Arabic source text

📘 কাওয়াইদুত তারজীহ আল-মুতাআল্লিকা বিন নাসি ইনদা ইবনি আশুর ফী তাফসীরিহিত তাহরীরি ওয়াত তানবীর (আবীর বিনতে আব্দুল্লাহ আন-নুয়াইম)

📘 قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (عبير بنت عبد الله النعيم)

📘 কাওয়াইদুত তারজীহ আল-মুতাআল্লিকা বিন নাসি ইনদা ইবনি আশুর ফী তাফসীরিহিত তাহরীরি ওয়াত তানবীর (আবীর বিনতে আব্দুল্লাহ আন-নুয়াইম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وهذا القول رجحه ابن كثير والقاسمي، قال القاسمي: "وهكذا رجح ابن كثير الوجه الثاني ذهابا إلى ما صح عن ابن عباس، ترجمان القرآن، ومن وافقه من الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردوها، مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة، على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن. قال الله تبارك وتعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} أي بين واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسر ابن مسعود رضي الله عنه، إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله تعالى: {يَغْشَى النَّاسَ} أي: يتغشّاهم ويعمهم. ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه {يَغْشَى النَّاسَ} " (1).
وذكر الرازي وجوهاً احتج بها القائلون بهذا القول وهي:
الأول: أن قوله: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} يقتضي وجود دخان تأتي به السماء وما ذكرتموه من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع فذاك ليس بدخان أتت به السماء فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه عدولاً عن الظاهر لا لدليل منفصل، وإنه لا يجوز.
الثاني: أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبيناً، والحالة التي ذكرتموها ليست كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس في أدمغتهم، ومثل هذا لا يوصف بكونها دخاناً مبيناً.--------------------------------------------
(1) محاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 302.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 707)

والثالث: أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشي الناس، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم والحال التي ذكرتموها لا توصف بأنها تغشي الناس إلا على سبيل المجاز وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل.
الرابع: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم عليهما السلام ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر " قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية وقال " دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره " (1).
وردّ الرازي تلك الحجج فقال: "وأما قولهم أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز، لا يجوز إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع والقوم لم يذكروا ذلك الدليل فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلاً جداً، فإن قالوا الدليل على أن المراد ما ذكرناه، أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} (2) وهذا إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام ، فإنه نقل أن القحط لما اشتد بمكة مشى إليه أبو سفيان وناشده بالله والرحم وأوعده أنه إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزال الله تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبري بسنده في تفسيره، ج 25، ص 135.
(2) سورة الدخان، الآية (12).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 708)

على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك، لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} ولم يصح أيضاً أن يقال: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} " (1).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور ومن سبقه من أن الدخان سنين القحط التي أصابت قريشاً بدلالة السياق.
قال ابن عاشور: " يؤذن بذلك قوله: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا} (2) " (3).
قال الطبري: " وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوي عن ابن مسعود من أن الدخان الذي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم، … إلى أن قال: " وإنما قلت: القول الذي قاله عبد الله بن مسعود هو أولى بتأويل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه توعَّد بالدخان مشركي قريش وأن قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير / الرازي ، ج 9 ، ص 657.
(2) سورة الدخان، الآية (15).
(3) التحرير والتنوير، ج 12، ص 286.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 709)

يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} (1) " (2).
وقال القرطبي: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم (3).
وللألوسي كلام جميل وواضح في هذا الترجيح حيث يقول: " هذا والأظهر حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولاً؛ لأنه أنسب بالسياق ، لما أنه في كفار قريش وبيان سوء حالهم مع أن في الآيات بعد ما هو أوفق به، فوجه الربط أنه سبحانه لما ذكر من حالهم مقابلتهم الرحمة بالكفران وأنهم لم ينتفعوا بالمنزل والمنزل عليه عقب بقوله تعالى شأنه: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ} الخ، للدلالة على أنهم أهل العذاب والخذلان لا أهل الإكرام والغفران " (4).
ومما يعضد هذا القول ويرجحه القاعدة الترجيحية: (إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره) (5).
قال الشنقيطي: " وفي تفسير ابن مسعود رضي الله عنه لهذه الآية الكريمة ما يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في (سورة النحل) من--------------------------------------------
(1) سورة الدخان، الآية (9).
(2) جامع البيان / الطبري ، ج 25 ، ص 135.
(3) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 16، ص 128.
(4) روح المعاني / الألوسي، ج 13، ص 117.
(5) قواعد الترجيح عند المفسرين / حسين الحربي، ج 1، ص 191.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 710)

