المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأَحاديث الدالة على أنّ شدة الحرِّ والبرد من جهنم:
مَدار شبهة الطاعنين في دلالة هذه الأَحاديث تدور على أمرين:
الأول: دعواهم أَنها - أي الأَحاديث - تناكد ما دلت عليه الحقيقة العلميَّة التي تقضي أن سبب الحرِّ وشدته وكذا البرد = يعود إلى أَنها من الظواهر الطبيعية التي تتعلق باقتراب أو ابتعاد الأَرض من الشَّمس، فلا علاقة للبرد والحر بسبب (غيبي / ما ورائي) لا يمكن إدراكه ولا تفسيره.
الأمر الثاني: أن حديث أبي هريرة يصور الأرض بأنها لا يجتمع فيها فَصْلان، فهي ذات جو واحد؛ إما صيف، أو شتاء. وهذا خلاف الضرورية الحسية.
الأمر الثالث: أَنّ قبول ما دلت عليه هذه الأحاديث = يلزم مخالفة الضرورة العقلية بامتناع اجتماع النقيضين، إذ كيف يصح أن يصور عن النار نَفَسٌ يخالف طبيعتها.
وفي تقرير الشبهتين الأوليين، يقول الدكتور القرضاوي: «حديث الشيخين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اشتكت النار إلى ربها … ). فطلبة المدارس في عصرنا يدرسون في الجغرافيا أسبابَ تغير الفصول، وظهور الصيف والشتاء، والحر والبرد؛ وهي تقوم على سنن كونية، وأسباب معلومة للدارسين.
كما إنَّ من المعلوم المشاهَد أن بعض الكرة الأرضية يكون شتاءً قارس البرد، وبعضها حارًّا شديدة الحرارة .. فينبغيْ حَمْلُ الحديث على المجاز ـ والتصوير الفني، الذي يُصَوِّر شدة الحر على أنها نَفَسٌ من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 792)
أَنفاس جهنم، كما يصور الزمهرير على أنه نَفَس آخر من أنفاسها. وجهنم تحوي من ألوان العذاب أشد الحرارة وأشد الزمهرير!»(1).
ويقول إسماعيل الكردي: «هناك حديث يُروى عن عدةٍ من الصحابة، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اشتد الحرُّ فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) وهذا سياق لا إشكال في معناه؛ إذْ يُحمل على أن شدة الحر من نَمَط، أو من جنس حَرِّ جهنم.
لكن حديث أبي هريرة الذي ذكرناه لا يتحمل هذا التفسير؛ بل هو صريح في نسبة حَرِّ الصيف وبرد الشتاء إلى نَفَسي جهنم - بالتحديد - … = فهذا السياق مَعْلولٌ بمخالفته الصريحة للعلم، الذي أَثبت - بما أصبح الآن من البديهيات في علم الجغرافيا - أن سبب الحرِّ واشتداده وسبب البرد وشدته = إنَّما هو عوامل جغرافية وجوية؛ مثل: درجة عمودية أو ميل الشَّمس على المنطقة، وبُعْد وقُرْب المنطقة من سطح الأرض إلى قُرْصِ الشَّمس …
ثم إنه لا يوجد جو واحد في الأرض؛ بل في كل وقت توجد على أَجزاء مختلفة من الأرض درجات حرارة متفاوتة، من أقصى البرودة لأقصى الحر؛ حسب الموقع الجغرافي للمنطقة.
فسياق رواية أبي هريرة للحديث = تتعارض مع العلم، وحتى مع المحسوس؛ لأن روايته تصوّر أن الأرض كلها ذات جَوٍّ واحد؛ إما صيف .. أو شتاء .. هذا في حين أن الأرض تشتمل على الفصلين معًا في الوقت نفسه. فعندما يكون نصف الكرة الشمالي في أشد برد الشتاء، يكون نصفها الجنوبي في أحرِّ الصيف. والعكس بالعكس)(2).--------------------------------------------
(1) " كيف نتعامل مع السنة النبوية " (158).
(2) " نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث " (282 - 283).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 793)
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدالة على أنّ شدة الحر والبرد من جهنم:
أمّا الجواب عن الشبهة الأولى؛ وهي دعواهم: أَن هذه الأَحاديث تخالف الحقيقة العلمية .. إلخ.
