بل لا يقتضي إثباتها إلا استلزام ذاته لنعوت كماله وكمال نعوته لا افتقار إلى شيء مباين لنفسه المقدسة.
وأيضاً فيقال القول في استلزام الذات لقدرها الذي لم يقدره المشركون كما قال تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} الزمر 67 كاستلزام الذات لسائر صفاتها من العلم والقدرة والحياة، فإنه لو كان مختص يحتاج إلى مخصص لزم الدور أو التسلسل الباطلان فلا بد من مختص بما يختص به يختص بذلك لنفسه وذاته لا لأمر مباين له.
وهذا هو حقيقة الواجب لنفسه المستلزم لجميع نعوته من غير افتقار إلى غير نفسه، مع أنما ذكره في وجوب تناهي الأبعاد قد أبطل فيه مسالك الناس كلها، وأنشأ مسلكا ذكر أنه لم يسبقه إليه أحد وإذا حرر الأمر عليه وعليهم في تلك المسالك كان القدح فيها أقوى من مسالكهم في النفي، فلو قدر ان أثنين أثبت احدهما موجوداً قائماً بنفسه لا يتناهى وأثبت الآخر موجوداً لا يكون متناهيا ولا غير
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 205)
متناه كان قول الثاني أفسد والأول أقرب إلى الصواب وما من مقدمة يدعون بها إفساد قول الأول إلا وفي أقوالهم ما هو أفسد منها.
والمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل، وتارة بين القولين الباطلين لتبين بطلانهما، أو بطلان أحدهما او كون أحدهما أشد بطلانا من الآخر فإن هذا ينتفع به كثيراً في أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم، ممن يقول أحدهم القول الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب فيبين أن قول منازعه أحق بالصحة إن كان قوله صحيحاً وأن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعه فاسداً لتنقطع بذلك حجة الباطل فإن هذا أمر مهم، إذ كان المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت ولكن صالوا عليها أصول المحاربين لله ولرسوله فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله.
وقد حكى الأشعري وغيره عن طوائف أنهم يقولون إنه لا يتناهى وهؤلاء نوعان: نوع يقول: هو جسم ونوع يقول ليس بجسم فإذا أراد النفاة أن يبطلون قول هؤلاء لم يمكنهم ذلك فإنهم إذا قالوا: يلزم أن يخالط اقاذورات والأجسام قالوا: كما أثبتم موجوداً لا يشار إليه ولا هو داخل ولا خارج، فنحن نثبت موجوداً هو داخل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 206)
ولا يخالط غيره فإذا قالوا هذا لا يعقل قالوا وذلك لا يعقل.
ومذهب النفاة أبعد في العقل من مذهب الحلولية، ولهذا إذا ذكر القولان لأهل الفطر السليمة نفروا عن قول النفاة أعظم من نفورهم عن قول الحلولية وكذلك ما ذكره من امتناع النهاية من بعض الجوانب دون بعض فإن هذا قاله طائفة ممن يقول إنه على العرش.
وقول هؤلاء وإن قيل إنه باطل فقول النفاة أبطل منه إما احتجاجه على هؤلاء بأن اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر محال لعدم الأولوية، أو لافتقاره إلى مخصص من خارج فيقولون له أنت دائما تثبت تخصيصاً من هذا الجنس كما تقول إن الإرادة تخصص أحد المثلين لا لموجب فإذا قيل لك: هذا يستلزم ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح قلت هذا شان الإرادة والإرادة صفة من صفاته فإذا كانت ذاته مستلزمة لما من شأنه ترجيح أحد المثلين لذاته بلا مرجح فلأن تكون ذاته تقتضي ترجيح أحد المثلين بلا مرجح أولى.