لباس الجوع أذيقه أهل مكة، حتى أكلوا العظام، وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع. وهذا التفسير من ابن مسعود رضي الله عنه له حكم الرفع؛ لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع "، وقد ثبت في صحيح مسلم أن الدخان من أشراط الساعة ، ولا مانع من حمل الآية الكريمة على الدخانين: الدخان الذي مضى، والدخان المستقبل جمعاً بين الأدلة" (1).

5 - مثال الغفلة:
قال تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (2).
اختلف المفسرون في من المخاطب في هذه الآية على أقوال: فقال ابن زيد: المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة في قريش في جاهليتهم.
وقال ابن عباس والضحاك: إن المراد به المشركون أي كانوا في غفلة من عواقب أمورهم.
وقال أكثر المفسرين: إن المراد به البر والفاجر (3).
ورجّح ابن عاشور أن المراد به الكافر فقال: يقال هذا الكلام لكل نفس من--------------------------------------------
(1) أضواء البيان / الشنقيطي، ص 505.
(2) سورة ق، الآية (22).
(3) انظر هذه الأقوال في النكت والعيون / الماوردي، ج 5، ص 349.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 711)

نفوس المشركين فهو خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء.
وابن عاشور في ترجيحه هذا اعتمد على السياق وهو يرى أن هذه الآيات والتي قبلها في المشركين ودليله على ذلك السياق. (1) وقد ذهب إلى هذا القول أبو حيان (2).
أما جمهور المفسرين فيرون أن المخاطب في هذه الآيات عموم الإنسان المؤمن والكافر (3).

حجة أصحاب القول الأول القائلين: إن المخاطب في هذه الآية هو النبي صلى الله عليه وسلم:
ذكر الطبري حجة أصحاب هذا القول فقال: " قالوا هذا الكلام خطابا من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه كان فى غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقرّر ذلك عنده، فصار حادّ البصر به" (4).
وردّ ابن عطية هذا التأويل وضعفه من وجوه:--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 12، ص 308.
(2) انظر البحر المحيط / أبو حيان، ج 8، ص 124.
(3) انظر جامع البيان / الطبري، ج 26، ص 189، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 162، والتفسير الكبير / الرازي، ج 10، ص 135، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 13، ص 190، وفتح القدير / الشوكاني، ج 5، ص 76، وروح المعاني / الألوسي، ج 13، ص 334، وساق القاسمي الأقوال الواردة في الآية وذكر أن ابن جرير عول في الأولوية على هذا القول (محاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 471)، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 1352.
(4) جامع البيان / الطبري، ج 26، ص 189.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 712)

" أحدها: أن الغفلة إنما تنسب أبداً إلى مقصر، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا تقصير له قبل بعثه ولا بعده
وثانيها: أن قوله بعد هذا: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا} (1) يقتضي أن الضمير إنما يعود على أقرب مذكور، وهو الذي يقال له {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (2) وإن جعلناه عائداً على ذي النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض لمحمد صلى الله عليه وسلم بين الكلامين غير متمكن فتأمله.
وثالثها: أن معنى توقيف الكافر وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أحرى بالآية وأولى بالرصف، والوجه عندي ما قاله الحسن وسالم بن عبد الله إنها مخاطبة للإنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر" (3).
كما ضعّف هذا القول أبو حيان ولم ينقله وإنما قال: " وعن زيد بن أسلم قول في هذه الآية يحرم نقله، وهو في كتاب ابن عطية " (4)، وكذلك رده الألوسي بقوله: " إنه زعم ساقط لا يوافق السباق ولا السياق" (5).--------------------------------------------
(1) سورة، ق، الآية (23).
(2) سورة، ق، الآية (22).
(3) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 162.
(4) البحر المحيط / أبو حيان، ج 8، ص 125.قلت: لم يُرد زيد بن أسلم رضي الله عنه من قوله هذا الإساءة له صلى الله عليه وسلم، وإنما مراده أنه كان في غفلة من نزول الوحي عليه وتحمل الرسالة، وهذا قوله: " الآية مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنه خوطب بهذا في الدنيا، أي لقد كنت يامحمد في غفلة من معرفة هذا القصص والغيب حتى أرسلناك وأنعمنا عليك وعلمناك. (المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 162)
(5) روح المعاني / الألوسي، ج 13، ص 334.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 713)

