القول الراجح
ليس هناك خلاف أصلاً بين المفسرين ، فقول ابن عاشور وغيره من المفسرين بأن لكل آية معنى ذلك بناءً على أن لكل قراءة معناها الذي يميزها عن القراءة الأخرى ابتداءً.
ومن قال بأن معناهما متقارب ، فذلك لأن كلاً منها متممة للأخرى، والأصل توافق القراءات في المعنى، فننشرها بمعنى نحييها، وننشزها بمعنى نكسوها لحما، والعظام لا تحيا عن الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض.
3 - قراءة " قد كذبوا":
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (1).
اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: " قَدْ كُذِبُوا "، وهذا الخلاف ناتج عن تعدد القراءات فيها:
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (كُذِّبُوا) مشددة الذال.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (كُذِبُوا) خفيفة ، وكلهم ضم الكاف (2).
وعليه اختلف المفسرون في معناها، وذكر ابن عاشور في تفسيره موقف--------------------------------------------
(1) سورة يوسف، الآية (110).
(2) وهاتان قراءتان متواترتان. انظر السبعة في القراءات / ابن مجاهد، ص 351، والتيسير / الداني، ص 130، والنشر/ ابن الجزري، ج 2، ص 222.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 606)
عائشة من هذه القراءة واختيارها للقراءة بالتشديد ثم علّق عليها بقوله: " وهذا الكلام من عائشة رضي الله عنها رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون (كذبوا) مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل، وذلك ليس بمتعيّن، ولم تكن عائشة قد بلغتْها رواية (كذبوا) بالتخفيف " (1).
وابن عاشور كما مرّ معنا يأخذ بكل القراءات المتواترة ولا يرجح أحدها على الأخرى وإنما إذا اختلفت عنده المعاني في القراءات فهو يرى أن ذلك مما تميز به كتاب الله وأن التعدد في القراءات بمنزلة التعدد في الآيات.
أما موقف المفسرين من هاتين القراءتين فقد رجّح الطبري القراءة بتشديد الذال ولم يستجز غيرها (2).
وذكر كلٌ من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير والشوكاني، والألوسي تلك القراءات ومعناها ولم يرجَّحوا (3).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير/ ابن عاشور ج 7، ص 70 ، والقول بأن عائشة رضي الله عنها لم تبلغها رواية " كذبوا " بالنخفيف، فيه نظر ، بدليل ما رواه السيوطي في الدر المنثور بسنده عن عائشة رضي الله عنها قال: أخرج ابن مردويه من طريق عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: وظنوا أنهم قد كذبوا ، مخففة. (الدر المنثور / السيوطي، ج 4 ، ص 77).
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 13، ص 03.
(3) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 287 - 288، والتفسير الكبير / الرازي، ج 6 ص 521، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 9، ص 282، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 5، ص 347، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 8، ص 98، وفتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 61، وروح المعاني / الألوسي، ج 7، ص 67، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 6، ص 241.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 607)
حجة أصحاب القول الأول: وهم الذين يرون القراءة بـ (كُذِّبُوا) بالتشديد:
وهذا قول عائشة، وكذلك كانت تقرؤها رضي الله عنها، روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} قال: قلت: أكُذِبوا أم كُذِّبوا؟ فقالت عائشة: كُذِّبوا. فقلت: فقد استيقنوا أن قومهم قد كَذَّبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} ممّن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذَّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك " (1).
وهذه القراءة بالتشديد هي التي رجحها الطبري ولم يستجز غيرها (2).
وروى ابن أبي حاتم بسنده قال: " إن محمد بن كعب القرظي يقول هذه الآية: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: {حَتَّى إِذَا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب حتى إذا استيأس الرسل، ج 4، ص 1731، ح- 4418.
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 13، ص 03
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 608)
اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} تقول: كذبتهم أتباعهم " (1).
حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين يرون القراءة بـ (كُذِبُوا) بالتخفيف:
قال الطبري: "وفي تأويلها وجهان:
الوجه الأول: رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظنّ قومهم أن الرسل كذبوهم فيما وعدوا به.
الوجه الثاني: وهو من رواية ابن عباس رضي الله عنه قال: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فيما وعدوا من النصر، وهذا القول أيضا من رواية ابن عباس حيث قال: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا" (2).
وهذا التأويل _ أي الثاني_ ردّه الطبري حيث قال: " وهذا تأويلٌ وقولٌ، غيرُه من التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء، والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعدِ الله إياهم ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسَل إليهم فيعذروا في ذلك، فإن المرسَلَ إليهم لأوْلى في ذلك منهم بالعذر. وذلك قول إن قاله قائلٌ لا يخفى أمره، وقد ذُكِر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النُكرة فيما ذكر لنا " (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ج 5، ص 441.
(2) جامع البيان / الطبري، ج 13، ص 100.
(3) جامع البيان / الطبري، ج 13، ص 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 609)
القول الراجح:
هو أن نأخذ بكلا القراءتين ، وذلك لأنهما متواترتان ، وكل قراءة تفيد معنى جديداً، وهذا ما ذهب إليه ابن عاشور في تفسيره، ولكن لم يتبين موقف ابن عاشور من التأويلات الواردة في قراءة التخفيف ، والذي يظهر لي أنه يرى أنها كلها محتملة وهو الذي يظهر من الآية.
قال القاسمي: " وقد استشكلوا على ابن عباس هذا القول وتأولوا لكلامه وجوهاً " (1).
قال الزمخشري: " أراد بالظن ما يخطر بالبال، ويهجس في القلب، من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأما الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم " (2).
وقال الحكيم الترمذي: " وجهه: أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر، لا من تهمة بوعد الله، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثاً ينقض ذلك الشرط، فكان الأمر إذا طال، واشتد البلاء عليهم، دخلهم الظن من هذه الجهة " (3).
وكذلك وضَّح معنى قراءة التخفيف الشوكاني، بعد أن ذكر أنها من قراءة ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو جعفر بن القعقاع--------------------------------------------
(1) محاسن التأويل / القاسمي، ج 6، ص 241.
(2) الكشاف / الزمخشري، ج 3، ص 330.
(3) انظر إملاء ما من به الرحمن / العكبري، ص 366.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 610)
وغيرهم حيث قال: " كذبوا بالتخفيف أي: ظنّ القوم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ولم يصدقوا، وقيل: المعنى ظنّ القوم أن الرسل قد كذبوا فيما ادعوا من نصرهم، وقيل: المعنى وظنّ الرسل أنها قد كذبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنهم ينصرون عليهم، أو كذبهم رجاؤهم للنصر " (1).
4 - قراءة "لتزول":
قال تعالى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} (2).
اختلف القراء في قراءة قوله تعالى (لتزول): قرأ الكسائي بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية (3) ، وبالتالي اختلف المفسرون في معناها (4) ، وقد ساق ابن عاشور هذه القراءات واختلاف المفسرين في معناها فقال: " وقرأ الجمهور (لِتزول) بكسر اللام وبنصب الفعل المضارع بعدها فتكون (إن) نافية ولام (لتزول) لام الجحود، أي وما كان مكرهم زائلة منه الجبال، وهو استخفاف بهم، أي ليس مكرهم بمتجاوز مكر--------------------------------------------
(1) فتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 61.
(2) سورة إبراهيم، الآية 46.
(3) وهاتان قراءتان متواترتان، انظر التيسير في القراءات / الداني، ص 135، ومتن الشاطبية / الشاطبي، ص 119 ، والنشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ج 2، ص 225، والبدور الزاهرة / عبد الفتاح القاضي، ص 166.
(4) سورة إبراهيم، الآية (46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 611)
أمثالهم، وما هو بالذي تزول منه الجبال. وفي هذا تعريض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يريد المشركون المكر بهم لا يزعزعهم مكرهم لأنهم كالجبال الرواسي.
