حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن الآية نزلت في المنافقين:
استدل أصحاب هذا القول بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه من قوله في: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه: سام عليك، قال الله: "حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير " (1).
ورجح ابن عاشور هذا القول فقال: " وليس المراد من هذه الآية ما ورد في حديث: أن اليهود كانوا إذا حيّوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: السّامّ عليك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد عليهم بقوله: «وعليكم». فإن ذلك وارد في قوم معروف أنهم من اليهود. وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود … ولو حمل ضمير (جاءوك) على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر (2).
القول الراجح
الذي يبدو لي والله أعلم أن المخاطب في هذه الآية هم اليهود والمنافقون ، كما ذهب إليه معظم المفسرين، وأما اختيار ابن عاشور: نلحظ منه مدى حضور قاعدة (القول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره) في تفسيره فبالرغم من اتفاق النقلة على أن الآية نزلت في اليهود إلا ابن عاشور يرى أن هذه الآية نزلت في المنافقين ويؤكد ذلك بقوله: " وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود، ولو حمل ضمير--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ج 7، ص 479.
(2) التحرير والتنوير، ج 13، ص 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 747)
(جاءوك) على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر" (1).
ولكن هذه القاعدة تعارضها قاعدة ترجيحية أخرى أقوى منها وهي: (إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره)، وقد تقدم ذكر الحديث.
كما يؤيد هذا القول قاعدة ترجيحية أخرى وهي: (إذا صحّ سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه) وقد جاء في رواية أخرى عند مسلم غير أنه قال: " ففطنت بهم عائشة فسبتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه يا عائشة! فإن الله لا يحب الفحش والتفحش ، وزاد فأنزل الله عز وجل {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} إلى آخر الآية " (2).
كما أن قول ابن عاشور: إن حمل هذه الآية على اليهود يلزم منه تشتيت الضمائر لا يستقيم؛ لأن الآيات السابقة شملت قوماً من اليهود والمنافقين، وقد ذكر ابن عاشور في تفسيره في الآيات التي تسبق هذه الآيات وهي في النهي عن النجوى أنها نزلت في قوم من اليهود والمنافقين.
كما أن القرطبي حكى إجماع المفسرين على ذلك بقوله: " لا خلاف بين النقلة أن المراد بها اليهود " (3).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 13، ص 31.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، ج 4، ص 1707، ح- 2165.
(3) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 18، ص 278. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 748)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= ونظائر هذه الأمثلة كثيرة جدا في تفسيره منها:
1 - … منها ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} (غافر: 10)، وفيها قول ابن عاشور: " والمقت الأول قريب من قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} (البقرة: 16)، والمقت الثاني قريب من قوله تعالى: {وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا} (فاطر: 39) وهو مقت العذاب. هذا هو الوجه في تفسير الآية الملاقي لتناسق نظمها" (3) (التحرير والتنوير، ج 11، ص 96).
2 - … ما جاء في قوله تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} (يس: 68)، وفيه قول ابن عاشور: " ومنهم من تكلم عليها معرضاً عما قبلها فتكلموا على معناها وما فيها من العبرة ولم يبيّنوا وجه اتصالها بما قبلها .. إلى أن قال: وكل هذه التفسيرات بعيدة عن نظم الكلام". (التحرير والتنوير، ج 11، ص 53 - 54).
3 - … قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ} (الصافات: 15 - 18) وفيها قول ابن عاشور: " والإِشارة في قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} إلى مضمون قوله: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} (الصافات: 11)، وهو إعادة الخلق عند البعث، ويبينه قوله: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} هذا وجه تفسير هذه الآية تفسيراً يلتئم به نظمها خلافاً لما درج عليه المفسرون " (التحرير والتنوير، ج 11، ص 98). =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 749)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
=
4 - … ما جاء في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (نوح: 22)، وفيه قول ابن عاشور: " ولقد اضطَرَّ هذا بعضَ المفسرين إلى تأويل نظم الآية بأن معاد ضمير (قالوا) إلى مشركي العرب، وأن ذكر ذلك في أثناء قصة نوح بقصد التنظير … وهو تكلف بيّن وتفكيك لأجزاء نظم الكلام" (التحرير والتنوير، ج 14، ص 209).
