ورجّح ابن عاشور أن الآية منسوخة، وترجيحه هذا لا يعني مخالفته للقاعدة التي نصّ عليها وهي أن (الزيادة على النص ليست بنسخ)، وذلك أن هذه الزيادة خالفت الحكم الذي قبلها فتدخل في حكم النسخ، ومن قوله عند تفسيره لهذه الآية: " وعلى هذا تكون آية النور نزلت تقريراً لبعض الحكم الذي في حديث الرجم، على أنّ قوله: إنّ آية النساء مغيّاة لا يُجدي؛ لأنّ الغاية المبهمة لمّا كان بيانها إبطالا لحكم المغيَّي فاعتبارُها اعتبارُ النسخ، وهل النسخ كلّه إلاّ إيذان بوصول غاية الحكم المرادة لله غير مذكورة في اللفظ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ (1).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور في القول بأن الآية منسوخة الطبري، وابن عطية، وابن كثير، والألوسي (2)
في حين يرى الرازي والقرطبي، وأبو حيان أن الآية محكمة، وغير منسوخة (3).
وساق الشوكاني كلا القولين ولم يرجح (4).
ولم يتطرق القاسمي ولا الشنقيطي إلى كون هذه الآية منسوخة أو لا (5).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 276.
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 4، ص 364، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 22، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 3، ص 384، وروح المعاني / الألوسي، ج 2، ص 444.
(3) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 530، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 89، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 206،
(4) انظر فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 438.
(5) انظر محاسن التأويل / القاسمي، ج 3، ص 50، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
حجة القائلين بأن الآية منسوخة:
قال قتادة: " قوله {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} (1)
قال: كان هذا بدء عقوبة الزنا، كانت المرأة تحبس ، فيؤذيان جميعا ، فيعيران بالقول جميعا في الشتيمة بعد ذلك.
ثم إن الله عز وجل نسخ ذلك بعد في سورة النور فجعل لهن سبيلا ، فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} (2) " (3).
وذكر ابن الجوزي في كتابه "نواسخ القرآن " بعد إيراد هاتين الآيتين ما نصه:
" أما الآية الأولى فإنها دلت على أن حد الزانية كان أول الإسلام: الحبس إلى أن تموت أو يجعل الله لها سبيلا وهو عام في البكر والثيب ، والآية الثانية اقتضت أن حد الزانيين الأذى فظهر من الآيتين أن حد المرأة كان الحبس والأذى جميعا ،--------------------------------------------
(1) سورة النساء، الآية (16).
(2) سورة النور، الآية (1).
(3) الناسخ والمنسوخ / قتادة، ج 1، ص 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
وحد الرجل كان الأذى فقط؛ لأن الحبس ورد خاصا في النساء ، والأذى ورد عاما في الرجل والمرأة ، وإنما خص النساء في الآية الأولى بالذكر؛ لأنهن ينفردن بالحبس دون الرجال ، وجمع بينهما في الآية الثانية لأنهما يشتركان في الأذى " (1).
وقال ابن كثير في تفسيره: " كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت؛ ولهذا قال: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} يعني: الزنا {مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك.
قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم.
وكذا رُوي عن عِكْرِمة، وسَعيد بن جُبَيْر، والحسن، وعَطاء الخُراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك: أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه" (2).--------------------------------------------
(1) نواسخ القرآن / ابن الجوزي، ج 1، ص 120.
(2) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 3، ص 384.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
حجة القائلين بأن الآية محكمة:
إن هذه الآية ليست منسوخة، وما جاء في الآية الأخرى إنما هو من باب الزيادة على النص التي تفيد حكما وهذا ما وضحته الآية " أو يجعل الله لهن سبيلا" ، وهنا يمكن الجمع والتوفيق بين هاتين الآيتين وبين قوله تعالى في سورة النور" الزانية والزاني"، وذلك بأن نقول: إن الحكم في الآيتين كان معمولا به إلى غاية ، كما قال تعالى: " أو يجعل الله لهن سبيلا " (1).
