وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية، والتدرب في القيام بأعباء الشريعة، وحمل أثقالها، والتخلّق بأخلاقها، يصفِّي الله عز وجل عبده من درنه، ويكشف لقلبه، فيرى حقائق الأشياء.
فمتى تجلّت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالّة على عظمة الفَرْدانية؛ تلاشى الوجود الذي للعبد واضْمَحَلَّ، كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح، ويكون العبد في ذلك آكلًا شاربًا، فلا يظهر عليه شيءٌ مغاير لما اعتاده، لكن يزداد إيمانه ويقينه، حتى ربما غطى إيمانُه عن قلبه كلَّ شيء في أوقات سكره، ويبقى وجوده كالخيال، قائمًا بالعبودية في حضرة ذي الجلال.
وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه، ثم يزول عنه عدم التمييز، ويقوى على حاله فيتصرف فيه، وذلك هو البقاء، بحيث يتصرف في الأشياء، ولا تحجب(1) عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء، بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولّاه الله عز وجل، يُشْهِده فيه(2) قيامه عليه بتدبيره، ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على(3) مقام المريد، فيصير به يسمع(4)، وبه ينطق، كما جاء في الحديث الصحيح(5).--------------------------------------------
(1) إعجام تاء المضارعة من "د".
(2) "م": "شهد فيه"، والمثبت من "د".
(3) "م": "عثوره"، وأهملها في "د"، والمثبت أليق بالسياق؛ فمقام المريد قنطرة لمقام المراد، ووقع في "م": "إلى" بدل "على".
(4) "د": "فيصر به ويسمع"، ولعلها: "فيبصر به ويسمع"، والمثبت من "م".
(5) يشير إلى الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة، وفيه: "وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
ووجه آخر: وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحو والتمييز يستتر من قلبه محل الزهد والصبر والورع، لا بمعنى أن تلك المقامات(1) ذهبت وارتفع عنها العبد، لكن بمعنى أن الشهود(2) ستر محلها من القلب، وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي، فصارت فيما(3) وجده الواجد من وجود الحق ضمنًا وتبعًا، وصار القلب مشتغلًا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى، بحيث لو فُتش قلبُ العبد لوُجِدَ فيه الزهدُ والورعُ، وحقائقُ الخوف والرجاءِ مستورًا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها، ثم في حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله، لا بوجود نفسه.
إذا علمت ذلك انحلَّ إشكال قوله: "إنّ مشاهدةَ العبد الحُكْم(4) لم تدع له استحسان حسنة، ولا استقباح سيئة؛ لصعوده إلى معنى الحُكْم"، أي أن صفة حُكْم الله حَشَأت(5) بصيرته وملأتها، فشهد قيام الله تعالى على الأشياء--------------------------------------------
(1) "د": "العايات" دون إعجام، والمثبت من "م"، وسيأتي ما يؤكده.
(2) "م": "المشهود"، وما أثبت من "د" هو الأشبه بعبارات القوم.
(3) "م": "كما" تحريف.
(4) "الحكم" ساقطة من "م".
(5) "د": "خَسَأَت" مجوّدة، ورسمها كذلك في "م" مهملة بزيادة سن رابعة، وعلَّق في الحاشية: "حسان"! وجميع ما تقدم يأباه السياق، وكأنها كانت مشكلة في نسخة المصنف فاجتهد في رسمها النساخ، وفي طبعة "النعساني" (17): "حشت" وتابعه عليها من جاء بعده، والمثبت هو الصحيح إنْ شاء الله؛ لاستقامة معناه وقربه من رسم النساخ، يقال: "حشأتُه: إذا أدخلته جوفه، وإذا أصبت حشاه" "تاج العروس" (حشأ) (1/ 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وتصرفه فيها وحكمه عليها، فرأى الأشياء كلها منه(1)، صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية، فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق، ويُسمى هذا جمعًا؛ لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون، وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه المتفرقات(2) اجتمع قلبه، ولضعف قلبه حين حضر(3) هذا الاجتماع(4) لم يتسع(5) للتمييز الشرعي بين(6) الحسن والقبيح، بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز، لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح، بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فُتش لوُجِد حكم التحسين والتقبيح مستورًا في طيّ مشهده ذلك، وبالله التوفيق".
وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين: وجه هو قائم بالربّ تعالى، وهو قضاؤه، وقدره له، وعلمه به، ومشيئته النافذة فيه الموجدة له، ووجه هو قائم بالعبد، وهو كسبه له، وفعله واختياره.--------------------------------------------
(1) "م": "مسنه" مهملة، والمبثت من "د".
(2) "م": "التفرقات" تحريف، وانظر: "مدارج السالكين" (5/ 3930).
(3) "م": "حبر" تحريف، والمثبت أشبه بالسياق.
(4) من قوله: "الذي صدرت" إلى هنا ساقط من "د".
(5) "م":"يقع"، وفي حاشيتها: "ظ: يتسع"، وهو المثبت من "د".
(6) "د" "م": "من"، تحريف ظاهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول، وملاحظة للوجه الثاني، والكمال أن لا يغيب بإحدى الملاحظتين عن الأخرى، بل يشهد قضاء الربّ تعالى وقدره ومشيئته، ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته. فيشهد الربوبية والعبودية، فيجتمع في قلبه معنى قوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]، مع قوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، وقوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 29 - 30]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ(1) تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [المدثر: 54 - 56].
فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين، ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه، وضعف المحل، فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالربّ تعالى من غير إنكار له، فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي، وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائمًا في قلبه.
ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الربّ تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته، فيغيب بشهود الحكم عن شهود المحكوم به، فضلًا عن صفته، فإذا لم يشهد له فعلًا، فكيف يشهد كونه حسنًا أو قبيحًا؟
وهذا أيضًا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائمًا في قلبه، وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) "د" "م": "إن هذه".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه؟
وعُبَّاد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات؛ لموافقتها المشيئة السابقة، ولو أغضبهم غيرُهم وقصَّر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة، مع أنه وافق فيه المشيئة، فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي إلا مَن هو مِن أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه.
وتأمّل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه احتجاجَهم بمشيئته وقدره(1) على إبطال ما أمرهم به رسوله، وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 49]، فأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه، وبيان ما ينفعهم ويضرهم، ويمكّنهم من الإيمان بمعرفة أدلته وبراهينه، وإعطائهم الأسماع والأبصار والعقول، فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك، واضمحلّت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه.
ثم قرر تمام الحجة بقوله: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}، فإن هذا يتضمن أنه المنفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه، وأنه لا ربّ غيره، ولا إله سواه، فكيف يعبدون معه إلهًا غيره؟!
فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم، وأن الأمر كله لله، وأن كل شيء ما خلا الله باطل، فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد؛ فَجَعَلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك، فكانت حجة الله هي البالغة، وحجتهم هي الداحضة، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) "م": "وقدرته".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
إذا عُرف هذا، فموسى صلوات الله عليه وسلامه أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله، واجتباه ربّه بعده وهداه واصطفاه، وآدم صلوات الله عليه وسلامه أعرف بربّه من أن يحتج بقضائه وقدره(1) على معصيته، بل إنما لام موسى آدمَ على المصيبة التي نالت الذرية بخروجهم من الجنّة، ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة، بسبب خطيئة أبيهم، فَذَكر الخطيئة تنبيهًا على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، ولهذا قال له: "أخرجتنا ونفسك من الجنة"، وفي لفظ: "خيبتنا"، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، وقال: إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة مقدّرة قبل خلقي. والقدر يُحتج به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومني على مصيبة قُدّرت عليّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة؟
هذا جواب شيخنا رحمه الله(2).
وقد يتوجه جواب آخر: وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتُجَّ به بعد وقوعه والتوبة منه وتَرْك معاودته، كما فعل آدم عليه السلام، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الربّ وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يَدفع بالقدر أمرًا ونهيًا؛ ولا يُبْطِل به شريعة، بل يُخبر بالحق المحض على وجه التوحيد، والبراءة من الحول والقوة.--------------------------------------------
(1) "د": "وقدرته".
