة الطيبة، فأوحى إلى ملائكته: أن ثبتوا عبدي، واصرفوا همته وإرادته إلى مرضاتي وطاعتي، كما قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للمَلك بقلب ابن آدم لَمّة(3)، وللشيطان لَمّة: فلَمّة المَلك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد(4)، ولَمّة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد»، ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرْكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268](5).--------------------------------------------
(1) «د» «م»: «وانتشار» دون إعجام، والمثبت من «ج».
(2) صدر بيت للمتنبي في «الديوان بشرح الواحدي» (490)، وعجزه:
في طَلْعةِ الشمس ما يغنيك عن زحلِ
(3) اللَّمَّة: الهَمّة والخطرة تقع في القلب، «النهاية في الغريب» (4/ 273).
(4) هكذا في الموضعين هنا: «بالوعد»، وكذا في أكثر كتب المؤلف، والرواية: «بالحق».
(5) أخرجه الترمذي (2988)، والنسائي في «الكبرى» (10985)، من حديث أبي الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن ابن مسعود يرفعه، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب … لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص»، وصححه ابن حبان (997)، وعطاء صدوق اختلط، وقد اختُلف عنه في رواية الحديث وقفًا ورفعًا، ورجح أبو زرعة الوقف، انظر: «العلل الكبير» للترمذي (353)، «العلل» لابن أبي حاتم (2224).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 77)

وإذا أراد خذلان عبد أمسك عنه تأييده وتثبيته، وخلّى بينه وبين نفسه، ولم يكن بذلك ظالمًا له؛ لأنه قد أعطاه قدرة وإرادة، وعرّفه الخير والشر، وحذّره طريق الهلاك وعرّفه بها، وحضّه على سلوك طريق النجاة وعرّفه بها، ثم تركه وما اختار لنفسه، وولّاه ما تولى، فإذا وجد شرًّا فلا يلومنّ إلا نفسه.
قال القدري: فتلك الإرادة المعيّنة المستلزِمة للفعل المعيّن إن كانت بإحداث العبد فهو قولنا، وإن كانت بإحداث الربّ فهو قول الجبرية، وإن كانت بغير مُحْدِث لزم المحال.
قال السني: لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله توجب حدوثها، بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريدًا؛ فإن الإرادة هي حركة النفس، والله سبحانه شاء أن تكون متحركة، وأما أن تكون كل حركة تستدعي مشيئة مفردة فلا.
وهذا كما أنه سبحانه شاء أن يكون الحي متنفّسًا، ولا يفتقر كل نفَس من أنفاسه إلى مشيئة خاصة، وكذلك شاء أن يكون هذا الماء بجملته جاريًا، ولا تفتقر كل قطرة منه إلى مشيئة خاصة(1) يجري بها، وكذلك مشيئته لحركات الأفلاك، وهبوب الرياح، ونزول الغيث، وكذلك خطرات القلوب،--------------------------------------------
(1) من قوله: «وكذلك شاء» إلى هنا ساقط من «د».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 78)

ووساوس الصدور، وكذلك مشيئته أن يكون العبد متكلمًا لا يستلزم أن يفرد كل حرف بمشيئة غير مشيئة الحرف الآخر.
وإذا تبين ذلك فهو سبحانه شاء أن يكون عبده شائيًا مريدًا، وتلك الإرادة والمشيئة صالحة للضدين، فإذا شاء أن يهدي عبده صرف داعيه ومشيئته وإرادته إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده، وإذا شاء أن يضله تركه ونفسه وتخلى عنه.
والنفس متحركة بطبعها، لابدَّ لها من مراد محبوب هو مألوفها ومألوهها ومعبودها، فإن لم يكن الله وحده هو معبودها ومرادها، وإلا كان غيره لها معبودًا ومرادًا ولابدّ، فإن حركتها ومحبتها من لوازم ذاتها، فإن لم تحب ربها وفاطرها وتعبده أحبت غيره وعبدته، وإن لم تتعلّق إرادتها بما ينفعها في معادها تعلّقت بما يضرها فيه ولابد، فلا تعطيل في طبيعتها، وهكذا خُلِقت.
فإن قلت: فأين مشيئة الله لهداها وضلالها؟
قلت: إذا شاء إضلالها تركها ودواعيها، وخلّى بينها وبين ما تختاره، وإذا شاء هداها جذب دواعيها وإرادتها إليه، وصرف عنها موانع القبول، فيمدها على القدر المشترك بينها وبين سائر النفوس بإمداد وجودي، ويصرف عنها الموانع التي خلّى بينها وبين غيرها فيها، وهذا بمشيئته وقدرته، فلم يخرج شيء من الموجودات عن مشيئته وقدرته وتكوينه البتّة، لكن يكون ما شاء بأسباب وحكم.
ولو أن الجبرية أثبتت الأسباب والحِكَم لانحلت عنها عُقَد هذه

