وأما العصفر: فليس عندهم بطيب، ولا بأس باستعماله، وشمه، ولا بما صبغ به.
قال في المغني: وهذا قول جابر، وابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعقيل بن أبي طالب. وهو مذهب الشافعي. وعن عائشة وأسماء، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنهن كن يحرمن في المعصفرات.
وكرهه مالك إذا كان ينتفض في بدنه، ولم يوجب فيه فدية. ومنع منه الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن وشبهوه بالمورس، والمزعفر؛ لأنه صبغ طيب الرائحة فأشبه ذلك. اهـ.
والأظهر: أن العصفر ليس بطيب مع أنه لا يجوز لبس المحرم، ولا غيره للمعصفر. وقد قدمنا فيه حديث ابن عمر، عند أبي داود "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس، والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز" الحديث. وهو صريح في أن العصفر ليس بطيب. وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء وهن محرمات، ويلبسن المعصفر وهنَّ محرمات.
قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يعقوب بن عطاء. وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة. اهـ. وسيأتي ما يدل على منع لبس المعصفر مطلقًا.
وقال صاحب المغني أيضًا: ولا بأس بالمصبوغ بالمغرة؛ لأنه مصبوغ بطين لا بطيب، وكذلك المصبوغ بسائر الأصباغ سوى ما ذكرنا؛ لأن الأصل الإِباحة إلّا ما ورد الشرع بتحريمه، وما كان في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 461)
معناه، وليس هذا كذلك. وأما المصبوغ بالرياحين فهو مبني على الرياحين في نفسها، فما منع المحرم من استعماله منع من لبس المصبوغ به إذا ظهرت رائحته، وإلَّا فلا. وهذا الذي ذكرنا هو حاصل مذهب الإِمام أحمد في الطيب للمحرم، ولا فرق عنده بين قليل الطيب وكثيره، ولا بين قليل اللبس وكثيره، كما تقدم إلَّا أنه يفرق بين تعمد استعمال الطيب، واللبس وبين استعماله لذلك ناسيًا، فإن فعله متعمدًا أثم وعليه الفدية، وإزالة الطيب، واللباس فورًا، وإن تطيب، أو لبس ناسيًا فلا فدية عليه، ويخلع اللباس، ويغسل الطيب.
قال ابن قدامة في المغني: المشهور أن المتطيب ناسيًا، أو جاهلًا لا فدية عليه، وهو مذهب عطاء، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه. ثم ذكر أن الذي يستوي عمده ونسيانه في لزوم الكفارة ثلاثة أشياء: وهي الجماع، وقتل الصيد، وحلق الرأس، وأن كل ما سوى هذه الثلاثة يفرق بين العمد والنسيان. وذكر أن الإِمام أحمد نقل عن سفيان أن الثلاثة المذكورة يستوي عمدها ونسيانها في لزوم الكفارة.
وقال في المغني: ويلزمه غسل الطيب، وخلع اللباس؛ لأنه فعل محظورًا، فيلزمه إزالته، وقطع استدامته كسائر المحظورات، والمستحب أن يستعين في غسل الطيب بحلال؛ لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه. ويجوز أن يليه بنفسه، ولا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي رأى عليه طيبًا أو خلوقًا: "اغسل عنك الطيب" ولأنه تارك له، فإن لم يجد ما يغسله به مسحه بخرقة، أو حكه بتراب، أو ورق أو حشيش؛ لأن الذي عليه إزالته بحسب القدرة، وهذا نهاية قدرته ثم قال: وإذا احتاج إلى الوضوء، وغسل الطيب، ومعه ماء لا يكفي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 462)
إلَّا أحدهما قدم غسل الطيب، ويتيمم للحدث؛ لأنه لا رخصة في إبقاء الطيب، وفي ترك الوضوء إلى التيمم رخصة. فإن قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء فعل، وتوضأ، فإن المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته، فلا يتعين الماء، والوضوء بخلافه. اهـ منه. وهذا خلاصة المذهب الحنبلي في مسألة الطيب للمحرم.