5 - … ما جاء في قوله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ .... } (الفجر: 15 - 20)، وفيه قول ابن عاشور: " ولم يعرج أكثر المفسرين على بيان نَظْم الآية واتصالها بما قبلها عدا الزمخشري وابنَ عطية، وقد عرف هذا الاعتقاد الضال من كلام أهل الجاهلية ". (التحرير والتنوير ، ج 15 ، ص 326)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 750)
المبحث الثالث
لكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها
فلا تعارض بين الآيات (1).
صورة القاعدة:
إذا حصل تعارض ظاهري بين الآيات، فإنه يجب أن يحمل كل نوع منها على ما يليق ويناسب المقام، لأنه لا تعارض حقيقي بين الآيات (2).
شرح مفردات القاعدة:
التعارض لغة: مصدر عارض، يقال عارض الشيء بالشيء معارضة قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته، والشيء عرض عيني أي مقابلها (3).
اصطلاحاً: تقابل الحجتين المتساويتين في القوة على وجه يوجب كل منهما ضد ما توجبه الأخرى في محل واحد في وقت واحد (4).
ولقد اعتنى ابن عاشور في تفسيره بالآيات التي ظاهرها التعارض، وأزال الإشكال الواقع عليها، وفي ذلك يقول: "والظواهر المتعارضة التي دل تعارضها على أن محمل كل منها على حالة، لا تعارض حالة محمل الآخر ، وهو المعبر--------------------------------------------
(1) هذه القاعدة نصَّ عليها ابن عاشور بهذا اللفظ في تفسيره التحرير والتنوير، ج 15، ص 48.
(2) انظر القواعد الحسان لتفسير القرآن/ السعدي، ص 36.
(3) لسان العرب / ابن منظور، ج 9، ص 138.
(4) انظر أصول السرخسي / السرخسي، ج 2، ص 12، والتعارض والترجيح / محمد الحفناوي، ص 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 751)
عنه في الأصول بالجمع بين الأدلة وتواريخ التشريع الدالة على نسخ حكم حكما آخر أو ما يقوم مقام التاريخ من نحو هذا ناسخ أو كان الحكم كذا فصار كذا ، فهذه بينات مانعة من الاختلاف لو كان غرض الأمم اتباع الحق " (1).
موقف العلماء من القاعدة:
قال الكافيجي: " واعلم أن الحجج الشرعية لا يقع التعارض بينها حقيقة، لأن ذلك من أمارات الجهل والعجز، فإن من أثبت حكماً بدليل عارضه دليل آخر يوجب خلافه، كان ذلك لعجزه عن إقامة دليل سالم عن المعارضة، والعجز عن ذلك بناء على الجهل بالطريق المستقيم السالم عن المعارضة، والحكيم العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء، تعالى عن أن يوصف الجهل، فإذاً لا يقع التعارض والتناقض بينهما إلا بالنسبة إلينا " (2).
وذكر الزركشي في النوع الخامس والثلاثين من أنواع علوم القرآن: معرفة موهم المختلف فقال: " وهو ما يوهم التعارض بين آياته، وكلام الله جل جلاله منزه عن الاختلاف كما قال تعالى:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (3) ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا وليس به، فاحتيج لإزالته كما صنف في مختلف--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 2، ص 310.
(2) التيسير في قواعد علم التفسير / محمد بن سليمان الكافيجي؛ ص 228.
(3) سورة النساء، الآية (82).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 752)
الحديث وبيان الجمع بينهما " (1).
وقال الشيخ السعدي: " الآيات القرآنية التي ظاهرها التضاد يجب حمل كل نوع منها على حال بحسب ما يليق ويناسب المقام، وهذا في مواضع متعددة من القرآن، منها: الإخبار في بعض الآيات أن الكفار لا ينطقون ولا يتكلمون يوم القيامة، وفي بعضها أنهم ينطقون ويحاجون ويعتذرون ويعترفون، فحمل كلامهم ونطقهم أنهم في أول الأمر يتكلمون ويعتذرون، وقد ينكرون ما هم عليه من الكفر ويقسمون على ذلك، ثم إذا ختم على ألسنتهم وشهدت عليهم جوارحهم بما كانوا يكسبون ورأوا أن الكذب غير مفيد لهم، أُخرسوا فلم ينطقوا " (2).
وقد ذكر العلماء أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وجمعوا بينها، ومن أجمع ما كتب في هذا الموضوع كتاب: "دفع إيهام الاضطراب والتعارض عن آي الكتاب" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 - مثال المحكم والمتشابه:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا--------------------------------------------
(1) البرهان في علوم القرآن / الزركشي، ج 2، ص 45.
(2) انظر القواعد الحسان لتفسير القرآن / الشيخ عبد الرحمن السعدي، ص 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 753)
تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} (1).
