تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل.
ورجّح ابن عاشور أن المراد بيمينه قدرته وهذا قوله: " واليمين: وصف لليد ولا يدَ هنا وإنما هي كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين قال الشاعر أنشده الفرّاء والمبرد، قال القرطبي:
ولما رأيتُ الشمس أشرقَ نورها … ناولتُ منها حَاجتي بيمين
أي بقدرة. وضمير (منها) يعود على مذكور في أبيات قبله، والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ الأرض في قَبضته ومن كانت السماوات مطويةً أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيَّل وهي تمثيلية تنحل أجزاؤها إلى استعارتين، وفيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة ولكن نظامهما المعهود اعتراه تعطيل" (1). وإلى مثل ذلك ذهب ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان (2).
في حين أثبت كلٌ من الطبري، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي القبضة واليمين لله كما أثبتها الله لنفسه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل (3).
أما القاسمي فقد ذكر أن في الآية مذهبين: مذهب السلف وهو إثبات ذلك--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 11، ص 62.
(2) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 541، والتفسير الكبير / الرازي ج 9، ص 474، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي.، ج 15، ص 267، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 422،
(3) انظر جامع البيان / تالطبري، ج 24، ص 34، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 12، ص 150، وفتح القدير / الشوكاني، ج 4، ص، 477.، وروح المعاني / الألوسي، ج 12، ص 281
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
من غير تكييف ثم ذكر القول الآخر وهو قول المؤولة ، ولم يعلق (1).
حجة القائلين: إن المراد بـ {بِيَمِينِهِ} المعنى المجازي أي قدرته وقوته:
قال ابن عطية: "وعلى كل وجه، فا «اليمين» هنا و «القبضة» وكل ما ورد: عبارة عن القدرة والقوة، وما اختلج في الصدور من غير ذلك باطل، وما ذهب إليه القاضي من أنها صفات زائدة على صفات الذات قول ضعيف، ويحسب ما يختلج في النفوس التي لم يحضنها العلم " (2).
وقال الرازي: " لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره قال تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (3).
والمراد منه كونه مملوكاً له، ويقال هذه الدار في يد فلان، وفلان صاحب اليد، والمراد من الكل القدرة، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته، ولا يريدون إلا خلوص ملكه، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صوناً لهذه النصوص عن--------------------------------------------
(1) انظر محاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 281، وأضواء البيان / الشنقيطي/ ص 893.
(2) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 541.
(3) سورة المعارج، الآية (30).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
التعطيل، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب" (1)
حجة القائلين: إن المراد بـ {بِيَمِينِهِ} المعنى الحقيقي لها:
استدلوا بالأحاديث الدالة على هذا المعنى ومنها ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَقْبِضُ اللهُ الأرض يومَ القيامة ويَطْوي السماءَ بيمينه، ثم يقول: أنا الملِك، أين ملوكُ الأرض؟ » (2) وأخرج مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَطْوي الله عز وجل السموات يومَ القيامة، ثم يأخذُهُنَّ بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملِك، أين الجبّارون، أين المتكبِّرون؟ » (3).
القول الراجح:
القول الراجح في المسألة هو مذهب السلف الصالح
ومما يؤيد هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له)، وقد جاءت الأحاديث في ذلك منها:
ما رواه البخاري ومسلم وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! إن الله يضع السماء على إصبع ، والأرض على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر والأنهار على إصبع ، وسائر الخلق على--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 474.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة)، ج 4، ص 1812، ح- 4534.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، ج 4، ص 2148، ح- 2788
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
إصبع ، ثم يقول بيده: أنا الملك فضحك رسول الله وقال: وما قدروا الله حق قدره " (1).
وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: مرّ يهودي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس قال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه وأشار بالسبابة، والأرضين على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، كل ذلك يشير بأصابعه فأنزل الله تعالى: " {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} " (2).
وروي أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة .. " (3).
قال الألوسي: " والسلف يقولون أيضاً: إن الكلام تنبيه على مزيد جلالته--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا "، ج 6، ص 2712، ح- 7013، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، ج 4، ص 2147، ح- 2786.