ومذهب الشافعي في هذه المسألة: أنه يحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب، ولا فرق عنده بين القليل والكثير، واستعمال الطيب عنده: هو أن يلصق الطيب ببدنه، أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب. فلو طيب جزءًا من بدنه بغالية، أو مسك مسحوق، أو ماء ورد لزمته الفدية، سواء كان الإِلصاق بظاهر البدن، أو باطنه، فإن أكله أو احتقن به، أو استعط، أو اكتحل أو لطخ به رأسه، أو وجهه أو غير ذلك من بدنه أثم، ولزمته الفدية، ولا خلاف عندهم في شيء من ذلك إلَّا الحقنة والسعوط، ففيهما وجه ضعيف أنه لا فدية فيهما. ومشور مذهب الشافعي: وجوب الفدية فيهما، ولو لبس ثوبًا مبخرًا بالطيب، أو ثوبًا مصبوغًا بالطيب، أو علق بنعله طيب، لزمته الفدية عند الشافعية ولو عبقت رائحة الطيب دون عينه بأن جلس في دكان عطار أو عند الكعبة، وهي تبخر، أو في بيت يبخر ساكنوه فلا فدية عليه بلا خلاف. ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة، لم يكره، وإن قصده لاشتمامها ففي كراهته قولان للشافعي: أصحهما: يكره، وبه قطع القاضي أبو الطيب، وآخرون، وهو نصه في الإِملاء. والثاني: لا يكره، وقطع القاضي حسين بالكراهة، وقال: إنما القولان في وجوب الفدية، والمذهب الأول، وبه قطع الأكثرون. قاله النووي، ثم قال:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 463)
ولو احتوى على مجمرة فتبخر بالعود بدنه أو ثيابه لزمته الفدية بلا خلاف؛ لأنه يعد استعمالًا للطيب، ولو مس طيبًا يابسًا كالمسك والكافور، فإن علق بيده لونه وريحه وجبت الفدية بلا خلاف؛ لأن استعماله هكذا يكون، وإن لم يعلق بيده شيء من عينه، لكن عبقت به الرائحة، ففي وجوب الفدية قولان: الأصح عند الأكثرين وهو نصه في الأوسط: لا تجب، لأنها عن مجاورة، فأشبه من قعد عند الكعبة، وهو تبخر، والثاني: تجب. وصححه القاضي أبو الطيب. وهو نصه في الأم والإِملاء والقديم؛ لأنها عن مباشرة، وإن ظن أن الطيب يابس فمسه، فعلق بيده ففي الفدية عند الشافعية قولان: أصحهما: لا تجب عليه الفدية، خلافًا لإِمام الحرمين. وأما إن مس الطيب، وهو عالم بأنه رطب وكان قاصدًا مسه، فعلق بيده، فعليه فدية عندهم، ولو شد مسكًا أو كافورًا، أو عنبرًا في طرف ثوبه أو جبته: وجبت الفدية عندهم قطعًا؛ لأنه استعمال له، ولو شد العود فلا فدية؛ لأنه لا يعد تطيبًا، بخلاف شد المسك، ولو شم الورد فقد تطيب عندهم، بخلاف ما لو شم ماء الورد، فإنه لا يكون متطيبًا عندهم، بل استعمال ماء الورد عندهم هو أن يصبه على بدنه أو ثوبه ولو حمل مسكًا، أو طيبًا غيره في كيس، أو خرقة مشدودًا، أو قارورة مصممة الرأس، أو حمل الورد في وعاء فلا فدية عليه. نص عليه في الأم، وقطع به الجمهور. وفيه وجه شاذ: أنه إن كان يشمه قصدًا لزمته الفدية، ولو حمل مسكًا في قارورة غير مشقوقة فلا فدية في أصح الوجهين. ولو كانت القارورة مشقوقة، أو مفتوحة الرأس، فعن جماعة من الأصحاب الشافعيين تجب الفدية. وخالف الرافعي قائلًا: إن ذلك لا يعد تطيبًا. ولو جلس على فراش مطيب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 464)
