وأما عن موقف ابن عاشور من النسخ الاصطلاحي فقد قال: " المعروف عند الأصوليين بأنه: رفع الحكم الشرعي بخطاب، فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع، وخرج بقولنا: الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف، إذ البراءة الأصلية ليست حكما شرعيا بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع، بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها، أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات فالأول نحو قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (1) في التجارة في الحج، حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز، ومثال الثاني قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (2) بعد ذكر النساء المحرمات وقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (3).
لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار، وفهم من قولهم في التعريف: (رفع الحكم) أن ذلك الحكم كان ثابتا لولا رفعه ، وقد صرح به بعضهم ، ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو: رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (198).
(2) سورة النساء، الآية (24).
(3) سورة البقرة، الآية (187).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيا بغاية عند انتهاء غايته، ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار" (1).
ومما تقدم يتبين لنا دقة ابن عاشور في تحريره لمعنى النسخ اللغوي والاصطلاحي، كما أضاف للتعريف الاصطلاحي قيدا على ما ذكره الأصوليون بقوله: هو رفع الحكم الشرعي " المعلوم دوامه" مما يجعله أكثر دقة، كما أن قوله: "بخطاب يرفعه" يجعله أكثر شمولا حيث أن الخطاب يشمل الدليل القطعي (القرآن) والظني (السنة) بخلاف من عرفه بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه.
وقد رجّح ابن عاشور بهذه القاعدة في تفسيره في أكثر من موضع، ومن ذلك عند قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (2).
قال: "والمعنى: فإذا قاتلتم المشركين في المستقبل فأمعنوا في قتلهم حتى إذا رأيتم أن قد خضدتم شوكتهم، فأسروا منهم أسرى .. إلى أن قال:
وقوله (بعد) أي بعد الإثخان وهذا تقييد لإباحة المن والفداء، وذلك موكول إلى نظر أمير الجيش بحسب ما يراه من المصلحة في أحد الأمرين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 657.
(2) سورة محمد، الآية (4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
بعد غزوة هوازن. وهذا هو ظاهر الآية والأصل عدم النسخ وهذا رأي جمهور أئمة الفقه وأهل النظر" (1).
أقوال العلماء في هذه القاعدة:
اعتمد كثير من العلماء الترجيح بهذه القاعدة، منهم الطبري، فقد قال في تفسيره:
" الآية إذا اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ مع اختلاف المختلفين فيه، ولوجوب حكمها ونفي النسخ عنه وجه صحيح إلا بحجة يجب التسليم لها لما قد بينا في غير موضع من كتبنا الدلالة على صحة القول بذلك " (2).
ومنهم أبو جعفر النحاس فقد استعمل هذه القاعدة كثيراً، حيث قال في موضع: " إذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ " (3).
كما نصّّّّّّّ الأصوليون على هذه القاعدة، وقرروا أن الأمر إذا دار بين نسخ الحكم وبقائه حمل على بقائه دون نسخه إلا لدليل راجح (4).
أمثلة تطبيقية على القاعدة:
1 - مثال الوصية:
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 12، ص 80.
(2) جامع البيان / الطبري، ج 5، ص 56.
(3) الناسخ والمنسوخ / النحاس، 3، ص 12.
(4) انظر شرح الكوكب المنير / الفتوحي، ج 1، ص 298، 299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (1).
اختلف المفسرون في هذه الآية من حيث النسخ والإحكام، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الآية منسوخة، واختلفوا في ناسخها؛ فذهب معظمهم إلى أن ناسخها آيات المواريث وقالوا: إن كتب بمعنى فرض، ولذلك فالوصية للوالدين والأقربين واجبة، ثم نسخ ذلك بآيات المواريث، ومنها قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (2)، ومنهم من قال: إن ناسخها هو السنة، ومنهم من قال: إن الناسخ لها هو الإجماع، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكية وجماعة من أهل العلم منهم ابن عاشور.
وذهب الفريق الآخر إلى أن الآيات محكمة (3).