فيقال: إن هذه الأَحاديث خَبَرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم[الموحى إليه] عن مالك الحقيقة وخالقها سبحانه وتعالى. وما ساقه الطاعنون مما تقرر في علوم الجغرافيا وغيرها = هو خَبَرٌ عمن يبحث عن الحقيقة؛ وقد يصيبها، وقد يخطئها. ومنهَج العقل يَقضي بتقديم خبر مالك الحقيقة وخالقها على خبر من يبحث عنها ولا يملكها. … فالعقل المَهْدي يَعْلمُ يقينًا - بعد تحققه من صحة ثبوت الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يمكن أن يقع ما نطق به الوحي معارضًا للحقيقة الحسية؛ فإن الحقَّ لا يتناقض.
ويُعلَم أيضًا: أن في الحق ما قد يحار فيه؛ لِضَعْفِ مُدْركاته عن الإحاطة بكل حقيقة.
وطعْن الطاعن في هذا الحديث وغيره نابعٌ عن خطأَين مَنْهجيين:
الأوَّل: هو ظنه أنه يمكن أن يتناقض الحقُّ. أعني: أن يتناقض الخبر النبوي الذي يمثل في حقيقته وحيًا، والعقل بمداركه الفطرية. والتناقض مبني على تقدير الخصومة النكدة بينهما.
الثاني: ظنه أَنَّ المعارف البشرية عن الطبيعة تُمثِّل المَرجعيَّة النِّهائية عن الكون وما فيه؛ في حين أن الأمر بخلاف ذلك؛ فالتراكمية والنسبية تكتنفان كثيرًا من معارفِ البشر، التي ترتكز على وسائل تخضع للتجدد والتطور؛ الّلذين يُحيلان ما ظُنّ قَبلُ أنه حقائق أنها لا تعدو أن تكون نظريات، فضلًا عن أن تكون فرضيات!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 794)
فهاتان دائرتان - أعني دائرة افتعال الخصومة بين الوحي والعقل، ودائرة جعل المعارف البشرية حقيقة نهائية - من دوائر الوعي المنقوص، أَحَاطت بعقول أَصحابها، فحجبتهم عن الحقائق التي نطق بها الوحي عن هذا العَالَم.
بهذا يتبين: أَنّ دَعوى أن الحديث جاء مخالفًا للحقيقة العلميَّة = دعوى تفتقر هي أيضًا إلى مستند علمي يصحّحها؛ ذلك أن الحرارة والبرودة ليس سببهما - بالنظرة إلى أسبابهما الحسيَّة - قرب الأرض وبعدها من الشَّمس؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكانت رؤوس الجبال المكسوّة بالثلوج تشتعل نارًا. والواقع خلاف ذلك = فعُلم أن هناك عوامل أُخرى تتحكم ببرودة وحرارة الأرض؛ كالاحتباس الحراري(1)، وغيره من العوامل.
ثم إن غايةَ ما يُقال؛ هو: إثبات أن الشَّمس سببٌ ظاهر لحصول مطلق الحرارة والبرودة على سطح الأرض، ولا يلزم من إثبات ذلك نَفْي أَن تُعلَّل ظاهرة شدة البرد والحر بالسبب الغيبي الذي أَخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لانتفاء التعارض بين السببين.
الجواب عن الشبهة الثانية: وهي دعواهم: بأن الحديث يصور الأرض أنها ذات جو واحد .. إلخ
فيقال: ليس ذلك ظاهر الحديث كما توهم المُدّعي، فالحديث دل على أن لجهنم نَفَسَين؛ أحدهما في الصيف، والآخر في الشتاء. وهذا ثابتٌ في نَفْسه.--------------------------------------------
(1) الاحتباس الحراري (Global Warming) : الارتفاع المطرد في درجة حرارة سطح الأرض نتيجة لزيادة انبعاثات غازات الصوبة الخضراء التي يتكون معظمها من بخار الماء، وثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروجين، والأوزون، والتي تلعب دورًا مهما في تدفئة سطح الأرض. انظر: " الاحتباس الحراري ": بشري أحمد حماد (2 - مقال في مجلة البيئة والمجتمع).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 795)
ثم؛ ما يحصل من الاختلاف والتعاقب بين هذين الفصلين بالنسبة للكرة الأرضية لا يقدح في دلالة الحديث؛ لأن تنوُّع النِّسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه.
