وهذا القسم لا يدخل النسخ في مدلوله، إلا أن يكون خبرا لفظا، إنشاءً معنى، وهو الذي بمعنى الأمر والنهي، فتكون الجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى (1).
ومن هنا يعلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي سواءً كانت صريحة في الطلب، أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر والنهي، على أن يكون ذلك غير متعلق بالاعتقادات التي ترجع إلى ذات الله تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر أو الآداب الخلقية ، أو أصول العبادات والمعاملات (2).
وهذه القاعدة تبدو واضحة في تفسير ابن عاشور، حيث نجده في معرض تفسيره لبعض الآيات يرد على من يقول أنها منسوخة، ومن ذلك قوله: " وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة، إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر" (3).
أقوال العلماء في القاعدة:
قال الرازي في معرض تفسيره لقوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (4) " إن نسخ--------------------------------------------
(1) قواعد التفسير / خالد السبت، ج 2، ص 730 - 731.
(2) مباحث في علوم القرآن / مناع القطان، ص 239.
(3) التحرير والتنوير، ج 1، ص 539، وسيأتي تفصيل هذا المثال في الأمثلة الآتية.
(4) سورة البقرة، الآية (284).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي " (1).
وقال ابن جزي في التسهيل: " وأما النسخ فهو يتعلق بالأحكام لأنها محل النسخ إذ لا تنسخ الأخبار ولا بد من معرفة ما وقع في القرآن من الناسخ والمنسوخ " (2).
وذكر القرطبي في تفسيره أن الجمهور اتفقوا على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى (3).
وقال السيوطي في الإتقان: " لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ومنه الوعد والوعيد، وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيراً من آيات الإخبار والوعد والوعيد" (4).
كما أكد الزرقاني هذا المعنى فقال: " إن النسخ لا يكون إلا في الأحكام وذلك موضع اتفاق بين القائلين بالنسخ، لكن في خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات، أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق ، وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة فلا نسخ فيها على الرأي السديد الذي عليه جمهور العلماء؛ لأن نسخها يؤدي إلى كذب الشارع في أحد خبريه الناسخ والمنسوخ ، أما العقائد فلأنها حقائق صحيحة ثابتة لا--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 102.
(2) التسهيل لعلوم التنزيل / ابن جزي، ج 1، ص 17.
(3) انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 70.
(4) الإتقان في علوم القرآن / السيوطي، ج 2، ص 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
تقبل التغيير والتبديل، فبدهي ألا يتعلق بها نسخ " (1).
وقال أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى "فهم القرآن"، قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ: " وأن النسخ لا يجوز في الأخبار. فلا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وأسمائه وصفاته يجوز أن ينسخ منها شيء ...... إلى أن قال: " إذاً الأخبار الخالصة لا يجوز أن يدخلها النسخ؛ ولو دخلها النسخ لكان هذا كذبا، والله عز وجل منزه عن ذلك" (2).
أمثلة تطبيقية على القاعدة:
1 - مثال الإيمان:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (3).
اختلف المفسرون في هذه الآية على عدة أقوال ، أوصلها أبو حيان إلى ثمانية أقوال في تفسيره (4)، وسأقتصر على المشهور منها.
وسبب اختلاف المفسرين في هذه الآية كما بينه الرازي هو: قوله تعالى في--------------------------------------------
(1) مناهل العرفان / الزرقاني، ج 2، ص 165.
(2) العقل وفهم القرآن / الحارث المحاسبي، ص 359 - 360.
(3) سورة البقرة آية (62).
(4) انظر البحر المحيط / أبو حيان، ج 1، ص 404.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
آخر الآية: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} غير المراد منه في قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ} ونظيره في الإشكال قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} (1) فلأجل هذا الإشكال اختلفوا
فمنهم من ذهب إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (2) وهو قول ابن عباس رضي الله عنه (3).
ومنهم من ذهب إلى أن الآية غير منسوخة، وأن المقصود بالذين آمنوا هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، والذين هادوا كذلك ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، إلا من كفر بعيسى عليه السلام، والنصارى كذلك ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، والصابئين كذلك، حيث إنها نزلت في سلمان الفارسي، وأصحابه النصارى، وذكر له الطبري قصة طويلة، مقتضاها أنه صحب عباداً من النصارى فقال له آخرهم: إن زمان نبي قد أظل، فإن لحقته فآمن به، ورأى منهم عبادة عظيمة فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له خبرهم، وسأله عنهم، فنزلت هذه الآية، وهذا--------------------------------------------
(1) سورة النساء ، الآية (136).
(2) سورة آل عمران ، الآية (85).