حجة أصحاب القول الثاني القائلين: إن المخاطب في هذه الآية هو الكافر:
حجتهم في ذلك: السياق؛ لأن الآية في معرض الخطاب على صيغة التهكم التوبيخي.
قال صالح بن كيسان والضحاك وابن عباس رضي الله عنه: معنى قوله: {لَقَدْ كُنْتَ} أي: يقال للكافر الغافل من ذوي النفس التي معها السائق والشهيد إذا حصل بين يدي الرحمن وعاين الحقائق التي كان لا يصدق بها في الدنيا ويتغافل عن النظر فيها، {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} (1)، فلما كشف الغطاء عنك الآن احتد بصرك أي بصيرتك (2).
قال الألوسي: " يقال للكافر الغافر إذا عاين الحقائق التي لم يصدق بها في الدنيا من البعث وغيره لقد كنت في غفلة من هذا الذي تعاينه، فالخطاب للكافر كما قال ابن عباس. وصالح بن كيسان، وتنكير الغفلة وجعله فيها وهي فيه يدل على أنها غفلة تامة، وهكذا غفلة الكفرة عن الآخرة وما فيها، وقيل: لجملة محكية بإضمار قول هو صفة لنفس أو حال والخطاب عام أي يقال لكل نفس أو قد قيل لها: لقد كنت " (3).
وقال ابن عاشور: " يقال هذا الكلام لكل نفس من نفوس المشركين فهو--------------------------------------------
(1) سورة، ق، الآية (22).
(2) أخرج قول ابن عباس الطبري في تفسيره، ج 26، ص 189، وانظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 162.
(3) روح المعاني / الألوسي، ج 13، ص 334.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 714)

خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة، لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء " (1).

حجة أصحاب القول الثالث القائلين: إن المخاطب في هذه الآية هو البر والفاجر:
حجتهم في ذلك أن الآيات تخاطب الإنسان عموماً، ويدخل فيه المؤمن والكافر، قال الطبري: "يقال للإنسان: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم أيها الإنسان من الأهوال والشدائد {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ} (2) يقول: فجلينا ذلك لك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك " (3).
وقال الرازي: " والخطاب عام، أما الكافر فمعلوم الدخول في هذا الحكم، وأما المؤمن فإنه يزداد علماً ويظهر له ما كان مخفياً عنه " (4).

القول الراجح
الذي يبدو لي والله أعلم أن المخاطب في هذه الآية الإنسان الغافل عموماً سواء كان مؤمناً أو كافراً؛ لأنه حتى المؤمن تنتابه الغفلة أحيانا وتلهيه الدنيا وطول الأمل عن المصير المحتوم، والله تعالى يقول في أول الآيات:--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 12، ص 308.
(2) سورة، ق، الآية (22)
(3) جامع البيان/ الطبري، ج 26، ص 189.
(4) التفسير الكبير / الرازي، ج 10، ص 135.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 715)

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} (1) أي عموم الإنسان، وإن كان المقصود الأول بذلك الشخص الكافر، لأن الآيات فيها من الوعيد وهو المعني الأول بهذا الوعيد وهو ما رجحه ابن عاشور، وهو الأنسب بالسياق، والآية بحسب السابق واللاحق في سياق الحديث عن المشركين، لأن الله تعالى يقول في الآيات قبلها: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} (2)، ومعنى تحيد تفر وتهرب، وهو مستعار للكراهية.
قال ابن عاشور: " والخطاب للمقصود من الإنسان وبالمقصود الأول منه وهم المشركون لأنهم أشدّ كراهية للموت لأن حياتهم مادية مَحضة فهم يريدون طول الحياة قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} (3) إذ لا أمل لهم في حياة أخرى ولا أمل لهم في تحصيل نعيمها، فأما المؤمنون فإن كراهتهم للموت المرتكزة في الجبلة بمقدار الإلف لا تبلغ بهم إلى حد الجزع منه. وفي الحديث «من أحب لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» (4)، وتأويله بالمؤمن يحب لقاء الله للطمع في الثواب،--------------------------------------------
(1) سورة ق، الآية (16).
(2) سورة ق، الآية (19).
(3) سورة البقرة، الآية (96).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ج 5، ص 2386، ح- 6142، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ج 4، ص 2065، ح- 2683.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 716)