وهذا للمعتزلة والفلاسفة ألزم، فإن المعتزلة يقولون إن القادر المختار يرجح بلا مرجح والفلاسفة يقولون: مجرد الذات اقتضت ترجيح الممكنات بلا مرجح آخر فقد اتفقوا كلهم على أن الذات توجب الترجيح لأحد المتماثلين بلا مرجح فكيف يمكنهم مع هذا ان يمنعوا كونها تستلزم تخصيص أحد الجانبين بلا مخصص.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 207)
ولو قال لهم منازعهم الموجودان القائمان بأنفسهما لا بد أن يكون بينهما حد وانفصال فعلمنا التناهي من جانب هذا الموجود واما الجانب الآخر فلا نعلم امتناعه إلا إذا علمنا امتناع وجود أبعاد لا تتناهى، وهذا غير معلوم لنا، أو هو باطل لكان قوله أقوى من قولهم.
والمقصود هنا أن غايتهم في إبطال قول هؤلاء أن ينتهوا إلى أبطال بعد لا يتناهى أو إلى عدم الأولوية أو وجوب المخالطة.
وهذه المقدمات يمكن منازعوهم أن ينازعوهم فيها أعظم مما يمكنهم هم منازعة أولئك في مقدمات حجتهم ويرد عليهم من المناقضات والمعارضات أعظم مما يرد على أولئك، وهذا مبسوط في موضعه.
فهذه الحجة وأمثالها من حجج النفاة يمكن إبطالها من وجوه كثيرة بعضها جهة المعارضة بأقوال أهل باطل آخر وبيان انه ليس أولئك بأبطل من قول هؤلاء، فإذا لم يمكن الاستدلال على نفي أحد القولين إلا بالمقدمة التي بها نفي القول الآخر، لم يكن نفي أحدهما أولى من نفي الآخر، بل إن كانت المقدمة صحيحة لزم نفيهما جميعاً، وغن كانت باطلة لم تدل على نفي واحد منهما فكيف إذا كانت
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 208)
المقدمة التي استدل بها المستدل على نفي قول منازعه قد قال بها وبما هو أبلغ منها؟ وبعض ما تبطل به هذه الحجة يكون من جهة أهل الحق الذين لم يقولوا باطلا.
بطلان حجته من وجوه
ونحن نذكر ما يحضر من إبطالها بالكلام على مقدماتها والمواضع التي ينازعه فيها الناس
الوجه الأول
قوله لو كان جسما لكان له بعد وامتداد فإن هذا مما نازعه فيه طائفة ممن يقول هو جسم وهو مع ذلك واحد لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه فلا يشار إلى شيء منه دون شيء، فإن هذا معروف عن طائفة من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم والرازي قد ذكر ذلك عن بعضهم لكنه ادعى أن هذا القول لا يعقل وأن فساده معلوم بالضرورة.
وكذلك قول من قال إنه فوق العرش وإنه مع ذلك ليس بجسم كما يذكر ذلك عن الأشعري، وكثير من أهل الكلام والحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو قول القاضي أبي يعلي وأبي الحسن الزاغوني وقول أبي الوفاء بن عقيل في كثير من كلامه وهو قول أبي العباس القلانسي، وقبله أبو محمد بن كلاب وطوائف غير هؤلاء.
فإذا قال القائل: كونه جسماً مع كون غير منقسم أو كونه فوق العرش مع كونه غير جسم مما يعلم فساده بضرورة العقل.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 209)
فيقال: ليس العلم بفساد هذا بأظهر من العلم بفساد قول من قال إنه موجود قائم بنفسه فاعل لجميع العالم وأنه مع ذلك لا داخل في العالم ولا خارج عنه ولا حال فيه ولا مباين له لا سيما إذا قيل مع ذلك إنه حي عالم قادر وقيل مع ذلك ليس له حياة ولا علم ولا قدرة، أو قيل: هو عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق وأن العلم والحب نفس العالم المحب ونفس الحب هو نفس العلم أو قيل مع ذلك إنه حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع يسمع بصير يبصر متكلم بكلام وقيل مع ذلك إنه لا داخل في مخلوقاته ولا خارج عنها ولا حال فيها ولا مباين لها وأن إرادته لهذا المراد ونفس رؤيته لهذا هو نفس رؤيته لهذا ونفس علمه بهذا هو نفس علمه بهذا وأن الكلام معنى واحد بالعين فمعنى آية الكرسي وآية الدين وسائر القرآن والتوراة والإنجيل وسائر ما تكلم به هو شيء واحد فإن كانت هذه الأقوال مما يمكن صحتها في العقل فصحة قول من قال هو فوق العرش وليس بجسم او هو جسم وليس بمنقسم أقرب إلى العقل.
