وأما زعمه أَنَّ البخاري قد انتقى أحاديث صحيحة من ستمائة ألف حديث فسيأتي الحديث عنه في باب (اعتراضات منكري السُنَّةِ).
وعندما تعرض المؤلف لعدالة الصحابة قال: (1) «وأكثر هؤلاء النُقَّادُ عَدَّلُوا الصحابة كلهم إجمالاً وتفصيلاً، فلم يتعرَّضوا لأحد منهم بسوء ولم ينسبوا لأحد منهم كَذِبًا وقليل منهم من أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم».
إِنَّ مما اتفق عليه الجماهير قاطبة من أهل السُنَّة والجماعة ونُقَّادِ الحديث تعديل الصحابة وتنزيههم عن الكذب والوضع وَشَذَّ عن ذلك الخوارج والمعتزلة والشيعة أصحاب الأهواء والميول المعروفة.
ولكن المؤلف - لغرض في نفسه - يُشَكِّكُنَا في هذه الحقيقة فَادَّعَى أولاً أَنَّ أكثر النُقَّادِ عَدَّلُوا الصحابة مع أَنَّ النُقَّادَ جميعًا عَدَّلُوهُمْ وعدالتهم محل إجماع بينهم ثم يزعم أَنَّ قليلاً منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم مع أَّنَّ الذين تكلموا في الصحابة ليسوا من نُقَّادِ الحديث بل من أصحاب الأهواء والميول المعروفة بالتعصب لبعض الصحابة على بعض الآخر.
قال الحافظ الذهبي: قال الحافظ الذهبي: «فأما الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى … إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين الله تعالى» (2).
وقال الحافظ ابن كثير: «وَالصَحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةِ»، ثم قال: «وَقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: الصَحَابَةُ عُدُولٌ إِلَاّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا قَوْلٌ بَاطِلٌ [مَرْذُولٌ] وَمَرْدُودٌ» (3)
وهكذا ذهبت مزاعم الأستاذ هباء وصان الله صحابة رسوله عليه السلام من تلك الحملات التشكيكية التضليلية التي رفع لواءها هؤلاء المُتَعَصِّبُونَ.--------------------------------------------
(1) ص 265.
(2) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للسباعي: ص 261.
(3) [" الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث " لابن كثير، تأليف أحمد شاكر: ص 182، نشر دار الكتب العلمية، بيروت. لبنان].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
أما مزاعمه في أبي هريرة فقد تناولناها بالرد في باب (اعتراضات منكري السُنَّة).
ثم نشر إسماعيل أدهم رسالته في سَنَة 1353 هـ عن تاريخ السُنَّة وَكَذَّبَ فيها أحاديث الكتب الصحاح (1) إلَاّ أنَّ أخطر من قام بهذا الدور في العصر الحديث هو محمود أبو رية.
فإلى الحديث مع «محمود أبو رية».--------------------------------------------
(1) انظر " دراسات في الحديث النبوية وتاريخ تدوينه ": ص 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
الفصل الرابع: السُنَّة ومحمود أبو رية: (*)
ثم بعد هؤلاء تَسَلَّمَ اللواء أبو رِيَّةَ وأخرج كتابه " أضواء على السُنَّة المحمدية " وهو لم يأت بفكرة جديدة ولا باستدلال جديد بل جمع ما كان من الشُبَةِ متناثراً في كتب الشيعة وأئمة الاعتزال والمتكلمين والمستشرقين مع حكايات تذكر في كتب الأدب التي يتفكَّه بها الناس في مجالسهم، وَأَيْمُ الله أنني قرأت فيه مُجَرَّداً من كل عاطفة فوجدت أنه لم يقل شيئاً لم يكن عند أسلافه وإنما الذي فاقهم فيه أنه أكثر خُبْثاً ودناءةً وأسوأ أدباً مع الصحابة الأمناء وأجرأ على الكذب والبُهُتِ والخيانات العلمية.
«أما ما ذكره خلال كتابه من نقول عن مصادر محترمة في الأوساط العلمية الإسلامية، فإنها لا تعدو أن تكون وردت في تلك المصادر في مورد غير الذي أورده المؤلف فوضعها في غير مواضعها، أو أن تكون هي في حد ذاتها حقائق مسَلَّمة لدى المحقّقين ولكنهم لا يقصدون منها ما قصده المؤلف، فيذكرها إيهاما للقارئ بأن أصحابها يلتقون معه في فكرته وأهوائه، أو تكون نصوصا «مبتورة» انتزع منها ما يردّ على المؤلف، ولم يذكر منها إلا ما يريد أن يثبته في البحث الذي يتناوله - وسنرى نموذجا لذلك في بحث أبي هريرة - أو أن تكون من أقوال بعض العلماء نقلا عن المعتزلة، فينسبها إلى هؤلاء العلماء أنفسهم، كما فعل فيما نقل عن ابن قتيبة، وبالجملة فإنَّ أصحاب هذه المؤلفات والنصوص التي نسبها إليهم لا يلتقون معه في آرائه ونزعاته» (1).--------------------------------------------
(*) كاتب مصري معاصر، عُرِفَ بشدَّة انحرافه عن السُنَّة والطعن فيها باسم حرية الرأي والتحقيق العلمي - على زعمه -، توفي قريباً.
(1) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص 4، 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وأما تعريف كلمة السُنَّة عنده فيقول: «ولم تكن السُنَّة يومئذٍ (يعني عصر النبي صلى الله عليه وسلم تعرف إلَاّ بالسُنَّة العملية» (1).