الجواب عن الشبهة الثالثة:
وأما دعواهم بأنه يستحيل صدور شدة البرد من النار؛ لكون ذلك مخالفًا لطبيعتها؛ وإلا للزم الوقوع في التناقض = فيقال:
إن ذلكَ يَصحّ لو أن النار الأخروية نَمَطًا وشكلًا واحدًا كنار الدنيا، أَما مع اختلافهما فلا. ومثار الغَلَط في هذه الدعوى يكمن في أَمرين:
الأول: قياسهم الفاسد الذي جعل من الواقع المشاهد معيارًا للحكم على الغائب، وأَصلًا يُردّ إليه؛ ولو مع تحقق الاختلاف بين الأصل والفرع.
فالنار الأُخروية: دار أَعدها الله تعالى للعقاب، قد حوت صنوفًا من العذاب الأليم، وهي دركات وطبقات؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} النساء: 145. وقال: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)} الحجر: 43 - 44. وقال عز وجل: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)} الواقعة.
فشدة البرد على هذا تكون منبعثة من طبقةٍ زمهريريةٍ من طبقات جهنم(1)، فلا تناقض حينئذٍ.
[الأمر الثاني: أَنَّهم ظَنّوا أن الشيء الواحد لا يمكن أن يصدر عنه إلا شيء واحد = وهذا باطل نقلًا ونظرًا، فالشَّمس هذه يقرون بأن بسبب قرب الأرض منها ودورانها حولها يحدث البرد والحر، والصيف والشتاء. فكيف سوغوا حصول هذه المتضادات من الشَّمس مع كونها كتلة مُلْتهبة = ولم يقبلوا تسويغ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم؟!] [*].--------------------------------------------
(1) انظر: " فتح الباري " لابن حجر (2/ 27 - ط دار السلام).
[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس في المطبوع، وأضفناه من أصل الرسالة الجامعية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 796)
المبحث الثاني دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث سجود الشَّمس تحت العرش
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سوق حديث سجود الشَّمس تحت العرش.
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث سجود الشَّمس تحت العرش.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث سجود الشَّمس تحت العرش.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 797)
المطلب الأول: سوق حديث: (سجود الشَّمس تحت العرش)
عن أَبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: دَخلتُ المَسْجِدَ ورسول الله صلى الله عليه وسلم جَالسٌ، فلما غربت الشَّمس، قال: (يا أبا ذر، هل تدري أَين تذهب هذه؟) قال: قلت: الله ورسوله أَعلم. قال: (فإِنها تذهب تستأذن في السجود فيُؤذَن لها، وكأنّها قد قيل لها: ارْجِعِي من حيثُ جئتِ، فتطْلُعُ من مَغْرِبها). ثم قرأ: {ذَلِكَ مُستَقَرٌّ لَهَا} يس: 38 في قراءة عبد الله. متفق عليه(1).
وفي رواية لمسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا: (أتدرون أَين تذهب هذه الشَّمس؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدةً. فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي. ارجعي من حيث جئتِ. فترجع، فتصبح من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرّ ساجدةً، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي. ارجعي من حيث جئتِ. فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا؛ حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك، تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي. أَصبحي من مَغْربكِ. فتصبح طالعةً من مغربها) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفعُ نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إِيمانها خيرًا)(2).
وفي رواية للبخاري عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأَبي ذرّ--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاريُّ في كتاب " التوحيد " باب " وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم " (9/ 124 - رقم [7424])، ومسلم في كتاب " الإيمان " باب " بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان " (1/ 139 - رقم [159]).
(2) صحيح مسلم كتاب " الإيمان " باب " بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان " (1/ 138 - رقم [159]).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 798)
حين غربت الشَّمس: (تَدْري أَين تذهب؟) قلتُ: الله ورسوله أَعلم. قال: (فإِنَّها تذهب حتى تسجدَ تحت العَرْشِ، فتستأذِنَ، فيؤذَن لها، ويُوشِك أَن تسْجدَ فلا يُقْبلُ منها، وتستأذن فلا يؤذُن لها؛ يقال لها: ارْجِعي من حيث جئتِ، فتطلعُ من … مَغْرِبِها، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} يس:38)(1) .--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في كتاب " بدء الخلق " باب " صفة الشَّمس والقمر " (4/ 108 - رقم [3199]) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 799)
المطلب الثاني: سوق المعارض العقلي على حديث: سجود الشَّمس تحت العرش
حاصل ما أورده الطاعنون أن الحديث مُنَاقِضٌ للضرورة الحسية من جهاتٍ:
الجهة الأولى: أن الشَّمس لها مسار تسير فيه فلا تغرب عن مكان إلا وتشرق على آخر فلا تغيب عن الأرض كما جاء في الحديث.