(3) أخرج رواية ابن عباس الطبري في تفسيره، ج 1، ص 372.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
قول السدي (1).
وذهب آخرون إلى أن المراد من قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله، وهو قول سفيان الثوري … (2).
ورجَّح ابن عاشور القول بأن الآية غير منسوخة (3) واختاره الطبري، والقاسمي (4).
في حين اختار الشوكاني القول الثالث (5).
وساق كلٌ من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي الأقوال كلها ولم يرجحوا (6).--------------------------------------------
(1) أخرج روايته الطبري في تفسيره، ج 1، ص 372.
(2) انظر هذه الأقوال في المحرر الوجيز/ ابن عطية، ج 1، ص 156، والتفسير الكبير / الرازي، ج 1، ص 536.
(3) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 539.
(4) انظر جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 373، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 1، ص 350.
(5) انظر فتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 338.
(6) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 156، والتفسير الكبير / الرازي، ج 1، ص 536، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 1، ص 436، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 1، ص 403، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 431، وروح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 279.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
حجة أصحاب القول الأول وهم القائلون بأن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا .. }:
استدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن هذه الآية نزلت في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} (1).
قال ابن عاشور: " وأما القائلون بأنها منسوخة، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم في أول تلقي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظروا فلما عَاندُوا نسخها بقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} لئلا يفضي قولهم إلى دعوى نسخ الخبر" (2).
ويرتبون على ذلك أن الإسلام مقصور على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أي: إن أي إيمان بالله لا يؤجر وأي عمل صالح لا يثاب إلا إذا كان فاعله من المؤمنين بدعوة النبي الكريم وبرسالته.
حجة أصحاب القول الثاني وهم القائلون بأن الآية غير منسوخة:
استدلوا على ذلك بما رواه مجاهد في قوله: : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ--------------------------------------------
(1) أخرج رواية ابن عباس الطبري في تفسيره، ج 1، ص 372، وإسناده منقطع عن ابن عباس؛ لأن في إسناده علي بن أبي طلحة يرويه عن ابن عباس وعلي بن طلحة لم يلق ابن عباس ولم يسمع منه التفسير. قال ابن حجر: " روى عن ابن عباس ولم يسمع منه " (انظر تهذيب التهذيب / ابن حجر العسقلاني، ج 7، ص 299).
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 539.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
هَادُوا} فيها أن سلمان الفارسي رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى، وما رأى من أعمالهم، قال: " لم يموتوا على الإسلام " قال سلمان: فأظلمت علي الأرض، وذكرت اجتهادهم، فنزلت هذه الآية، فدعا سلمان فقال: " نزلت هذه الآية في أصحابك " ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك " (1).
قال الطبري: " والذي قلنا من التأويل أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان بعض خلقه دون بعض منهم، والخبر بقوله: {مَنْ آمَنَ} عن جميع ما ذكر في أول الآية " (2).
وقال الراغب الأصفهاني كلاما جميلا في هذه الآية مقتضاه ما ذهب إليه الطبري، وقسّم الإيمان إلى قسمين أحدهما الإقرار بالشهادتين، والثاني تحري اليقين ،وأن قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} عني به المتدين بدين محمد أي على الحنيفية، وقوله: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} عني به المتحري للاعتقاد اليقيني إلى أن قال: وقول ابن عباس: إن هذا منسوخ بقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} يعنون أن هذه الأديان كلها منسوخة بدين الإسلام، وأن الله--------------------------------------------
(1) أخرجها الطبري في تفسيره، ج 1، ص 372.
(2) جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 373.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
عز وجل جعل لهم الأجر قبل وقت النبي عليه السلام ، فأما في وقته، فالأديان كلها منسوخة بدينه. أي فليس مراد ابن عباس ومن وافقه أنه تعالى كان وعد من عمل صالحاً من اليهود، ومن ذكر معهم على عمله في الجنة ثم نسخه بآية {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} بل مراده ما ذكر الراغب (1).
كما رجح ابن كثير هذا القول بناءً على كونه خبراً ، والخبر لا يدخله النسخ فقال:
" فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا، إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه ،فهو على هدى وسبيل ونجاة؛ فاليهود أتباع موسى عليه السلام والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم، فلما بعث عيسى وجب على بني إسرائيل إتباعه والانقياد له ،فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، فلما بعث الله محمدا خاتما للنبيين، ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق ،وجب عليهم تصديقه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر وهؤلاء هم المؤمنون حقا " (2).