(2) أخرجه أحمد في مسنده، ج 1، ص 251، ح- 2267، والترمذي في سننه، باب ومن سورة الزمر، ج 5، ص 371، ح- 3240، وقال أبو عيسى: " هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة، ج 5، ص 2389، ح- 6155، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب نزل أهل الجنة، ج 4، ص 2151، ح- 2792.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
تعالى وعظمته سبحانه ورمز إلى أن آلهتهم أرضية أم سماوية مقهورة تحت سلطانه عز وجل إلا أنهم لا يقولون: إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ولا اليمين مجاز عن القدرة بل ينزهون الله تعالى عن الأعضاء والجوارح ويؤمنون بما نسبه إلى ذاته بالمعنى الذي أراده سبحانه وكذا يفعلون في الأخبار الواردة في هذا المقام .. والمتأولون يتأولون الأصابع على الاقتدار وعدم الكلفة كما في قول القائل: أقتل زيداً بأصبعي، ويبعد ذلك ظاهر ما أخرجه أحمد - وقد تقدم - " (1).
5 - مثال معنى منفكين:
قال تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4)} (2).
هذه الآيات أشكلت على كثير من العلماء، وحصل في كلام كثير منهم اضطراب،
حيث اختلف المفسرون في معنى منفكين اختلافاً كثيراً، حتى قال الواحدي في كتاب البسيط ما نصه: " هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظماً وتفسيراً، حيث اختلف في منفكين اختلافاً كثيراً عند جميع المفسرين--------------------------------------------
(1) روح المعاني / الألوسي، ج 12، ص 281.
(2) سورة البينة، الآية (1 - 4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
وتخبط فيها الكبار من العلماء " (1).
وذكر ابن عاشور وجه الإشكال الوارد في الآية نقلاً عن الفخر الرازي فقال: "قال الفخر: " وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين، عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول، ثم قال بعد ذلك: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر" (2).
إلى أن قال ابن عاشور: " ومما لم يذكره الفخر من وجه الإِشكال: أن المشاهدة دلت على أن الذين كفروا لم ينفكوا عن الكفر في زمن مَّا، وأن نصب المضارع بعد (حتى) ينادي على أنه منصوب ب (أنْ) مضمرة بعد (حتى) فيقتضي أنّ إتيان البينة مستقبل وذلك لا يستقيم فإن البينة فسرت بـ (رسول من اللَّه) وإتيان الرسول وقع قبل نزول هذه الآيات بسنين، وهم مستمرون على ما هم عليه: هؤلاء على كفرهم، وهؤلاء على شركهم (3).
ولهذا السبب تعددت أقوال المفسرين في هذه الآية حتى بلغت بضعة عشر--------------------------------------------
(1) الوسيط في تفسير القرآن المجيد / الواحدي، ج 4، ص 539.
(2) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 11، ص 237.
(3) التحرير والتنوير ، ج 15 ، ص 470.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
قولاً ذكر الألوسي بعضاً منها (1)، والقرطبي معظمها (2)، وذكر ابن عاشور مراجع تأويلها (3).
ومدار هذه الأقوال وأشهرها يدور على أربعة أقوال (4):
القول الأول:
أي لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عبدة الأوثان منفكين ومنتهين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة.، وهذا قول مجاهد وقتادة وابن زيد (5).
القول الثاني:
المعنى أنهم لم يكونوا تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، حتى يبعث، فلما بعث تفرقوا فيه
القول الثالث:
المراد لم يكونوا منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم رسولاً منذراً تقوم عليهم به الحجة.
القول الرابع:
تأويل الخبر إلى معنى التوبيخ والتعجب - أي أن كلمة منفكين لا تؤخذ على ظاهرها _، وذلك بصرف الخبر عن ظاهره إلى المعنى المجازي بأن يستعمل في معنى الإنشاء والتوبيخ.
ورجّح ابن عاشور القول الرابع فقال: " وإذ قد تقرر وجه الإِشكال وكان مظنوناً أنه ملحوظ للمفسرين إجمالاً أو تفصيلاً ، فقد تعين أن هذا الكلام ليس--------------------------------------------
(1) روح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 427.