وقرأ الكسائي وحده بفتح اللام الأولى من (لَتزولُ) ورفع اللام الثانية على أن تكون (إنْ) مخففة من (إنْ) المؤكدة وقد أكمل إعمالها، واللام فارقة بينها وبين النافية، فيكون الكلام إثباتاً لزوال الجبال من مكرهم، أي هو مكر عظيم لَتزول منه الجبال لو كان لها أن تزول، أي جديرة، فهو مستعمل في معنى الجدارة والتأهل للزوال لو كانت زائلة.
وهذا من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه على نحو قوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} (1) " (2).
ومما تقدم يتبين لنا استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة حيث ذكر كل قراءة مبيناً معناها، ولم يرجح قراءة على أخرى وذلك بناء على منهجه في القراءات من أن القراءات حق كلها، إضافة إلى أن اختلاف القراءات يكثر المعاني في الآية، وبناء عليه فهو يأخذ بكل القراءات.
وممن يرى ذلك من المفسرين الرازي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، (3).--------------------------------------------
(1) سورة مريم، الآية (90).
(2) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 7، ص 250.
(3) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 110، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 9، ص 396، تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 8، ص 231، وفتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 116، وروح المعاني / الألوسي، ج 7، ص 237، ومحاسن التأويل/ القاسمي، ج 6، ص 333.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 612)
في حين رد الطبري قراء الفتح معللا ذلك بأنها لو زالت على معنى تلك القراءة لم تكن ثابتة، في حين احتمل ابن عطية أن تكون القراءة بكسر اللام بمعنى تعظيم مكرهم فتكون القراءتين بمعنى واحد، ووافقه أبو حيان على ذلك بقوله: " وعلى هذا التخريج تتفق معاني القراءات وتتقارب " (1).
حجة الآخذين بكلا القراءتين، وأن لكل قراءة معناها:
قال ابن زنجلة: " قرأ الكسائي وإن كان مكرهم لَتزولُ بفتح اللام الأولى وضم الثانية اللام لام التوكيد ، وتزول رفع بالمضارعة ، كما تقول: إن زيدا ليقول ، وإن في قوله وإن كان مكرهم مخففة من الثقيلة أي وإن مكر هؤلاء لو بلغ مكر ذلك يعني نمرود لم ينتفعوا به وحجته قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وابن مسعود وإن كاد مكرهم لتزول بالدال وهذا دليل على تعظيم مكرهم، قال الزجاج: وإن كان مكرهم لتزول معناه معنى حسن المعنى وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إزالة الجبال فإن الله جل وعز ينصر دينه ومكرهم عنده لا يخفى
وقرأ الباقون وإن كان مكرهم لِتزولَ بكسر اللام الأولى وفتح اللام الأخيرة بمعنى ما واللام لام الجحود ، والمعنى وما كان مكرهم لتزول منه الجبال أي ما كان مكرهم ليزول به أمر النبي وأمر دين الإسلام وثبوته كثبوت الجبال--------------------------------------------
(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 13، ص 291، والمحرر الوجيز / ابن عطية، 3، 346، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 5، ص 426. .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 613)
الراسيات؛ لأن الله جل وعز وعد نبيه صلى الله عليه إظهار دينه على الأديان فقال ليظهره على الدين كله ودليل هذا قوله بعدها (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) أي: لا يخلفهم ما وعدهم من نصره وإظهار نبوتهم وكلمتهم ، وحجتهم ما روي عن الحسن أنه قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال " (1).
حجة أصحاب القراءة الأولى في اختيارهم لها ولمعناها:
حجتهم في ذلك أن قراءة أبي بن كعب تؤيدها.