ومفهوم السُنَّة العملية عنده هو السُنَّة العملية المتواترة كما قال: «وسنن الرسول المتواترة - وهي السُنَّة العملية - وما أجمع عليه مسلمو الصدر الأول وكان معلومًا عندهم بالضرورة، كل ذلك لا يسع أحد جحده أو رفضه بتأويل أو اجتهاد ككون الصلاة المعروفة خمسًا … » إلى أَنْ قال: «هذه هي سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم وأما إطلاقها على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث» (2).
وأما بالنسبة لأحاديث الآحاد فيقول: «ومن صح عنده شيء منها رواية ودلالة عمل به، ولا تجعل تشريعًا عامًا تلزمه الأُمَّةُ إلزامًا تقليدًا لمن أخذ به» (3). ويقول (4): «إنهم جعلوا السُنَّة القولية في الدرجة الثانية أو في الدرجة الثالثة من الدين وإنها تلي القرآن في المرتبة». ثم قال بعد أسطر: «وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السُنَّة العملية» ومفهومه أنَّ السُنَّةَ القولية ليست في الدرجة الثانية، ولا ندري ما منشأ هذا الاضطراب وعدم الثبوت على رأي حتى خالف عجز كلامه صدره ثم ما الدليل على التفرقة بين السُنَّة القولية والفعلية، «وليس في كلام الشاطبي الذي استشهد به ما يشهد للتفرقة بين السُنَّة القولية والفعلية بل كلام يدل على أَنَّ المُرَادَ بِالسُنَّةِ القول والفعل والتقرير» (5).
ومعلوم أَنَّ السُنَّةَ جملة من المرتبة الثانية بعد الكتاب وأنَّ ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الدين يجب اتِّبَاعَهُ وطاعته فيه إذًا فما الفائدة--------------------------------------------
(1) " أضواء على السُنَّة المحمدية " لمحمود أبو رِيَّة: ص 404.
(2) " أضواء على السُنَّة المحمدية " لمحمود أبو رِيَّة: ص 406، 407.
(3) " أضواء على السُنَّة المحمدية " لمحمود أبو رِيَّة: ص 407.
(4) " أضواء على السُنَّة المحمدية " لمحمود أبو رِيَّة: ص 17.
(5) " دفاع عن السُنَّة " للشيخ أبي شُهبة: ص 55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
من هذه التفرقة وما الدليل عليها وما الدليل على عدم جعل الأحاديث الآحاد تشريعًا، إنه يدعو إلى الفوضى في العقيدة والشريعة وإلى المخالفة الصريحة لكتاب الله عز وجل.
وَيَدَّعِي أَنَّ الذين عنوا بالتشريع من أئمة الإسلام لم يكونوا أهلاً لتمحيص السُنَّة وبيان صحيحها وسقيمها وأنَّ الأدباء وعلماء الكلام من المعتزلة هم أهل لذلك.
يقول بعد التعريف بكتابه وذكر عُلُوِّ قدر الحديث النبوي: «وعلى أنه بهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة فإنَّ العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحق من العناية والدرس وتركوا أمره لمن يُسَمُّون رجال الحديث يتناولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم … » (1). يريد أنَّ أئمة الإسلام وفقهائه كالبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم لم يكونوا أهلاً لتمحيص السُنَّة لأنهم لم يكونوا يخوضون في غوامض العقول فهم ليسوا عنده بعلماء وإنّض الأدباء وعلماء الكلام من المعتزلة هم أهل ذلك.
إنه يحاول الازدراء بالمحدثين ورميهم بالجمود لِيُقَلِّلَ من شأنهم ويتجاهل أَنَّ ما وضعه المحدثون من قواعد لنقد الراوي والمروي هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد في الحديث والقديم.
«إنَّ علماء الأدب وأضرابهم مِمَّنْ ليسوا من رجال الحديث وصيارفته أكرم على أنفسهم مِنْ أَنْ يقفوا ما ليس لهم به علم، وأنْ يَزُجُّوا بأنفسهم في علوم ومعارف ليسوا أهلاً لها» (2).
والحقيقة أَنَّ من أمعن النظر في كتابه هذا يدرك أَنَّ الرجل غير موثوق فيما ينقل فكثيرًا ما يزيد في النص الذي ينقله كلمة أو ينقص كلمة لينسجم--------------------------------------------
(1) " أضواء على السُنَّة المحمدية " لمحمود أبو رِيَّة: ص 4.
(2) " دفاع عن السُنَّة " للدكتور أبي شُهبة: ص 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
مع ما يريد دون ما يريد صاحبه وكثيرًا ما يسند القول إلى غير صاحبه تمويهًا وتضليلاً.
فنقل عن ابن كثير في " البداية والنهاية " (1) أنَّ عمر رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ».
وعبارة ابن كثير: لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ الأُوَلِ) وليس فيها (عَنْ رَسُولِ اللهِ) ولكن " أمانة " أَبِي رِيَّةَ و (تحقيقه العلمي) أجازا له تحريف هذا النص ليثبت ما ادَّعَاهُ من أنَّ كَعْبًا كان يُحَدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنَّ الصحابة كانوا يأخذون عنه الحديث، وهذه الفرية دَسَّهَا المستشرقون اليهود أمثال «جولدتسيهر» لِيَدَّعُوا تأثير اليهودية في الدين الإسلامي! .. فتلقفها منهم «المحقق العلمي» أَبُو رِيَّةَ، وتبرع لهم بإثبات الأدلة عن طريق «التزوير» (2).