أو أرض مطيبة، أو نام عليها مفضيًا إليها ببدنه، أو ملبوسه لزمته الفدية عندهم. ولو فرش فوقه ثوبًا، ثم جلس عليه، أو نام لم تجب الفدية. نص عليه الشافعي في الأم. واتفق عليه الأصحاب، لكن إن كان الثوب رقيقًا كره، وإلَّا فلا. ولو داس بنعله طيبًا لزمته الفدية، وإن خفيت رائحة الطيب في الثوب لطول الزمان، فإن كانت تفوح عند رشه بالماء حرم استعماله، وإن بقي لون الطيب دون ريحه، لم يحرم على أصح الوجهين. ولو صب ماء ورد في ماء كثير، حتى ذهب ريحه ولونه لم تجب الفدية باستعماله في أصح الوجهين. فلو ذهبت الرائحة وبقي اللون، أو الطعم فحكمه عندهم حكم من أكل طعامًا فيه زعفران أو طيب. وذلك أن الطيب إن استهلك في الطعام، حتى ذهب لونه، وريحه وطعمه فلا فدية. ولا خلاف في ذلك عندهم، وإن ظهر لونه وطعمه وريحه، وجبت الفدية بلا خلاف. وإن بقيت الرائحة فقط وجبت الفدية لأنه يعد طيبًا. وإن بقي اللون وحده، فطريقان مشهوران أصحهما: أن فيه قولين الأصح منهما: أنه لا فدية فيه، وهو نص الشافعي في الأم والإِملاء والقديم. الثاني: تجب الفدية، وهو نصه في الأوسط. والطريق الثاني: أنه لا فدية فيه قطعًا، وإن بقي الطعم وحده ففيه عندهم ثلاث طرق أصحها: وجوب الفدية قطعًا كالرائحة. والثاني: فيه طريقان بلزومها وعدمه، والثالث: لا فدية. وهذا ضعيف أو غلط. وحكى بعض الشافعية طريقًا رابعًا: وهو أنه لا فدية قطعًا. ولو كان المحرم أخشم لا يجد رائحة الطيب، واستعمل الطيب لزمته الفدية عندهم بلا خلاف لأنه وجد منه استعمال الطيب مع علمه بتحريم الطيب على المحرم فوجبت الفدية وإن لم ينتفع به، كما لو نتف شعر لحيته أو غيرها من
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 465)
شعوره التي لا ينفعه نتفها. قال النووي: وممن صرح بهذا المتولي، وصاحب العدة، والبيان. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لزوم الفدية للأخشم الذي لا يجد ريح الطيب إذا استعمل الطيب مبني على قاعدة هي: أن المعلل بالمظان لا يتخلف بتخلف حكمته؛ لأن مناط الحكم مظنة وجود حكمة العلة، فلو تخلفت في صورة لم يمنع ذلك من لزوم الحكم، كمن كان منزله على البحر، وقطع مسافة القصر في لحظة في سفينة، فإنه يباح له قصر الصلاة والفطر في رمضان بسفره هذا الذي لا مشقة فيه؛ لأن الحكم الذي هو الرخصة علق بمظنة المشقة في الغالب، وهو سفر أربعة برد مثلًا، والمعلل بالمظان لا تتخلف أحكامه بتخلف حكمها في بعض الصور، كما عقده بعض أهل العلم بقوله:
إن علل الحكم بعلة غلب … وجودها اكتفى بذا عن الطلب
لها بكل صورة. . . إلخ
وإيضاحه: أن الغالب كون الإِنسان يجد ريح الطيب، فأنيط الحكم بالأغلب الذي هو وجوده ريح الطيب، فلو خلفت الحكمة في الأخشم الذي لا يجد ريح الطيب لم يتخلف الحكم لإِناطته بالمظنة. وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا من أمثلتها في غير هذا الموضع.
وقد تقرر في الأصول: أن وجود الحكم مع تخلف حكمته من أنواع القادح المسمى بالكسر. وقد أشار إلى ذلك صاحب المراقي بقوله في مبحث القوادح:
والكسر قادح ومنه ذكرا … تخلف الحكمة عنه من درا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 466)
وهذا الذي قورنا في مسألة الأخشم مبني على القول بأن الكسر بتخلف الحكمة عن حكمها لا يقدح في المعلل بالمظان، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.
واعلم: أن الحكمة في اصطلاح أهل الأصول: هي الفائدة التي صار بسببها الوصف علة للحكم، فتحريم الخمر مثلًا حكم، والإِسكار هو علة هذا الحكم، والمحافظة على العقل من الاختلال: هي الحكمة التي من أجلها صار الإِسكار علة لتحريم الخمر. وقد عرف صاحب المراقي الحكمة بقوله:
وهي التي من أجلها الوصف جرى … علة حكم عند كل من درى
وعلة الرخصة بقصر الصلاة والإِفطار في رمضان: هي السفر، والحكمة التي صار السفر علة بسببها: هي تخفيف المشقة على المسافر مثلًا، وهكذا.