قال مكي: " حجة من فتح اللام الأولى، وضم الثانية، أنه جعل "إن" في قوله (وإن كان) مخففة كن الثقيلة، وجعل اللام الأولى لام توكيد، دخلت لتوكيد الخبر، كما دخلت "إن" لتوكيد الجملة، والفعل مع لام التوكيد مرفوع على أصله، إذ لا ناصب معه ولا جازم، والهاء مضمرة مع "إن"، تقديره: وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال والتقدير مثل الجبال في القوة والثبات. فمعنى هذه القراءة أن الله جل ذكره عظّم مكرهم كما قال: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} (2)، وقال: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} (3)، وفي مصحف أبي ما يدل على هذه القراءة، ، وروي عن عمر وعلي وابن مسعود أنهم قرؤوا: " وإن كاد مكرهم لتزول منه--------------------------------------------
(1) حجة القراءات / ابن زنجلة، ج 1، ص 379.
(2) سورة نوح، الآية (22).
(3) سورة مريم، الآية (90 - 91).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 614)
الجبال تكاد" فهذا دليل على تعظيم مكرهم، لأن "كاد" في كلام العرب تكون لمقاربة الفعل، وربما وقعت لوجوبه " (1).
وهذه قراءة ضعيفة (2).
حجة أصحاب القراءة الثانية، وهي القراءة بكسر اللام الأولى وفتح الثانية فمعناها وما كان مكرهم لتزول منه الجبال (3)
قال مكي: " وحجة من كسر اللام الأولى وفتح الثانية أنه جعل "إن" بمعنى "ما"، وجعل اللام الأولى لام نفي، لوقوعها بعد نفي، ونصب الفعل بها، والتقدير: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال " (4).
وقال الرازي: " وأما القراءة الثانية: فالمعنى: أن لفظ «إن» في قوله؛ {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ} بمعنى «ما» واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد ومن سبيلها نصب الفعل المستقبل. والنحويون يسمونها لام الجحد ومثله قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} (5) و {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ} (6) والجبال ههنا مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولأمر دين الإسلام وإعلامه--------------------------------------------
(1) الكشف عن وجوه القراءات السبع / مكي، ج 2، ص 27.
(2) انظر القراءات الشاذة / ابن خالويه، ص 69.
(3) جامع البيان / الطبري، ج 13، ص 291.
(4) الكشف عن وجوه القراءات / مكي، ج 2، ص 28.
(5) سورة آل عمران، الآية (179).
(6) سورة آل عمران، الآية (179).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)
ودلالته على معنى أن ثبوتها كثبوت الجبال الراسية لأن الله تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان. ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية: {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} (1).
أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم.
والمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلى الله عليه وسلم، ودلائل شريعته، وقرأ علي وعمرو: (إِن كَانَ مَكْرِهِمْ) " (2).
وهذه القراءة رجحها الطبري بقوله: " والصواب من القراءة عندنا، قراءة من قرأه (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) بكسر اللام الأولى وفتح الثانية، بمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وإنما قلنا: ذلك هو الصواب، لأن اللام الأولى إذا فُتحت، فمعنى الكلام: وقد كان مكرهم تزول منه الجبال، ولو كانت زالت لم تكن ثابتة، وفي ثبوتها على حالتها ما يبين عن أنها لم تزُل، وأخرى إجماع الحجة من القرّاء على ذلك، وفي ذلك كفاية عن الاستشهاد على صحتها وفساد غيرها بغيره (3).
القول الراجح:
هو الأخذ بكلا القراءتين كما فعل ابن عاشور وغيره من المفسرين فهما--------------------------------------------
(1) سورة إبراهيم، الآية (47).
(2) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 110.
(3) جامع البيان / الطبري ، ج 13 ، ص 291.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 616)
قراءتان متواترتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكل قراءة معناها، وأما ما كان من موقف بعضهم في الأخذ بقراءة (لَتزولُ) أي فتح اللام الأولى وضم الثانية مستدلين على ذلك بقراءة ابن مسعود فإن استدلالهم هذا غير صحيح لأن هذه القراءة شاذة كما تقدم، وقد ردّها أبو حيان فقال: " ما روي عن ابن مسعود من قراءة بالنفي يعارض ما تقدم من القراءات، لأن فيها تعظيم مكرهم وفي هذا تحقيره " (1).