وإن قيل بل هذا القول باطل في العقل فيقال تلك أبطل في العقل ومتى بطلت تلك صح هذا.
وإذا قيل النافي لإمكان تلك الأمور هو الوهم لا العقل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 210)
وإلا فالعقل بجوز وجود ما ذكر قيل: والنافي لإمكان هذا هو الوهم وإلا فالعقل يجوز وجود ما ذكر وإذا قيل البرهان العقلي دل على وجود ما أنكره الوهم قيل والبرهان العقلي دل على وجود ما أنكره الوهم هنا.
ومن تأمل هذا وجده من اصح المعارضة وأبين التناقض في كلام هؤلاء النفاة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
الوجه الثاني
قوله وإذا كان له بعد وامتداد فإما أن يكون غير متناه وإما أن يكون متناهياً.
فيقال من الناس من يقول إنه غير متناه وهؤلاء منهم من يقول جسم ومنهم من يقول غير جسم وقد حكى القولين أبو الحسن الأشعري في المقالات وحكاهما غيره أيضاً ومن الناس من قال هو متناه من بعض الجهات وهذا مذكور عن طائفة من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم وقد قاله بعض المنتسبين إلى الطوائف الأربعة من الفقهاء كما ذكره القاضي أبو يعلى في عيون المسائل فإن هذه الأقوال يوجد عامتها في بعض أتباع الأئمة منها ما يوجد في في بعض أصحاب أبي حنيفة ومنها ما يوجد في بعض أصحاب مالك، ومنها ما يوجد في بعض أصحاب الشافعي ومنها مايو جد في بعض أصحاب أحمد، ومنها ما يوجد في بعض أصحاب اثنين أو ثلاثة أو الأربعة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 211)
قوله إن كان غير متناه من جميع الجهات فهو محال لوجوه الأول ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى.
فيقال له أنت قد أبطلت أدلة نفاة ذلك ولم تذكر إلا دليلاً هو أضعف من أدلة غيرك فبقيت الدعوى بلا دليل.
قوله الثاني انه يلزم منه نفي الأجسام أو تداخلها، ومداخلة القاذورات.
فيقال هؤلاء يقولون لا يلزم منه شيء من ذلك بل هو غير متناه مع كونه جسماً أو مع كونه غير جسم ويقولون لا يلزم نفي سائر الأجسام ولا مداخلتها.
فإذا قيل لهم هذا ينفيه العقل قالوا نفي العقل لهذا كنفيه وجوده قائماً بنفسه فاعلاً للعالم وهو مع ذلك لا حال في العالم ولا بائن من العالم بل نفي العقل لهذا أعظم من نفيه لهذا وما قيل من الاعتذار عن ذلك بالفرق بين الوهم والعقل يمكن في هذا بطريق الأولى كما بسط في موضعه.
فإن هؤلاء ادعوا أن قول القائل كل موجودين غما أن يكونا متحايثين أو متباينين أو كل موجودين قائمين بأنفسهما فإما أن يكونا متبايني، أو متلاصقين ن أو كل موجود قائم بنفسه فلا بد أن يكون
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 212)
مشاراً إليه.
وان قول القائل بإثبات موجود لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا حال فيه ولا مباين له ولا يشار إليه ولا يقرب من شيء ولا يبعد من شيء ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء وأمثال ذلك من الصفات السالبة النافية.
هو محال في العقل.
قالوا إن هذا الموجب لذلك التقسيم، والمحيل لوجود هذا، إنما هو الوهم دون العقل، وأن الوهم يحكم غير المحسوس بحكم المحسوس، وهذا باطل.