ورجّح ابن عاشور أن الآية منسوخة حيث يرى نسخ وجوب الوصية في هذه الآية بآية الفرائض، حيث يقول ابن عاشور في معرض تفسيره لهذه الآية: "وبالفرائض نسخ وجوب الوصية الذي اقتضته هذه الآية، وبقيت الوصية مندوبة بناء على أن الوجوب إذا نسخ بقي الندب وإلى هذا ذهب جمهور أهل النظر من العلماء: الحسن وقتادة والنخعي والشعبي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وجابر بن زيد" (4).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (180).
(2) سورة النساء، الآية (11).
(3) انظر قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ / الكرمي ، ج 1 ، ص 59 ، وفتح المنان في نسخ القرآن / علي حسن العريض، ص 270.
(4) التحرير والتنوير، ج 2، ص 149.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
وعلى ضوء القاعدة السابقة قد يتبادر إلى الذهن ابتداء أن ابن عاشور قد خالف القاعدة السابقة في حكمه على الآية بالنسخ، وهو قد نص على أن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صحيح صريح على خلاف ذلك، لا سيما وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أنها محكمة ولكن الأمر ليس كذلك؛ فقد ساق ابن عاشور بعد أن ذكر أن الآية منسوخة الأدلة التي يراها ناسخة، منها قوله: " ففي البخاري في تفسير سورة النساء عن جابر بن عبد الله قال: عادني النبي وأبو بكر في بني سَلِمَة ماشِيْين فوجدني النبي لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أَصنع في مالي يا رسول الله فنزلت: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} (1) الآية اهـ (2).
وممن وافق ابن عاشور في اختياره فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي (3).
ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة، وكذلك الرازي (4) ، ولم يتطرق القاسمي، ولا الشنقيطي لهذا الخلاف ولا بإشارة.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب يوصيكم الله في أولادكم، ج 4، ص 1669، ح-4301.
(2) التحرير والتنوير، ج 2، ص 149.
(3) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 248، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 266، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 21، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 168، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 178، وروح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 451.
(4) انظر جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 146، والتفسير الكبير / الرازي، ج 2، ص 234.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الآية منسوخة:
استدلوا على القول بالنسخ بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (1)، وقوله: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (2) حيث قالوا بأنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه.
وقال بعض أهل العلم: إن الناسخ لهذه الآية هي السنة المتواترة (3).
وإلى هذا القول ذهب ابن عاشور حيث رجح كونها منسوخة ، وساق الأدلة كما تقدم.
ومن الأدلة التي ساقها على ذلك أيضاً. ما أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل الأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع " (4).--------------------------------------------
(1) سورة النساء، الآية (11).
(2) سورة النساء، الآية (11).
(3) انظر قلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ / الكرمي، ج 1، ص 59.
(4) أخرجه البخاري كتاب التفسير ، باب " ولكم نصف ما ترك أزواجكم " ، ج 4، ص 1670، ح- 4302، وكتاب الوصايا، باب"لا وصية لوارث" ، ج 3 ،ص 1008، ح- 2596 وكتاب الفرائض ،باب"ميراث الزوج مع الولد وغيره" ، ج 6 ، ص 2478 ، ح- 6358، قال الحافظ: هو موقوف لفظاً إلا أنه في تفسيره إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير " اهـ الفتح، ج 5، ص 372.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " (1) (2).
قال ابن جزي: " الوصية للوالدين والأقربين كانت فرضا قبل الميراث ثم نسخها آية الميراث مع قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا لا وصية لوارث "، وبقيت الوصية مندوبة لمن لا يرث من الأقربين وقيل معناها: الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض فلا تعارض بينها وبين المواريث ولا نسخ والأول أشهر" (3).
قال النحاس: " فمن قال إن القرآن يجوز أن ينسخ بالسنة قال نسخها " لا وصية لوارث" ومن قال من الفقهاء لا يجوز أن ينسخ القرآن إلا قرآن--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية لوارث، ج 4، ص 343، ح- 2121 والنسائي، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث ، ج 4، ص 107، ح- 6486، كلهم من حديث عمرو بن خارجة رضي الله عنه، وأخرجه ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث ج 2، ص 906، ح- 2764، وقال الألباني: صحيح ، قال الحافظ ابن حجر: " قوله: " لا وصية لوارث " هذه الترجمة لفظ حديث مرفوع كأنه لم يثبت على شرط البخاري فترجم به كعادته واستغنى بما يعطي حكمه " الفتح / ابن حجر، ج 5، ص 372. وقد ذهب الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر فقال: "وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: " لا وصية لوارث" ويؤثرون عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد " الأم / الشافعي، ج 4، ص 108.