أما ما كان من موقف الطبري من اختيار قراءة الكسر ورد غيرها فإن ذلك عرفناه من خلال مابيناه من حال الطبري مع تلك القراءات، أما التعليل الذي ذهب إليه الطبري في رد هذه القراءة غير سديد.
قال الرازي: " وليس المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه، بل التعظيم والتهويل وهو كقوله: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} " (2).
5 - قراءة "المنشئات ":
قال تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} (3) … .
اختلف القراء في قراءة المنشئات، فمنهم من قرأها بفتح الشين، ومنهم من قرأ بكسرها (4).
وذكر ذلك ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقرأ الجمهور (المنشئات) بفتح--------------------------------------------
(1) البحر المحيط / أبو حيان، ج 5، ص 426.
(2) التفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 110.
(3) سورة الرحمن، الآية (24).
(4) وهاتان قراءتان متواترتان. انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 620، والتيسير / الداني، ص 206، ومتن الشاطبية / الشاطبي ، ص 155.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)
الشين، فهو اسم مفعول، إذا أُوجد وصُنع، أي التي أنشأها الناس بإلهام من الله فحصل من الكلام مِنَّتان: مِنة تسخير السفن للسير في البحر، ومنّة إلهام الناس لإِنشائها.
وقرأه حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر الشين فهو اسم فاعل.
فيجوز أن يكون المنشئات مشتقاً من أنشأ السير إذا أسرع، أي التي يسير بها الناس سيراً سريعاً. قال مجاهد: المنشئات التي رفعت قلوعها، والآية تحتمل المعنيين على القراءتين باستعمال الاشتقاق في معنيي المشتق منه ويكون في ذلك تذكيراً بنعمة إلهام الناس إلى اختراع الشراع لإِسراع سير السفن وهي مما اخترع بعد صنع سفينة نوح " (1).
وابن عاشور في هذا المثال نجده مستحضراً لقاعدة (أن اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يكثر المعاني في الآية الواحدة) وإلى ذلك ذهب معظم المفسرين (2).
ويرى الطبري أن القراءتين متقاربتان في المعنى (3).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير/ ابن عاشور، ج 13، ص 251.
(2) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 229، والجامع لأحكام القرآن /القرطبي، ج 17، ص 158.، البحر المحيط / أبو حيان، ج 8، ص 191، ، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 13، ص 319، وفتح القدير / الشوكاني، ج 5، ص 134، وروح المعاني / الألوسي، ج 14، ص 107، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 563. . .
(3) جامع البيان / الطبري، ج 27، ص 115.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)
حجة القائلين بأن لكل قراءة معنى مختلف:
قال مكي: " وحجة من كسر أنه بناه على " أنشأت"، فهي " منشئة "، فنسب الفعل إليها على الاتساع، والمفعول محذوف، والتقدير: المنشئات السير، فأضاف إليها السير اتساعاً.
وحجة من فتح الشين أنه بناه على فعل رباعي، وجعله اسم مفعول، فكأنه بناه على"أنشئت"، فهي منشأة بمعنى "أجريت"فهي "مجراه "، أي فعل بها الإنشاء ". ورجح مكي هذا المعنى بقوله: وهذا الذي يعطيه المعنى، لأنها لم تفعل شيئاً، إنما غيرها أنشأها، والفتح أحبُّ إلي لأن الجماعة عليه " (1).
وكذلك ذكر ابن عطية أن لكل قراءة معناها فقال: " وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: «المنشآت» بفتح الشين أي أنشأها الله والناس. وقرأ حمزة وأبو بكر بخلاف: «المنشِئات» بكسر الشين، أي تنشئ هي السير إقبالاً وإدباراً " (2).