فقيل لهم فأنتم لم تثبتوا بعد وجود مالا يمكن الإحساس به وحكم الفطرة أولى بديهي، والوهم عندكم إنما يدرك الأشياء المعينة كإدراك العداوة والصداقة، كإدراك الشاة عدواة الذئب وصداقة اكبش.
وهذه أحكام كلية والكليات من حكم العقل لا من حكم الوهم.
فهذا وأمثاله مما أبطل به ما ذكروه من الاعتذار بأن هذا حكم الوهم لكن المقصود هنا أن ذلك العذر إن كان صحيحاً فلمنازعيهم أن يعتذروا به ههنا فيقولون ما ذكرتموه من كونه لو كان فوق العرش، أو لو كان جسماً لكان ممتداً متناهياً أو غير متناه هو من حكم الوهم وهو فرع كونه قابلاً لثبوت الامتداد ونفيه، أو لثبوت النهاية ونفيها، ونحن نقول هو فوق العرش أو هو فوق العرش وهو مع ذلك لا يقبل أن يكون ممتداً ولا غير
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 213)
ممتد ولا أن يكون متناهياً ولا غير متناه كما قلتم أنتم إنه موجود قائم بنفسه مبدع للعالم مسمى بالأسماء الحسنى وأنه مع ذلك لا يقبل أن يقال هو متناه ولا غير متناه بل ذاته لا تقبل إثبات ذلك ولا نفيه ولا تقبل أن يقال هو حال في العالم ولا خارج عنه فلا توصف ذاته بالدخول ولا بالخروج فإن ذاته لا تقبل الاتصاف لا بإثبات ذلك ولا بنفيه
فهذا ونحوه قولكم فغن كان هذا القول صحيحاً أمكن من أثبت العلو دون التجسيم أو العلو والتجسيم ونفي ما يذكر من لوازمه أن يقول فيه ما تقولونه أنتم حيث أثبتم موجوداً قائماً بنفسه مبدعاً للعالم، ونفيتم ما يذكر من لوازمه، فإن لزوم تلك اللوازم لما أثبتوه أظهر في صريح العقل من لزوم هذه اللوازم لما أثبته هؤلاء، فإن أمكنكم نفي اللزوم، وادعيتم أن القول باللزوم وإحالة ما أثبتموه من حكم الوهم دون العقل أمكن خصومكم أن يقولوا مثل ذلك ما قلتموه بطريق الأولي.
وهذا يفهمه من تصور حقيقة قول الطائفتين وأدلتهم العقلية، فإنه إذا قابل بين قول هؤلاء وقول هؤلاء تبين له صحة الموازنة وان الإثبات
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 214)
أقرب إلى صريح المعقول وأبعد عن التناقض، كما أنه أقرب إلى صحيح المنقول.
الوجه الثالث
وكذلك يقال في الوجه الثالث فإن لإثبات النهاية من أحد الطرفين دون الآخر أبعد عن الإحالة من إثبات موجود قائم لا يمكن أن يقال فيه هو متناه ولا أن يقال غير متناه.
وكذلك إثبات موجود لا نهاية له من الطرفين أقرب إلى المعقول من كونه لا يقبل إثبات النهاية ولا نفيها.
قوله فيلزم أن يكون الرب مفتقراً في إفادة مقداره إلى موجب ومخصص ولا معنى للبعد غير نفس الأجزاء فيكون الرب معلولا لغيره.
يقال ما من أحد من النفاة إلا وقد قال نظير هذا فالكلابية والأشعرية يقولون الذات اقتضت صفات معدودة دون غيرها من الصفات فإنهم وغن تنازعوا في كون صفاته كلها معلومة للبشر فإنهم لم يتنازعوا في إثبات صفات لا تناهي بل لا بد إن تكون صفاته متناهية فجعلوا الذات مقتضية لعدد معين دون غيره من الأعداد، ولصفات معينة دون غيرها من الصفات بل واقتضت الأمر بشيء دون غيره من المأمورات، وبإرادة شيء دون غيره من المرادات مع أن نسبتها إلى جميع المرادات والمأمورات نسبة واحدة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 215)
وأصلهم أنه يجوز تخصيص أحد المثلين دون الآخر بغير مخصص بل بمحض الإرادة ن وأن الذات اقتضت تلك الإرادة على ذلك الوجه دون غيرها، لا لأمر آخر.