(2) انظر التحرير والتنوير، ةج 2، ص 150.
(3) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 1، ص 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
قال: نسختها الفرائض" (1).
والذين قالوا: إنها صارت منسوخة بالإجماع قالوا: أجمع علماء المسلمين على أنه لا تجوز وصية لوارث (2).
قال الحافظ ابن حجر: " واختلف في تعيين ناسخ آية "الوصية للوالدين والأقربين " فقيل: آية الفرائض، وقيل الحديث المذكور، وقيل دل الإجماع على ذلك وإن لم يتعين دليله " (3).
حجة القائلين بأن الآيات محكمة:
رجّح لطبري في تفسيره أن هذه الآية محكمة فقال: " وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} ما قال الزهري لأن قليل المال وكثيره يقع عليه خير، ولم يحد الله ذلك بحد، ولا خص منه شيئا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن، فكل من حضرته منيته وعنده مال قل ذلك أو كثر، فواجب عليه أن يوصى منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف كما قال الله جل ذكره وأمر به " (4).--------------------------------------------
(1) الناسخ والمنسوخ / النحاس، ج 1، ص 88.
(2) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 5، ص 54.
(3) فتح الباري / ابن حجر، ج 5، ص 439.
(4) جامع البيان / الطبري، ج 2، 146.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
وذكر الرازي في تفسيره أن هذا من اختيار أبي مسلم الأصفهاني، وتقرير قوله من وجوه:
1 - أنه لا يوجد تعارض أو اختلاف بين آية الوصية وآية المواريث بل آية الوصية مقررة لها والمعنى: كتب ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم" إذ كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليه.
2 - لا منافاة بين ثبوت الوصية للأقرباء وثبوت الميراث فالوصية عطية من حضره الموت، والميراث عطية الله سبحانه ، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.
3 - يمكن جعل آية الميراث مخصصة آية الوصية؛ لأن هذه الآية تفهم بعمومها أن الوصية واجبة لكل قريب، وآية المواريث أخرجت القريب الوارث فبقيت آية الوصية مراداً بها القريب الذي لا يرث إما لمانع من الإرث، وإما لأنه محجوب بأقرب منه، وإما لأنه من ذوي الأرحام.
4 - وقال بعضهم لا منافاة بين هذه الآية وآية المواريث، ومعناها كُتب عليكم تنفيذ ما أوصى الله تعالى به من توريث الوالدين والأقربين، بحيث لا يُنقص من حصصهم شيء.
وقال بعضهم: إن الواجب ألا يقال إنها منسوخة، لأن حكمها ليس بناف حكم ما فرض الله من الفرائض ،فوجب أن يكون حكم "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ" كحكم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1) (2).
وقال محمد عبده: لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، كما أن السياق ينافي النسخ فإن الله إذا شرع للناس حكماً وعلم أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن قريب، فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا، من كونه حقاً على المتقين، ومن وعيد من بدله (3).
ومن خلال ما تقدم، يظهر لنا أن ما ذهب إليه أكثر المفسرين كالطبري والرازي ومن قال بقولهما: إن الآية محكمة ، إنما هو بناء على القاعدة التي تقضي بأن الحكم إذا دار بين النسخ والأحكام، فالقول بالأحكام مقدم، لأنه الأصل ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح.
القول الراجح:
إن الآية محكمة وليست منسوخة كما قررّ ابن عاشور ، وقد ردّ الرازي على القائلين بالنسخ ، ووجَّه أقوالهم بقوله:
1 - قولهم إنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه قول بعيد؛ لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (183).
(2) انظر التفسير الكبير / الرازي ج 2، ص 233.
(3) انظر مختصر تفسير المنار /محمد رشيد رضا، ص 136.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
2 - قولهم إنها صارت منسوخة بقوله عليه السلام: " ألا لا وصية لوارث " (1) لا يستقيم حيث هذا خبر واحد ولا يجوز نسخ القرآن به.