(2) انظر: "درء التعارض" (8/ 418 - 420)، "مجموع الفتاوى" (8/ 303 - 307) وغيرهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
يوضحه أن آدم عليه السلام قال لموسى: "أتلومني على أن عملتُ عملًا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أُخلق؟ "، فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة نصوحًا، وزال أثره وموجبه حتى كأن لم يكن، فأنَّبه مؤنِّب عليه ولامه= حَسُنَ منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق، فإنه لم يَدفع بالقدر حقًّا، ولا ذكره حجة له على الباطل، فلا محذور في الاحتجاج به.
وأما الموضع الذي يضرّ الاحتجاج به ففي الحال أو المستقبل؛ بأن يرتكب فعلًا محرمًا، أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطل بالاحتجاج به حقًّا، ويرتكب باطلًا، كما احتجَّ به المُصِرّون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148]، و {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف:20]، فاحتجوا به مُصَوِّبين لما هم عليه، وأنهم لم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده، فهذا ضدُّ احتجاج مَن تبين له خطأ نفسه، وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود، فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله.
ونكتة المسألة: أن اللوم إذا ارتفع صحَّ الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل.
فإن قيل: فقد احتجَّ عليٌّ بالقدر في ترك قيام الليل، وأقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في "الصحيح"(1) عن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طَرَقه وفاطمة ليلًا، فقال لهم:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (7347)، ومسلم (775).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
"ألا تصلون؟ " قال علي: فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك ولم يرجع إليّ شيئًا، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:54].
قيل: علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم، وإنما قال: إن نفسه ونفس فاطمة بيد الله، فإذا شاء أن يوقظهما ويبعث أنفسهما بعثها.
وهذا موافق لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة باتوا(1) في الوادي: "إن الله قبض أرواحنا حيث شاء، وردها حيث شاء"(2).
وهذا احتجاج صحيح، صاحبه معذور فيه؛ فإن النائم غير مفرّط، واحتجاج غير المفرّط بالقدر صحيح.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم(3) إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به، فروى مسلم في "صحيحه"(4) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنِّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن--------------------------------------------
(1) "م": "ناموا".
(2) أخرجه البخاري (595) بلفظ: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء"، ومسلم (681) من طرق عن أبي قتادة.
(3) "م": "أرشد الله النبي صلى الله عليه وسلم " بزيادة لفظ الجلالة، والمعنى لا يساعده.
(4) برقم (2664).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
لو تفتح عمل الشيطان".
فتضمن هذا الحديث الشريف أصولًا عظيمة من أصول الإيمان:
أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة، وأنه يحب حقيقة.
الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القويُّ ويحب المؤمن القويَّ، وهو وِترٌ يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ونظيف يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين.
ومنها: أن محبته للمؤمنين تتفاضل، فيحب بعضهم أكثر من بعض.
ومنها: أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع، فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودًا، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين: أن يكون حريصًا، وأن يكون حرصه على ما ينتفع به، فإنْ حرص على ما لا ينفعه، أو فعل ما ينفعه بغير حرص؛ فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك، فالخير كله في الحرص على ما ينفع.
ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه، أمره أن يستعين بالله؛ ليجتمع له مقام: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فإنَّ حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته، فَأَمَره بأن يعبده وأن يستعين به.
ثم قال: "ولا تعجز" فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله: ضدُّ العاجز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور(1) إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزِمَّة الأمور بيديه، ومصدرها منه، ومردّها إليه.
فإن فاته ما لم يُقدَّر له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى "لو"، ولا فائدة في "لو" ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه صلى الله عليه وسلم عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قُدِّر له لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد، فلم يبق له ههنا أنفع من شهود القدر، ومشيئة الربّ النافذة التي توجب وجود المقدور(2)، وإذا انتفت امتنع وجوده، فلهذا قال: "فإن غلبك أمرٌ، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل"(3). فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبه، وحالة فواته.
فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار، والقيام بالعبودية ظاهرًا وباطنًا في حالتي حصول المطلوب وعدمه، وبالله التوفيق.