حجة أصحاب القول الثالث الذين يرون أن المقصود بالذين آمنوا في أول الآية هم المنافقون:
حجتهم في ذلك أن الله تعالى قال في آخر الآية {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} فدل--------------------------------------------
(1) انظر قول الراغب في محاسن التأويل / القاسمي، ج 1، ص 349 - 350.
(2) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 285.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
ذلك على أن المقصود بالذين آمنوا في أول الآية المنافقون، بدلالة جعلهم مقترنين باليهود والنصارى والصابئين أي آمنوا في الظاهر.
واستبعده ابن عاشور وبين أنه غاية في البعد (1).
القول الراجح:
ومما تقدم تبين لنا أن القول الثاني هو القول الراجح، وهو الذي رجحه ابن عاشور، ووافق ما عليه أكثر المفسرين، وبنى ترجيحه هذا على قاعدة: النسخ لا يقع في الأخبار حيث قال: " وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال: إن الله أخبر به عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيكون معنى الآية كمعنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين " ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم أمن بي فله أجران " (2).
قال القاسمي في تفسيره: "أي فليس مراد ابن عباس، ومن وافقه، أنه تعالى كان وعد من عمل صالحاً من اليهود، ومن ذكر معهم، على عمله، في الآخرة، الجنة، ثم نسخه بآية: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 539.
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 539.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} بل مراده ما ذكر الراغب ، وهذا مالا شبهة فيه " (1).
وفسّر السعدي هذه الآية بقوله: " وذلك والله أعلم - أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم، وذكر معاصيهم وقبائحهم، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه" (2).
والواقع إن من يرى أن الآية منسوخة إنما يراه وقد غاب عنه المعنى الحقيقي للإسلام وخفيت عليه خطة الله في البشر، واضطرب في ذهنه معنى النسخ في القرآن، فالإسلام هو الدين الذي أوحى به الله إلى الأنبياء جميعا والرسل كلهم فدعوا إليه وكما قالت الآية الكريمة فإن من آمن بالله وعمل صالحاً من المؤمنين أو اليهود أو النصارى فأجره عند الله ولا خوف عليه ولا حزن ، وكل من كان قويم الخلق صحيح العقيدة فهو عند الله، وفي معنى القرآن مسلم ، والمقصود من آية {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} الذي دعى إليه كل الأنبياء والرسل والذي اعتنقه أتباعهم ، والقرآن يفرق بين المشركين والكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا بالرسل ولا يعملون صالحاً وبين أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن هؤلاء من يؤمن بالله ويعمل صالحاً،--------------------------------------------
(1) محاسن التأويل / القاسمي، ج 1، ص 350.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / السعدي، ج 1، ص 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
وهو المقصود بالآية الكريمة التي تبشر بأن لا خوف عليه ولا حزن. (1)
ومما يعضد ترجيح هذا القول قاعدة (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ما خالفه)، وقد رجّح ابن كثير هذا القول بناء على ما ورد في السنة عن سلمان الفارسي من رواية مجاهد، وقد تقدمت.
3 - مثال المحاسبة:
قال تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (2).
اختلف المفسرون في هذه الآية، فذهبت جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة، وأن ناسخها هو قوله عز وجل في السورة نفسها: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (3)
وذهب آخرون إلى أنها محكمة وأنها من باب الأخبار والبيان (4).
ورجّح ابن عاشور أنها محكمة لكونها من باب البيان والأخبار، وفي ذلك--------------------------------------------
(1) انظر على الشبكة العنكبوتية: ساحة الحوار الإسلامي / ملتقى الحوار العربي، الشيخ أبو عمر الأزدي بعنوان: الدين واحد والشرائع شتى.
(2) سورة البقرة، الآية (284).
(3) سورة البقرة، الآية (286).
(4) انظر هذه الأقوال في جامع البيان / الطبري، ج 3، ص 171 - 173، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 389، والتفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 105، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 3، ص 418.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
يقول: " وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح المتقدمين، والمراد البيان والتخصيص، لأن الذي تطمئن النفس إليه أن هذه الآيات متتابعة النظم، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجمة، فحدث بين فترة نزولها ما ظنه بعض المسلمين حرجاً " (1). وممن سبق ابن عاشور في القول بأنها محكمة مستنداً في ذلك إلى القاعدة الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي وأبو حيان، والألوسي (2).
في حين رجّح الشوكاني أن الآية منسوخة (3).
وذكر ابن كثير الخلاف الوارد فيها ولم يرجح أحدهما، ولكنه أسهب في ذكر أدلة من يرى أن الآية منسوخة، فكأنه يميل إلى هذا القول (4).
ولم يتطرق القاسمي لهذا الخلاف في كون الآية منسوخة أو محكمة (5).