قال الزرقاني في مناهل العرفان: "وقد تقرر أن الحق عدم جواز نسخ القرآن بخبر الآحاد " (2) .. وأجيب: بأن هذا الخبر ، وإن كان خبر واحد إلا أن الأئمة تلقته بالقبول فالتحق بالمتواتر.
ومما تقدم يظهر لي أن الخلاف بين العلماء في هذه الآية خلاف لفظي لا حقيقي، حيث إن مآل القولين واحد، فمن قال بأنها محكمة فذلك بناءا على رأيه بأن الوصية في هذه الآية أريد بها غير الوارثين، ومن قال بأنها منسوخة يرى أنها نسخت الوصية للوارثين وبقيت الوصية لغير الوارثين أي نسخا جزئيا.
وفيما يتعلق بالقاعدة فإن من قال بالإحكام من المفسرين نظر إلى أن الأصل عدم النسخ، ومن قال بالنسخ فإنه نظر إلى الأدلة.
ولذلك لا داعي لمثل هذا الاختلاف بين العلماء حيث لا تعارض بين الآيتين. والله أعلم.
يقول السعدي: " إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث بعد أن كان مجملا ، وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) انظر مناهل العرفان / الزرقاني، ج 2، 174.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
وصف فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره وهذا القول تتفق عليه الأمة ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا واختلف المورد فبهذا الجمع يحصل الاتفاق والجمع بين الآيات لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ الذي لم يدل عليه دليل صحيح " (1)
وقال الشنقيطي: " لا دليل على بطلان قول من قال إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث " لا وصية لوارث " والعلم عند الله تعالى" (2).
2 - مثال الإنفاق:
قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (3).
اختلف المفسرون في هذه الآية، فذهب معظمهم إلى أنها منسوخة بآية الزكاة، وذهب آخرون إلى إنها محكمة (4)، ورجّح ابن عاشور هذا القول الأخير بناءً على القاعدة الترجيحية فقال: " فليست هاته الآية بمنسوخة بآية الزكاة إذ لا تعارض بينهما حتى نحتاج للنسخ ، وليس في لفظ هاته الآية ما يدل على--------------------------------------------
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / السعدي ج 1، ص 85.
(2) أضواء البيان / الشنقيطي، ج 2، ص 345.
(3) سورة البقرة، الآية (215).
(4) انظر زاد المسير / ابن الجوزي، ج 1، ص 180.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
الوجوب حتى يظن أنها نزلت في صدقة واجبة قبل فرض الزكاة " (1).
واتفق ترجيح ابن عاشور مع الطبري حيث رجّح أن الآية محكمة بناءً على القاعدة وفي ذلك يقول: " ولا دلالة في الآية على صحة ما قال (2)، لأنه ممكن أن يكون قوله: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} … الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عباده مواضع الفضل التي تصرف فيها النفقات " (3). وكذلك رجّح كل من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان هذا القول، وفسّرها ابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي في التطوع ، ولم يتعرضوا للخلاف في نسخها وإحكامها (4).
حجة القائلين بأن الآيات منسوخة بآية الزكاة:
قال ابن الجوزي: " روى السدي عن أشياخه أنه يوم نزلت هذه لم تكن--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 2، ص 318.
(2) يعني السدي قال: " نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة " انظر قوله في جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 414.
(3) جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 414.
(4) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 289، والتفسير الكبير / الرازي، ج 2، ص 383، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 3، ص 41، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 150، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، 2، ص 283، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 216، وروح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 501، ومحاسن التأويل/ القاسمي، ج 2، ص 138،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
زكاة ، وإنما في نفقة الرجل على أهله والصدقة يتصدقون بها فنسختها الزكاة " (1).
واستدلوا كذلك بما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " نسخت هذه بآية الصدقات في براءة ، وروى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نسخ منه الصدقة على الوالدين وصارت الصدقة لغيرهم الذين لا يرثون من الفقراء والمساكين والأقربين " (2).
وقال المقري: " كان هذا قبل أن يفرض الله الزكاة فلما فرضت الزكاة نسخ الله بها كل صدقة في القرآن (3) فقال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (4).