واعلم: أن علماء الشافعية قالوا: إنه يشترط في الطيب الذي يحكم بتحريمه أن يكون معظم الغرض منه التطيب، واتخاذ الطيب منه، أو يظهر فيه هذا الغرض. هذا ضابطه عندهم.
ثم فصلوه فقالوا: الأصل في الطيب: المسك، والعنبر، والكافور، والعود، والصندل، والذريرة. وهذا كله لا خلاف فيه عندهم. قالوا: والكافور صمغ شجر معروف.
وأما النبات الذي له رائحة فأنواع:
منها: ما يطلب للتطيب، واتخاذ الطيب منه كالورد، والياسمين، والخيري، والزعفران، والورس ونحوها، فكل هذا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 467)
طيب. وعن الرافعي وجه شاذ في الورد والياسمين والخيري: أنها ليست طيبًا والمذهب الأول.
ومنها: ما يطلب للأكل والتداوي غالبًا، كالقرنفل والدارصيني، والفلفل، والمصطكى، والسنبل وسائر الفواكه، كل هذا وشبهه ليس بطيب، فيجوز أكله وشمه وصبغ الثوب به، ولا فدية فيه سواء قليله وكثيره، ولا خلاف عند الشافعية في شيء من هذا إلَّا القرنفل، ففيه وجهان عندهم. والصحيح المشهور أنه ليس بطيب عندهم.
ومنها: ما ينبت بنفسه، ولا يراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح، والمشمش، والكمثرى، والسفرجل، وكالشيح، والقيصوم، وشقائق النعمان، والإِذخر، والخزامى، وسائر أزهار البراري، فكل هذا ليس بطيب، فيجوز أكله وشمه، وصبغ الثوب به، ولا فدية فيه بلا خلاف
ومنها: ما يتطيب به، ولا يتخذ منه الطيب: كالنرجس، والآس، وسائر الرياحين. وفي هذا النوع عند الشافعية طريقان.
أحدهما: أنه طيب قولًا واحدًا.
والطريق الثاني: وهو الصحيح المشهور عندهم: أن فيه قولين مشهورين، الصحيح منهما - وهو قوله الجديد - أنه طيب موجب للفدية. القول الثاني وهو القديم: أنه ليس بطيب، ولا فدية فيه. اهـ. والحناء والعصفر ليسا بطيب عند الشافعية بلا خلاف على التحقيق، خلافًا لمن زعم خلافًا عندهم في الحناء.
واعلم: أن الأدهان عند الشافعية ضربان: أحدهما: دهن ليس
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 468)
بطيب، ولا فيه طيب، كالزيت، والشيرج، والسمن، والزبد، ودهن الجوز، واللوز ونحوها. فهذا لا يحرم استعماله في جميع البدن، ولا فدية فيه، إلَّا في الرأس، واللحية، فيحرم عندهم استعماله فيهما بلا خلاف، وفيه: الفدية؛ لأنه إزالة للشعث إن كان في الرأس واللحية، فإن كان أصلع لا ينبت الشعر في رأسه فدهن رأسه، أو أمرد فدهن ذقنه فلا فدية عندهم في ذلك بلا خلاف، وإن كان محلوق الرأس فدهنه بما ذكر، ففيه عندهم وجهان: أصحهما: وجوب الفدية بناء على أن الشعر إن نبت جمّله ذلك الدهن، الذي جعل عليه وهو محلوق. والوجه الثاني: لا فدية؛ لأنه لا يزول به شعث. واختاره المزني وغيره. ولو كان برأسه شجة فجعل هذا الدهن في داخلها من غير أن يمس شعر رأسه فلا فدية بلا خلاف. ولو طلى شعر رأسه ولحيته بلبن جاز ولا فدية وإن كان اللبن يستخرج منه السمن؛ لأنه ليس بدهن، ولا يحصل به ترجيل الشعر، والشحم، والشمع عندهم إذا أذيبا كالدهن يحرم على المحرم ترجيل شعره بهما.