(2) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ، ج 20 ، ص 141.
(3) انظر التحرير والتنوير، ج 15، ص 470 - 471.
(4) انظر النكت والعيون / الماوردي، ج 6، ص 315، والتحرير والتنوير، ج 15، ص 470 - 471.
(5) أخرج رواياتهم الطبري في تفسيره، ج 30، ص 317.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
وارداً على ما يتبادر من ظاهره في مفرداته أو تركيبه، فوجب صرفه عن ظاهره، إما بصرف تركيب الخَبر عن ظاهر الإِخبار وهو إفادة المخاطَب النسبة الخبرية التي تضمنها التركيب، بأن يُصرف الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب، وإما بصرف بعض مفرداته التي اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى معنى مجاز أو كناية " (1)، وإلى هذا المعنى ذهب الفراء (2) والزمخشري (3).
أما الطبري فقد رجّح القول الثاني فقال: " وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولا إلى خلقه. (4)، في حين اختار الرازي، وكذلك ابن كثير، والشوكاني، والقاسمي القول الأول (5)، وهو قول مجاهد وقتادة وابن زيد (6)
واختار القول الثالث ابن عطية ووصفه بأنه قول بارع في معنى الآية وتبعه أبو حيان، والشنقيطي كذلك حيث ذكر أن هذا القول يحل الإشكال الوارد--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 15، ص 470.
(2) معاني القرآن / الفراء، ج 3، ص 281.
(3) الكشاف / الزمخشري، ج 6، ص 411.
(4) تفسير الطبري، ج 30، ص 317.
(5) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 14، ص 423، وفتح القدير / الشوكاني، ج 5، ص 474، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 9، ص 454.
(6) أخرج رواياتهم الطبري في تفسيره، ج 30، ص 317.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
على الآية (1). أما القرطبي فقد ساق تلك الأقوال ولم يرجح (2).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن معنى منفكين أي منتهين عن كفرهم:
قال الرازي: " ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول" (3).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن معنى منفكين أي تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم:
هذا القول رجحه الطبري، ولم يذكر وجهاً لترجيحه.
قال القشيري: " وفيه بعد؛ لأن الظاهر من قوله: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ} أن هذا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. فيبعد أن يقال: لم يكن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم منفكين حتى يأتيهم محمد، إلا أن يقال: أراد: لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد - وإن كانوا من قبل معظمين له، بمنتهين عن هذا الكفر، إلى أن يبعث الله محمدا إليهم ويبين لهم الآيات، فحينئذ يؤمن قوم " (4).
وكذلك ردّه شيخ الإسلام بقوله: " فليس في اللفظ ما يدل على أن الانفكاك عن أمر محمد خاصة، وأيضاً هذا المعنى مذكور في قوله: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ--------------------------------------------
(1) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج، ص، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 8، ص 495، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 1982.
(2) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 20، ص 140 - 141.
(3) التفسير الكبير / الرازي، ج 11، ص 237.
(4) لم أقف على هذه العبارة في لطائف الإشارات ونقلته من تفسير القرطبي، ج 20، ص 141.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} فلو أريد بهذه لكان تكريراً محضاً (1).
حجة أصحاب القول الثالث الذين يرون أن معنى منفكين أي من أمر الله تعالى وقدرته ونظره:
استدلوا على ذلك بما جاء في كتاب الله تعالى دالاً عليه، قال ابن عطية وهذا المعنى له نظائر في كتاب الله تعالى (2)
والذي يظهر والله أعلم أن ابن عطية رجح هذا القول بناء على قاعدة: (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره).
ومن الآيات التي تدل على هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} (3) ويماثله قول الله -جل وعلا-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (4).
وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى / شيخ الإسلام ابن تيمية، 16، ص 488.
(2) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 507.
(3) سورة الزخرف، الآية (3 - 5).
(4) سورة المؤمنون، الآية (115).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} (1).