أما الشنقيطي فلم يتعرض في تفسيره لهذه الآية ولكنه نص على أن الآية منسوخة في كتابه "دفع إيهام الاضطراب عن آيات كتاب الله" (6).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 135.
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 3، ص 176، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 389، والتفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 105، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 3، ص 418، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 37، وروح المعاني / الألوسي، ج 2، ص 62.
(3) انظر فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 305.
(4) انظر تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 516.
(5) انظر محاسن التأويل / القاسمي، ج 2، ص 283.
(6) انظر دفع أيهام الاضطراب عن آيات كتاب الله / الشنقيطي، ص 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
حجة القائلين بأن الآية منسوخة:
قالوا: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}؛ لأن الآية الأولى تفيد أن الله يؤاخذ العباد حتى بالخطوات التي لا يملكون دفعها ، والآية الثانية تفيد أنه تعالى لا يكلفهم بها لأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها وهذا رفع للحكم الأول (1).
كما استدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " لما نزلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} قال قد فعلت {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال: قد فعلت {وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا} قال قد فعلت " (2).--------------------------------------------
(1) انظر الناسخ والمنسوخ / ابن حزم، ج 1، ص 30، والناسخ والمنسوخ / قتادة، ج 1، ص 37، وفتح المنان في نسخ القرآن / علي حسن العريض، ص 286.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق، ج 1، ص 116، ح- 126، وأحمد في مسنده، ج 1، ص 233، ح- 2070.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
وأيضاً ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم " (1).
قال الشنقيطي: : " قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الآية، هذه الآية تدل بظاهرها على أنّ الوسوسة وخواطر القلوب يؤاخذ بها الإنسان مع أنه لا قدرة له على دفعها، وقد جاءت آيات أخر تدل على أنّ الإنسان لا يكلّف إلا بما يطيق كقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (2) والجواب أنّ آية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} منسوخة بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} " (3).
حجة من يقول: إن الآية محكمة:
قال الطبري: " وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: إنها محكمة، وليست بمنسوخة ، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا بنفيه بآخر، هو له ناف من كل وجوهه ، وليس في قوله جل وعز: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب إذا قال لامرأته وهو مكره هذه أختي، ج 5، ص 2020، ح- 4968.
(2) سورة التغابن، الآية (16).
(3) دفع إيهام الاضطراب عن آيات كتاب الله / الشنقيطي، ص 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}، نفى الحكم الذي أعلم عبادَه بقوله: {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}؛ لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبةً ولا مؤاخذةً بما حوسب عليه العبد من ذنوبه.
وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة يقولون: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} (1).
فأخبر أن كتبهم محصيةٌ عليهم صغائرَ أعمالهم وكبائرَها، فلم تكن الكتب - وإن أحصت صغائرَ الذنوب وكبائرَها - بموجب إحصاؤها على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين؛ لأن الله عز وجل وَعدهم العفوَ عن الصغائر، باجتنابهم الكبائر فقال في تنزيله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} (2) فذلك محاسبة الله عبادَه المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم، غيرَ موجبٍ لهم منه عقوبة، بل محاسبته إياهم - إن شاء الله - عليها، ليعرّفهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها، كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رواه قتادة، عن صَفوان بن--------------------------------------------
(1) سورة الكهف، الآية (49).
(2) سورة النساء، الآية (31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
مُحْرز (1)، عن ابن عمر، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: يُدْني الله عبدَه المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كَنَفه، فيقرِّره بسيئاته يقول: هل تعرف؟ فيقول: نعم! فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها اليوم! ثم يظهر له حسناته فيقول: {بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} (2) أو كما قال ، وأما الكافر فإنه ينادي به على رؤوس الأشهاد " (3).
كما نصّ ابن عطية على أن الآية محكمة ،وحجته في ذلك أن الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ (4).
القول الر اجح:
إن الآية محكمة ، كما قرر ذلك ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين بناء على القاعدة أن النسخ لا يقع في الأخبار.
أما من استدل بالحديث على نسخ هذه الآية فهو استدلال في غير محله وقد ردّ الرازي على هذا القول وضعفه من وجوه:
" أحدها: أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا: إنهم كانوا قبل هذا النسخ--------------------------------------------
(1) صفوان بن محرز بن زياد المازني، كنيته أبو عبد الله، تابعي ثقة جليل من أهل البصرة، يروي عن أبي موسى وابن عمر، وكان من العباد اتخذ لنفسه سرباً يبكي فيه روى عنه الحسن وقتادة، ومات سنة (74) في ولاية عبد الملك. (الإصابة في تمييز الصحابة / ابن حجر، ج 2، ص 52).