الضرب الثاني: دهن هو طيب، ومنه: دهن الورد، والمذهب عندهم وجوب الفدية فيه. وقيل فيه وجهان. ومنه دهن البنفسج، فعلى القول بأن نفس البنفسج لا فدية فيه، فدهنه أولى، وعلى أن فيه الفدية، فدهنه كدهن الورد. والأدهان كثيرة، وخلاف العلماء فيها من الخلاف في تحقيق المناط كدهن البان والزنبق، وهو دهن الياسمين، والكاذي وهو دهن، ونبت طيب الرائحة، والخيري وهو معرب، وهو نبت طيب الرائحة، ويقال للنحاسي: خيري البر. ومذهب الشافعي: أن الأدهان المذكورة، ونحوها طيب، تجب باستعماله الفدية.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 469)
واعلم: أن محل وجوب الفدية عند الشافعية في الطيب: إذا كان استعمله عامدًا، فإن كان ناسيًا أو ألقته الريح عليه لزمته المبادرة بإزالته بما يقطع ريحه. وكون الأولى أن يستعين في غسله بحلال، وتقديمه غسله على الوضوء إن لم يكف الماء إلَّا أحدهما عند الشافعية موافق لما قدمنا عن الحنابلة، بخلاف غسل النجاسة، فهو مقدم عندهم على غسل الطيب. ولو لصق بالمحرم طيب يوجب الفدية لزمه المبادرة إلى إزإلته، فإن أخره عصى. ولا تتكرر به الفدية والاكتحال عندهم بما فيه طيب حرام، فإن احتاج إليه اكتحل به ولزمته الفدية.
وأما الاكتحال بما لا طيب فيه، فإن كان فيه زينة كره عندهم، كالإِثمد، وإن كان بما لا زينة فيه كالتوتيا الأبيض فلا كراهة.
وقال النووي بعد أن ذكر الإِجماع على تحريم الطيب للمحرم: ومذهبنا أنه لا فرق بين أن يتبخر، أو يجعله في ثوبه، أو بدنه، وسواء كان الثوب مما ينغض الطيب، أم لم يكن.
قال العبدري: وبه قال أكثر العلماء.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أن يتبخر بالعود، والند، ولا يجوز أن يجعل شيئًا من الطيب في بدنه، ويجوز أن يجعله على ظاهر ثوبه، فإن جعله في باطنه، وكان الثوب لا ينغض، فلا شيء عليه، وإن كان ينغض لزمته الفدية. اهـ منه.
والظاهر المنع مطلقًا لصريح الحديث الصحيح في النهي عن ثوب مسه ورس، أو زعفران، وكل هذه الصور يصدق فيها: أنه مسه ورس أو زعفران. وغيرهما من أنواع الطيب حكمه كحكمهما، كما
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 470)
أوضحنا الأحاديث الدالة عليه في أول الكلام في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه، وكذلك المتبخر بالعود متطيب عرفًا. والأحاديث دالة على اجتناب المحرم للطيب كما تقدم. والعلم عند الله تعالى.
وقال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا: أن الزيت، والشيرج، والسمن، والزبد ونحوها من الأدهان غير المطيبة لا يحرم على المحرم استعمالها في بدنه، ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته.
وقال الحسن بن صالح: يجوز استعمال ذلك في بدنه وشعر رأسه ولحيته.
وقال مالك: لا يجوز أن يدهن بها أعضاءه الظاهرة كالوجه، واليدين، والرجلين، ويجوز دهن الباطنة، وهي ما يوارى باللباس.
وقال أبو حنيفة كقولنا في السمن والزبد، وخالفنا في الزيت والشيرج فقال: يحرم استعمالها في الرأس والبدن.
وقال أحمد: إن ادهن بزيت أو شيرج فلا فدية في أصح الروايتين، سواء دهن يديه أو رأسه.
وقال داود: يجوز دهن رأسه، ولحيته، وبدنه بدهن غير مطيب.
وحجة من قال بهذا حديث جاء بذلك: فقد قال البيهقي في السنن الكبرى: أخبرنا أبو طاهر الفقيه، وأبو سعيد بن أبي عمرو قراءة عليهما، وأبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني إملاء قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أنبأ
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 471)
أبو سلمة الخزاعي، أنبأ حماد بن سلمة، عن فرقد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم" يعني غير مطيب، لم يذكر ابن يوسف تفسيره.