الجهة الثانية: أن الشَّمس لا عقل لها ولا إدْراك وعلى هذا فكيف تسجد سجود العاقل الواعي.
الجهة الثالثة: أَنَّ من البدهيات العلمية أَن الشَّمس مستقرة في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية لا تذهب لعرشٍ، ولا لمكان آخر، وشروقها ومغيبها حاصل بسبب دوران الأرض حول نفسها.
وفي تقرير الجهتين الأوليين، يقول محمد رشيد رضا -في سياق الحديث عن الروايات المخالفة للواقع -: (ومنه ما كان يتعذّر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع؛ كظاهر حديث أبي ذرٍّ عند الشيخين وغيرهما … فقد كان المتبادَر منه للمتقدمين أن الشَّمس تغيب عن الأرض كلّها، وينقطع نورها عنها مدة الليل؛ إذ تكون تحت العرش تنتظر الإذن لها بالطلوع ثانية = وقد صار من المعلوم القطعي لمئات الملايين من البشر أن الشَّمس لا تغيب عن الأرض في أثناء الليل، وإنما تغيب عن بعض الأقطار، وتطلع على غيرها؛ فنهارنا ليلٌ عند غيرنا، وليلنا نهار عندهم .. فنحن - بعد العلم القطعي الثابت في مثل هذه المسألة- لا مندوحة لنا عن أحد أمرين:
إما الطعن في سند الحديث، وإن صَحَّحوه؛ لأنّ رواية ما يخالف القطعي من علامات الوضع عند المحدثين أنفسهم …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 800)
وإما بتأويل الحديث بأنه مرويّ بالمعنى، وأن بعض رواته لم يفهم المراد منه فعبَّر عما فهمه؛ كعَدَم فهْم راوي هذا الحديث - الذي ذكرنا على سبيل المثال - المرادَ من قوله: (إن الشَّمس تكون ساجدة تحت العرش .. إلخ) = فعبّر عنه بما يدلّ على أنها تغيب عن الأرض كلّها. وقد يكون المراد من معنى سجودها: أنه من قبيل قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)} الرحمن. كما أن توقف طلوعها على إذن الله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} الأعراف: 58 وهو إذن التكوين لا التكليف .... »(1) .
ويقول سامر إسلامبولي: «من الواضح من قراءة النَّصِّ أنه تركيبة غير مُوفَّقة صدرت من جهة جاهلة؛ وذلك من عدة أوجه:
أولًا: من المعلوم أن الشَّمس لها نظام ومسار تدور وتسير بموجبه، فهي ما إن تغرب عن مكان إلا وتكون بالوقت نفسه تشرق على آخر. ولا تغيب عن الأرض أبدًا، ولا تخرج عن مسارها …
ثانيًا: إن الشَّمس من المخلوقات التي لا تملك عقلًا، ولا إرادة؛ وبالتالي فهي لا تسجد سجود العاقل الواعي، وهي غير مكلفة ومسؤولة حتى يُقبل منها السجود أو يُرفض)(2) .
وفي بيان الجهة الثَّالثة للشُّبهة الأَصل التي ارتكزوا عليها، يقول إسماعيل الكردي: ( .. فإنه من المعلوم لكل طالب دَرَسَ الجغرافيا أن الشَّمس مستقرة في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية؛ لا تذهب لعرشٍ، ولا لمكان آخر، ولا تأتي منه، وأن شروقها ومغيبها ليس بسبب حركتها هي؛ بل سببه دوران الأرض حول نَفْسِها، وأن هذا الشروق--------------------------------------------
(1) مجلة المنار (28 / ج 8/ 615 - 616) .