(2) سورة الحاقة، الآية (19).
(3) جامع البيان / الطبري، ج 3، ص 176.
(4) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 390.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها، وذلك باطل، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة، ولذلك قال عليه السلام: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة».
والثاني: أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك.
والثالث: أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي " (1).
كما أنه يقال فيما روي عن ابن عباس وغيره في أن الآية منسوخة فإن ذلك يريد به تخصيص العموم والمتقدمون يسمون التخصيص نسخا.
3 - مثال الدراية:
قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} (2).
اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} على عدة أقوال، وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: "
منهم من ذهب إلى أن المراد بقوله: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أي لا أدري ما يفعل بي! أُخرج كما أُخرِجَت الأنبياء من قبلي، أو أُقتل كما قُتل الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بكم، إنكم مصدقون أو مكذبون، أو--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 105.
(2) سورة الأحقاف، الآية (9).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
معذبون أو مؤخرون.
ومنهم من يرى أن المراد: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة ، وهذا قبل نزول: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} الآية. فلما نزل عليه ذلك عام الحديبية علم ما يفعل به في الآخرة.
وذهب آخرون إلى أن المراد: لا أدري ما أؤمر به ولا ما تؤمرون به، قاله الضحاك (1).
ورجّح ابن عاشور أن المراد بالآية أي ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، واستنكر على ما أطال به بعض المفسرين من قولهم: إن الآية منسوخة، وذلك لأن الآية في معرض الأخبار ، والخبر لا يدخله النسخ، ومن قوله: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} تتميم لقوله: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} وهو بمنزلة الاعتراض فإن المشركين كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن مغيباتٍ استهزاءً فيقول أحدهم إذا ضلَّت ناقته: أين ناقتي؟ ويقول أحدهم: مَن أبي، أو نحو ذلك فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم بأنه لا يدري ما يفعل به ولا بهم، أي في الدنيا … إلى أن يقول: " فدع ما أطال به بعض المفسرين هنا من المراد بقوله: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} ومن كونها منسوخة أو محكمة--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 12، ص 17، انظر هذه الأقوال في جامع البيان / الطبري، ج 26، ص 12، والنكت والعيون/ الماوردي، ج 5، ص 273، والتفسير الكبير / الرازي، ج 10، ص 9، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
ومن حُكم نسخ الخبر " (1).
وقد وافق ترجيح ابن عاشور هذا ما اختاره الطبري بناءً على هذه القاعدة.
وكذلك رجحه القرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي (2).
ورجح ابن عطية أن المراد الآخرة (3).
وساق الرازي تلك الأقوال وفصّل فيها ولم يرجح (4).
أما الألوسي فقد اختار معنىً آخر للآية حيث يقول: "والذي أختاره أن المعنى على نفي الدراية من غير جهة الوحي سواء كانت الدراية تفصيلية أو إجمالية ، وسواء كان ذلك في الأمور الدنيوية أو الأخروية ، وأعتقد أنه صلى الله عليه وسلم لم ينتقل من الدنيا حتى أوتي من العلم بالله تعالى وصفاته وشؤونه ، والعلم بأشياء يعد العلم بها كمالاً ما لم يؤته أحد غيره من العالمين " (5).--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 12، ص 17.
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 26، ص 13، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 19، ص 187، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 8، ص 58، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 13، ص 9، وفتح القدير / الشوكاني، ج 5، ص 15، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 336، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 1571.
(3) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 94.
(4) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 10، ص 9.
(5) روح المعاني / الألوسي، ج 13، ص 168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
حجة أصحاب القول الأول الذين يقولون أن المراد (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا):
قال الطبري: " وإنما قلنا ذلك أولاها بالصواب؛ لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عز وجل خطابا للمشركين وخبرا عنهم، وتوبيخا لهم، واحتجاجا من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عليهم، فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك، فمحال أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون، والمؤمنون به في الجنان منعمون، وبذلك يرهبهم مرّة، ويرغبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك، لقالوا له: فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيّ حال تصير غدا في القيامة، إلى خفض ودعة، أم إلى شدّة وعذاب " (1).
قال الحسن البصري: أما في الآخرة فمعاذ الله ، قد علم أنه في الجنة (2)، ورجح الطبري قول الحسن بقوله: " وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دلّ عليه التنزيل، القول الذي قاله الحسن البصري " (3).--------------------------------------------
(1) جامع البيان / الطبري، ج 26، ص 13.
(2) أخرج روايته الطبري في تفسيره، ج 25، ص 12.
(3) جامع البيان / الطبري، ج 25، ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)