حجة القائلين بأن الآيات محكمة:
روى ابن جريج أنه سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين يضعون أموالهم، فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ--------------------------------------------
(1) أخرج رواية السدي الطبري في تفسيره، ج 2، ص 413.
(2) لم أقف على هاتين الروايتين، وذكرهما ابن الجوزي في نواسخ القرآن، ج 1، ص 97.
(3) الناسخ والمنسوخ / هبة الله بن سلامه المقري، ج 1، ص 46.
(4) سورة التوبة، الآية (60).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} 5 فذلك النفقة في التطوع. والزكاة سوى ذلك (1).
وجاء في رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمر بصدقة، فجاء رجل فقال: عندي دينار قال: أنفقه على نفسك قال: عندي آخر قال: أنفقه على زوجتك. قال: عندي آخر. قال: أنفقه على ولدك قال: عندي آخر قال: أنفقه على خادمك قال: عندي آخر قال: أنت أبصر " (2).
قال ابن عاشور: " والآية دالة على الأمر بالإنفاق على هؤلاء والترغيب فيه، وهي في النفقة التي ليست من حق المال أعني الزكاة، ولا هي من حق الذات من حيث إنها ذات كالزوجة، بل هذه النفقة التي هي من حق المسلمين بعضهم على بعض لكفاية الحاجة وللتوسعة وأولى المسلمين بأن يقوم بها أشدهم قرابة بالمعوزين منهم، فمنها واجبة كنفقة الأبوين الفقيرين والأولاد الصغار الذين لا مال لهم إلى أن يقدروا على التكسب أو ينتقل حق الإنفاق إلى غير الأبوين " (3).
القول الراجح:
الراجح أن الآية محكمة، قال ابن الجوزي: " والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع فحكمها ثابت غير منسوخ لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبري في تفسيره، ج 2، ص 414.
(2) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب إيجاب نفقة المرأة وكسوتها، ج 5، ص 375، ح- 9181، والبيهقي في الكبرى، كتاب النكاح، باب وجوب النفقة على الزوجة، ج 7، ص 466، ح- 15469.
(3) التحرير والتنوير، ج 2، ص 318.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
بالزكاة، وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد، وهذه الآية بالتطوع أشبه لأن ظاهرها أنهم طلبوا بيان الفضل في إخراج الفضل فبينت لهم وجود الفضل " (1).
وهذا هو الذي قرّره ابن عاشور وغيره من المفسرين، لأن الأصل الإحكام. والنسخ دعوى، ولا تثبت إلا بدليل؛ وصدقة التطوع في الأقربين أفضل منها في غيرهم، يدل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تصدقن ولو من حليكن وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي فمر علينا بلال فقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري وقلنا: لا تخبر بنا فدخل فسأله فقال: من هما؟ قال: زينب. قال: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله.، قال: نعم لها أجران: أجر القرابة ، وأجر الصدقة " (2)
وروى النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك " (3).
وأما من ادعى النسخ في الآية بآيات المواريث فقد تولى الرد عليها الرازي--------------------------------------------
(1) نواسخ القرآن / ابن الجوزي، ج 1، ص 79.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، ج 2، ص 533، ح- 1397.
(3) أخرجه النسائي في سننه، باب أيتهما اليد العليا، ج 5، ص 61، ح- 2532.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
بقوله: " هذا ضعيف؛ لأنه يحتمل حمل الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها:
أحدها: قال أبو مسلم: الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ،وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال إنها منسوخة بآية المواريث لا وجه له، لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة، والميراث يصل بعد الموت، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة.
وثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات ، فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع.
وثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة.
ورابعها: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة ، فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ " (1).
وأما دعوى النسخ كما يقول السدي: أنها يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها، فنسختها الزكاة.
فالجواب عليه: أن يقال لأصحاب هذا القول هل الوالدان والأقربون من مستحقي الزكاة حتى تنسخ الزكاة الإنفاق عليهم، وهل كانت الصدقة على--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 2، ص 383.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
اليتامى والمساكين وابن السبيل واجبة حتى فرضت الزكاة فاعتبرت بديلاً لها؟ .
