Arabic source text

📘 কাওয়াইদুত তারজীহ আল-মুতাআল্লিকা বিন নাসি ইনদা ইবনি আশুর ফী তাফসীরিহিত তাহরীরি ওয়াত তানবীর (আবীর বিনতে আব্দুল্লাহ আন-নুয়াইম)

📘 قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (عبير بنت عبد الله النعيم)

📘 কাওয়াইদুত তারজীহ আল-মুতাআল্লিকা বিন নাসি ইনদা ইবনি আশুর ফী তাফসীরিহিত তাহরীরি ওয়াত তানবীর (আবীর বিনতে আব্দুল্লাহ আন-নুয়াইম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
حيث يقول: " اعلم وفقني الله وإياك. أن القرآن العظيم قد دل في موضعين، على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق أحدهما في الصافات، والثاني في هود.
أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جداً من سياق الآيات، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (1). قال بعد ذلك عاطفاً على البشارة الأولى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (2) فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد--------------------------------------------
(1) سورة الصافات، الآية (106 - 110).
(2) سورة الصافات، الآية (112).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)

انتهاء قصة ذبحه يقول أيضاً: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزّه عنه كلام الله، وهو واضح في أن الغلام المبشَّر به أولاً الذي فُدي بالذبح العظيم، هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك.
وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (1) أن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذا احتمل التأسيس والتأكيد معاً، وجب حمله على التأسيس ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه.
ومعلوم في اللغة العربية، أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقيناً عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم
وأما الموضع الثاني الدال على ذلك ذكرنا أنه في سورة هود فهو قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} (2) لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو--------------------------------------------
(1) سورة النحل، الآية (97).
(2) سورة هود، الآية (71).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب.
فهذه الآية أيضاً دليل واضح على ما ذكرنا، فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك. والعلم عند الله تعالى" (1).
5 - مثال الإحياء والإماتة:
قال تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} (2).
اختلف المفسرون في المراد بالموتتين والإحياءين من قوله تعالى: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} على ثلاثة أقوال (3):
الأول: إن الله أحياهم حين خلقهم في الدنيا، ثم أماتهم فيها عند انقضاء آجالهم، … ثم أحياهم في قبورهم للمساءلة، ثم أماتهم إلى وقت البعث. ثم أحياهم للبعث، قاله السدي (4).
الثاني: إن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم، وذلك قوله:--------------------------------------------
(1) أضواء البيان / الشنقيطي، ص 1446.
(2) سورة غافر، الآية (11).
(3) انظر هذه الأقوال في جامع البيان / الطبري، ج 24، ص 56 - 57، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 549.
(4) أخرج روايته الطبري في تفسيره، ج 24، ص 57.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (1)، ثم إن اللَّه أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث فتكون حياتان وموتتان في الدنيا وحياة في الآخرة، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (2).
الثالث: إنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث، فهما ميتتان إحداهما في أصلاب الرجال، والثانية في الدنيا، وحياتان: إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك (3).
وهذا القول الثالث هو الذي اختاره ابن عاشور في تفسيره مستدلاً على ذلك بما جاء في القرآن.
وهذا قوله: " والمراد بإحدى الموتتين: الحالةُ التي يكون بها الجنين لَحْماً لا حياة فيه في أول تكوينه قبل أن يُنفخ فيه الروح، وإطلاق الموت على تلك الحالة مجاز وهو مختار الزمخشري والسكاكي ، بناء على أن حقيقة الموت انعدام الحياة من الحي بعد أن اتصف بالحياة، فإطلاقه على حالة انعدام الحياة قبلَ حصولها فيه--------------------------------------------
(1) سورة الأعراف، الآية (172).
(2) أخرج روايته الطبري في تفسيره، ج 1، ص 216، وذلك في معرض تفسيره لقوله تعالى: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ " من سورة البقرة، الآية (29).
(3) أخرج رواياتهم الطبري في تفسيره، ج 1، ص 215.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)