حجة القائلين بأن القراءتين متوافقتان في المعنى:
قال الطبري: " اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة (المُنْشِئاتُ) بكسر الشين، بمعنى: الظاهرات السير اللاتي يقبلن ويدبرن. وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والمدينة وبعض الكوفيين (المُنْشَئاتُ)، بفتح الشين، بمعنى المرفوعات القلاع اللاتي تقبل بهنّ وتدبر.--------------------------------------------
(1) الكشف عن وجوه القراءات / مكي بن أبي طالب، ج 2، ص 301.
(2) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متقاربتاه، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب " (1).
وقال ابن زنجلة: " قرأ حمزة وأبو بكر: وله الجوار المنشئات بكسر الشين أي: المبتدئات في السير ، قال الفراء: المنشئات اللاتي أقبلن وأدبرن ،وقال بعض أهل النحو: المعنى المنشئات السير فحذف المفعول للعمل به ونسب الفعل إليها على الاتساع ، كما يقال: مات زيد ومرض عمرو ونحو ذلك ، مما يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه وهو في الحقيقة بهبوب الريح ودفع الرجال.
وقرأ الباقون: المنشآت بفتح الشين ، قال أبو عبيدة: المنشآت المجريات المرفوعات الشرع وهي مفعولة لأنها أنشئت وأجريت ولم تفعل ذلك أنفسها أي فعل بها الإنشاء فهذا بين لا إشكال فيه" (2).
القول الراجح:
فيما يبدو لي والله أعلم أن القراءتين تؤولان إلى معنى واحد، وهذا لا يعد مأخذاً على ابن عاشور ، لأن كل قراءة ابتداء تفيد معنى جديدا، ولذلك قال الطبري بعد أن ذكر كلا القراءتين: " والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متقاربتاه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب " (3).
قال أبو علي الفارسي: " وجه من قال: (المنشَئات) أنها أُنشئت وأجريت، ولم--------------------------------------------
(1) جامع البيان / الطبري، ج 27، ص 155.
(2) حجة القراءات / ابن زنجلة، ج 1، ص 692.
(3) تفسير الطبري، ج 27، ص 115.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 620)
تفعل ذلك أنفسها، أي فعل بها الإنشاء، وهذا بين لا إشكال فيه.
ومن قال (المنشِئات) نسب الفعل إليها على الاتساع، كما يقال مات زيدٌ، ومرض عمرو، وغير ذلك مما يضاف إليه إذا وجد فيه، وهو في الحقيقة لغيره، فكان المعنى: المنشِئات السير، فحذف المفعول للعلم به، وإضافة السير إليها أيضاً اتساع، لأن سيرها إنما يكون في الحقيقة لهبوب الريح، أو رفع الصواري " (1).--------------------------------------------
(1) الحجة للقراء السبعة / الفارسي، ج 4، ص 16.
ونظائر تلك الأمثلة كثيرة في تفسيره منها:
1 - … ما جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الأعراف: 257) حيث ذكر ابن عاشور القراءات الواردة في كلمة بشراً ثم بين أنه حصل بمجموع تلك القراءات معاني متعددة. (انظر التحرير والتنوير، ج 5، ص 180).
2 - … ما جاء في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 22).
ومن قوله: " اختلاف القراءات يكثر المعاني في الآية الواحدة، نحو " حتى يطَّهرن" بفتح الطاء المشددة والهاء المشددة، وبسكون الطاء، وضم الهاء مخففة " (التحرير والتنوير، ج 1، ص 55).