* * * *--------------------------------------------
(1) "د": "القدر".
(2) "د": "المعدوم".
(3) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (8791)، وابن ماجه (4168).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الباب الرابع
في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه، وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه، وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك (1)
عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ وهو الصادق المصدوق ــ: "إنَّ أحدكم يُجمَعُ خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه المَلك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره؛ إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" متفق عليه(2).
وعن حذيفة بن أَسِيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل المَلَك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا ربِّ، أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تُطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص" رواه--------------------------------------------
(1) ينظر: "تهذيب السنن" (3/ 195 - 205).
(2) البخاري (3208)، ومسلم (2643).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
مسلم(1).
وعن عامر بن واثلة، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد مَن وُعِظ بغيره. فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: حذيفة بن أَسِيد الغفاري، فحدَّثه بذلك من قول ابن مسعود فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصوّرها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يقول: يا ربِّ، أجله؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يقول: يا ربِّ، رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يخرج المَلَك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص".
وفي لفظ آخر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنيَّ هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرَّحم أربعين ليلة، ثم يتسوّر عليها المَلَك" ــ قال زهير بن معاوية: أحسبه قال: "الذي يخلقها" ــ "فيقول: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا ربِّ، سَوِيّ أو غير سَوِيّ؟ فيجعله الله سَويًّا أو غير سَوِيٍّ، ثم يقول: يا ربِّ، ما رزقُه، وما أجَلُه، وما خُلُقُه؟ ثم يجعله الله عز وجل شقيًا أو سعيدًا".
وفي لفظ آخر: "إن ملَكًا موكلًا بالرحم، إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله، لبضعٍ وأربعين ليلة" ثم ذكر نحوه.--------------------------------------------
(1) برقم (2644).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وهذا الحديث بطرقه انفرد به مسلم(1).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قد وكَّل بالرحم ملكًا، فيقول: أي ربِّ، نطفةً. أي ربِّ، علقة. أي ربِّ، مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقًا، قال المَلَك: أي ربِّ، ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه" متفق عليه(2).
وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عبد الرحمن [بن](3) هنيدة حدثهم، أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله أن يخلق النَّسَمة، قال مَلَك الأرحام مُعْرِضًا(4): يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله أمره، ثم يقول: يا ربِّ، شقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة ينكبها"(5).
قال ابن وهب: وأخبرني عبد الله بن لَهِيعة، عن بكر بن سوادة الجُذَامي، عن أبي تميم الجَيْشاني، عن أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخَلَتْ ــ يعني--------------------------------------------
(1) برقم (2645).
(2) البخاري (6595)، ومسلم (2646) واللفظ له.
(3) زيادة لازمة، سقطت من "د" "م".
(4) "م": "معها" تحريف، وسقطت من "د"، والمثبت من مصدر الخبر، وفي بعض الطرق: "معترضًا" وفي أخرى: "وهو معرض"، جميعها بمعنى، انظر: "النهاية في الغريب" (عرض) (3/ 215).
(5) "القدر" لابن وهب (30) ـ ومن طريقه ابن حبان (6178) ـ، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (183)، واختلف عن الزهري فيه وقفًا ورفعًا، وصحح الدارقطني رفعه في "العلل" (13/ 133).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
النطفة ــ في الرحم أربعين، أتى ملك النفس فعرج إلى الربِّ، فقال: يا ربِّ، عبدك أذكر أو أنثى؟ فيقضي الله بما هو قاض. أشقي أم سعيد؟(1) فيكتب ما هو كائن"، وذكر بقية الحديث(2).