"وقد يكون من حجتهم على هذا القول قول بعض اللغويين أن معنى: «مُنفكِّينَ»، أي: هالكين، من قولهم: انفك صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى: لم يكونوا معذّبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب " (2).
حجة أصحاب القول الرابع الذين يرون أن منفكين لا تؤخذ على ظاهرها وإنما تؤول
وهم يرون أن الآية جاءت بمعنى التوبيخ، وحجتهم في هذا المعنى بينها الزمخشري بقوله: "كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأصنام يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرّهم على الكفر إلاّ مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلاّ بعد اليسار: يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً. وانفكاك الشيء من الشيء: أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم--------------------------------------------
(1) سورة ص، الآية (27).
(2) اللباب في علوم الكتاب / ابن عادل، ج 20، ص 435.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
إذا انفك من مفصله؛ والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلاّ عند مجيء البينة. و (البينة) الحجة الواضحة. و (رَّسُولٌ) بدل من البينة (1).
وقال الفراء: " ويصدق ذلك: قوله عز وجل: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} (2) " (3).
وأعجب هذا القول ابن عاشور حيث قال فيه: " وهذا تعريض بالتوبيخ بأسلوب الإِخبار المستعمل في إنشاء التعجيب أو الشكايةِ من صَلَف المُخبر عنه، وهو استعمال عزيز بديع وقريب منه قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} (4) إذ عَبَّر بصيغة يَحْذَر وهم إنما تظاهروا بالحذر ولم يكونوا حاذرين حقاً ولذلك قال الله تعالى:
{قُلِ اسْتَهْزِئُوا} " (5).
وذكر ابن عاشور أن هذا القول تؤيده آية أخرى وهو قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ--------------------------------------------
(1) الكشاف / الزمخشري، ج 6، ص 411.
(2) سورة البينة، الآية (4).
(3) معاني القرآن / الفراء، ج 3، ص 281.
(4) سورة التوبة، الآية (64).
(5) التحرير والتنوير، ج 15، ص 471.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} (1).
فمما سبق تبيّن لنا أن ابن عاشور قد رجّح هذا القول بناء على القاعدة وهي: (تقديم المجاز على الحقيقة إذا وجدت القرينة) حيث قال: "فقد تعين أن هذا الكلام ليس وارداً على ما يتبادر من ظاهره في مفرداته أو تركيبه، فوجب أن يُصرف الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب، وإما بصرف بعض مفرداته التي اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى معنى مجاز أو كناية " (2).
كما أنه عضد قوله بتأييد الآية القرآنية له، وذلك ضمن القاعدة التي تقول: (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره).
القول الراجح:
ولكن الذي يظهر لي بعد الدراسة والنظر أن القول الراجح هو القول الثالث وهو الذي رجحه ابن عطية، وذكر الشنقيطي أنه يحل الإشكال الوارد على الآية، كما تقدم.
وكذلك ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث ناقش تلك الأقوال وردّ بعضها ثم قال: فقوله: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} (3) أي: لم يكونوا متروكين--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (89).
(2) التحرير والتنوير، ج 15، ص 470.
(3) سورة البينة، الآية (1).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
باختيار أنفسهم على هواهم يفعلون ما يهوونه ولا حجر عليهم، كما أن المنفك لا حجر عليه .. إلى أن قال: فالمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل، والمعنى: أن الله لا يخليهم ولا يتركهم، فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولاً كقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} (1) أي: لا يؤمر ولا ينهى، يعني: أيظن أن هذا يكون؟ ! فهذا ما لا يكون البتة، بل لابد أن يؤمر وينهى. وقريب من ذلك قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5)} (2) أنعرض عنكم بسبب إشراككم؟ ! فهذا استفهام إنكاري بمعنى: لأجل إشراككم نترك إنزال الذكر، ونعرض عن إرسال الرسل؟ ! فهذا ما لا يكون. فتبين من ذلك كله أن الأصح في تفسير قوله تعالى: ((مُنفَكِّينَ)) أي: متروكين، وبه يزول الإشكال الذي أورده الفخر الرازي، ويستقيم السياق، ويتضح المعنى (3).--------------------------------------------
(1) سورة القيامة، الآية (36).