3 - … ما جاء في قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} (الزخرف: 57).وفيه قوله: " وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 621)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= عن عاصم وأبو جعفر وخلف (يصدون) بضم الصاد من الصدود إما بمعنى الإعراض والمُعرَض عنه محذوف لظهوره من المقام، أي يعرضون عن القرآن لأنهم أوهموا بجَدَلِهِمْ أن في القرآن تناقضاً، وإما على أن الضم لغة في مضارع صدَّ بمعنى ضجّ مثل لغة كسر الصاد وهو قول الفراء والكسائي. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بكسر الصاد وهو الصد بمعنى الضجيج والصخَب. والمعنى: إذا قريش قومك يصخَبون ويضجّون " (التحرير والتنوير، ج 12، ص 283) … .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)
المبحث الرابع
تأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة من الآية
صورة القاعدة:
تعدُّ القراءات مصدراً من مصادر معاني القرآن الكريم؛ لأن القراءات تعطي للفظة القرآنية معاني جديدة؛ بل إذا أشكلت عليهم آية واختلفت أقوالهم فيها كان للقراءات أثر كبير في ترجيح أحد المعاني على الأخرى (1).
وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة وكان للقراءات القرآنية أثر في ترجيحاته حيث يقول في المقدمة السادسة من تفسيره: " أرى أن للقراءات حالتين: إحداهما لا تعلق لها بالتفسير بحال، والثانية لها تعلق به من جهات متفاوتة .. إلى أن يقول: على المفسر أن يبين اختلاف القراءات المتواترة لأن في اختلافها توفيراً لمعاني الآية غالباً فيقوم تعدد القراءات مقام تعدد كلمات القرآن " (2).
أقوال العلماء في القاعدة:
قال ابن عطية: " وقصدي إيراد جميع القراءات مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ " (3).
كذلك نرى الزمخشري يفضل قراءة على أخرى حتى ولو لم تكن تلك--------------------------------------------
(1) انظر علم القراءت نشأته - أطوراه / نبيل آل إسماعيل، ص 329.
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 51 - 56).
(3) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 63.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)
القراءة التي يفضلها من القراءات العشر المتواترة، يفضلها لأنها تحفظ على الأسلوب القرآني جمالا وقوة في المعنى حسب نظره، أو لزيادة في معنى أحدها ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} (1): " ومن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ" (2) ، وهكذا فضل القراءة التي أضافت معنى زائداً بليغاً مع أن القراءتين " يدفع" و"يدافع" كلاهما متواترتان.
أمثلة تطبيقية على القاعدة:
1 - قراءة " حطة ":
قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} (3).
اختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} وذكر هذه الأقوال ابن عاشور في تفسيره فقال: "وقيل: المراد من الحطة سؤال غفران الذنوب أي حط عنا ذنوبنا أي اسألوا الله غفران ذنوبكم إن دخلتم القرية.--------------------------------------------
(1) سورة الحج، الآية (38).
(2) الكشاف / الزمخشري، ج 4، ص 198.
(3) سورة البقرة، الآية (58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)
وقيل: من الحط بمعنى حط الرحال أي إقامة أي ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة بها إذ الحرب ودخول ديار العدو يكون فتحاً ويكون صلحاً ويكون للغنيمة ثم الإياب " (1).
واستبعد ابن عاشور هذين القولين ورجّح قولاً آخر بناءً على القراءة، فقال: " وهذان التأويلان بعيدان، ولأن القراءة بالرفع وهي المشهورة تنافي القول بأنها طلب المغفرة، لأن المصدر المراد به الدعاء لا يرتفع على معنى الإخبار نحو سَقياً ورعياً، وإنما يرتفع إذا قصد به المدح أو التعجب لقربهما من الخبر دون الدعاء ، ولا يستعمل الخبر في الدعاء إلا بصيغة الفعل نحو وي.
و(حطة) بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر نحو سمعٌ وطاعة وصبرٌ جميل " (2).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه القرطبي، والألوسي (3)
ورجّح الرازي وأبو حيان والقاسمي أن المراد من الحطة طلب المغفرة (4)
وساق كل من ابن عطية وابن كثير، والشوكاني الأقوال ولم يرجحوا ، وزاد ابن كثير فقال: " وحاصل الأمر: أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها" (5).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 515.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 515.
(3) انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 1، ص 416، وروح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 266.
(4) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 1، ص 523، والبحر المحيط/ أبو حيان، ج 1، ص 384، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 1، ص 344.
(5) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 150، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 419، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 89. .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)