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 79)

المسألة، ولو أن القدرية سحبت ذيل المشيئة والقدر والخلق على جميع الكائنات مع إثبات الأسباب والحِكَم والغايات المحمودة في أفعال الرب تعالى لانحلت عنها عُقَدها، وبالله التوفيق.
* * *

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 80)

‌‌الباب الحادي والعشرون
في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر ودخوله في المَقْضي
قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، فصدَّر سبحانه الآية بتفرّده بالملك كله، وأنه هو سبحانه الذي يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، لا غيره، فالأول تفرده بالمُلْك(1)، والثاني تفرده بالتصرف فيه، وأنه سبحانه هو الذي يعزّ من يشاء بما شاء من أنواع العز، ويذلّ من يشاء بسلب ذلك العز عنه، وأن الخير كله بيده، ليس لأحد معه منه شيء، ثم ختمها بقوله: {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
فتناولت الآية ملكه وحده وتصرفه وعموم قدرته، وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده، وأنها كلها خير، فسلْبه المُلْك عمن يشاء وإذلاله من يشاء خير، وإن كان شرًّا بالنسبة إلى المسلوب الذليل؛ فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل، والحكمة والمصلحة، لا يخرج عن ذلك، وهذا كله خير يُحْمد عليه الربّ، ويُثْنى عليه به، كما يُحمد ويُثنى عليه بتنزيهه عن الشر، وأنه ليس إليه، كما ثبت في «صحيح مسلم» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يثني على ربِّه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت»(2).--------------------------------------------
(1) «د» «م»: «بالمملكة»، والمثبت من «ج» مناسب للجملة التالية له.
(2) تقدم تخريجه في (1/ 382).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 81)

فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نُسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، وإلا فلو أضيف إليه لم يكن شرًّا، كما سيأتي بيانه.
وهو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله.
ولهذا تنزَّه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وَضْع الشيء في غير موضعه كما تقدم، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، وذلك خير كله، والشر وَضْع الشيء في غير محله، فإذا وُضِع في محله لم يكن شرًّا، فعُلِم أن الشر ليس إليه.
وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك، فإن منها: القدوس، السلام، العزيز، الجبار، المتكبر.
فالقدوس: المنزَّه عن كل شر ونقص وعيب، كما قال أهل التفسير: هو الطاهر من كل عيب، المنزَّه عما لا يليق به، وهذا قول أهل اللغة.
وأصل الكلمة من الطهارة والنزاهة، ومنه بيت المقدس؛ لأنه مكان يُتَطَهَّر فيه من الذنوب، ومَن أَمَّهُ لا يريد إلا الصلاة فيه رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه(1).
ومنه سمّيت الجنة: «حظيرة القدس»؛ لطهارتها من آفات الدنيا.
ومنه سمّي جبريل: «روح القدس»؛ لأنه طاهر من كل عيب.--------------------------------------------
(1) وهذه الفضيلة لبيت المقدس أخرجها أحمد (6644)، والنسائي (693)، وابن ماجه (1408) من حديث عبد الله بن عمرو، وقد تقدم تخريجه (1/ 24).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 82)

ومنه قول الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]، فقيل: المعنى: ونقدس أنفسنا لك. فعُدِّي باللام، وهذا ليس بشيء.
والصواب أن المعنى: نقدّسك وننزّهك عما لا يليق بك.
هذا قول جمهور أهل التفسير.
قال ابن جرير: «{وَنُقَدِّسُ لَكَ} ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك.
قال: وقال بعضهم: نعظمك ونمجدك، قاله أبو صالح.
وقال مجاهد: نعظمك ونكبرك»(1). انتهى.
وقال بعضهم: ننزّهك عن السوء، فلا ننسبه إليك. واللام فيه على حدّها(2) في قوله: {رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72]، لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه نفوسهم لأجله(3).
قلت: ولهذا قرن هذا اللفظ بقولهم: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}؛ فإن التسبيح تنزيه الله سبحانه عن كل سوء.
قال ميمون بن مهران: «سبحان الله: كلمة يُعظّم بها الربّ، ويُحاشى بها من السوء»(4).--------------------------------------------
(1) «جامع البيان» (1/ 505 - 506).
(2) تحرفت في «د» إلى: «ضدها».
(3) قائل ذلك هو أبو علي في «الحجة» (2/ 151).
(4) أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» (344).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 83)