قال أبو سليمان الخطابي في "معالم السنن": " لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا الحديث ألبتة، وذلك لأن قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} يدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا ، وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال صلى الله عليه وسلم: " خذوا عني ، الثيب ترجم ، والبكر تجلد وتنفى " ، صار هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخا لها ، وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} (2) ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لإحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى، أولى من الحكم بوقوع النسخ مراراً، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فإنه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 3، ص 276.
(2) سورة النور، الآية (2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
هو؟ فلا بد لها من المبين، وآية الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية الحبس مخصصا لآية الجلد، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ " (1).
وقال القرطبي: " فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير والجلد والرجم، وقد قال بعض العلماء: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز، والله أعلم" (2).
القول الراجح:
إن الآية منسوخة كما قررّ ذلك ابن عاشور وغيره من المفسرين، ومما يعضد هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحية (الإجماع يعدُّ ناسخاً) وهي قاعدة نصّ عليها ابن عاشور في تفسيره وعمل بها العلماء.
قال ابن عطية: " وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، إلا من قال: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وآية الجلد عامة في الزناة محصنهم وغير محصنهم " (3).--------------------------------------------
(1) معالم السنن / الخطابي، ج 3، ص 324.
(2) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 89.
(3) المحرر الوجيز/ ابن عطية، ج 2، ص 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
وأما قول من قال: إن الآية محكمة ذاهباً إلى أن الآية الأولى جاءت فيمن أتين مواضع الريب، والفسوق، ولم يتحقق زناهن، فهذا القول مردود من وجهين:
أحدهما: أنه تأويل يصادم الظاهر بدون دليل لأن قوله: " يأتين الفاحشة " يتبادر إلى الذهن مقارفتهن نفس الفاحشة، لا مجرد غشيان مكانها والأخذ بأسبابها.
وثانيهما: قوله صلى الله عليه وسلم: " خذوا عني ،خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم (1) " (2).
5 - مثال الأنعام:
قال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (3).
اختلف بعض المفسرين في هذه الآية فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة، واختلفوا في ناسخها فمنهم من ذهب إلى أن ناسخها آية المائدة {حُرِّمَتْ--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه ،كتاب الحدود ، باب حد الزاني، ج 3 ، ص 1316 ، ح-1690.
(2) انظر فتح المنان في نسخ القرآن / علي حسن العريض، ص 294.
(3) سورة الأنعام، الآية (145).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} (1) ، إذ أضاف الله عز وجل بعض ما حرم بهذه الآية إلى ما حرم بآية الأنعام، وهذا نسخ لها، أو لأسلوب الحصر فيها ، ومنهم من ذهب إلى أن ناسخها ما صحّ من السنة التي حرمت الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
وذهب آخرون إلى أنها محكمة وليست منسوخة (2).
ورجّح ابن عاشور أن الآية محكمة بناءً على أن الزيادة على النص لا تعدُّ نسخاً فقال: " وقد دلّت الآية على انحصار المحرّمات من الحيوان في هذه الأربعة، وذلك الانحصار بحسب ما كان مُحرّماً يوم نزول هذه الآية، فإنَّه لم يحرّم بمكّة غيرها من لحم الحيوان الّذي يأكلونه، وهذه السّورة مكّيّة كلّها على الصّحيح، ثمّ حرّم بالمدينة أشياء أخرى، وهي: المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وأكيلة السّبع بآية سورة العقود، حُرّم لحم الحُمر الإنسيّة بأمر النّبي صلى الله عليه وسلم على اختلاف بين العلماء في أنّ تحريمه لذاته كالخنزير، أو لكونها يومئذ حَمولة جيش خيبر، وفي أنّ تحريمه عند القائلين بأنّه لذاته مستمرّ أو منسوخ، والمسألة ليست من غرض التّفسير فلا حاجه بنا إلى ما تكلّفوه من تأويل حصر هذه الآية المحرّمات في الأربعة. وكذلك مسألة تحريم لحم كلّ ذي ناب من السّباع ولحم سباع--------------------------------------------
(1) سورة المائدة، الآية (3).