اختلفت عبارات المفسرين في تعيين المحكم والمتشابه بشكل عام، وقد يبدو للناظر من أول وهلة حين يقرأ هذه الآية وغيرها من الآيات التي تدل على أن القرآن محكم كله أو متشابه كله أن الآيات بينها تعارض.
وابن عاشور لم يمر على هذه الآية دون أن يعالج مثل هذا الإشكال ،فقد كانت هذه القاعدة حاضرة في تفسيره حيث وجد أن هذه الآية قد تكون مشكلة عند البعض لكونها تصف القرآن أن فيه آيات محكمات وأخر متشابهات وغيرها من الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله، أو متشابه كله فبين ابن عاشور أن المقصود بهذه الآيات أن المراد بالإحكام أنّه أحكم وأتقنَ في بلاغته، والمراد بالتشابه أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقيّة وهو معنَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (2) ثم أكد أنه لا تعارض بين هذه الآيات: لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها، بحسب ما تقتضيه المقامات " (3).
وقد وافق قول ابن عاشور قول معظم المفسرين في الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله ، جاء ذلك في تفسيرهم لقوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية (7).
(2) سورة النساء، الآية (82).
(3) انظر التحرير والتنوير، ج 3، ص 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 754)
آيَاتُهُ} (1) حيث دارت أقوالهم حول معنى واحد وهو: الإتقان والإحكام في بلاغته ونظمه من الدخل والخلل، والنقص والباطل (2).
وكذلك اتفقت أقوالهم في الآيات التي تصف القرآن أنه متشابه كله ، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} (3) ، ومفاد أقوالهم أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والإتقان، والبلاغة وقوة اللفظ وشرف المعاني، ويصدق بعضه بعضاً (4)
وجميع المفسرين مدركون أنه لا تعارض بين هذه الآية والآيات التي تحكي أن القرآن محكم كله أو متشابه كله ظهر ذلك في مضمون كلامهم ، ونبهوا على أن تلك الآيات التي تصف القرآن بأنه كله محكم أو كله متشابه ليست في--------------------------------------------
(1) سورة هود، الآية (1).
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 11، ص 206، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 148، والتفسير الكبير / الرازي، ج 6، ص 312، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 15، ص 238، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 406، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 12، ص 123، وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 480، وروح المعاني / الألوسي، ج 6، ص 190، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 6، ص 73. وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 362.
(3) سورة الزمر، الآية (23).
(4) انظر جامع البيان / الطبري ، ج 23، ص 244، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 527، والتفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 446، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 9، ص 6، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 5، ص 201، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 7، ص 411، وفتح القدير / الشوكاني، ج 4، ص 459، وروح المعاني / الألوسي، ج 12، ص 247، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 174.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 755)
معنى الآية التي هي محل النزاع بل إن البعض منهم نبّه على مثل هذا الإشكال صراحة ، وفصل فيه، وجمع بين الآيات أمثال القرطبي والشنقيطي وابن عاشور.
والاختلاف الحاصل في أقوال المفسرين في المراد بالمحكم والمتشابه في هذه الآية هو من باب اختلاف التنوع ولا أثر ضار فيه.
وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف ومن سبقه من المفسرين ، ومن ذلك قوله: " اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال: مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء،
فعن ابن عباس رضي الله عنه: أنّ المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى، وتحريم الفواحش، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .. } (1) والآيات من سورة الإسراء {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ .... } (2) وأن المتشابه المجملات التي لم تبيّن كحروف أوائل السور.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنه أيضاً: أنّ المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ (3) وهذا بعيد عن أن يكون مراداً هنا لعدم مناسبتِه للوصفين ولا لبقية الآية … .--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام، الآية (151).
(2) سورة الإسراء، الآية (23).
(3) أخرج قول ابن عباس وابن مسعود الطبري في تفسيره، ج 3، ص 202.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 756)
وعن الأصم: المحكم ما اتّضح دليلُه، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبّر، وذلك كقوله تعالى: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (1) فأولها محكم وآخرها متشابه.
وللجمهور مذهبان: أولهما: أنّ المحكم ما اتّضحت دلالته، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، ونسب هذا القول لمالك وللحنفية ، وإليه مال الشاطبي في الموافقات.
وثانيهما: أنّ المحكم الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيُ، وإليه مال الفخر: فالنص والظاهر هنا المحكم، لاتّضاح دلالتهما، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرّقه احتمال ضعيف، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما: أي المؤول دالاً على معنى مرجوح، يقابله معنى راجح، والمجمل دالاً على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية (2).