إنه لم يَتَحَلَّ بالأدب والخُلُقِ الشريف في بحثه فقد أتى بالألفاظ البذيئة والكلمات النابية التي يَتَرَفَّعُ عنها المؤلفون العاديون فضلاً عن المُحَقِّقِينَ المُنْصِفِينَ وجعل من نفسه (العلَاّمة المحقق الأمين) فَتَهَكَّمَ بالمُحَدِّثِينَ ورماهم بالجهل والتساهل فعندما عرض للحن والخطأ في الحديث والتقديم والتأخير والزيادة والنقص منه ص 75 - 79 ثم ذكر عنواناً بالخط العريض فقال: «تساهلهم - أَيْ المُحَدِّثِينَ - فيما يُرْوَى في الفضائل وضرر ذلك». وهو يوهم من لا يعلم أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعًا على هذا - مع أنَّ كثيراً من الأئمة كالبخاري ومسلم وابن خزيمة قد جَرَّدُوا كتبهم للصحاح، وَتَحرَّوْا غاية التَحَرِّي في ذكر أحاديث الفضائل، وأيضاً فالمُحَدِّثُونَ لم يأخذوا بالأحاديث الضعيفة في باب الفضائل إِلَاّ بشروط فصلها أهل الفن والتحقيق، فإرسال القول على عواهنه - كما--------------------------------------------
(1) 8/ 206.
(2) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص 364.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
صنع المؤلف - ليس من الأمانة العلمية في عرض الآراء، وهو إلى التدليس والتلبيس أقرب منه إلى التوضيح والتبيين (1).
وأما أبو هريرة فقد ترجم له في كتابه فيما يربو على خمسين صفحة ولم يَدَعْ منقصة ولا مَذَمَّةً إلَاّ ألصقها به وزعم «أَنَّ الصحابة والتابعين وفقهاء الإسلام وأئمة الحديث ثلاثة عشر قرنًا كاملةً قد خدعوا بأبي هريرة رضي الله عنه، ولم يفطنوا إلى (تفاهة أمره) و (حقارة منبته) وجرأته في الكذب إرضاء للأمويّين، إنهم لم يفطنوا لما فطن إليه «أَبُو رِيَّةَ» فيا لسوء حظ المسلمين الذين حرموا من رأي «أَبِي رِيَّةَ» الصائب وبصيرته النافذة خلال هذه القرون كلها! (2).
وإليك أمثلة من إسفافه وهذيانه على أبي هريرة:
قال في [ص 152]: «وكان بينهم - أي الصحابة - لا في العير ولا في النفير».
وقال في [ص 157]: بعد نقله شيئًا من سيرة أبي هريرة رضي الله عنه عن مُحَقِّقٍ (مثله) يظهر من هذه الحكايات وغيرها أنه كان مِمَّنْ حضر وقعة صِفِّينْ وأنه كان يصانع الفئتين - ثم قال: وَحَدَّثَ غير واحدٍ أنَّ أبا هريرة كان في بعض الأيام يصلي في جماعة عَلِيٍّ ويأكل مع جماعة معاوية، فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا سأل قال: «عَلِيٌّ أَعْلَمُ، وَمُعَاوِيَةُ [أَدْسَمُ]، وَالجَبَلُ أَسْلَمُ».
وقال في [ص 185]: «ومن كان هذا شأنه - لا يكون - لا جرم - إلَاّ مهينًا لا شأن له ولا خطر».
نعم هكذا يهذي ويفتري ويجمع من الحكايات والأكاذيب ولا سيما في موضوع فيه اتِّهام وتجريح لصحابي جليل من صحابة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ--------------------------------------------
(1) " دفاع عن السُنَّة ": ص 73.
(2) " السُنَّة ومكانتها ": ص 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وَسَلَّمَ - وأنه لا في العير ولا في النفير، ثم من قال لك أيها المُحَقِّقُ النظار وصاحبك الذي زعمت أنه محقق، و، وأَنَّ أبا هريرة شهد موقعة صِفِّينَ، حكاية باطلة تبني عليها هذا الحكم الظالم الأليم.
ثم هل من المعقول أَنَّ أبا هريرة كان ينتقل بين الجماعتين ويصانع الفئتين ولا ينكشف أمره، يا أيها الناس أليس لكم عقول تعقلون بها؟
ثم كان أبو هريرة مهينًا لا شأن له ولا خطر عند المؤلف لأنه لم يصاحب النبي صلى الله عليه وسلم إلَاّ على ملء بطنه وأنه قد اتَّخَذَ من الصُفَّةِ ملاذًا لفقره … وهذا أكبر عيب عند «أَبِي رِيَّةَ» يُجَرِّحُ به أبا هريرة والله تعالى مدح أهل الصُفَّةِ ومنهم - لا شك - أبو هريرة. قال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} (1).
فيأتي أبو رية فيجعل المفاخر مثالب والفضائل رذائل.
فهل رأيت في باب النقد والبحث والتحقيق العلمي والأمانة العلمية شبيهًا لهذا، وفي أي قانون أو عُرْفٍ أو دين يكون السِّبَابُ نقدًا والشتائم بحثًا وتحريف الحقائق وتغييرها تحقيقًا علميًا إِلَاّ في عُرْفِ وقانونِ أبي رية.