وبالكافر يكره لقاء الله. وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن المؤمن إذا حضرته الوفاة رأى ما أعد الله له من خير فأحب لقاء الله» (1)
أي والكافر بعكسه، وقد قال الله تعالى خطاباً لليهود {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} (2).--------------------------------------------
(1) ذكره ابن عاشور باختصار في التحرير والتنوير ، ج 12 ، ص 306 ، وأخرجه في البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله، ج 5، ص 2386، ح- 6142، ونصه: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه ..
(2) سورة الجمعة، الآية (8).
ونظائر هذه الأمثلة كثيرة جداً في تفسيره منها:
1 - … ما جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (الأنعام: 60)، قال ابن عاشور: " والخطاب موجه إلى المشركين كما يقتضيه السياق السابق من قوله: {لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} (الأنعام: 58)، واللاحق من قوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 64) ". (التحرير والتنوير، ج 4، ص 275).
2 - … ما جاء في قوله تعالى: " {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} (الرحمن: 31) وفيه قول ابن عاشور: إن المناسب لسياق الآية باعتبار السابق واللاحق، أن تحمل على معنى الإقبال على أمور الثقلين في الآخرة ". (انظر التحرير والتنوير، ج 13، ص 257). =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 717)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
=
3 - … ما جاء في قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} (الواقعة: 86).قال ابن عاشور: " ومعنى مدينين مجازين على أعمالكم وذكر أن التفسير بغير مربوبين بعيد عن السياق ". (انظر التحرير والتنوير، ج 13، ص 345).
4 - … ما جاء في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} (الانفطار: 6)، حيث قال بعد أن ذكر الأقوال في المقصود بالإنسان: والتعريف في الإنسان للجنس، وعلى ذلك حمله جمهور المفسرين، أي ليس المراد إنساناً معيناً، وقرينة ذلك سياق الكلام. (انظر التحرير والتنوير، ج 15، ص 174).

5 - … ماجاء في قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد: 4)، وفيه قال ابن عاشور: " فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة ". (التحرير والتنوير، ج 15، ص 351).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 718)

‌‌المبحث الثاني
القول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره
‌‌صورة القاعدة:
إذا تعاقبت ضمائر متعددة في سياق واحد، واحتمل في مرجعها أقوالاً متعددة فتوحيد مرجعها، وعدم تشتيته هو الأصل والأولى من عودها على مختلف لئلا يتنافر النظم ويتشعب المعنى، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل واضح وقرينة بينة (1).

‌‌شرح مفردات القاعدة:
النظم:
لغة: النظم في اللغة التأليف، نظَمه ينْظِمه نظماً ونظاماً ونظَّمه فانتظم، وتنظّم، ونظمت اللؤلؤ أي جمعته في السلك (2).
اصطلاحاً: هو تعليق الكلم بعضها ببعض، ومهمَّته بناء نتاج النظم التركيبي للكلام في بناء متكامل متآخٍ بحيث يكون كلّ عنصر من عناصر هذا البناء المتكامل آخذًا بحجز بعضه (3).--------------------------------------------
(1) انظر عقود المرجان في قواعد المنهج الأمثل / أحمد سلامة أبو الفتوح، ص 160، وقواعد الترجيح عند المفسرين / حسين الحربي، ج 2، ص 613.
(2) لسان العرب / ابن منظور، ج 14، ص 196، مادة: نظم.
(3) انظر البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن / محمود توفيق سعد، ج 1، ص 278، ودلائل الإعجاز / الجرجاني، ج 1، ص 18.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 719)