(2) انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 7، ص 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
الطّير وقد بسطها القرطبي وتقدّم معنى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (1) في تفسير سورة المائدة " (2).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن تقدم من المفسرين ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي بعده.
وأما الطبري فلم يتطرق لموضوع الخلاف في الآية ونسخها وإحكامها ، فدل ذلك على أنها محكمة عنده (3).
أما الرازي فيرى أن الآية منسوخة (4).
حجة القائلين بأن الآية منسوخة:
منشأ دعوى النسخ عندهم في هذه الآية أنها حصرت المحرم أكله من الحيوان فيما ذكرته: من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذبح لغير الله من آلهتهم الباطلة، مع أن هناك محرماً غير هذه.
ومن ثم اختلف أصحاب دعوى النسخ على الآية في الناسخ لها:--------------------------------------------
(1) سورة المائدة، الآية (3).
(2) التحرير والتنوير، ج 5، ص 140.
(3) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 356، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 7، ص 116، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 4، ص 243، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 6، ص 194.وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 172، وروح المعاني / الألوسي، ج 4، ص 289، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 145، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 269.
(4) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 5، ص 168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
فذهب قوم منهم إلى أنه هو آية المائدة التي يقول الله جل ثناؤه فيها: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ}؛ إذ أضاف الله عز وجل بعض ما حرم بهذه الآية إلى ما حرم بآية الأنعام، وهذا نسخ لها، أو لأسلوب الحصر فيها.
وذهب آخرون إلى أن الناسخ لها ما صحّ من السنة التي حرمت الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير (1).
حجة القائلين بأن الآية محكمة:
حجتهم: أن ذلك زيادة في النص، والزيادة في النص إذا كانت لا تنفي ما سبق فلا تعد نسخاً.
قال ابن عطية: " وهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والممتردية والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر بوحي غير مُنْجَز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع،--------------------------------------------
(1) النسخ في القرآن الكريم / مصطفى زيد، ج 2، ص 256 - 257.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
فهذه كلها زيادات في التحريم ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر، وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين ، وأجمع عليه الكل منهم ، ولم يضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وأمضاه الناس على إذلاله ، وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر وما اقترنت به قرينة ألفاظ الحديث واختلفت الأمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام «كل ذي ناب من السباع حرام» (1).
وذكر ابن الجوزي أجوبة أخرى للقائلين بالإحكام:
أحدها: إنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ.
والثاني: إنها جاءت جواباً عن سؤال سألوه؛ فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حُرِّم بعد ذلك ما حُرِّم.
والثالث: إنه ليس في الحيوان محرم إلا ما ذُكر فيها (2).
وقال القرطبي: " كل محرم حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاء في الكتاب مضموم إليها؛ فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه عليه السلام. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر، والفقه والأثر. … ولم ينزل بعدها ناسخ فهي محكمة " (3).--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 356.
(2) زاد المسير / ابن الجوزي، ج 2، ص 88.
(3) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 7، ص 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
القول الراجح:
إن الآية محكمة وليست منسوخة ، كما قررّ ذلك ابن عاشور بناءً على هذه القاعدة وإن لم يصرح بها إلا أن فحوى كلامه تدل عليه.
والذين قالوا: إنها منسوخة بآية المائدة ، فاتهم أن آية المائدة داخلة فيها، وليست متعارضة معها في شيء؛ فإن المنخنقة والمتردية والنطيحة من الميتة، وقد اجتمعت الآيتان على تحريم الميتة ، ومن الميتة ما أكله السبع فأماته ، ومن الفسق الذي أهل لغير الله به: ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب ، أما الدم ولحم الخنزير فقد ذكرتهما الآيتان، وقيدت آية الأنعام إطلاق الدم في آية المائدة بأن يكون مسفوحاً، وهو شرط لا بد منه للتحريم.