(2) سورة الزخرف، الآية (4).
(3) انظر مجموع الفتاوى / شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 16، ص 482 - 489.
ونظائر هذه الأمثلة في تفسيره هي الآتي:
1 - … ما جاء في قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= أَشَدُّ قَسْوَةً … } (البقرة: 74) وفيها قوله: " والقسوة والقساوة توصف بها الأجسام .. ، واستعملت في القلوب مجازاً وهو الصحيح، فقد شاع هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة " (التحرير والتنوير، ج 1، ص 563).
2 - … ما جاء في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ .. } (آل عمران: 135)، وفيه قوله: " والذكر في قوله: " ذَكَرُوا اللَّهَ " ذكر القلب وهو ذكر ما يجب لله على عبده، وما أوصاه به. وأما ذكر اللسان فلا يترتب عليه ذلك، والاستغفار طلب الغفر أي الستر، وهو مجاز في عدم المؤاخذة " (التحرير والتنوير، ج 3، ص 92).
3 - … ما جاء في قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} (النساء: 171)، وفيها قوله: " إطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة .. " (التحرير والتنوير، ج 4، ص 52).
4 - … ما جاء في قوله تعالى: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} (الزخرف: 186)، وفيه قوله: " " ومستمسكون " مبالغة في ممسكون، يقال: أمسك بالشيء إذا شدّ عليه يده، وهو مستعملاً مجازاً في معنى الثبات على الشيء كقوله تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الزخرف: 43) (التحرير والتنوير، ج 12، ص 187).
5 - … ما جاء في قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} (التغابن: 8)، وفيه قوله: فليست مادة التغابن في قوله " يوم التغابن" مستعملة في حقيقتها إذ لا تعارض حتى يكون فيه غبن بل هو مستعمل في معنى الخسران على وجه المجاز المرسل " (التحرير والتنوير، ج 13، ص 276).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
المبحث الخامس
إذا خلت الأقوال في الآية من مستند شرعي وكانت متساوية فالقول الموافق لما جاء في التوراة مقدم على غيره.
صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب، ولم يكن لكل منهم دلالة واضحة على قوله، وليس هناك دليل قوي يرجح قول أحدهم، فإن القول الذي يوافق ما جاء في التوراة أقرب للصواب.
ومما يلاحظ على ابن عاشور أنه كان أحياناً يستعين بما جاء في التوراة لتأييد ما يذهب إليه، فيقول: (وجاء في سفر كذ) (وظاهر ما في سفر كذا) وهذا قد يعد مأخذاً، فالقرآن مهيمن على الكتب السابقة.
ولكننا قد نعذره أحيانا لكونه في مقام المجتهد الذي يريد أن يحسم قولا راجحا في الآية فهو بعد البحث والنظر وحين لا تسعفه الأدلة يذكرها من باب اللطائف التي تعزز قوله في الترجيح، ويؤكد ذلك أنه في موضع من تفسيره وبعد أن ذكر ما جاء في سفر التثنية وفيه ما يشير إلى ما يراه راجحاً قال بعد ذلك: " وبعد فالقرآن حجة على غيره مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه " (1).
ومع ذلك فإننا نجد اهتمام ابن عاشور بهذه القاعدة ظاهر في مواضع عدة من تفسيره حتى إننا لنجده أحياناً يرد قولاً ذكره المفسرون لأنه لم يجده في--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 506.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
كتب بني إسرائيل.
ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} (1): "وليس في كتب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير " (2).
مع أن ظاهر الآية يدل على ذلك، وإليه ذهب المفسرون.
قال أبو عبيدة: "المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه. قال: وكل شيء قلعته فرميت به فقد نتقته، وقيل نتقناه رفعناه" (3).
وقال السدي: " فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم فسقطوا سجدًا فسجدوا على شق، ونظروا بالشق الآخر، ففكشفه عنهم، فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك " (4).
وقال ابن كثير: " وفي حديث الفتون: عن ابن عباس رضي الله عنه: أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا " (5).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (63).
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 541.
(3) ذكره الطبري في تفسيره ، ج 1، ص 132.