وقيل هو: تأليف الكلمات والجمل مترتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل (1).
الظاهر:
لغة: خلاف الباطن، ظهر يظهر ظهوراً فهو ظاهر وظهير (2) والظاهر الواضح ومنه يقال: ظهر الأمر الفلاني إذا اتضح وانكشف (3).
اصطلاحاً: اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي ويحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً (4).
ولقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة ومن قوله: " وإنما وقع التحدي بسورة أي وإن كانت قصيرة دون أن يتحداهم بعدد من الآيات لأن من أفانين البلاغة ما مرجعه إلى مجموع نظم الكلام وصوغه بسبب الغرض الذي سيق فيه من فواتح الكلام وخواتمه " (5).
وقال معلقاً على بعض الأقوال في موضع: " وهذا بعيد من اللفظ ومن النظم وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام وانتقال بدون مناسبة " (6).
وقال ابن عاشور: " في تفسير قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ--------------------------------------------
(1) التعريفات / الجرجاني، ص 185.
(2) لسان العرب / ابن منظور، ج 8، 276، مادة: ظهر.
(3) الإحكام في أصول القرآن / ابن حزم، ج 1، ص 260.
(4) الإحكام في أصول القرآن / ابن حزم، ج 1، ص 260.
(5) التحرير والتنوير، ج 1، ص 104.
(6) التحرير والتنوير، ج 12، ص 112.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 720)

فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (1) واعلم أن المفسرين ذهبوا في تفسير هذه الآية طرائق قِدداً .. والطريقة التي يرجح سلوكها هي أن هنا ضمائر عشرة هي ضمائر جمع الغائبين وأن بعضها عائد لا محالة على (الَّذِينَ مِن قَبلِهم) وأن وجه النظم أن تكون الضمائر متناسقة غير مفككة فلذا يتعين أن تكون عائدة إلى معاد واحد، فالذين {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} هم {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}، وهم الذين {حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (2).

‌‌أقوال العلماء في القاعدة:
اعتنى الطبري بهذه القاعدة فقال في معرض ترجيحه لأحد الأقوال: " وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على نظم الكلام وسياقه. وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعُد من الصحة، على استكراه شديدٍ للكلام " (3).--------------------------------------------
(1) سورة غافر، الآية (83).
(2) التحرير والتنوير، ج 11، ص 221.
(3) جامع البيان / الطبري، ج 3، ص 368.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 721)

قال الزركشي في "البرهان": ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز " (1).
وقال أبو حيان في تفسيره لقوله تعالى {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} (2): " والخطاب في (أرأيت) الظاهر أنه للرسول صلى الله عليه وسلم، وكذا (أرأيت) الثاني، والتناسق في الضمائر هو الذي يقتضيه النظم " (3).

‌‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 - مثال الشركاء:
قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} (4).
اختلف المفسرون في المقصود بالذين خرقوا بنين وبنات في هذه الآية على قولين: فذهب معظم المفسرين إلى القول بأن المقصود بهم المشركون واليهود--------------------------------------------
(1) البرهان في علوم القرآن / الزركشي، ج 1، ص 317.
(2) سورة العلق، الآية (9 - 13).
(3) البحر المحيط / أبو حيان، ج 8، ص 489.
(4) سورة الأنعام، الآية (100).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 722)

والنصارى، ويرى آخرون أن المقصود بهم المشركون فقط (1)، ورجّح ابن عاشور القول الثاني، وهذا قوله: " والمراد أن المشركين نسبوا إليه بنين وبنات. وليس المراد اليهود في قولهم (عزير ابن الله) ولا النصارى في قولهم (عيسى ابن الله). كما فسر به جميع المفسرين لأن ذلك لا يناسب السياق ويشوش عود الضمائر ويخرم نظم الكلام " (2).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور من المفسرين السعدي (3)، في حين ذهب جمهور المفسرين الذين اعتمدتهم في هذا البحث إلى القول بأن المقصود بهم المشركون واليهود والنصارى (4).
وإليك حجة أصحاب كل قول:
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المقصود بقوله تعالى: " وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ "هم المشركون واليهود والنصارى:
حجتهم في ذلك: ما روي عن السدي، وابن زيد قولهم: قالت العرب:--------------------------------------------
(1) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 329، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 7، ص 55.
(2) التحرير والتنوير، ج 4، ص 408.
(3) انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / السعدي، ج 2، ص 51.
(4) انظر جامع البيان/ الطبري، ج 7، ص 345، المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 329، والتفسير الكبير / الرازي، ج 5، ص 91، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 7، ص 55.، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 4، ص 197، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 6121، وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 147. وروح المعاني/ الألوسي، ج 4، ص 228، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 459.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 723)

الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله (1).
وقال ابن عطية: "أما الذين خرقوا البنين فاليهود في ذكر عزير والنصارى في ذكر المسيح، وأما ذاكروا البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات الله، فكأن الضمير في (جعلوا) و (خرقوا) لجميع الكفار إذ فعل بعضهم هذا، وبنحو هذا فسّر السدي وابن زيد " (2).

حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المقصود بالآية هم المشركون فقط: :
حجتهم في ذلك: أن هذا هو الأنسب لسياق الآية، وما عداه لا يناسب السياق، ويشوش عود الضمائر، ويخرم نظم الكلام " (3).
وممن ذهب إلى هذا القول السعدي حيث يقول: " وكذلك "خرق المشركون" أي: ائتفكوا، وافتروا من تلقاء أنفسهم لله، بنين وبنات بغير علم منهم، ومن أظلم ممن قال على الله بلا علم، وافترى عليه أشنع النقص، الذي يجب تنزيه الله عنه؟ ! ! .
ولهذا نزه نفسه عما افتراه عليه المشركون فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} (4) ، فإنه تعالى الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وآفة وعيب " (5).--------------------------------------------
(1) أخرج روايتهم الطبري في تفسيره، ج 7، ص 345.
(2) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 329. .
(3) انظر التحرير والتنوير، ج 4، ص 408.
(4) سورة الأنعام، الآية (100).
(5) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / السعدي، ج 2، ص 51.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 724)

وقال ابن عاشور: "فالوجه أن المراد أن بعض المشركين نسبوا لله البنين وهم الذين تلقنوا شيئا من المجوسية؛ لأنهم لما جعلوا الشيطان متولدا عن الله تعالى ، إذ قالوا إن الله لما خلق العالم تفكر في مملكته واستعظمها فحصل له عجب تولد عنه الشيطان وربما قالوا أيضا: إن الله شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فقد لزمهم أن الشيطان متولد عن الله - تعالى عما يقولون - فلزمهم نسبة الابن إلى الله تعالى ولعل بعضهم كان يقول بأن الجن أبناء الله والملائكة بنات الله أو أن في الملائكة ذكورا وإناثا " (1).
وابن عاشور في ترجيحه لهذا القول بالرغم من أن معظم المفسرين الذين سبقوه ذهبوا إلى القول الآخر يؤكد لنا مدى اهتمامه بهذه القاعدة الترجيحية حيث إن الآية في أولها تتحدث عن مشركي العرب، ولا حجة توجب صرف الآية إلى اليهود والنصارى، ولذلك مال إلى هذا القول.

ومن الأمور التي دعت ابن عاشور إلى اختيار هذا القول: أن أول الآية يخاطب مشركي العرب، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} والمعنى كما ذكر ابن عاشور وغيره من المفسرين أن هذه الآية: " عطف على الجمل قبله عطف القصّة على القصّة، فالضّمير المرفوع في {وَجَعَلُوا} عائد إلى {قَوْمُكَ} من قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} (2) وهذا انتقال إلى ذكر شِرك آخر من شرك العرب وهو جعلهم الجِنّ شركاءَ لله في عبادتهم كما--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 4، ص 407.
(2) سورة الأنعام، الآية (66).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 725)

جعلوا الأصنام شركاء له في ذلك.، وقد كان دين العرب في الجاهليّة خليطاً من عبادة الأصنام، ومن الصّابئيّة: عبدة الكواكب وعبدة الشّياطين، ومجوسيّة الفرس، وأشياء من اليهوديّة، والنّصرانيّة.
فكان العرب يثبتون الجنّ وينسبون إليهم تصرّفات، فلأجل ذلك كانوا يتّقون الجنّ وينتسبون إليها ويتّخذون لها المَعاذات والرّقَى ويستجلبون رضاها بالقرابين وترك تسميّة الله على بعض الذبائح ، وكانوا يعتقدون أنّ الكاهن تأتيه الجنّ بالخبر من السّماء، وأنّ الشّاعر له شيطان يوحي إليه الشّعر، ثمّ إذا أخذوا في تعليل هذه التصرّفات وجمعوا بينها وبين معتقدهم في ألوهيّة الله تعالى تعلّلوا لذلك بأنّ للجنّ صلة بالله تعالى فلذلك قالوا: الملائكة بنات الله مِن أمّهاتٍ سَرَوات الجنّ، كما أشار إليه قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} (1) وقال: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (2) ، ومن أجل ذلك جَعَل كثير من قبائل العرب شيئاً من عبادتهم للملائكة وللجنّ. قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ--------------------------------------------
(1) سورة الصافات، الآية (158).
(2) سورة الصافات، الآية (149 - 152).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 726)