فالآية تقول: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ} ثم تقول: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. وإيراد هاتين الجملتين الشرطيتين يوحي بأن الإنفاق الذي في الآية ليس مفروضاً، كما يوحي بهذا إيراده في الآية جواباً عن سؤالهم؛ إذ لو كان مفروضاً لما أخر بيانه حتى يسألوا عنه!
ومن البدهي أنه ليس كل والدين يجب الإنفاق عليهما، وأن الأقربين في هذا كالوالدين، فإنما يجب الإنفاق على الفقير العاجز عن الكسب من هؤلاء جميعاً، وبشرط أن يكون هو مستغنيا قادراً على الإنفاق عليهم.
إذاً لا صلة للآية إذاً بآية الزكاة، وما ينبغي بحال أن تعتبر منسوخة بهذه الآية، وإلا فهل نستطيع القول بأن الإنفاق على الوالدين المحتاجين والأقربين المحتاجين لم يعد واجباً بعد فرض الزكاة؟ وهل منعت الزكاة الإنفاق تطوعاً، وهو الصدقة (1).
3 - مثال الحُكم بين اليهود:
قال تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} (2).--------------------------------------------
(1) انظر نواسخ القرآن / ابن الجوزي، ج 1، ص 97، والنسخ في القرآن / مصطفى زيد، ج 2، ص 175.
(2) سورة المائدة، الآية (42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؛ أي في التخيير بين الحكم بين اليهود أو الإعراض عنهم، وذكر ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " فمن العلماء من قال: حكم هذا التخيير مُحْكم غير منسوخ، وقالوا: الآية نزلت في قصّة الرجم (الّتي رواها مالك في الموطأ، والبخاري ومن بعده) وذلك أنّ يهودياً زنى بامرأة يهوديّة، فقال جميعهم: لنسأل محمّداً عن ذلك. فتحاكموا إليه، فخيّره الله تعالى ، واختلف أصحاب هذا القول فقال فريق منهم: كان اليهود بالمدينة يومئذٍ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمّة، فالتّخيير باق مع أمثالهم ممّن ليس داخلاً تحت ذمّة الإسلام، بخلاف الّذين دخلوا في ذمّة الإسلام، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم ، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى بن دينار، لأنّ اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فَدَك وهما يومئذٍ من دار الحرب في موادعة.
وقال الجمهور: هذا التخيير عام في أهل الذمّة أيضاً. وهذا قول مالك ورواية عن الشافعي. قال مالك: الأعراض أولى. وقيل: لا يحكم بينهم في الحدود، وهذا أحد قولي الشافعي. وقيل: التّخيير منسوخ بقوله تعالى بعد: : {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (1)، وهو قول أبي حنيفة، وقاله ابن عبّاس، ومجاهد، وعكرمة، والسديّ، وعمر بن عبد العزيز، والنخَعي، وعطاء، الخراساني " (2).--------------------------------------------
(1) سورة المائدة، الآية (49).
(2) التحرير والتنوير، ج 4، ص 204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
ورجّح ابن عاشور كون هذه الآيات محكمة، واستبعد القول بالنسخ وفي ذلك يقول: " ويبعده أن سياق الآيات يقتضي أنها نزلت في نسق واحد، فيبعد أن يكون أولها نسخاً لآخرها " (1).
وقد وافق قول ابن عاشور قول من سبقه من المفسرين منهم الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والألوسي، والقاسمي (2).
في حين ذهب ابن كثير، والشوكاني إلى أن الآية منسوخة (3)
حجة القائلين بأن الآية محكمة:
حجتهم في ذلك أنه لا تعارض بين الآيتين، وأنه يمكن الجمع بينهما.
فإن قوله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} (4) فيه التخيير ، وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فيه كيفية الحكم (5).
قال الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 4، ص 204.
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 6، ص 295، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2 ص 194، والتفسير الكبير / الرازي، ج 4، ص 361، والجامع لأحكام القرآن/ القرطبي، ج 6، ص 181، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 502، وروح المعاني / الألوسي، ج 3، ص 310، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 146.
(3) انظر تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 5، ص 226، وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 42.
(4) سورة المائدة، الآية (42).
(5) انظر زاد المسير / ابن الجوزي، ج 1، ص 550، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 146.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)