استعارةٌ، إلا أنها شائعة في القرآن حتى ساوت الحقيقة ، فلا إشكال في استعمال (أمتَّنا) في حقيقته ومجازه، ففي ذلك الفعل جمع بين الحقيقة والاستعارة التبعية تبعاً لِجريان الاستعارة في المصدر، ولا مانع من ذلك لأنه واقع ووارد في الكلام البليغ كاستعمال المشترك في معنييه، . وأما الموتة الثانية فهي الموتة المتعارفة عند انتهاء حياة الإنسان والحيوان.
والمراد بالاحياءتَيْن: الاحياءة الأولى عند نفخ الروح في الجسد بعد مبدأ تكوينه، والإِحياءة الثانية التي تحصل عند البعث، وهو في معنى قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} " (1) (2).
وهذا القول الذي رجحه ابن عاشور هو قول جمهور السلف (3).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الحياة تحصل ثلاث مرات أحدهما في الدنيا والثانية في القبر والثالثة عند البعث، والموت؛ مرة عند--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (28).
(2) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 11، ص 97 - 98.
(3) انظر جامع البيان / الطبري ج 1، ص 217، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 549، والتفسير الكبير/ الرازي، ج 9، ص 494، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 1، ص 266، عند تفسيره لقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} وذكر أنه أصح الأقوال، والبحر المحيط/ أبو حيان، ج 7، ص 435، ، ، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 332، وفتح القدير/ الشوكاني، ج 1، ص 60، وروح المعاني/ الألوسي، ج 12، ص 305، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 190، وكذلك حققه الشنقيطى في أضواء البيان ص 1471، وبين أنه القول الراجح الذي لا ينبغي العدول عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)

انقضاء الأجل وأخرى بعد المساءلة في القبر:
حجتهم قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} (1) وقالوا أن قوله {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا}: خطاب لأهل القبور بعد إحياءهم في قبورهم ، وقالوا: إن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة.
وردوا على الذين قالوا أن الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة، والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا، كما قالوا: لو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة (2).
وأصحاب هذا القول يقولون: إن الإماتة لا تصدق إلا على خروج الروح من الجسد (3).
قال الرازي: "احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ} فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (28).
(2) انظر أقوالهم في تفسير القرطبي، ج 15، ص 285.
(3) انظر جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 216، حيث ذكر الطبري الخلاف الوارد في معنى الإحياء والإماتة عند تفسيره لقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} من الآية (28) من سورة البقرة، مما أغنى عن إعادته في هذا الموضع من سورة غافر ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)

الذي يحصل عقيبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر" (1).

حجة أصحاب القول الثاني القائلين: إن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث:

ذكر الطبري وجه تأويل ابن زيد في تفسيره فقال: " وأما ابن زيد، فقد أبان عن نفسه ما قصَد بتأويله ذلك، وأنّ الإماتة الأولى عند إعادة الله جل ثناؤه عبادَه في أصلاب آبائهم، بعد ما أخذَهم من صُلب آدم، وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم، وأن الإماتة الثانية هي قبضُ أرواحهم للعود إلى التراب، والمصير في البرزخ إلى يوم البعث، وأن الإحياء الثالثَ هو نفخُ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة" (2).

حجة أصحاب القول الثالث القائلين: إنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث، فهما ميتتان، وإحياءان:
حجتهم بينها الطبري في تفسيره فقال: " إن هؤلاء ذهبوا إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميِّتٌ، وهذا أمر ميِّت - يراد بوصفه بالموت: خُمول ذكره، ودُرُوس أثره من الناس. وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمر حيّ، وذكر حيٌّ - يراد بوصفه بذلك أنه نابه مُتعالم في--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 494.
(2) جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 6.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)

الناس، كما قال أبو نُخَيْلة السعديّ: (1)
وأَحْيَيْتَ لِي ذكْري، وَمَا كُنْتُ خَامِلا … وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ (2).
يريد بقوله: "فأحييتَ لي ذكري"، أي: رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا، بعد أن كان خاملا ميتًا. فكذلك تأويل قول من قال في قوله: "وكنتم أمواتًا" لم تكونوا شيئًا، أي كنتم خُمولا لا ذكر لكم، وذلك كان موتكم فأحياكم، فجعلكم بَشرًا أحياء تُذكرون وتُعرفون، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، كالذي كنتم قبل أن يحييكم، من دروس ذكركم، وتعفِّي آثاركم، وخمول أموركم، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها، ونفخ الروح فيها" (3).
وذكر له الزمخشري مسوغاً غير هذا فقال: " فإن قلت: كيف صحّ أن يسمي خلقهم أمواتاً: إماتة؟ قلت: كما صحّ أن تقول: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل! وقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في--------------------------------------------
(1) أبو نخيلة: اسمه لا كنيته، كما قال أبو الفرج، ويقال اسمه: يعمر بن حزن بن زائدة، من بني سعد بن زيد مناة، وكان الأغلب عليه الرجز، وله قصيد قليل، وكان عاقاً بأبيه، فنفاه أبوه عن نفسه، والبيت من أبيات يمدح بها نفسه. (انظري الإكمال في الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى / علي بن هبة الله بن نصر بن ما كولا، ج 7، ص 257).
(2) المؤتلف والمختلف / الآمدي، ص 297.
(3) جامع البيان الطبري، ج 1، ص 215، 216.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)