(2) " تحرير العقل من النقل " (254) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 801)
والمغيب مستمران على مدار الـ (24) ساعة. وفي كل لحظة تكون في حالة شروق بالنسبة لمكان في الأرض، وفي الوقت نفسه في حالة غروب بالنسبة للمكان المقابل من الأرض. وهذا أصبح في علوم اليوم من البدهيات؛ بل من المشاهدات بالمحسوس!)(1) .--------------------------------------------
(1) " نحو تفعيل قواعد نقد متون الحديث " (180) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 802)
المطلب الثالث: دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث سجود الشَّمس تحت العرش.
والإبانة عن فَسَادِ ما ادعوه من مناقضة الحديثِ للضرورة الحسِيَّة، يتأتَّى في مقامين، مجملٍ، ومفصَّل.
فأمَّا المقام المجمل: فدعوى مناقضة الحديث للضرورة الحِسيَّة: لا تُسلَّم إلا عند التحقُّق من تَضمّن الحديث النبوي لخَبَرٍ مُفصَّل عن واقع محسوس يناقض المستقر المشاهد ضرورة؛ بحيث ينتفي الجانب الغيبي في هذا الخبر. أمَّا إذا لم ينتفِ عن الخبر هذا الجانب = فالمناقضة منتفية؛ لكون الحسِّ لم يشهده كي تصحّ دعوى مخالفة الضرورة.
وأما المقام المفُصَّل: فبيانُه: أن الحديث تضمن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذهاب الشَّمس وسجودها تحت العرش. وهذا خبر عن ثلاثِ حقائق مُغيَّبة، ليس للعقل يقين بإدراكِ كنهِها؛ فضلًا عن نفيها. هذه الحقائق، هي: حقيقة العرش، وحقيقة حركة الشَّمس، وحقيقة سجود الشَّمس تحت العرش(1).
فالعرشُ له حقيقةٌ لا يعلمها إلا الله الرب تبارك وتعالى، والعقل لا يملك إلا تعقل معاني صفاته المخبَر عنها في الدلائل الشرعية. ومن تلك الأوصاف ما جاء في وصفه بأنه عظيم الخلق، والوزن، قال تعالى: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} التوبة: 129.
ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش--------------------------------------------
(1) انظر: " رفع اللبس عن حديث سجود الشَّمس " لعبد الله الشهري (3)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 803)
العظيم، لا إله الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم)(1) .
وعن ابن عباس عن جويرية} أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صَلَّى الصبح وهي في مَسْجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟)، قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرَّات لو وُزِنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خَلْقِه، ورِضا نفسه، وزنة عَرْشه، ومِداد كلماتِهِ)(2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فهذا يبين أَن زِنَةَ العرش أَثقل الأوزان)(3)
ومن صفته: أن له قوائمَ فعن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أَصحابك، فقال: (مَنْ؟) قال: رجل من الأنصار. قال: ادعوه. فقال: (أضربته؟) فقال: سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث! على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأخذتني غضبة فضربت وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تخيروا بين الأنبياء، فإن النَّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمةٍ من قوائم العرش؛ فلا أدري أكان صُعق أم حُوسب بصعقته الأولى)(4) .--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في: كتاب " التوحيد " باب " وكان عرشه على الماء " (1556 - = =رقم [7426]) ومسلم كتاب " الذكر والدعاء " باب:"دعاء الكرب" (4/ 2092 - رقم [2730]) واللفظ للبخاري.
(2) أخرجه مسلم في كتاب " الذكر والدعاء " باب "التسبيح أول النهار وعند النوم" (4/ 2090 رقم [2726]) .
(3) " مجموع الفتاوى " (6/ 553) .
(4) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب " الخصومات " باب " ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي " (476 - رقم [2412] ط/السلام)،ومسلم في كتاب " الفضائل " باب "مِن فضائل موسى عليه السلام " (4/ 1843 - رقم [2373]) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 804)
وهذا العرش العظيم كالقبة على العالم(1) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل: (إن عرشه على سماواته لهكذا) وقال بأصابعه مثل القبة(2) .
والمقصود: أن هذه الحقيقة مع إبانةِ الوحي عن بعض أوصافها؛ إلا أن يقين العقل في إدراك كُنهها منتفٍ. وكذلك ما يتعلق بحقيقة حركة الشَّمس؛ فإنَّ العقل البشري إلى يومنا هذا يعجز عن الإحاطة بهذه الحركة؛ لأن هذا يتطلب الانبتات عن هذه المجموعة الشَّمسية والتمركز خارجها للوقوف على حقيقة هذه الحركة؛ وهذا ممتنع(3) .