وقال في [ص 166] تحت عنوان (أول راوية اتُّهِمَ في الإسلام): «أنَّ أبا هريرة اتَّهَمَهُ الصحابة وأنكروا عليه، وكانت عائشة أَشَدُّهُمْ إنكارًا عليه لتطاول الأيام بها وبه … وَأَنَّ مِمَّنْ اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي، … ثم زعم أَنَّ عَلِيًّا كان سيئ القول فيه وقال عنه: ألا إنه أكذب الناس أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبو هريرة … إلخ».--------------------------------------------
(1) [البقرة: 273].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ثم تَصَيَّدَ من كلام النظام وغيره من ساداته ما زعم أنه يشهد له.
والحقيقة أَنَّ الصحابة كانوا يَرْوُونَ عنه صلى الله عليه وسلم بالذات كما كانوا يَرْوُونَ عنه بالوساطة عن صحابي آخر، وفي بعض الأحيان كان يراجع بعضهم بعضًا فيما يرويه، إما بالتثبت والتأكد لأنَّ الإنسان بنسى أو يغلط وإما لأنه ثبت عنده ما يخالفه أو ما يخصِّصُهُ أو يُقَيِّدُهُ، فليس من الإنصاف أَنْ نَتَّخِذَ من هذه المراجعة دليلاً على اتِّهام الصحابة بعضهم لبعض وتكذيب بعضهم لبعض.
وكل ما ذكره من تكذيب عمر وعثمان وعَلِيٍّ له وأنَّ عَلِيًّا كان سيء القول فيه لا يعدو أنْ يكون دعاوى كاذبة مُزَوَّرةٌ، وهذه كتب الثقات في تاريخ الصحابة وحياتهم لا تكاد تجد فيها شيئًا مِمَّا زعم وادَّعَى.
وهذه من «الدعاوى الكاذبة التي يطنطن بها [المُبَشِّرُونَ] والمُسْتَشْرِقُونَ ومن تابعهم من الكُتَّابِ المعاصرين الذين جعلوا من أنفسهم أبواقًا لترديد كلامهم» (1).
وهو في الحقيقة لا يرمي إلى اتِّهَامِ أبي هريرة أو غيره من الصحابة، بل أنه يَتَّخِذُ من اتِّهَامِهِمْ سبيلاً إلى بطلان السُنَّة. فإذا تحقق له تهديم أبي هريرة وغيره فقد تحقق له هدم السُنَّة وبطلانها.
جاء في " تاريخ بغداد ": «أنَّ هارون الرشيد - لما أراد ضرب رأس (شاكر) رأس الزنادقة في عصره، سأله عن سبب اتخاذ الزنادقة لخطَّتهم في ابتدائهم مع من يطمعون بتزندقه، بتعليمه كراهية بعض سادات الصحابة، فقال شاكر: «إنَّا نريد الطعن على الناقلة، فإذا بطلت الناقلة أوشك أنْ نُبطل المنقول» (2).--------------------------------------------
(1) اقتباس من كلام أبي شُهبة في كتابه " دفاع عن السُنَّة ": ص 131.
(2) " دفاع عن أبي هريرة " للشيخ عبد المنعم صالح العلي العزي: ص 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وهكذا صنع أبو رية وغيره ممن قاموا بحملات التشكيك والطعن في الصحابة إلَاّ أنَّ أبا رية كان الحظ الأوفر منها.
وقد أطرى كتابه بقوله: «وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي، هي الأولى في موضوعها لم ينسج أحد قبلي على منوالها».
نعم لقد صدق وهي الأولى في موضوعها وأسلوبها خلطًا وكذبًا وَتَجَنِّيًا ولم ينسج أحد من قبل على منوالها.
«ولا أدري إنْ كان من قواعد التحقيق العلمي التي لم ينسج أحد من قبل على منوالها أنْ يكون مُدَّعِي العلم قليل الأدب بذيء الكلام، شنيع التهجم على من يتصدى لتاريخهم أو على من قد يتصدون للرد عليه في المستقبل؟ ولكن الذي أدريه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحَيَاءُ مِنْ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالبَذَاءُ مِنْ الجَفَاءِ وَالجَفَاءُ فِي النَّارِ» ولا أدري إِنْ كان «أبو رية» يطعن في هذا الحديث لأنه مِمَّا رواه أبو هريرة رضي الله عنه، فإليه حديثا آخر يرويه زيد بن طلحة بن ركانة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). وسوف ينال أبو رِيَّةَ جزاء فعله ما يستحق عند الله يوم القيامة (2).--------------------------------------------
(1) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص 43، 44.
(2) صدر في الرد على أبي رية كتب منها " ظلمات أبي رية أمام أضواء على السُنَّة المحمدية " للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة و " الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السُنَّة من الزلل والتضليل والمجازفة " للشيخ عبد الرحمن المعلَّمي اليماني والدكتور مصطفى السباعي في كتابه الراجع " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " و " دفاع عن السُنَّة " للدكتور محمد أبو شُهبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
الفصل الخامس: السُنَّةُ والدكتور أحمد زكي أبي شادي:
ألف كتاباً سَمَّاهُ " ثورة الإسلام " مريداً به الدفاع عن الإسلام فمزج فيه الحق بالباطل وتردَّى بأئمة الحديث وكذب الأحاديث مستهزئاً بمكانتها وزعم أنها مختلقة وأنه لا يمكن أنْ يقبل صحتها العقل وأنَّ أغلبها تدعو إلى السخرية بالإسلام والمسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «وهذه " سُنن ابن ماجه " و " البخاري " وجميع كتب الحديث والسُنَّة طافحة بأحاديث وأخبار لا يمكن أنْ يقبل صحتها العقل ولا نرضى نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأغلبها يدعو إلى السخرية بالإسلام والمسلمين وبالنبي الأعظم» والعياذ بالله (1).