صحته أن الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد، من غير ترجح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن " (1).
وقال الشنقيطي في (أضواء البيان): " والأظهر عندي أن المسوغ الذي سوغ إطلاق اسم الموت على العلقة، والمضغة مثلاً، في بطون الأمهات، أن عين ذلك الشيء، الذي هو نفس العلقة والمضغة، له أطوار كما قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} (2) {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} (3)، ولما كان ذلك الشيء، تكون فيه الحياة في بعض تلك الأطوار، وفي بعضها لا حياة له، صح إطلاق الموت والحياة عليه من حيث إنه شيء واحد، ترتفع عنه الحياة تارة وتكون فيه أخرى " (4).

القول الراجح:
ومما تقدم تبين لنا أن القول الثالث هو أصح الأقوال وأولاها بتفسير الآية، وهو الذي تقرره القاعدة، وعليه أكثر المفسرين، وهو الذي ذهب إليه ابن--------------------------------------------
(1) الكشاف / الزمخشري، ج 5، ص 334.
(2) سورة نوح، الآية (14).
(3) سورة الزمر، الآية (6).
(4) أضواء البيان / الشنقيطي، ص 1471.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)

عاشور في تفسيره، وترجيحه هذا بناء على قاعدة (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره) حيث قال بعد أن ذكر تفسير الآية أن ذلك في معنى قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (1) (2).
وكذلك رجحه الطبري بناءً على هذه القاعدة فقال: "وأولى ما ذكرنا من الأقوال التي بيَّنّا بتأويل قول الله جل ذكره: "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم" الآية، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وعن ابن عباس: من أن معنى قوله: "وكنتم أمواتًا" أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة" (3).
وكذلك رجحه الرازي بمضمون هذه القاعدة وذكر بأن قوله تعالى يدل عليه وهو: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (4) ومما تقدم تبين لنا أن--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية (28).
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 11، ص 97.
(3) جامع البيان الطبري، ج 1، ص 217.
(4) سورة البقرة، الآية (28)، وانظر التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 495.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)

ابن عاشور قد تابع جمهور المفسرين في ترجيح ذلك القول مستندا في ذلك إلى القاعدة.
وأما أصحاب القول الأول الذين يرون أن الحياة تحصل ثلاث مرات أحدهما في الدنيا والثانية في القبر والثالثة عند البعث، والموت؛ مرة عند انقضاء الأجل وأخرى بعد المساءلة في القبر فقد ردّ قولهم عدد من العلماء منهم الطبري، والرازي، والزمخشري، وأبو حيان ، حيث ساق الطبري بعض الأدلة التي تدل بالمنقول والمعقول على عدم حصول الحياة في القبر وذكر بأنه لا إنابة في القبور بعد الممات (1).

كما استبعده الرازي في تفسيره مبيناً أن الآية تدل على المنع من حصول حياة القبر، وبيّن أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها: في الدنيا، وثانيها في القبر، وثالثها في: القيامة، والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط، فتكون إحداهما في الحياة الدنيا والحياة الثانية في القيامة، والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا (2).كما ردّه الزمخشري، وأبو حيان، وبيّنا بطلانه، وذكرا أنه خلاف القرآن (3) (4).--------------------------------------------
(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 216.
(2) التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 495.
(3) انظر الكشاف / الزمخشري؛ تحقيق: عادل عبد الموجود، علي معوض، ج 5، ص 334، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 435.
(4) قلت: وإنكار أئمة المفسرين لهذا القول لا يعني إنكارهم لعذاب القبر، وإنما وقع إنكارهم على أن تكون الحياة في القبر مثل الحياة في الدنيا، ولا شك أن الحياة في القبر أمر عارض وغير مستقر، يشبه حال النائم.