فإذا قيل الذات اقتضت تناهياً من جانب دون جانب أو قدراً مخصوصاً، لم يكن هذا في صريح العقل بأبعد من الامتناع من ذلك، لا سيما وهو مع ذلك يقولون لم يكن هذا في صريح العقل بأبعد من الامتناع من ذلك لا سيما وهو مع ذلك يقولون إن هذه الإرادة اقتضت أن تكون الحوادث متناهية من أحد الطرفين دون الآخر فالحوادث عندهم لا تناهي من جانب المستقبل مع تناهيها من جانب الماضي ومع إمكان تقدم الحوادث على مبدأ حدوثها وتأخرها عن ذلك المبدأ، ولكن الإرادة هي المخصصة لأحد المثلين والذات هي المخصصة لتلك الإرادة المعينة دون غيرها من الإرادات وهي المخصصة للكلام المعين الذي هو أمر بشيء معين دون غيره من الكلام والأوامر.
والمعتزلة يقولون إن تلك الذات هي المخصصة لأحد المقدورين دون أمثاله من المقدورات، وكذلك هي المخصصة لكونها آمرة ومتكلمة وفاعلة بالأمر المعين والكلام المعين والفعل المعين، دون غيره من الأوامر والكلام والفعل، وهي المخصصة للإرادة أو لكونه مريداً دون غير تلك الإرادة أو غير تلك المريدية.
والفلاسفة يقولون إن الذات أو الوجود الذي لا اختصاص له
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 216)
بحقيقة من الحقائق ولا صفة من الصفات هو المخصص للعالم كله بما هو عليه من الحقائق والصفات والمقادير وأنه علة تامة موجبة للمعلول مع أن الحوادث من المعلولات ليست أعيانها أزلية ولم يكن فيه ما يوجب تأخر شيء من المعلولات، ولا قام به صفة ولا معنى ولا فعل يوجب التخصيص، لا بحقيقة دون حقيقة ولا بصفة دون صفة ولا لحادث دون حادث ولا لتأخير ما يتأخر.
والعالم يشهد فيه من الحقائق والحوادث الحادثة ما يعلم معه بالضرورة أنه لا بد له من مخصص، وهم لا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً، ليس فيه اختصاص وجودي بوجه من الوجوه، فضلاً عن إن يكون مقتضباً لتخصيص حقيقة دون حقيقة ن وصفة دون صفة والحدوث من غير سبب يقتضي الحدوث، وهذه الأمور لبسطها موضع آخر.
والمقصود أن هؤلاء القائلين بعدم التناهي، أو بالتناهي من جانب دون جانب مع كون قولهم فاسداً فنفاة كون الرب على العرش الذين يحتجون على نفي ذلك بنفي الجسم وعلى نفي الجسم بهذه الحجج يلزمهم من التناقض أعظم مما يلزم المثبتين والمقدمات التي
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 217)
يحتجون بها هي أنفسها وما هو أقوى منها من جنسها تدل على فساد أقوالهم بطريق الأولى، فإن كانت صحيحة دلت على فساد قولهم ومتى فسد قولهم صح قول المثبتة لامتناع رفع النقيضين، وإن كانت باطلة لم تدل على فساد قول المثبتة فدل ذلك على أن هذه المقدمات مستلزمة فساد قول النفاة دون قول أهل الإثبات.
وهذه الطريق هي ثابتة في الأدلة الشرعية والعقلية فإنا قد بينا في الرد على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس وغيره أن عامة ما يحتج به النفاة لرؤية والنفاة فرق العرش ونحوهم من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة هي نقيض قولهم وهكذا أيضاً عامة ما يحتجون به من الأدلة العقلية إذا وصلت معهم فيها إلى آخر كلامهم وما يجيبون به معارضهم، وجدت كلامهم في ذلك يدل على نقيض قولهم وأن ما يذكرونه من المناظرات العقلية هو على قول أهل الإثبات أدل منه على قولهم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 218)
الوجه الرابع
قوله إذا كان متناهياً من جميع الجهات فاختصاصه بالشكل والمقدار إن كان لذاته لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة.