قال الإِمام أحمد: ورواه الأسود بن عامر شاذان، عن حماد بن سلمة، عن فرقد، عن سعيد، عن ابن عمر فذكره من غير تفسير. اهـ منه. ثم ذكر بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه: أنه مرَّ عليه قوم محرمون، وقد تشققت أرجلهم فقال: ادهنوها. وفرقد المذكور في سند هذا الحديث، وهو فرقد بن يعقوب السبخي بفتح السين المهملة والباء الموحدة وبخاء معجمة: أبو يعقوب البصري، وهو معروف بالزهد والعبادة، ولكنه ضعفه غير واحد. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق عابد، لكنه ليَّن الحديث كثير الخطأ. وقال النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بحديث فرقد السبخي الزاهد رحمه الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم" رواه الترمذي والبيهقي، وهو ضعيف. وفرقد غير قوي عند المحدثين. قال الترمذي: هو ضعيف غريب، لا يعرف إلَّا من حديث فرقد، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد. وقوله: غير مقتت، أي: غير مطيب. انتهى محل الغرض منه.
وفي القاموس: وزيت مقتت طبخ بالرياحين، أو خلط بأدهان طيبة.
واحتجاج الشافعية بهذا الحديث الذي ذكرنا على جواز دهن جميع البدن غير الرأس واللحية بالزيت والسمن ونحوهما فيه أمران:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 472)
الأول: أن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، لضعف فرقد المذكور.
والثاني: أنه على تقدير صحة الاحتجاج به فظاهره عدم الفرق بين الرأس واللحية وبين سائر البدن؛ لأن الادهان فيه مطلق غير مقيد بما سوى الرأس واللحية. اهـ.
وحجة من منع الادهان بغير الطيب؛ لأنه يزيل الشعث الحديث الذي فيه "انظروا إلى عبادي جاءوا شعثًا غبرًا" وهو مشهور، وفيه دليل على أنه لا ينبغي إزالة الشعث، ولا التنظيف. واللَّه أعلم.
وقال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن. قال: وأجمع عوام أهل العلم على أنه له دهن بدنه بالزيت والشحم والشيرج والسمن. قال: وأجمعوا على أنه ممنوع من حيث استعمال الطيب في جميع بدنه.
وقال النووي أيضًا: الحناء ليس بطيب عندنا كما سبق، ولا فدية، وبه قال مالك، وأحمد وداود. وقد قدمنا أن الخضاب بالحناء يوجب الفدية عند المالكية. ثم قال النووي: وقال أبو حنيفة: هو طيب يوجب الفدية، وإذا لبس ثوبًا معصفرًا فلا فدية. والعصفر ليس بطيب. هذا مذهبنا، وبه قال أحمد، وداود. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعبد الله بن جعفر، وعقيل ابن أبي طالب، وعائشة، وأسماء، وعطاء. قال: وكرهه عمر بن الخطاب. وممن تبعه الثوري، ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إن نفض على البدن: وجبت الفدية، وإلَّا وجبت صدقة. انتهى محل الغرض منه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 473)
وقال النووي أيضًا: ذكرنا أن مذهبنا في تحريم الرياحين قولان: الأصح تحريمها، ووجوب الفدية، وبه قال ابن عمر، وجابر، والثوري، ومالك، وأبو ثور، وأبو حنيفة، إلَّا أن مالكًا، وأبا حنيفة يقولان: يحرم ولا فدية.
قال ابن المنذر: واختلف في الفدية، عن عطاء، وأحمد. وممن جوزه وقال: هو حلال لا فدية فيه عثمان، وابن عباس، والحسن البصري، ومجاهد، وإسحاق. قال العبدري: وهو قول أكثر الفقهاء.
وقال النووي أيضًا: قد ذكرنا أن مذهبنا: جواز جلوس المحرم عند العطار، ولا فدية فيه. وبه قال ابن المنذر. قال: وأوجب عطاء فيه الفدية، وكره ذلك مالك. انتهى منه.
واعلم: أن المحرم عند الشافعية إذا فعل شيئًا من محظورات الإِحرام ناسيًا أو جاهلًا، فإن كان إتلافًا كقتل الصيد والحلق والقلم، فالمذهب وجوب الفدية، وفيه خلاف ضعيف. وإن كان استمتاعًا محضًا كالتطيب، واللباس، ودهن الرأس، واللحية، والقبلة، وسائر مقدمات الجماع فلا فدية، وإن جامع ناسيًا أو جاهلًا فلا فدية في الأصح أيضًا. قال النووي: وبهذا قال عطاء، والثوري، وإسحاق وداود. وقال مالك، وأبو حنيفة، والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه: عليه الفدية، وقاسوه على قتل الصيد.