وقد أنكر ابن القيم على من نفى حياة القبر فقال: " فهذا فيه إجمال أن أراد به الحياة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه وتحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس فهذا= =خطأ كما قال والحس والعقل يكذبه كما يكذبه النص، وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة بل تعاد إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ليسأل ويمتحن في قبره فهذا حق ونفيه خطأ وقد دل عليه النص الصحيح الصريح وهو قوله فتعاد روحه في جسده". (الروح / ابن القيم، ج 1، ص 43).
وقد سئل شيخ الإسلام عن سؤال منكر ونكير الميت إذا مات تدخل الروح فى جسده ويجلس ويجاوب منكرا ونكير فيحتاج موتا ثانيا؟
فأجاب: عود الروح إلى بدن الميت فى القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة الدنيا وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه ، كما أن النشأة الأخرى ليست مثل هذه النشأة وان كانت أكمل منها ، بل كل موطن في هذه الدار وفى البرزخ والقيامة له حكم يخصه، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يوسع له في قبره ويسأل ونحو ذلك وان كان التراب قد لا يتغير فالأرواح تعاد إلى بدن الميت وتفارقه. (مجموع الفتاوى، ج 4، ص 274).
وقال أبو محمد: وهذا حق لا يدفع عذاب القبر لأن فتنة القبر وعذابه والمساءلة إنما هي للروح فقط بعد فراقه للجسد إثر ذلك قبر أو لم يقبر برهان ذلك قول الله تعالى " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم " الآية وهذا قبل القيامة بلا شك وأثر الموت وهذا هو عذاب القبر وقال " إنما توفون أجوركم يوم القيامة " وقال تعالى في آل فرعون " النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب " (الفصل في الملل والأهواء والنحل / محمد بن حزم، ج 1، ص 438).
وقال ابن عاشور: " وقد أورد كثير من المفسرين إشكال أن هنالك حياةً ثالثة لم تذكر هنا وهي الحياةُ في القبر التي أشار إليها حديث سؤال القَبر وهو حديث اشتهر بين المسلمين من عهد السلف، وفي كون سؤال القبر يقتضي حياة الجسم حياة كاملة احتمال، وقد يُتأول بسؤال روح الميت عِند جسده أو بحصول حياة بعض الجسد أو لأنها لما كانت حياة مؤقتة بمقدار السؤال ليس للمتصف بها تصرف الإِحياء في هذا العالم، لم يعتد بها لاسيما والكلام مراد منه التوطئة لسؤال خروجهم من جهنم، وبهذا يعلم أن الآية بمعزل عن أن يستدل بها لثبوت الحياة عند السؤال في القبر" (التحرير والتنوير، ج 11، ص 98).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)

وأما القول الثاني بأن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم، ، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث:
فقد ضعفه الطبري واستبعده، وذكر أنه خلاف الظاهر، لأن ابن زيد ذكر أنّ الله أحياهم ثلاثة إحياءات، وأماتهم ثلاث إماتات ، والله جل ثناؤه أخبر في كتابه -عن الذين أخبر عنهم من خلقه- أنهم قالوا: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} (1).

كما ضعفه ابن عطية، وابن جزي، وأبو حيان، وملخص قولهم أنه يترتب عليه أن يكون الإحياء ثلاث مرات وهو خلاف القرآن (2)، وكذلك استبعده ابن كثير في تفسيره وذكر أنه قول غريب (3).--------------------------------------------
(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 216.
(2) انظر المحرر الوجيز/ ابن عطية، ج 4، ص 549، والتسهيل لعلوم التنزيل / ابن جزي، ج 2، ص 478، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 435.
(3) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 332.
ونظائر هذه الأمثلة كثيرة جداً في تفسيره ، منها:
1 - ما جاء في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال: 15 - 16). =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= وفيها قول ابن عاشور: " والذي أرى في فقه هذه الآية أن ظاهر الآية هو تحريم التولي على آحادهم وجماعتهم إذا التقوا مع أعدائهم في ملاحم القتال والمجالدة، بحيث إن المسلمين إذا توجهوا إلى قتال المشركين أو إذا نزل المشركون لمقاتلتهم وعزموا على المقاتلة فإذا التقى الجيشان للقتال وجب على المسلمين الثبات والصبر … ، وهذا هو الذي يشهد له قوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال: 45). (التحرير والتنوير، ج 6، ص 291.
2 - قوله تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} (سورة يوسف: 46).
وفيها ترجيح ابن عاشور أن الصديقين هم دوين الأنبياء وهذا قوله: " وأحسنُ ما رأيت في هذا المعنى كلمة الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن قال: «الصديقون هم دُوَيْن الأنبياء». وهذا ما يشهد به استعمال القرآن في آيات كثيرة مثل قوله: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ} (النساء: 69). (التحرير والتنوير، ج 6، 284).
3 - ما جاء في قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} (سورة طه: 67 - 68) وفيه نقل ابن عاشور خلاف المفسرين في وجه خوف موسى عليه السلام فقال: " وإنما خاف موسى من أن يظهر أمر السحرة فيساوي ما يظهر على يديه من انقلاب عصاه ثعباناً، لأنه يكون قد ساواهم في عملهم ويكونون قد فاقوه بالكثرة، أو خشي أن يكون الله أراد استدراج السحرة مدّة فيملي لهم بظهور غلبهم عليه ومدّه لما تكون له العاقبة فخشي ذلك " - ورجّح ابن عاشور القول الأول بدلالة القرآن الكريم، وفي ذلك يقول -: =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
=" والدليل على هذا قوله تعالى: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} فتأكيد الجملة بحرف التأكيد وتقويةُ تأكيدها بضمير الفصل وبالتعريف في (الأعلى) دليل على أن ما خامره من الخوف إنّما هو خوف ظهور السحرة عند العامة .. " (التحرير والتنوير، ج 8، ص 259).
4 - ما جاء في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} (سبأ: 31)، وفيه قول ابن عاشور: والظالمون المشركون، قال تعالى {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان: 13)، (التحرير والتنوير، ج 11، ص 203).
5 - ما جاء في قوله تعالى: {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)} (الطور: 1 - 5) قال ابن عاشور: " وأما السقف المرفوع: ففسروه بالسماء لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} (الأنبياء: 32). (التحرير والتنوير، ج 13، ص 39).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)