وبناءً على جهلنا بهاتين الحقيقتين؛ فإن مُحصّل ذلك =الجَهلُ بحقيقة سجود الشَّمس تحت العرش. وانتفاء هذا اليقين عن الإحاطة بتلك الحقائق لا ينفي وجودها؛ فإنَّ ما كان ثابتًا في نفسه لا ينفيه جهل الجاهلين به؛ وعليه فطعن الطاعن بأن الشَّمس لا تغرب عن مكان إلا وتشرق على آخر؛ فلا تغيب عن الأرض … الخ لا يغير من تلك الحقائق شيئًا؛ لأنَّ صاحبه أسَّسَه على غَلطٍ في إدراك مرامي النَّص.
فظن أولًا: أن مَعْنى الغروب المذكور في الحديث هو: الغياب المطلق عن أهل الأرض جميعًا؛ ليتم السجود المنصوص عليه في الحديث. ومما يبين لك ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مُفسرًا هذا الغروب بالذهاب فقال: (أتدري أين تذهب؟) والذهاب المقصود به هنا: حركتها؛ بحيث تغيب عن رأي العين، فهو غياب نسبي لا مطلق. لذا--------------------------------------------
(1) انظر: " البداية والنهاية " (1/ 20) .
(2) أخرجه أبو داود في " السنن "كتاب"السنة" باب في الجهمية (4/ 63 - رقم [4726]) وقد انتصر لتصحيح هذا الحديث الإمام ابن تيمية رحمه الله =انظر:"بيان تلبيس الجهمية" (3/ 254 - 255) .
(3) انظر: " رفع اللبس " (6) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 805)
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: (فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مذ أَخبر أنَّها تسجد كل ليلة تحت العرش، فقد عُلم اختلاف حالها بالليل والنّهار؛ مع كون سيرها في فلكها من جِنْس واحد، وأن كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه، وإنما ذلك اختلاف بالنسبة والإضافة = عُلِم أنَّ تنوع النِسَبِ والإضافات لا يقدح فيما هو ثابتٌ في نفسه لا مختلف)(1) .
وقال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله: (فلم يلزم مما في الرّواية الثَّالثة من الزيادة -يعني: رواية إبراهيم التميمي (حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدةً) = غيبوبة الشَّمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة كل يوم بذلك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه)(2) .
فغروب الشَّمس المذكور في الحديث هو: سيرها، وجريانها الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وإلا؛ فليس للشمس مغرب حقيقي ثابت. قال ابن عاشور رحمه الله: (والمراد بـ "مَغْرب الشَّمس" =مكان مغرب الشَّمس من حيث يَلُوحُ الغروب من جهات المعمور … وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه؛ بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحِرة؛ إذ ليس للشمس مَغْربٌ حقيقي إلا فيما يَلوح للتخيُّل)(3) .
وتعليق الجريان بحصول انتهائها إلى مُسْتقرِّها، ليس المراد منه - والله أعلم - توقف سيرها المعتاد تَوقّفًا مَلْحوظًا، وإِنما هو بيان (عن انتهائها إلى أن تُسامِتَ جزءًا من العرش معلومًا؛ بحيث تخضع عنده وتذلّ، وهو المُعبَّر عنه بسجودها، وتستأذن في سيرها المعتاد من ذلك المحل متوقعة ألا يؤذن لها في ذلك .. )(4) .
وقد يعترض معترضٌ بأنَّه إذا كان العرشُ كالقبة على هذا العالم؛--------------------------------------------
(1) " بيان تلبيس الجهمية " (4/ 54) .
(2) "الأنوار الكاشفة" للمُعلِّمي (295) .
(3) " التحرير والتنوير " (8/ 25) .
(4) " المفهم " للقرطبي (7/ 344) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 806)
فإن لازم ذلك أن تكون الشَّمس في جميع أَحوالها ساجدة، فيبطل بذلك مدلول "حتى" المفيدة للغاية.
والجواب عن ذلك يقال: كون الشَّمس تحت العرش في جميع أحوالها لا يلزم من ذلك حصول السجود المذكور في الحديث في كل وقت، وإنما يتحقق السجود عند مسامتتها لجزء معين من العرش لا نعلمه.
وعلى هذا؛ فلا تناقض بين ما قرّر في الدلائل بأن العرش كالقبة على هذا العالم، وبين الثابت في هذا الحديث.