أما رأي ابن عاشور في المحكم والمتشابه في هذه الآية فهو قوله: " فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ، وكانت أصولاً لذلك: باتّضاح دلالتها، بحيث تدل على معان لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالاً ضعيفاً غير معتدَ به، وذلك كقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (3)--------------------------------------------
(1) سورة الزخرف، الآية (11).
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 3، 156.
(3) سورة الشورى، الآية (11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 757)
{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (1) {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} (2) {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (3) {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} (4). وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوعُ إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع.
والمتشابهات مقابل المحكمات، فهي التي دلّت على معان تشابهت في أن يكون كلُّ منها هو المرادَ. ومعنى تشابهها: أنّها تشابهت في صحة القصد إليها، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض. أو يكون معناها صادقاً بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مراداً، فلا يتبيّن الغرض منها، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى (5).
وقد تداخلت أقوال المفسرين فيما يظهر لي في تأويل معنى المحكم والمتشابه في هذه الآية، يقول الطبري مرجحا: " بل"المحكم" من آي القرآن: ما عرف العلماءُ تأويله، وفهموا معناه وتفسيره ، و"المتشابه": ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مَخْرج عيسى--------------------------------------------
(1) سورة الأنبياء، الآية (23).
(2) سورة البقرة، الآية (185).
(3) سورة البقرة، الآية (205).
(4) سورة النازعات، الآية (40).
(5) التحرير والتنوير، ج 3، ص 155.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 758)
ابن مريم، ووقت طُلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناءِ الدنيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمه أحدٌ. وقالوا: إنما سمى الله من آي الكتاب"المتشابه"، الحروف المقطّعة التي في أوائل بعض سور القرآن، من نحو"ألم" و"ألمص"، و"ألمر"، و"ألر"، وما أشبه ذلك، لأنهن متشابهات في الألفاظ "، ومثله قول القرطبي (1) ..
ويرى ابن عطية أن المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الباطل ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد " (2).
في حين يرى الرازي أن المحكم هو الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيها، ومثله قول أبي حيان (3).
وقال ابن كثير: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.
والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحق (4).--------------------------------------------
(1) جامع البيان / الطبري، ج 3، ص 205، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 4، ص 14.
(2) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 401.
(3) التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 138، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 396. .
(4) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 3، ص 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 759)
وقال الشوكاني: " الأولى أن يقال إن المحكم المعنى الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه مالا يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره" (1)
وقال الألوسي: " محكمات أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة والمتشابهات المحتملة لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها عن بعض " ويشبهه قول القاسمي (2).
قلت: وتلك الأقوال وإن كان يظهر عليها الاختلاف إلا أنها تصب في معنى واحد، فبعضها عام وبعضها جزء من ذلك العام.
وقد علق ابن عطية بعد أن ذكر قول ابن عباس في معنى المحكم والمتشابه بقوله: " وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا والتشابه في هذا، لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات " (3).
كما علق الشوكاني بعد أن استعرض أقوال العلماء في المحكم والمتشابه فقال: " وإذا عرفت هذا عرفت أن هذا الاختلاف الذي قدّمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها. ولا شك أن مفهوم المحكم، والمتشابه أوسع دائرة مما ذكروه " (4).
القول الراجح:
وبذلك يمكننا القول بأن الراجح في معنى هذه الآية هو مجموع ما ذهب--------------------------------------------
(1) فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 314.
(2) روح المعاني / الألوسي، ج 2، ص 79، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 2، ص 303.
(3) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 400.
(4) فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 314.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 760)
إليه المفسرون في ذلك.
وإيراد الخلاف في مثل هذا المبحث قد لا يهمنا كثيرا لأن المعول عليه هنا هو الجمع بين هذه الآية وغيرها من الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله أو متشابه كله وقد تبين لنا أنه لا تعارض بين الآيات.
وممن اهتم بذلك من المفسرين ابن عاشور ومن قبله القرطبي وكذلك الشنقيطي حيث ساق كل منهما هذا الاحتمال الوارد من الإشكال وأجابوا عنه.
قال القرطبي: " قيل: القرآن كله محكم: لقوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} " (1) ،، وقيل: كله متشابه، لقوله: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا} (2) ،. وليس هذا من معنى الآية في شئ، فإن قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله ، ومعنى {كِتَابًا مُتَشَابِهًا} كتابا متشابها، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.