وأما الذين قالوا: إنها منسوخة بالسنة فقد غاب عنهم أن السنة لا تنسخ القرآن إطلاقاً عند بعض الأئمة، ولا ينسخه منها إلا المتواتر عند بعضهم الآخر، والسنة التي حرمت الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ليست متواترة، فهي لا تنسخ القرآن، ولكنها تبيينه، وهؤلاء وأولئك لم يلتفتوا إلى أن أسلوب الآية يسمح بإضافة محرمات جديدة إلى ماحرمته؛ فإن عبارة {لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} تفتح الباب للتحريم بعد نزولها: بغيرها من الآيات وبالسنة؛ ذلك أن الآية مكية، ومعناها حصر المحرم إلى حين نزلت فيما ذكرته ، ولعله من أجل هذا اختير الفعل من مادة الوحي ماضياً؛ ليقرر أن هذا هو الذي حرم حتى وقته (1).--------------------------------------------
(1) انظر الناسخ والمنسوخ / النحاس، ج 1، ص 432، ونواسخ القرآن / ابن الجوزي، ج 1، ص 160، النسخ في القرآن الكريم / مصطفى زيد، ج 2، ص 257.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
قال ابن العربي: " ومما يجب أن تحيطوا به علماً ما بيناه في كتب الأصول أنه لو ثبت نزول هذه الآية متى ثبت وثبت قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ذلك نسخاً لأن الزيادة في التكليفات بعد حصرها بالنفي والإثبات لا تعدُّ نسخاً " (1).
وقال القاسمي: " وبالجملة فالآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية غيره، ولا ينافيه ورود التحريم بعد ذلك في شيء آخر، كالموقوذة والمنخنقة والنطيحة وغيرها. وذلك لأن هذه السورة مكية. فما عدا ما ذكر تحريمه فيها مما حرم أيضا، طارئ - وإن - قيل: إذا حرم غير ما ذكر كان نسخاً لما اقتضته هذه الآية من تحليله. وجوابه أن ذلك زيادة تحريم وليس بنسخ لما في الآية. فصح تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير " (2).
أما ماروي عن عائشة رضي الله عنها أنه لا حرام إلا ما ورد في هذه الآية فهو قول ضعيف، قال الشوكاني: " ما روي عن مالك قول ساقط، ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم " (3).
ومما يعضد هذا الترجيح بهذه القاعدة قاعدة أخرى وهي: (أن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صريح على خلافه)، وحيث لم يرد دليل على حصرها في هذه الآية فتعين أن الآية محكمة، وغير منسوخة.
كما يعضدها قاعدة أخرى، هي (النسخ لا يقع في الأخبار) ، وقد تقدم--------------------------------------------
(1) الناسخ والمنسوخ / ابن العربي، ص 127.
(2) محاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 525.
(3) فتح القدير، الشوكاني، ج 2، ص 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
هذا في كلام ابن الجوزي، وأيضاً دلّ عليه كلام ابن كثير حيث يقول: " والمقصود من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه، من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البَحِيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حُرِّم ما ذكر في هذه الآية، من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به ، وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام، ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله؟ وعلى هذا فلا ينفي تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر ولحوم السباع، وكل ذي مخلب من الطير " (1).--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 6، ص 194.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
المبحث الرابع
الإجماع يعد ناسخاً
صورة القاعدة:
إن الإجماع لا بد له من مستند نصي، وهذا المستند النصي هو الناسخ الحقيقي، وكون الإجماع يشترط له الاستناد على نص فإن هذا يعطيه حكم النص ، ومن هنا يمكن للإجماع أن يكون ناسخاً (1).
شرح مفردات القاعدة:
الإجماع:
لغة: مصدر (أجمع)، يقال: أجمع يجمع إجماعاً، فهو مجمع، وهو مجمع عليه. وله في اللغة معنيان:
أ - العزم على أي أمر، ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} (2) أي اعزموا عليه.
ب- الاتفاق على أي شيء، ومنه قولهم: "أجمع القوم على كذا "أي اتفقوا عليه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " (3)، وكلا المعنيين مأخوذ من--------------------------------------------
(1) الإجماع في التفسير / محمد الخضيري، ص 82.