وقال ابن وهب: أخبرني ابن لَهِيعة، عن كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: "إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة، جاءها ملك فاختلجها(3)، ثم عرج بها إلى الله عز وجل، فقال: اخْلُقْ يا أحسن الخالقين. فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره، ثم تُدْفَع إلى الملك، فيسأل الملك(4) عند ذلك فيقول: يا ربِّ، أسَقَطٌ أم يَتِمّ؟ فيبيِّنُ له، ثم يقول: يا ربِّ، أواحد أو توأم؟ فيبيِّنُ له، ثم يقول: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيبيِّنُ له، ثم يقول: يا ربِّ، أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبيِّنُ له، ثم يقول: يا ربِّ، اقْطَعْ رزقه مع خلقه(5). فيقضيهما جميعًا(6)، فوالذي نفس--------------------------------------------
(1) هكذا في "د" "م"، متابعة لما في مصدر الرواية الآتي، وفي "القدر" للفريابي (123): "ثم يقول: يارب، أشقي أم سعيد؟ ".
(2) "القدر" لابن وهب (36)، والدارمي في "الرد على الجهمية" (94)، وأخرجه من طرق عن ابن لهيعة موقوفًا: ابن سلام في "التفسير" (1/ 355)، والفريابي في "القدر" (123)، ولا يصح إسناده، مداره على ابن لهيعة، وفي لفظه ما يُسْتنكر، وقد اضطرب في رفعه ووقفه، انظر: "الفوائد المجموعة" بتعليق المعلمي (451).
(3) يعني نزعها وجذبها، "النهاية في الغريب" (خلج) (2/ 59).
(4) "د": "فيسأل الله"، والمثبت من "م" موافق لمصدر الخبر.
(5) في "القدر" للفريابي (146): "اقطع رزقه. فيقطع له رزقه مع خلقه".
(6) الظاهر أن ضمير التثنية عائد على: رزقه وخلقه، وعند الفريابي: "فيهبط بهما جميعًا".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
محمد بيده؛ لا ينال إلا ما قُسِم له يومئذٍ، إذا أكل رزقه قُبِض"(1).
وقال عبد الله بن أحمد: أخبرنا أحمد بن العلاء، ثنا أبو الأشعث، ثنا أبو عامر، عن الزبير بن عبد الله، حدثني جعفر بن مصعب، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله سبحانه حين يريد أن يخلق الخلق، يبعث ملكًا فيدخل الرحم، فيقول: أي ربِّ، ماذا؟ فيقول: غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم. فيقول: أي ربِّ، أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي أو سعيد. فيقول: أي ربِّ، ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: ما خلقه، ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا. فما شيء إلا وهو يُخْلق معه في الرحم"(2).
وفي "المسند"(3) من حديث إسماعيل بن عبيد الله ـ وهو ابن أبي المهاجر ـ، أن أم الدرداء حدثته، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فرغ الله عز وجل إلى كل عبد من خمس: من أجله، ورزقه، ومضجعه، وأثره، وشقي أم سعيد".--------------------------------------------
(1) "القدر" لابن وهب (45) ـ ومن طريقه ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (1418) ـ، وأخرجه اللالكائي في "شرح أصول أهل السنة" (1236)، والفريابي (146).
(2) أخرجه ابن راهويه في "المسند" (2/ 345)، والبزار كما في "كشف الأستار" (2151)، وإسناده منكر، آفته الزبير بن عبد الله، قال ابن عدي في "الكامل" (5/ 152) بعد أن أخرج الحديث: "وأحاديث زبير هذا منكرة المتن والإسناد، لا تروى إلا من هذا الوجه".
(3) برقم (21723) دون لفظ: "ومضجعه"، وهو فيه من وجه آخر برقم (21722)، وأخرجه بهذا اللفظ عبد الله من طريق والده في "السنة" (859)، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (307)، وصححه ابن حبان (6150).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وقال ابن حميد: ثنا يعقوب بن عبد الله، عن سعيد بن جبير(1)، عن ابن عباس قال: "إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم تُنفخ فيها الروح، ثم مكثت أربعين ليلة، ثم يُبعث إليها ملكٌ، فنَقَفَها في نُقْرة القفا(2)، وكتب شقيًا أو سعيدًا"(3).
وروى ابن أبي خيثمة: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السعيد من سعد في بطن أمه"(4).
رواه أبو داود في "القدر"(5)، عن عبد الرحمن، عن حماد، عن هشام(6) [بن حسان]، عن محمد.--------------------------------------------
(1) كذا في "د" "م": "يعقوب … عن سعيد"، سقط بينهما جعفر بن أبي المغيرة، كما في مصدر الرواية.