(4) ذكره الطبري في تفسيره، ج 1، ص 374.
(5) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 435.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
أما عن موقف ابن عاشور من الإسرائيليات فشأنه شأن معظم المفسرين، حيث وقع في الإسرائيليات، إلا أنه كان مُقلاً إذا ما قارناه مع غيره من المفسرين، وكان أحياناً يُحذر منها، ويصفها بالخرافات وعلى كل حال، فهو بالنسبة لغيره يُعدّ من المقلّين في هذا المجال.
أقوال العلماء في القاعدة:
هذه القاعدة لم أجد لها ذكرا عند العلماء ولكني استوحيتها من تفسير ابن عاشور، حيث وجدته في أكثر من موضع إذا اختلفت الأقوال حول الآية فإنه يؤيد ما ذهب إليه بما جاء في التوراة، أما عن موقف العلماء من هذه القاعدة فسيتضح بما يأتي:
قال ترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه: " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم محضاً لم يشب " (1).
وقال الحافظ ابن كثير: " وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله صلى الله عليه وسلم: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (2). فيما قد يجوزه العقل، فأما ما تحيله العقول، ويحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل " (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء"، ج 13، ص 345، ح- 7363.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ج 6، ص 572، ح 3461، من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً.
(3) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 4، ص 236.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
واعتبر الزرقاني دخول الإسرائيليات في التفسير سبباً من أسباب ضعف التفسير المأثور حيث قال: " إن تلك الروايات مليئة بالإسرائيليات ومنها كثير من الخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها ومنها ما يتعلق بأمور العقائد التي لا يجوز الأخذ فيها بالظن " (1).
وقال العلامة عبد الرحمن السعدي: " واعلم أن كثيراً من المفسرين قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليه الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيراً لكتاب الله تعالى … ولا يجوز جعلها تفسيراً لكتاب الله قطعاً إذا لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكاً فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل " (2).
وتكلم الأستاذ محمد حسين الذهبي عن حقيقة الإسرائيليات، وموقف المفسر إزاءها كلاماً جيداً، فبعد أن ذكر أقسام الإسرائيليات قال: " علمنا أن كثرة النقل عن أهل الكتاب بدون تفرقة بين الصحيح والعليل دسيسة دخلت فى ديننا واستفحل خطرها، كما علمنا أن قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا--------------------------------------------
(1) مناهل العرفان / الزرقاني، ج 2 / ص 19.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / السعدي، ج 1، ص 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
تُكَذِّبوهم" قاعدة مقرَّرة لا يصح العدول عنها بأى حال من الأحوال، وبعد هذا وذاك نقول: إنه يجب على المفسِّر أن يكون يقظاً إلى أبعد حدود اليقظة، ناقداً إلى نهاية ما يصل إليه النقاد من قدة وروية حتى يستطيع أن يستخلص من هذا الهشيم المركوم من الإسرائيليات ما يناسب روح القرآن، ويتفق مع العقل والنقل، كما يجب عليه أن لا يرتكب النقل عن أهل الكتاب إذا كان فى سنَّة نبينا صلى الله عليه وسلم بيان لمجمل القرآن، على أن من الخير للمفسِّر أن يعرض كل الإعراض عن هذه الإسرائيليات وأن يمسك عما لا طائل تحته مما يُعَد صارفاً عن القرآن، وشاغلاً عن التدبير في حكمه وأحكامه، وبدهي أن هذا أحكم وأسلم " (1).
أمثلة تطبيقية على القاعدة:
1 - مثال خلق السماوات والأرض:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (2).
وقع خلاف بين علماء السلف في خلق السماوات والأرض وأيهما سبق الآخر، وقد ساق هذه الأقوال ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقد جرى اختلاف بين علماء السلف في مقتضى الأخبار الواردة في خلق السماوات والأرض فقال الجمهور منهم مجاهد والحسن ونسب إلى ابن عباس رضي الله عنه: إن خلق الأرض متقدم--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون / الذهبي، ج 1، ص 191 - 193.
(2) سورة البقرة، الآية (29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)