فيقال له لا نسلم اشتراك جميع الأجسام في ذلك ولا نسلم أن االأجسام متحدة في الطبيعة وقد عرف أن النزاع في هذه المسألة من النظار من أشهر الأمور وهذا المصنف نفسه قد بين فساد حجج أصحابه المدعين تماثلها وتماثل الجواهر فإذا كان هو نفسه قد بين فساد حجج أصحابه المدعين تماثلها وتماثل الجواهر.
فإذا كان هو نفسه قد بين فساد حجج القائلين بالاتحاد في الطبيعة كان قد أفسد حجته بما ذكره هو من الأدلة العقلية على فسادها فضلاً عما يذكره غيره من العقلاء وقد بسط هذا في موضعه وإنما المقصود هنا التنبيه على أن كل مقدمة في هذه الحجة يمكن منعها، ويكون قول المانع فيها أقوى من قول المحتج.
تابع كلام الأمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى
قال أنه لو كان جسماً لكان مركباً ممن الأجزاء، وهو محال لوجهين الأول أنه يكون مفتقراً إلى كل واحد من تلك الأجزاء ضرورة استحالة وجود المركب دون أجزائه، وكل منها غير
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 219)
مفتقر إليه وما افتقر إلى غيره كان ممكناً لا واجباً لذاته وقد قيل إنه واجب لذاته.
تعليق ابن تيمية
قلت ولقائل أن يقول هذا باطل من وجوه
بطلان هذا من وجوه
الأول
أن الذين قالوا إنه جسم لا يقول أكثرهم إنه مركب من الأجزاء بل ولا يقولون إن كل جسم مركب من الأجزاء فالدليل على امتناع ما هو مركب من الأجزاء فقط لا يكون حجة على من قال إنه ليس بمركب وإن كان بناءً على أن كل جسم مركب فهذا ممنوع.
وإن قيل لا نعني بالأجزاء أجزاء كانت موجودة بدونه، وإنما نعني بها أنه لا بد أن يتميز منه شيء عن شيء.
قيل فحينئذ لا يلزم أن يكون ذلك الذي يمكن أن يصير جزءاً غير مفتقر إليه إذ هو لا بد منه في وجود الجملة، وليس موجوداً دونها، فالجملة لا تستغني عنه وهو أيضاً لا يستغني عنها، فتكون الحجة باطلة.
الثاني
أن يقال ما تعني بقولك إنه يكون مفتقراً إلى كل واحد من تلك الأجزاء
أتعني انه يكون مفعولاً للجزء أو معلولاً لعلة فاعلة أو تعني انه يكون وجوده مشروطاً بوجود الجزء.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 220)
بحيث لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر فإن ادعيت الأول كان التلازم باطلاً فإنه من المعلوم أن الأجسام التي خلقها الله تعالى ليس شيء من أجزائها فاعلاً لها ولا علة فاعلة لها فإذا لم يكن شيء من المركبات المخلوقة جزؤه فاعلاً له ولا علة فاعلة له، كان دعوى أن ذلك قضية كلية من أفسد الكلام، فإنه لا يعلم ثبوتها في شيء من الجزئيات المشهودة، فضلاً عن أن تكون كلية.
وإن قيل نعني بالافتقار أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا.
قيل ولم قلتم إن مثل هذا ممتنع على الواجب بنفسه فإن الممتنع عليه أن يكون فاعلاً أو علة فاعلة إذ قيل بإمكان علة فاعلة لا تفعل بالاختيار فأما كونه لا يكون وجوده مستلزماً للوازم لا يكون موجوداً إلا بها، فالواجب بنفسه لا ينافي ذلك، سواء سميت صفات أو أجزاء أو ما سميت.