(2) يعني ضربها ضربة يسيرة في الحفيرة الصغيرة الواقعة بأعلى العنق مما يلي الرأس، انظر: "المحكم" لابن سيده (نقف) (6/ 446)، "المصباح المنير" (نقر) (237).
(3) أخرجه اللالكائي في "شرح الأصول" (1060)، وإسناده ضعيف، ابن حميد هو محمد بن حميد الرازي في حديثه نظر، وانظر: "جامع العلوم والحكم" (1/ 163).
(4) أخرجه من طريق ابن أبي خيثمة به اللالكائي في "شرح الأصول" (1054)، ومحمد هو ابن سيرين.
(5) وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (8465)، والبزار كما في "كشف الأستار" (2150) من طرق عن عبد الرحمن به، وصحح إسناده البوصيري في "إتحاف الخيرة" (1/ 169).
(6) في "د": "عن هناد" تحريف، بعده بياض بمقدار كلمة، والمثبت من مصادر التخريج، وسقطت من "م" جملة: "عن هشام … محمد".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وقال أحمد بن عبيد: أخبرنا علي بن عبد الله بن مُبَشِّر، ثنا عبد الحميد بن بيان، ثنا خالد بن عبد الله، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه"(1).
وقال سعيد(2): عن ابن إسحاق(3)، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره"(4).
وقال شعبة: عن مُخَارِق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود قال(5): "إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقيَّ من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره"، وكان عبد الله بن مسعود إذا كان ليلة الجمعة، قام فقال: "إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أحسن الهدي هدي محمد، وإن الشقيَّ من--------------------------------------------
(1) أخرجه من طريق أحمد بن عبيد به اللالكائي في "شرح الأصول" (1057)، ورواه مسدد كما في "إتحاف الخيرة" (1/ 169)، والآجري في "الشريعة" (366) من طرق عن خالد به، إسناده ضعيف من أجل يحيى بن عبيد الله القرشي فقد ضعفه جماعة، وفي أبيه جهالة، ويحسن بما قبله من الطرق.
(2) كذا في "د" "م": "سعيد"، صوابه: "شعبة" كما في مصادر التخريج.
(3) كذا في "د" "م": "ابن إسحاق"، صوابه: "أبي إسحاق" كما في مصادر التخريج.
(4) أخرجه من طريق أبي داود به ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (1421)، ورواه الفريابي في "القدر" (130) من طريق آخر عن شعبة به، وهو في "صحيح مسلم" (2645) من وجه آخر عن ابن مسعود بسياق أطول.
(5) من قوله: "الشقي من شقي" إلى هنا ساقط من "د".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
شقي في بطن أمه، والسعيد مَن وُعِظ بغيره، وإن شرَّ الرَّوَايا رَوَايا الكذب(1)، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل ما هو آت قريب"، رواهن أبو داود في "القدر"(2).
وذكر الطبراني من رواية أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عنه أنه كان يجيء كل يوم خميس، يقوم قائمًا لا يجلس، فيقول: "إنما هما اثنتان: فأحسن الهدي هدي محمد، وأصدق الحديث كتاب الله، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدَث ضلالة، إن الشقيَّ مَن شقي في بطن أمه، وإن السعيد مَن وُعِظ بغيره، ألا فلا يطولنّ عليكم الأمد، ولا يلهينّكم الأمل، فإن كلَّ ما هو آت قريب، وإنما البعيد ما ليس آتيًا، وإن من شرار الناس بَطّال النهار جِيفة الليل، وإنّ قَتْل المؤمن كفر، وإن سِبَابه فسوق، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ألا إن شرّ الرَّوَايا رَوَايا الكذب، وإنه لا يصلح من الكذب جدٌّ ولا هزل، ولا أن يَعِد الرجلُ صبيه ثم لا ينجزه، ألا وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الصادق يقال له: صدق وبرّ، وإن الكاذب يقال له: كذب وفجر، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقًا، وإنه ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا". ألا هل تدرون ما--------------------------------------------
(1) الرَّوَايا جمع رَوِيّة: ما يفكّر فيه الإنسان من القول والفعل، وقيل غيره، انظر: "النهاية في الغريب" (2/ 279).