ويزعم «وَإمَّا التغني بأبي داود والترمذي والنسائي ومسلم وترديد الأحاديث المُلَفَّقَةِ التي لا تنسجم وتعاليم القرآن وَإمَّا سوء تفسير آيات الكتاب العزيز وَإمَّا الجهل بروح القرآن، وَإمَّا التنازل عن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان فبمثابة الخيانة لرسالة الإسلام الخالدة» (2).
ثم يقول في حديثه مع المستشرقين: «ومع العلم أولئك المستشرقين كعلم المستنيرين من المسلمين بأنَّ الجمهرة من الأحاديث النبوية مختلفة اختلاف الإسناد نفسه الذي لم يكن معروفًا في فجر الإسلام فإنَّ حظَّهم هو التعلق بكل سخف حقير منها للتدليل على سخافة الإسلام وحقارته يساندهم في ذلك من طريق غير مباشر جهلة الكُتَّابِ المسلمين» (3).--------------------------------------------
(1) و (2) " ثورة الإسلام ": ص 25، 44.
(3) " ثورة الإسلام ": ص 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
هذا بعض ما كتبه الدكتور عن السُنَّة ورجالها، وهو ترديد لما سبق من كلام أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم من الطعن في السُنَّة وتشكيك لما ثبت وصحح على أيدي المحققين أصحاب السُنن الذين حفظوا الإسلام ممثلاً في تراثه الخالد جيلاً بعد جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
إنَّ المحققين قد أجمعوا على أنَّ أصح الكتب بعد كتاب الله لهي " صحيح البخاري " فـ " مسلم " ثم " أبو داود "، فـ " الترمذي "، فـ " النسائي "، و " ابن ماجه "، فقوله: «إِنَّ الجمهرة من الأحاديث النبوية مُخْتَلَقَة» هو محض افتراء وكذب وطعن في الصحاح وتجاهل بمكانة السُنَّة التي هي صنو الكتاب في التشريع، على أني لا أضيع وقتي في الرد على مزاعم الدكتور إذ هي ترديد لما سبقت من المستشرقين وتلامذتهم ولأنها ليست قليلة بمكان يمكن أَنْ تضمَّها هذه العجالة السريعة.
إنَّ نظرة المؤلف العامة للإسلام نظرة مُشَوَّهَةٌ ومحفوفة بالمخاطر والمطاعن ومن طالع كتابه هذا بإمعان يدرك أنه لا يهدف إلى هدم السُنَّة والطعن فيها فحسب بل يتخذ منها سبيلاً إلى تحريف القرآن والشريعة ليخضعهما - على حسب زعمه - لمتطلبات العصر، وجعلهما عرضة للتبدل بتبدل الأحوال والظروف حتى يصل في نهاية المطاف إلى إبطال الدين والشرائع.
يقول (1): «إنَّ روح الإسلام التي تقر مبدأ الصالح العام بل تقدِّسه تسمح في هذا العر بأنْ تكون المرأة قوامة على الرجل بقدر ما تسمح بأنْ يكون الرجل قَوَّامًا على المرأة إذ أنَّ مَرَدَّ ذلك إلى الاعتبار الاقتصادي لا أكثر ولا أقل، بخلاف ما كان عليه الحال في فجر الإسلام» … إلى آخره …
فهو لا يهمه أنْ يبطل مفعول الآية الكريمة: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (2)--------------------------------------------
(1) " ثورة الإسلام ": ص 24.
(2) [النساء: 34].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
تحت ستار الصالح العام وكيف يأتي بعبارة مُنَمَّقَةٍ عليها مسحة البحث العلمي المزعوم ليبطل حكم الله الخالد وسُنَّته التي لا تتبدل ويثبت أنَّ المرأة قَوَّامَةٌ على الرجل ويرجع ذلك - على زعمه - إلى الاعتبار الاقتصادي لا أقل ولا أكثر، أما الدين والخلق فلا عبرة بهما.
ثم يقول: « … والقرآن الشريف والأحاديث النبوية مجموعة مبادئ خلقية وسلوكية مُسببة، بحيث أنَّ أحكامها عرضة للتبدل بتبدل الأحوال والأسباب ففيه شواهد هادئة على ضوئها وأسبابها وظروفها، لا أحكام متزمتة لا تقبل التعديل وفاقًا لتبدل الأسباب والظروف» (1).
إنَّ الرجل يريد أنْ نُبَدِّلَ القرآن والسُنَّة على حسب أهوائه ونزعاته وشهواته، إنه يظن مصادر التشريع الإسلامي أهون من قوانين أوروبا التي لا تستبدل إلَاّ بعد إجراء تجارب معينة وتحت ظروف وجمعية تشريعية عليا لتصرفها حسب الظروف المتبدلة، إنني أخشى على الإسلام من أعدائه قدر ما أخاف عليه من أبنائه وأدعيائه.
إنَّ الرجل عاش وتربَّى في حضن الولايات المتحدة الأمريكية وعايش بعض الأحداث في عصر كان يدين بالحرية المطلقة، وهو معجب بمدنية أوروبا الغربية عامة وبأمريكا خاصة ويُمَجِّدَهَا تمجيدًا قويًا - ولهذا كثيرًا ما يُرَى في كتابه يستشهد بمبادئ أمريكا وحضارتها حتى قال: «إنَّ مبادئ الإسلام نظريًا وعمليًّا هي أقرب ما تكون لمبادئ الحضارة الأمريكية والحياة الأمريكية تفكيرًا وسلوكًا، فهل يتنبَّه المسلمون إلى هذه الحقيقة الراسخة فيفلحوا» (2).