وقد قدمنا حكم المجامع ناسيًا وأقوال الأئمة فيه. هذا هو حاصل كلام العلماء من الصحابة ومن بعدهم، ومنهم الأئمة الأربعة في مسألة الطيب. وقد علمت من النقول التي ذكرنا عن الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار ما اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 474)
واعلم: أنهم مجمعون على منع الطيب للمحرم في الجملة إلَّا أنهم اختلفوا في أشياء كثيرة اختلافًا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فيقول بعضهم مثلًا: الريحان والياسمين، كلاهما طيب فمناط تحريمها على المحرم موجود، وهو كونهما طيبًا، فيخالفه الآخر، ويقول: مناط التحريم ليس موجودًا فيهما؛ لأنهما لا يتخذ منهما الطيب، فليسا بطيب. وهكذا.
واعلم: أنهم متفقون على لزوم الفدية في استعمال الطيب، ولا دليل من كتاب ولا سنَّة على أن من استعمل الطيب، وهو محرم يلزمه فدية، ولكنهم قاسوا الطيب على حلق الرأس المنصوص على الفدية فيه إن وقع لعذر في آية {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}.
وأظهر أقوال أهل العلم: أن الفدية اللازمة كفدية الأذى، وهي على التخيير المذكور في الآية؛ لأنها هي حكم الأصل المقيس عليه، والمقرر في الأصول أنه لا بدَّ من اتفاق الفرع المقيس، والأصل المقيس عليه في الحكم، وذلك هو مذهب أبي حنيفة إن كان التطيب، أو اللبس لعذر؛ لأن الآية نزلت في العذر وقد قدمنا أنه هو الصحيح من مذهب الشافعي مطلقًا كان لعذر أو غيره، وهو أيضًا مذهب مالك وأحمد.
فتحصل: أن مذاهب الأئمة الأربعة متفقون على أن فدية الطيب، وتغطية الرأس، واللبس، وتقليم الأظافر، كفدية حلق الرأس المنصوصة في آية الفدية. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى. وقدمنا الأقوال المخالفة لهذا المذهب الصحيح المشهور عند الأربعة. وقد بينا أنه مقتضى الأصول، لوجوب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 475)
اتفاق الأصل والفرع في الحكم. والعلم عند الله تعالى.
تنبيهان(1)
الأول: في ذكر أشياء مما ذكر وردت فيها نصوص، وتفصيل ذلك.
فمن ذلك المُعَصفر، وقد رأيت في النقول التي ذكرنا كثرة من قال من أهل العلم بأنه ليس بطيب، وأنه لا بأس بلبس المحرم له. وقد قدمنا فيه حديث أبي داود المصرح بأنه لا بأس بلبس النساء له وهن محرمات، وفيه ابن إسحاق، وقد صرَّح فيه بالسماع، فعلم أنه لم يدلس فيه إلى آخر ما قدمنا فيه. والظاهر بحسب الدليل: أن المعصفر لا يجوز لبسه وإن جوزه كثير من أجلَّاء العلماء من الصحابة، ومن بعدهم؛ لأن السنَّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع.
وقد قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن يحيى، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث أن ابن معدان أخبره أن عبد الله بن عمرو بن العاص أخبره قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها". اهـ.
وابن معدان المذكور: هو خالد كما ثبت في صحيح مسلم بعد الحديث المذكور مباشرةً، وفي لفظ لمسلم بإسنادٍ غير الأول، عن عبد الله بن عمرو قال: "رأى النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحرقهما".
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثنا يحيى بن يحيى،--------------------------------------------
(1) كذا، ولم يذكر إلا التنبيه الأول.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 476)
قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نهى عن لبس القسي، والمعصفر، وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع" وفي لفظ لمسلم، عن علي رضي الله عنه "نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن القراءة، وأنا راكع، وعن لبس الذهب، والمعصفر" وفي لفظ لمسلم عنه أيضًا رضي الله عنه "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر". اهـ منه.
فهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره عن صحابيين جليلين، وهما علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، صريح في منع لبس المعصفر مطلقًا؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو "إنهما من ثياب الكفار فلا تلبسهما" صريح في منع لبسهما؛ لأن النهي يقتضي التحريم كما تقرر في الأصول، ويؤيد ذلك هنا أنه رتب النهي عنها على أنها من ثياب الكفار. وهذا دليل واضح على منع لبس المعصفر مطلقًا في الإِحرام وغيره. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو: "بل أحرقهما" فهو دليل واضح على منع لبسهما؛ لأن لبس الجائز لبسه لا يستوجب الإِحراق بحال، فهو نص في منع المعصفر مطلقًا. وقول علي رضي الله عنه "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي والمعصفر، وعن تختم الذهب" الحديث دليل أيضًا على منع لبس المعصفر مطلقًا؛ لأن النهي يقتضي التحريم إلّا لدليل صارف عنه، وليس موجودًا. ويؤيده أنه قرنه بالتختم بالذهب، وهو ممنوع. وما زعمه بعض أهل العلم من أن رواية علي المذكورة آنفًا في مسلم "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم " تدل على
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 477)
اختصاص هذا الحكم بعلي؛ لأنه قال: نهاني بياء المتكلم في الرواية المذكورة، مردود من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم بين في حديث ابن عمرو عموم هذا الحكم، حيث قال لعبد الله: "إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها" وهذا صريح في عدم اختصاص هذا الحكم بعلي رضي الله عنه.
الوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح مسلم، عن علي رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسي، والمعصفر وعن تختم الذهب" بحذف مفعول نهى، وحذف المفعول في ذلك يدل على عموم الحكم على التحقيق، كما حرره القرافي في شرح التنقيح من أن مثل نهى صلى الله عليه وسلم عن كذا صيغة عموم بما لا يدع مجالًا للشك. وممن انتصر لذلك: ابن الحاجب وغيره، واختاره الفهري.
والحاصل: أن التحقيق في مثل نهي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وقضى بالشفعة، وقضى بالشاهد واليمين، ونحو ذلك أنه يعم كل غرر، وكل شفعة، وكل شاهد ويمين وإن خالف في ذلك كثير من الأصوليين، كما حررنا أدلة الفريقين، وناقشناها في غير هذا الموضع.
الوجه الثالث: أن رواية "نهاني" التي احتج بها مدعي اختصاص هذا الحكم بعلي تدل أيضًا على عموم الحكم؛ لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة؛ لاستوائهم في أحكام التكليف إلَّا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم الحكم؟ لخلاف في حال، لا لخلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من الشافعية، والمالكية
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 478)
وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعم؛ لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم، ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، لكن بدليل آخر غير خطاب الواحد، وذلك الدليل بالنص والقياس. أما القياس فظاهر؛ لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي والنص، كقوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء"، و"ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة".
قالوا: ومن أدلة ذلك الحديث "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة".
قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء" وساق الحديث كما ذكرناه.
وقال صاحب "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس": "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"، وفي لفظ: "كحكمي على الجماعة"، ليس له أصل بهذا اللفظ، كما قال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر كالزركشي لا يعرف. وسئل عنه المزي، والذهبي فأنكراه. نعم يشهد له ما رواه الترمذي، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي "ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة" ولفظ الترمذي "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" وهو من
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 479)
الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها، لثبوتها على شرطهما.
وقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: "حكمي على الجماعة"، لا يعرف له أصل، إلى آخره قريبًا مما ذكرنا عنه. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرًا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها، وهي أخت خديجة بنت خويلد، وقيل: عمتها. واسم أبيها بجاد - بموحدة، ثم جيم - ابن عبد الله بن عمير التيمي تيم بن مرة، وأشار إلى ذلك في المراقي بقوله:
خطاب واحد لغير الحنبليّ … من غير رعي النص والقيس الجليّ
وبهذا كله تعلم أن التحقيق منع لبس المعصفر. وظاهر النصوص الإِطلاق، أي: سواء كان في الإِحرام، أو غيره كما رأيت. وجمع بعض العلماء بين الأحاديث التي ذكرناها في صحيح مسلم، الدالة على منع لبس المعصفر مطلقًا، وبين حديث أبي داود المتقدم الدال على إباحته للنساء في الإِحرام بان أحاديث المنع إنما هي بالنسبة للرجال، وحديث الجواز بالنسبة إلى النساء، فيكون ممنوعًا للرجال جائزًا للنساء، وتتفق الأحاديث.
وممن اعتمد هذا الجمع الترمذي في سننه حيث قال: باب ما جاء في كراهة المعصفر للرجال: حدثنا قتيبة، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي والمعصفر" وفي الباب عن أنس، وعبد الله بن عمرو. وحديث علي حديث حسن صحيح.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 480)