(2) سورة يونس، الآية (71).
(3) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب لزوم الجماعة، ج 4، ص 466، ح- 2167 ، والحاكم في المستدرك، ج 1، ص 200 ، ح- 394.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
الجمع، فإن العزم فيه جمع الخواطر، والاتفاق فيه جمع الآراء " (1).
اصطلاحاً: هو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، في عصر من العصور، على أمر من أمور الدين، اتفاقاً لم يسبقه خلاف مستقر (2).
وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة في تفسيره ورجح بها حيث قال في معرض تفسيره لآية الوصية: " ثبت حكم جديد للوصية وهو الندب أو الوجوب على الخلاف في غير الوارث وفي الثلث بدليل الإجماع المستند للأحاديث. وفعل الصحابة " (3) وسيأتي بيان هذا المثال بالتفصيل في الأمثلة التطبيقية الآتية.
أقوال العلماء في القاعدة:
اختلف العلماء في حكم النسخ بالإجماع على قولين:
فذهب بعض العلماء إلى جواز النسخ بالإجماع، بدليل أن الإجماع يوجب علم اليقين، كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، وإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور أي المتواتر فجوازه بالإجماع أولى.
واحتجوا على ذلك بآية الوصية في سورة البقرة: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا--------------------------------------------
(1) انظر لسان العرب / ابن منظور، ج 2، ص 358، مادة: جمع.
(2) انظر إرشاد الفحول / الشوكاني، ج 1، ص 234.
(3) التحرير والتنوير، ج 2، ص 151.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} (1) نسخت بالإجماع، كما ذكره السيوطي في الإتقان، وقال: حكاه ابن العربي.
وذهب آخرون إلى عدم جواز النسخ بالإجماع، وحجتهم في ذلك أن الإجماع عبارة عن اجتماع آراء على شيء، ولا مجال للرأي في معرفة نهاية وقت الحسن والقبح في الشيء عند الله تعالى ، ثم إن النسخ يكون حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم (2).
القول الراجح:
إنه لا يجوز النسخ بالإجماع إلا إذا كان مستنده في ذلك النص، لأنه في حال ذلك يكون الناسخ هو النص حقيقة، أما إذا لم يكن مستنده نص شرعي فلا.
ويؤكد ذلك أقوال العلماء:
قال ابن حزم: " الإجماع إما أن يكون مستنداً إلى دليل، أو ليس مستنداً إلى دليل ، فإن لم يكن مستنداً إلى دليل فهو خطأ.
وإن كان مستنداً إلى دليل ، فذلك الدليل إما أن يكون نصاً أو قياساً ، فإن كان نصاً فالناسخ ذلك النص لا الإجماع ، وإن قيل: إن الإجماع ناسخ ، فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ " (3).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (180).
(2) انظر الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم / ابن العربي، ص 14، والإتقان / السيوطي، ج 2، ص 48، وفتح المنان في نسخ القرآن / علي حسن العريض، ص 241.
(3) الأحكام في أصول القرآن / ابن حزم، ج 1، ص 302.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
وقال بعض الحنابلة: يجوز النسخ بالإجماع لكن لا بنفسه بل بسنده ، فإذا رأينا متنا صحيحا والإجماع بخلافه ، استدللنا بذلك على نسخ ، وأن أهل الإجماع اطلعوا على ناسخ وإلا لما خالفوه (1).
وقال الشنقيطي: " إذا وجد في كلام العلماء أن نصاً منسوخ بالإجماع، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع، لا بنفس الإجماع " (2).
ومن ادعى إجماعا يخالف نص الرسول من غير نص، يكون موافقا لما يدعيه، واعتقد جواز مخالفة أهل الإجماع للرسول برأيهم، وأن الإجماع ينسخ النص، كما تقوله طائفة من أهل الكلام والرأي، فهذا من جنس هؤلاء (3).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 - مثال الوصية:
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (4).
اختلف العلماء في هذه الآية أي في الوصية التي قرّرتها، هل هي منسوخة أو محكمة.
وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره، وملخص كلامه: إنه ذهب--------------------------------------------
(1) انظر إرشاد الفحول / الشوكاني، ج 2، ص 562.
(2) أضواء البيان / الشنقيطي، ص 500.
(3) مجلة البحوث الإسلامية / شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 21، ص 276.
(4) سورة البقرة، الآية (180).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
جمهور أهل النظر من العلماء، الحسن وقتادة والنخعي والشعبي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وجابر بن زيد إلى أن الآية منسوخة بآية المواريث التي في سورة النساء حيث نسخت هذه الآية نسخاً مجملاً ،بينت ميراث كل قريب فلم يبق حقه موقوفاً على إيصاء الميت له بل صار حقه ثابتاً معيناً رضي الميت أم كره، ولذلك صدر الله تعالى آية الفرائض بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} (1).
وقال بعضهم: الآية محكمة لم تُنسخ ، والمقصود بها من أول الأمر الوصية لغير الوارث من الوالدين والأقربين مثل الأبوين الكافرين والعبْدين والأقارِب الذين لا ميراث لهم وبهذا قال الضحاك والحسن في رواية وطاووس واختاره الطبري (2).
ورجح ابن عاشور أن الآية منسوخة مستندا في ذلك إلى الإجماع المستند للأحاديث وفعل الصحابة ومن قوله: " ثبت حكم جديد للوصية وهو الندب أو الوجوب على الخلاف في غير الوارث وفي الثلث بدليل الإجماع المستند للأحاديث وفعل الصحابة، ولمَّا ثبت حكم جديد للوصية فهو حكم غير مأخوذ من الآية المنسوخة بل هو حكم مستند للإِجماع، هذا تقرير أصل استنباط العلماء في هذه المسألة وفيه ما يدفع عن الناظر إشكالات كثيرة للمفسرين--------------------------------------------
(1) سورة النساء، الآية (11).
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 2، ص 151.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
والفقهاء في تقرير كيفية النسخ (1).
وممن وافق ابن عاشور في اختياره فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي (2).
ورجّح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة، وكذلك الرازي.
ولم يتطرق القاسمي، ولا الشنقيطي لهذا الخلاف ولا حتى إشارة (3).
حجة القائلين بأن الآية منسوخة:
حجتهم في ذلك آية المواريث {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} التي بينت نصيب كل من الوالدين والأقربين. قال ابن عاشور: " وهذه الآية صريحة في إيجاب الوصية؛ لأن قوله " كتب عليكم" صريح في ذلك ، وجمهور العلماء على أنها ثبت بها حكم وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين، .. ثم إن آية المواريث التي في سورة النساء نسخت هذه الآية نسخاٍ مجملاً فبينت ميراث كل قريب معين فلم يبق حقه موقوفاً على إيصاء الميت له بل صار حقه ثابتاً معيناً رضي الميت أم كره " (4).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 2، ص 151.
(2) انظر جامع البيان / الطبري ، ج 2، ص 146 ، والتفسير الكبير / الرازي ، ج 2 ، ص 234.
(3) انظر جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 146، المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 248، والتفسير الكبير / الرازي، ج 2، ص 234، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 266، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 21، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 168، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 178، وروح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 451.
(4) التحرير والتنوير، ج 2، ص 140.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
كما استدل أصحاب هذا القول بالسنة المتواترة، ومن ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: " قال كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع " (1).
وحديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " (2).
قال ابن كثير: " اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين ، وقد كان ذلك واجبًا -على أصح القولين -قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منَّة الموصي، ولهذا جاء الحديث في السنن وغيرها عن عَمْرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: "إن الله قد أعطى كلّ ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (3).
وقال ابن أبي حاتم فيما يرويه بسنده عن ابن عباس، في قوله: {الْوَصِيَّةُ--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، ج 3، ص 1008، ح- 2595.
(2) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الوصايا، باب ماجاء لا وصية لوارث، ج 4، ص 1433، ح- 2120.
(3) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 167 - 168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)