‌‌المبحث الثاني
الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره ما لم يرد دليل يصرفه عن ظاهره
‌‌صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله فالأصل في نصوص القرآن أن تحمل على ظواهرها، وتفسَّر على حسب ما يقتضيه ظاهر اللفظ، ولا يجوز أن يعدل بألفاظ الوحي عن ظاهرها إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه (1).

‌‌شرح مفردات القاعدة:
الظاهر لغة: قال ابن فارس: "الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، ومن ذلك ظهر الشيء يظهر ظهوراً فهو ظاهر" (2).
وقال ابن منظور: " الظاهر: خلاف الباطن؛ ظهر يظهر ظهوراً ، فهو ظاهر وظهير " (3).
اصطلاحاً: هو مدلول النص المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، أو المعنى الذي يسبق إلى فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ (4).
والدليل لغة: قال ابن منظور: " الدليل: ما يستدل به ، والدليل الدال ،--------------------------------------------
(1) انظر شرح الكوكب المنير / الفتوحي، ج 2، ص 147 ، وأضواء البيان / الشنقيطي ، ص 395.
(2) معجم مقاييس اللغة / ابن فارس، ص 618.
(3) لسان العرب / ابن منظور، ج 8، ص 276، مادة: ظهر.
(4) انظر الموافقات / الشاطبي، ج 3، ص 383، 391، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، عثمان علي حسن، ج 1، ص 398.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)

وقد دله على الطريق يدله دلالة ودلولة، والدليل والدليلي الذي يدلك" (1).
واصطلاحاً: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (2)، إما أن يكون عقلياً ظاهراً أو سمعياً ظاهراً.
أما الدليل العقلي الظاهر، هو الذي يعلم به كل المراد، وأن الظاهر غير مراد، وذلك مثل قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (3) يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم.
وأما الأدلة السمعية فهي الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر، فإذا وجد الدليل جاز صرف اللفظ عن ظاهره.
ولقد اشترط العلماء لصحة حمله على معنى معين خلاف الظَّاهر شروطاً:
الأول: أن يكون المعنى المدعى موافقاً لوضع اللغة أو عرف الاستعمال وعادة صاحب الشرع، وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح.
الثاني: أن يقوم الدليل على أن المراد بذلك اللفظ هو المعنى الذي حمل عليه، ويسلم ذلك من الدليل المعارض (4).
ونصّ ابن عاشور في المقدمة الرابعة من تفسيره على هذه القاعدة حين ذكر طرائق المفسرين للقرآن، وعدّ ثلاث طرق ذكر منها: وجوب الاقتصار--------------------------------------------
(1) لسان العرب / ابن منظور، ج 4، ص 394، مادة: دلل.
(2) انظر شرح الكوكب المنير / الفتوحي، ج 1، ص 52.
(3) سورة الزمر الآية (62).
(4) انظر الموافقات / الشاطبي، ج 3، ص 383، 391، وإرشاد الفحول / الشوكاني، ج 2، ص 517.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)