لم أَرُدُّ عليه وهو يجعل من القوانين الرخيصة الوضعية مثلاً أعلى ومن الحياة الغربية المهنية شأنًا وأي شأن؟؟!! يقول:--------------------------------------------
(1) " ثورة الإسلام ": ص 62.
(2) المصدر السابق: ص 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
«وما الدفاع الذي تقوم به أمريكا اليوم عن العالم الحر إلَاّ صنو الدفاع الذي رفع لواءه محمد صلى الله عليه وسلم» (1).
إنَّ الرجل الذي بلغ الذروة في حبه لأمريكا ومبادئها وحضارتها وأعجب بها أي إعجاب حتى نسي ما تقوم به أمريكا من مساندة وتأييد للصهيونية المجرمة الغاشمة وإسرائيل وغمطها للحق العربي الإسلامي وحق شعب فلسطين.
إنَّ المؤلف مُعْجَبٌ بالثورات لذلك سَمَّى كتابه " ثورة الإسلام " وهل ما يدري ماذا جنى المسلمون والعرب من تلك الثورات المتعاقبة على حكوماتهم إلَاّ ضعفًا على ضعف ووهنًا على وهنٍ، إنَّ الثورة بمفهومها تعني التغيير والتبديل بالقوة والتسلط وفرض نفسها بالجبروت والطغيان والاستيلاء على السلطة بالعنف … فهل جاء الإسلام ثائرًا على البشرية ثائرًا على أوضاعها وتقاليدها، ثائرًا على حياتها ومجتمعاتها .. كَلَاّ إنه جاءها هاديًا للبشرية ورحمة للإنسانية مُنَفِّذًا لها من هاوية الدمار والخراب .. إلى دار السعادة والهناء والبقاء .. والخير والفلاح .. في الدنيا والآخرة.
هذا ولا يزال أعداء السُنَّة يواصلون حملات تضليلية تشكيكية مُرَكِّزَةٍ تستهدف السُنَّة بل الإسلام عقيدة وشريعة، فقد نشرت مجلة " العربي " الكويتية (2) مقالاً لعبد الوارث بعنوان [ليس كل ما في صحيح البخاري صحيحًا وليست هذه الأحاديث مفتراة فحسب بل منكرة] وطالب فيه بضرورة تنقية كتب التفسير والحديث من هذه الخزعبلات والمفتريات .. على حد زعمه.
ومزاعمه هذه ما هي إلَاّ مواصلة لمساعي سادته المستشرقين والغربيِّين المنطوين على الحقد الدفين ضد الإسلام والمسلمين. والأدهى من هذا وأَمَرُّ أنْ يدعو رئيس دولة إسلامية إلى نبذ السُنَّة وإنكارها ويجهر بذلك، فيا لله لدواوين السُنَّة وكُتُبَ الحديث، نعوذ بالله من الخذلان واستحواذ الشيطان، ومن يضلل الله فلا هادي له.--------------------------------------------
(1) " ثورة الإسلام ": ص 61.
(2) مجلة " العربي ": عدد فبراير 1966، ص 138.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الفصل السادس: مُنكرو السُنَّة في القارة الهندية:
تمهيد:
سبق أنْ ذكرنا أنَّ كُتُبَ التاريخ لا تحدِّثنا عن أفراد أو جماعات انتسبت إلى الإسلام ودعت إلى نبذ السُنَّة بعد القرن الثاني أو على الأكثر بعد القرن الثالث، وأنَّ الأُمَّة الإسلامية ظلت آمنة طوال أحد عشر قرنًا إلَاّ أنَّ الفتنة قد استيقظت بعد ذلك من قبل المستعمرين.
يقول الأستاذ المودودي رحمه الله: «ما أنْ حل القرن الثالث عشر الهجري حتى دبت الحياة في هذه الفتنة (فتنة إنكار السُنَّة وحُجِيَّتها) من جديد فكانت ولادتها في العراق وترعرعت في الهند، وإنِّ بدايتها لتعود في الهند إلى سيد أحمد خان ومولوي جراغ علي، ثم كان فارسها المقدام مولوي عبد الله جكرالوي ثم تَسَلَّمَ الراية مولوي أحمد دين امرتسري ثم تقدم بها مولانا أسلم جراجيوري وأخيرًا تولى رياستها غلام أحمد برويز الذي أوصلها إلى ساحل الضلال» (1).
وفي ضوء ما أشار إليه الأستاذ المودودي ينبغي أنْ نَتَعَرَّفَ على أفكار السيد أحمد خان وجراغ علي حول السُنَّة (2)، لأنَّ أفكارهما هي التي مَهَّدَتْ الطريق لإعلان خبايا نفوس أهل القرآن الذين صَرَّحُوا بإنكار السُنَّة كلها، وأخذوا يدعون إليها كحركة علمية ثقافية تقدمية فَاغْتَرَّ بالانضمام إليها بعض البُلْهِ ومن لا صلة له بالعلوم الدينية من العامة والمثقفين (3).--------------------------------------------
(1) " سنت کي اءيني حيثيت ": ص 16.
(2) انظر " فرقة أهل القرآن ": ص 73 وما بعدها.