وليس في حصول السجود منها والاستئذان من ربِّها ما يعيق دورانها وحركتها. قال الإمام الخطابي رحمه الله: (يحتمل أن يكون المُراد باستقرارها تحت العرش أَنها تستقر تحته استقرارًا لا نحيط به نحن … وليس في سجودها كل ليلةٍ تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها) .(1) . وَهذا السجود والاستئذان واقع في جُزْءٍ من الوقت - لا يعلمه إلا الله -؛ لا يلزم منه - كما سبق - حصول توقفٍ في سيرها يستنكره الناس؛ كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا)
وأمَّا الشبهة الثانية، وهي دعوى المعترض: أن الشَّمس لا عقل لها، ولا إدراك. فكيف تسجد سجود العاقل .. إلخ.
فالجواب عنها: بأن يقال:
ليس هناك ما يمنع - لا نقلًا ولا عقلًا - أن يكون للشمس إدراكٌ يناسب حالها؛ ليتحصّل به السجود والاستئذان. فالسجود والاستئذان الواقع من الشَّمس هو سجود حقيقي كما هو ظاهر الحديث، وليس--------------------------------------------
(1) نقله عنه الحافظ ابن حجر في"فتح الباري " (8/ 688 - ط/دار السلام) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 807)
سجودًا مجازيًا بمعنى مجرد الانقياد كما ذهب إليه بعضهم(1)؛ فإن القول بالمجاز خلاف الأصل الظاهر، ولا يصح المصير إليه مع إمكان الحقيقة. والعدول عن الحقيقة إلى المجاز لأجل القرينة العقلية، وهي امتناع السجود ممن لا إدراك له = فاسد لأمرين:
الأمر الأوَّل: أن ذلك يمكن أن يصح لو أقام النَّافي للحقيقة البرهان على امتناع حصول الإدراك للشمس مطلقًا، أو حال سجودها واستئذانها؛ ولا دليل = فالمنع باطل إذًا.
والأمر الثاني: أن الشرط في القرينة الصارفة للحقيقة = أن تكون متقررة عند مَنْ وُجِّه الخطاب إليه؛ بحيث لا يَسْتريب السامع من بطلان ظاهر الكلام(2). أما إذا تحقق أن يكون الكلام على حقيقته وظاهره؛ لكونه خبرًا من المعصوم الذي يخبر عمن يعلم ما لا نعلم، ويقدر على ما لا نقدر، وسجود الشَّمس حقيقة واستئذانها؛ مما يدخل في مقدوره جل وعلا بلا رَيْبَ = فلا يَصحُّ التشبث بالقرينة المدّعاة التي تصرف الحديث عن ظاهره.
وإذا اعتبرتَ الدَّلائل الأولى تبيَّن لك أنّ لهذه الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء إدراكًا يناسب حالها؛ فإن الله عز وجل حين ذكر أصناف الحجارة قال: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} البقرة: 74 ولما ذكر الطير قال: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} النور: 41.
قال الإمام البغوي في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} البقرة: 74: (فإن قيل: الحجر لا يَفْهمُ، فكيف يخشى؟ قيل: الله يُفهمها، ويُلهمها؛ فتخشى بإلهامه. ومذهب أهل السنة: أن لله علمًا في--------------------------------------------
(1) انظر: " دفاع عن السُّنَّة " للدكتور محمد أبو شهبة (94).
(2) انظر: " ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان" لا بن الوزير (335).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 808)
الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية؛ كما قال جل ذكره: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} الإسراء: 44 … فيجب على المرء الإيمان به، ويَكِلُ علمَه إلى الله تعالى)(1) .
وما يقال في التَّسبيحِ والخَشْيةِ، يقال في السجود؛ فإنَّ مَن فسَّره بأنه سجود مجازي يراد به الافتقار الدائم للرَّب تبارك وتعالى، ونفوذ مشيئته فيها. وقَصَر تفسيره على هذا المعنى = فإن هذا التفسير باطل؛ فإنَّ هذا الوصف لا تنفكُّ عنه هذه الكائنات، بل هي في جميع حالاتها ملازمة للافتقار، منفعلة لمشيئة الرَّب وقدرته.