وليس المراد بقوله: {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} " هذا المعنى، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} (3) أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا.--------------------------------------------
(1) سورة هود، الآية (1).
(2) سورة الزمر، الآية (23).
(3) سورة البقرة، الآية (70).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 761)
وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما.
فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع (1).
وقال الشنقيطي: " هذه الآية الكريمة تدل على أن من القرآن محكما ومنه متشابها، وقد جاءت آية أخرى تدل على أنّ كله محكم، وأية تدل على أنّ كله متشابه، أمّا التي تدل على إحكامه كله قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (2) وأما التي تدل على أنّ كله متشابه قوله تعالى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} (3) ، ووجه الجمع بين الآيات أنّ معنى كونه كله محكما أنه في غاية الإحكام أي الإتقان في ناحية ألفاظه ومعانيه وإعجازه أخباره صدق، وأحكامه عدل، لا تعتريه وصمة ولا عيب في الألفاظ، ولا في المعاني، ومعنى كونه متشابها أن آياته يشبه بعضها بعضا في الحسن والصدق والإعجاز والسلامة من جميع العيوب ومعنى كونه بعضه محكما وبعضه متشابها أن المحكم منه الواضح المعنى لكل الناس كقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} (4) ، {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} (5) ، والمتشابه: هو ما خفي علمه على غير--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 4، ص 14.
(2) سورة هود، الآية (1).
(3) سورة الزمر، الآية (23).
(4) سورة الإسراء، الآية (32).
(5) سورة الإسراء، الآية (39).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 762)
الراسخين في العلم بناء على أن الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (1) ، عاطفة، أو هو ما استأثر الله بعلمه كمعاني الحروف المقطعة في أوائل السور بناء على أن الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} استئنافية لا عاطفة " (2).
2 - مثال قتل العمد:
قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (3).
هذه الآية تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له ، وأنه مخلد في النار، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك ، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (4)، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (5) - إلى قوله -: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية (7).
(2) انظر دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب / الشنقيطي، ص 38.
(3) سورة النساء، الآية (93).
(4) سورة النساء، الآية (48).
(5) سورة الفرقان، الآية (68).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 763)
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (1)، الآية. وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (2) وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ} (3) الآية (4).
وذكر ابن عاشور في تفسيره أن هذه الآية وقع فيها خلاف بين العلماء واضطربت فيها كلمات المفسرين على عدة أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن القاتل عمداً في النار لا تقبل توبته، ومنهم من يرى أن الآية منسوخة بآيات التوبة ، وآخرون يرون أن الآية محكمة مخصصة بآيات التوبة، ومنهم من يرى أن الآية خاصة بالكفار (5).
ورجّح ابن عاشور أنه لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة، وأن القاتل له توبة، وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (6).--------------------------------------------
(1) سورة الفرقان، الآية (76).
(2) سورة الزمر، الآية (53).
(3) سورة طه، الآية (82).
(4) دفع إيهام الاضطراب عن آيات كتاب الله / الشنقيطي، ص 67.
(5) انظر التحرير والتنوير، ج 3، ص 166.
(6) انظر جامع البيان / الطبري، ج 5، ص 260، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 96، والتفسير الكبير / الرازي، ج 4، ص 184، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 334، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 340، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 4، ص 209، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 499، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 3، ص 275.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 764)
حجة أصحاب القول الأول الذين يقولون: إن المؤمن القاتل عمداً مخلد في النار لا تقبل توبته:
قال ابن عاشور: " رأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل، لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلودَ حقيقة " (1).
واستدلوا على ذلك بما روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا … } هي آخر ما نزل وما نسخها شيء (2).
وروى النسائي عنه قال: سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا (3).
وروي عن زيد بن ثابت نحوه، وإن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت (4).
وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا: هذا مخصص عموم قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 165.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب فمالكم في المنافقين فئتين .. ، ج 4، ص 1676 ، ح- 4314.
(3) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب المحاربة، باب تعظيم الدم، ج 2، ص 287، ح- 3464.
(4) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب المحاربة، باب تعظيم الدم، ج 2، ص 288، ح- 3469.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 765)
ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا (1).
حجة القائلين: إن القاتل عمداً تقبل توبته وأن الآية عامة خصصت بآيات التوبة:
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (2).
قال ابن كثير: " والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 334.
(2) جامع البيان / الطبري، ج 5، ص 260.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 766)