(3) انظر ص 78 وما بعدها من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
نشأة أهل القرآن في القارة الهندية:
في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي بدأت الدعوات الهَدَّامَةُ تغزو الهند إثر إصابة المسلمين بجمود ثقافي واجتماعي، غير أنَّ مفعولها سَرَى على شكل واضح في ولاية بنجاب بأواسط الهند الموحدة. وما أسوأ حظ هذه البقعة من الأرض حيث كانت مسرحًا لحركتين هَدَّامَتَيْنِ للإسلام - القاديانية وأهل القرآن.
ففي سَنَةِ 1900 م ظهر في تلك البقعة ميرزا غلام أحمد القادياني وادَّعَى النبوة، ثم بدأ غلام نبي المعروف بعبد الله جكرالوي (1) نشاطه الهدام بإنكار السُنَّة كلها وأسس مذهبه باسم أهل القرآن في سَنَةِ 1902 م.--------------------------------------------
(1) هو عبد الله بن عبد الله الجكرالوي نزيل لاهور، ولد في جكرالة بمقاطعة «ميانوالي» ببنجاب بالباكستان في نهاية العقد الثالث من القرن التاسع عشر الميلادي في أسرة علم ودين. وتلقى علومه الأولية علي يد والده ثم في المدارس الأهلية المجاورة لبلدته وأخيرًا سافر إلى «دهلي» لدراسة الحديث الشريف على يد «ميان نذير حسين» المُحَدِّثُ الشهير، وبعد العودة من «دهلي» أصبح شيخًا من شيوخ (أهل الحديث) ودخل في مجال التأليف والنشر ولعل أول انحرافه عن جادة الحق يعود تاريخه إلى العقد الأخير من القرن التاسع عشر عندما ناظره ابن عمه (القاضي قمر الدين) في أوائل هذا العقد بطرح معضلات أمام عبد الله في الحديث الشريف ما أوقعته في اللُّبْسِ فقال قولته المشهورة: «هذا هو القرآن المُوحَى به وحده من عند الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأنَّ ما عداه فليس بوحي». ثم شرع في تصنيف تفسيره للقرآن الكريم واتخذ لاهور مقرًا دائمًا لنشر دعوته الجديدة، وكان يجيد اللغة العربية وله باع طويل في علومها المختلفة وكان مُنَاظِرًا جَيِّدًا وَجَدَلِيًا بارعًا خَلَّفَ مؤلفات عديدة. مرض في بدلية 1912 م فنصحه الأطباء بمغادرة لاهور واختيار موضع آخر لسكناه حرصًا على صحته فانتقل إلى «ملتان» ثم إلى «ميانوالي» القريبة من جكرالة وظل طريح الفراش إلى أنْ أنخرته المنية سَنَةَ 1914 م (انظر " نزهة الخواطر " [عبد الحي بن فخر الدين الحسني]: 8/ 289).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وقد تزعم حركة أهل القرآن في بداية الأمر شخصيتان «محب الحق عظيم آبادي» (1) في بهار - شرقي الهند - و «عبد الله الجكرالوي» في لاهور في آن واحد. غير أنَّ الأول لم يخالف المسلمين في الأعمال الظاهرة بل كان متمثلاً لها كأي فرد من المسلمين باستنباط ذلك من القرآن الكريم دون اللجوء إلى السُنَّة الشريفة (2) مع ما سجله من المخالفات الظاهرة كإنكاره وجود منصب الإمامة في الإسلام لعدم ذكر القرآن له وغير ذلك.
وأما عبد الله فقد خالف المسلمين منذ اللحظة الأولى ابتداء من ثاني أركان الإسلام إلى أنْ أدى به المقام إلى تشكيل فرقة جديدة باسم (أهل الذكر والقرآن).
أسباب نشأة أهل القرآن:
كانت المصادر التي بحثت عن نشأة أهل القرآن وخروجهم إلى حَيِّز الوجود تتفق على أنهم الثمرة الطبيعية للحركة التي بذر بذورها أعضاء حركة السيد أحمد خان (3) وقد تحدث عن ذلك الشيخ ثناء الله ما نصه «ما أشأم ذلك اليوم--------------------------------------------
(1) هو الحافظ السيد محب الله ولد في آخر السبعينات من القرن التاسع عشر وكان حنفي المسلك في أول الأمر ثم تحول عنه وأصبح عضوًا غير بارز في زمرة أهل القرآن وله مؤلفات عديدة: [1] دعوة الحق، [2] شرعة الإسلام، [3] منهاج الحق، [4] بلاغ الحق. وقد صَنَّفَ كتابه الأول والثاني قبل الانضمام إلى أهل القرآن، والثالث أثناء تذبذبه والأخير فيه التصريح بعدم أخذ السُنَّة في الدين، توفي في أواخر الخمسينات من القرن العشرين.
(2) " انكار حديث ايك فتنة ايك شازش ": ص 179 للبروفسور محمد فرمان.
(3) انظر " نصرة الحديث ": ص 2 للشيخ حبيب الرحمن الأعظمي و " سنت کي اءيني حيثيت " لأبي الأعلى المودودي: ص 16 و " فرقة أهل القرآن بباكستان وموقف الإسلام منها ": ص 4. رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير من الشيخ خادم حسين إلهي بخش في جامعة الملك عبد العزيز سَنَةَ 1400 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
الذي خرج فيه صوت عليكره (1) المخالف لجميع الأمة الإسلامية الداعي إلى الاعتماد على القرآن وحده في الدين أو السُنَّة لا تكون دليلاً شرعيًا، فأثر هذا الصوت على الحافظ محب الحق العظيم آبادي في " بتنة " بالهند كما أثر على عبد الله جكرالوي في لاهور بباكستان أعظم تأثير» (2).