(2) أخرج شطره الأول ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (1423)، واللالكائي في "شرح الأصول" (1215) من طريق أبي داود به، وأخرج الدارمي (213) قريبًا من شطره الثاني.
والشطران في "صحيح البخاري" (6098، 7277) بسياق أخصر منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
العِضَةُ؟ هي النميمة التي تفسد بين الناس"(1)، وهذا متواتر عن عبد الله.
وبلغ معاوية أن الوباء اشتد بأهل داب(2) فقال: "لو حولناهم عن مكانهم، فقال له أبو الدرداء: وكيف لك يا معاوية بأنفس قد حضرت آجالها؟! فكأنّ معاوية وَجَدَ على أبي الدرداء، فقال له كعب: يا معاوية، لا تجد على أخيك؛ فإن الله سبحانه(3) لم يدع نفسًا حين تستقر نطفتها في الرحم أربعين ليلة إلا كتب: خَلْقها وخُلُقها وأجلها ورزقها، ثم لكل نفس ورقة خضراء معلقة بالعرش، فإذا دنا أجلها خَلُقَت(4) تلك الورقة حتى تيبس، ثم تسقط، فإذا يبست سقطت تلك النفس وانقطع أجلها ورزقها"، ذكره أبو داود عن محمود بن خالد، ثنا مروان، ثنا معاوية بن سلّام، حدثني أخي زيد بن سلّام، عن جده ابن سلّام(5) قال: بلغ معاوية فذكره(6).
وقال أبو داود: ثنا واصل بن عبد الأعلى، ثنا ابن فضيل، عن الحسن بن عمرو الفُقَيْمي، عن الحكم، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ--------------------------------------------
(1) "المعجم الأوسط" (7871)، و"الكبير" (8522)، وأخرجه معمر في "الجامع" (20076)، والبغوي في "شرح السنة" (3575)، وروى مسلم (2606) تعريف العضة وبعض المرفوع منه، وقد جمع الطبراني في "الكبير" (9/ 98 - وما بعدها) طرق هذه الخطبة وألفاظها في عنوان مستقل: "خطبة ابن مسعود ومن كلامه".
(2) كذا في "د" "م" و"الإبانة"، ولم أهتد إليها.
(3) من قوله: "وكيف لك يا معاوية" إلى هنا ساقط من "د".
(4) أي أصبحت قديمة بالية، انظر: "الصحاح" (خلق) (4/ 1472).
(5) كذا في "د" "م": "ابن سلام" تحريف، صوابه: "أبي سلام"، وهو أبو سلام ممطور الحبشي، انظر: "تهذيب الكمال" (28/ 484)، ووقع على الوجه في "الإبانة".
(6) ومن طريق أبي داود أخرجه ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (1817).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13]، قال: "ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها: شقيٌّ أو سعيد"(1).
وفي "الصحيحين"(2) عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبِع يوم طُبِع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا".
وفي "صحيح مسلم"(3) عن عائشة قالت: توفي صبيٌّ من الأنصار، فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنّة، لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال: "أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم".
ولا يناقض هذا حديث سمرة بن جندب، الذي رواه البخاري في "صحيحه"(4) من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أطفال المشركين حول إبراهيم الخليل في الروضة؛ فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين، فالذين رآهم حول إبراهيم السعداء من أطفال المسلمين والمشركين، وأنكر على عائشة شهادتها للطفل المعيَّن بأنه عصفور من عصافير الجنة، وقد يكون من القسم الآخر، كالشهادة للبالغين، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) ومن طريق أبي داود أخرجه ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (1743)، وأخرجه الطبري (14/ 520) عن واصل به.
(2) اللفظ لـ "مسلم" (2661)، وليس بهذا السياق عند البخاري، بل بمعناه في قصة الخضر وموسى عليه السلام في عدة مواضع، انظر على سبيل المثال: (4726).
(3) برقم (2662).
(4) برقم (1386).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)