الثالث
ويظهر هذا بالوجه الثالث وهو أن النافي لمثل هذا التلازم إن كان متفلسفاً فهو يقول إن ذاته مستلزمة للممكنات المنفصلة عنه فكيف يمتنع أن تكون مستلزمة لصفاته اللازمة له، أو لما هو داخل في مسمى اسمه وهو أيضاً يسلم أن ذاته تستلزم كونه واجباً وموجوداً.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 221)
وعاقلاً ومعقولا وعقلا، ولذيذاً وملتذاً به ن ومحباً لذاته ومحبوباً لها، وأمثال ذلك من المعاني المتعددة.
فإذا قيل هذه كلها شيء واحد.
قيل: هذا مع كونه معلوم الفساد بالضرورة لكونه تضمن أن العلم هو الحب وأن العالم المحب هو العلم والحب فإن قدر إمكانه فقول القائل إن الجسم ليس بمركب من الهيولي والصورة ولا من الجواهر المنفردة، بل هو واحد بسيط أقرب إلى العقل من دعوى اتحاد هذه الحقائق.
وإن كان من المعتزلة وامثالهم فهم يسلمون ذاته تستلزم أنه حي عالم قادر وإن كان من الصفاتية فهم يسلمون استلزام ذاته للعلم والقدرة والحياة وغير ذلك من الصفات فما من طائفة من الطوائف إلا وهي تضطر إلى أن تجعل ذاته مستلزمة للوازم وحينئذ فنفي هذا التلازم لا سبيل لأحد إليه سواء سمي افتقاراً أو يسم وسواء قيل إن هذا يقتضي التركيب أو لم يقل.
الرابع
أن يقال قول القائل إن المركب مفتقر إلى كل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 222)
واحد من تلك الأجزاء أتعنى بالمركب تلك الأجزاء أو تعني به اجتماعها آو الأمرين أو شيئاً رابعاً فإن عنيت الأول كان المعنى أن تلك الأجزاء مفتقرة إلى تلك الأجزاء وكان حاصله أن الشيء المركب مفتقر إلى المركب وان الشيء مفتقر إلى نفسه، وان الواجب بنفسه مفتقر إلى الواجب بنفسه.
ومعلوم أن الواجب بنفسه لا يكون مستغنياً عن نفسه بل وجوبه بنفسه يستلزم أن نفسه لا تستغني عن نفسه.
فما ذكرتموه من الافتقار هو تحقيق لكونه واجباً بنفسه، لا مانع لكونه واجباً بنفسه.
وإن قيل إن المركب هو الاجتماع الذي هو اجتماع الأجزاء وتكبها.
قيل فهذا الاجتماع هو صفة وعرض للأجزاء لا يقول عاقل إنه واجب بنفسه دون الأجزاء بل إنما يقال هو لازم للأجزاء والواجب لنفسه هو الذات القائمة بنفسها وهي الأجزاء لا مجرد الصفة التي هي نسبة بين الأجزاء وإذا لم يكن هذا هو نفس الذات الواجبة بنفسها وإنما هو صفة لها فالقول فيه كالقول في غيره مما سميتموه أنتم أجزاء وغايته أن تكون بعض الأجزاء
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 223)
مفتقرة إلى سائرها وليس هذا هو افتقار الواجب بنفسه إلى جزئه.
وإن قيل إن المركب هو المجموع أي الأجزاء واجتماعها فهذا من جنس أن يقال المركب هو الأجزاء لكن على هذا التقدير صار الاجتماع جزءاً من الأجزاء.
وحينئذ فإذا قيل هو مفتقر إلى الأجزاء كان حقيقته انه مفتقر إلى نفسه أي لا يستغني عن نفسه، وهذا حقيقة وجوبه بنفسه، لا مناف لوجوبه بنفسه.
وإن عنيت به شيئاً رابع فلا يعقل هنا شيء رابع فلا بد من تصويره.
ثم هذا الكلام عليه.
وإن قال بل المجموع يقتضي افتقاره إلى كل جزء من الأجزاء.
قيل افتقار المجموع إلى ذلك الجزء كافتقار إلى سائر الأجزاء وذلك الجزء وسائر الأجزاء هي المجموع فعاد الأمر إلى انه مفتقر إلى نفسه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 224)