على الظاهر من المعنى الأصلي للتركيب مع بيانه وإيضاحه وأنه هو الأصل (1).
ولكن مما يجب الإشارة إليه أن ابن عاشور قد خالف في هذه القاعدة أحياناً، وذلك بناء على عقيدته الأشعرية، وسيتضح ذلك من خلال الأمثلة التطبيقية. (2)

‌‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:
قال ابن القيم: "إذا جاء النص وكان دالاً على الحكم وظاهرا فيه، يسقط الاجتهاد ولا يعتد به. إذ لا اجتهاد مع النص وهذا ما أقره السلف ".
وحذّر ابن القيم من مخالفته فقال: " فإن من الناس من إذا استبان لهم في الكتاب والسنة، أو أقوال الصحابة خلاف ذلك، لم يلتفتوا إليه ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه " (3).
وقال ابن تيمية في الفتاوى: إنه يجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره؛ لأنه لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وذلك لأن القرآن يدل عليه والسنة توافقه والسلف عليه؛ ولأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيراً له بالرأي، كما بين أن المحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين (4).
كما ذكر ابن تيمية في الفتاوى: إن لفظ الظاهر عند المتكلمين استعمل--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 42.
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 9، ص 332 - 333.
(3) إعلام الموقعين عن رب العالمين / ابن القيم، ج 2، ص 246.
(4) انظر مجموع الفتاوى، ج 6، ص 21.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

استعمالاً يخالف ما كان عليه السلف، وما أريد به في هذه القاعدة. فقال: "ولفظ الظاهر في عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك فإن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو من خصائص المخلوقين حتى يُشبّه الله بخلقه فهو ضال؛ بل يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ، يعني أن موعود الله في الجنة من الذهب والحرير والخمر واللبن تخالف حقائقه حقائق الأمور الموجودة في الدنيا؛ فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا يدركه العباد ليست حقيقته كحقيقة شيء منها ، وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو الظاهر في عرف سلف الأمة لا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يلحد في أسماء الله تعالى ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة ، بل يجري ذلك على مااقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة فهذا مصيب في ذلك وهو الحق " (1).
كما ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره أنه لا يجوز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته. (2).
وكذلك نصّ الرازي على هذه القاعدة في معرض تفسيره لبعض الآيات حيث قال: " إن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا منع منه مانع " (3).
كما أن هذه القاعدة من أكثر القواعد دوراناً في تفسير الشنقيطي، ومن--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 13، ص 379.
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 299.
(3) التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 549.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

أقواله القيّمة في ذلك قوله: " والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة علماء المسلمين، أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح " (1).

‌‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 - مثال غضب الله:
قال تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (2).
للمفسرين في معنى غضب الله تعالى أقوال من أبرزها:
الأول: إن غضبُ الله على من غضب عليه من خلقه هو إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه، إمّا في دنياه، وإمّا في آخرته، كما وصف به نفسه جلّ ذكره في كتابه فقال: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} (3). وكما قال: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} (4).
الثاني: الغضب من الله معناه مفهوم، كالذي يعرف من معاني الغضب، غير--------------------------------------------
(1) أضواء البيان / الشنقيطي، ج 7، ص 1591.
(2) سورة الفاتحة، الآية (7).
(3) سورة الزخرف، الآية (55).
(4) سورة المائدة، الآية (60).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم.
لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها (1).
وهذان القولان ذكرهما ابن جرير في تفسيره، والقول الأخير الذي حكاه هو قول السلف، وأما الأول فهو قول المؤولة من أشعرية وغيرهم، ولم يرجح ابن جرير قول السلف على غير عادته.
أما ابن عاشور فقد خالف القاعدة التي نص عليها حيث يقول في تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} " وإذْ كانت حقيقة الغضب يستحيل اتصاف الله تعالى بها وإسنادُها إليه على الحقيقة ، للأدلة القطعية الدالة على تنزيه الله تعالى عن التغيرات الذاتية والعرضية، فقد وجب على المؤمن صَرف إسناد الغضب إلى الله عن معناه الحقيقي، وطريقةُ أهل العلم والنظر في هذا الصرف أن يصرف اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه فالذي يكون صفة لله من معنى الغضب هو لازمه، أعني العقاب والإهانة يوم الجزاء واللعنة أي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا أو هو--------------------------------------------
(1) جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 93.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)