2 - أصابت المسلمين بجمود ثقافي واجتماعي وجهل الكثيرين منهم بأمور دينهم مما نتج عنه فقدان العلم الصحيح بين الأوساط الإسلامية.
3 - استغلال الدولة المستعمرة تربية بعض الأفراد المنحرفين ممن تسموا بالمسلمين مباشرة أو بالوساطة وشحن أفكارهم لصالحها ولو على حساب الدين، مما تضمن بهم الولاء على المسلمين وكان على رأس هؤلاء غلام أحمد القادياني وعبد الله جكرالوي وأتباعهما.
4 - اغترار بعض الفئات بالنظريات العلمية الأوروبية المنتشرة خلال النصف الأول من القرن العشرين وتفسير الحقائق الإسلامية على ضوء تلك النظريات والتوفيق بينها وبين الإسلام، وقد ترأس أتباع سيد أحمد خان إيجاد--------------------------------------------
(1) المراد به حركة السيد أحمد خان الممثلة في دعوة المسلمين إلى تقليد المستعمرين في كل أمور الدنيا والدين وأنَّ هذا هو طريق التقدم والرقي والحضارة وأنَّ المسلمين إذا ما أرادوا أنْ يلحقوا بركب الحضارة فعليهم أنْ يُقَلِّدُوا الإنجليز في كل شيء. على هذا الأساس قامت حركة السيد أحمد خان فقد أنكرت ما تنكره الثقافة الغربية ولو كان دينًا وأثبتت ما تثبته ولو كان مخالفًا للدين ولإجماع المسلمين.
يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: «أما القيادة الثانية التي تزعَّمها السيد أحمد خان على أساس تقليد الحضارة الغربية وأُسُسِهَا المادية واقتباس العلوم العصرية بحذافيرها، على علاتها وتفسير الإسلام والقرآن تفسيرًا يطابق ما وصلت إليه المدنية والمعلومات الحديثة في آخر القرن بما لا يثبته الحس والتجربة ولا تقرره علوم الطبيعة في بادئ النظر من الحقائق الغيبية وأمور ما بعد الطبيعة» انظر " الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ": ص 71. أما رأيه في السُنَّة فسيأتي في ص 85.
(2) " فرقة أهل القرآن ": ص 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
هذا الانسجام، ثم تبعهم أهل القرآن في هذا المسلك لوجود الصلة الروحية بين الفريقين (1).
5 - ولعل السبب المباشر لنشأة أهل القرآن هو شعورهم بضرورة وحدة الصف الإسلامي والخلاص من الفرق المتعددة (على حد زعمهم) من الحنفية والشافعية والمالكية .. وجميع المسلمين تحت راية واحدة، لكنهم ضلوا الطريق لجهلهم بالإسلام وأسس الحكمة (2).
ومهما تعددت أسباب نشأتهم إلَاّ أنَّ في طبيعة هذه الأسباب إنما هو الزيغ والإلحاد والضلال وحب الشهرة والرئاسة والحصول على المكانة المرموقة عند المستعمر وكسب المكاسب المادية منه.--------------------------------------------
(1) كنظرية الارتقاء في خلق آدم ووجود الجنس البشري وتأويل الآيات القرآنية على ضوء هذه النظرية. انظر " إبليس وآدم " للبرويز: ص 6 - 35. نقلاً عن " فرقة أهل القرآن وموقف الإسلام منها ": ص 7.
(2) " فرقة أهل القرآن وموقف الإسلام منها ": ص 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
أشهر زعماء أهل القرآن:
1 - الخواجه أحمد دين الأمرتسري:
ولد في عام 1861 م بمدينة امرتسر بالهند، وتلقى علومه الدينية في امرتسر وغاية ما وصل إليه من التعليم المنتظم هو الثانوية الإسلامية في امرتسر، غير أنَّ جِدَّهُ وشغفه بالمطالعة أكسباه شهرة واسعة فَعُيِّنَ عضوًا لهيئة التدريس في المدرسة الإسلامية بامرتسر.
وفي 1917 م أحيل إلى التقاعد ثم دَرَّسَ مُدَّةً في مدرسة البنات وكان يجيد اللغة العربية والفارسية والأردية والإنجليزية، وقد نبغ في كل علوم الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والرياضيات والفلك والمنطق والعلوم الإسلامية كما كان يعرف علم النبات وطبقات الأرض وغيرها من العلوم الشائعة آنذاك (1).
وقد اتصل بعبد الله الجكرالوي في 1902 م وكثيرًا ما كان الخواجه يزروه لتبادل الآراء والمناقشة حول العديد من المسائل العلمية فيقنع عبد الله الخواجه أحيانًا كما كان يقنع هو بآراء الخواجه أحيانًا أخرى.
هذا وقد قام الخواجه بتأسيس طائفته النفصلة بامرتسر في عام 1926 م واختار لها اسم (أُمَّة الإسلام) وأصدر مجلة " البلاغ " خاصة بهذه الجماعة تحمل أفكارهم وتنشر نظرياتهم الخاصة وقد استطاع أنْ يجذب إليه كثيرًا من الأثرياء والبلغاء والنبهاء، وَيُوَسِّعَ نشاط هذه الفرقة بسبب دماثة خُلُقِهِ.
وكان يمتاز بعمق الفكر فيما يكتب فيه يفوفي الموضوع حقه من جميع جوانبه بالاعتماد على القرآن وحده دون اللجوء إلى ما عداه. وله مؤلفات--------------------------------------------
(1) " فرقة أهل القرآن ": ص 19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)