والدَّلائلُ السَّابِقَةُ تدلُّ على أَنَّ السجود فِعل لهذه المخلوقات - بما فيها الشَّمس - لا أنه اتصال؛ وإلا لما قسّم السجود إلى طَوع وكَره. فلو كانت لا فعل لها لما وُصفت لا بطوع منها، ولا كره(2) .
وسجود الشَّمس وغيرها من المخلوقات لا يلزم منه أن يكون بوضع رأسها على الأرض؛ بل هو خضوع للربِّ يُناسب حالها(3) .
فإن قيل: إنَّ ظاهر الأَدلَّة أن الشَّمس لا تختص بهذا السجود بل يشركها في ذلك بقية الكائنات؛ وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} الرعد: 15.
وقوله جل وعلا: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)} النحل: 49. فتخصيصها في الحديث بذلك يدلّ على أن سجودها هذا يمتاز عن سجود بقية المخلوقات. وقد يفهم منه أيضًا: انتفاء خضوعها إلا في حالة سجودها تحت العرش.--------------------------------------------
(1) " معالم التنزيل " (43) .
(2) انظر: " رسالة في قنوت الأشياء كلها لله " (1/ 34 - 44 - ضمن جامع الرسائل) .
(3) المصدر السابق (1/ 45) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 809)
فيقال: قد تقرر أن لهذه المخلوقات سجودًا خاصًا يناسب حالها، وهو فِعْلٌ لها يقع منها في بعض الأحوال، مع دوام افتقارها وخضوعها للربِّ تبارك وتعالى؛ لنفوذ مشيئته فيها. وسجود الشَّمس تحت العرش هو سجود مخصوص يناسبها، وهذا السجود لا يلزم منه سلب الخضوع والافتقار الدائم الذي تشترك فيه مع بقية الخلق؛ فلكل شيء سجود يختص به يفارق غيره من المخلوقات، وسجود يشترك فيه مع غيره.
وأما الشبهة الثالثة: وهي دعوى إسماعيل الكردي: أن من البَدَهيَّات المستقرة والمشاهدة: أن الشَّمس مستقرة في مكانها؛ لا تذهب لعرش، ولا مكان آخر … الخ
والجواب: القول إذا تناهى في الفَسَاد عَسُرَ التكلّف في بيان وَجهِ بطلانِه. والذي يُطَالب به في هذا المقام: تصحيح مقدمتيه التي بنى عليهما بطلان الحديث؛ وذلك بالكَشْف عن وجه البداهة المستقرة في كون الشَّمس ثابتة لا متحركة؛ كون ذلك مما يشهده الحِسّ. ودون الكشف عن ذلك خرط القتاد.
ودعواه: بدهيَّة مركزية الشَّمس وثباتها = وَهْمٌ أوقعه فيه أُنْسُه بكثرة القائلين بهذه النظرية. ألا فإن هذه النظرية لم تصل إلى رتبة القطعيات المسلم بها؛ باعتراف الفلكيين أنْفُسِهم. يقول الإيطالي فابريتسيو بونولي(1): (بالرغم من كلِّ ما تم الكشف عنه في حقل البحوث العلمية؛ فإن الحوارات والمناقشات التي تناولت كلا النظريتين " مركزية الأرض، ومركزية الشَّمس " = قد شغلت فترة طويلة من الزمن، كما أن الصِّراع--------------------------------------------
(1) فابريتسيو بونولي: أستاذ تاريخ العلوم الفلكية في جامعة بولونيا - إيطاليا يشغل منصب مدير متحف الإسببكولا، ومنصب نائب رئيس المجمع الفلكي الإيطالي، ورئيس تحرير مجلة العلوم الفلكية الصادرة باللغة الإيطالية. اهتم بدراسة الفيزياء الفلكية = مختصر تاريخ الفلك (79) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 810)
القائم بين النظامين لم يكن وليد أسباب سياسية ودينية فقط؛ بل كان في المقام الأوَّل منحصرًا في صعوبة إثبات تفوّق أَحد النظامين على الآخر، وخاصة تفوق النظام الجديد على ذلك النظام الذي ظل مسيطرًا لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، والذي اعتمد في صياغة التوقعات، إضافةً إلى أن النظام الجديد لم يتمكن بَعْدُ من إزاحة النظرية الفيزيائية القديمة التي اعتمدها النظام الأول. وحتى الفلكي المعروف " تيكوبرينج " الذي اهتم بشكل خاص بدراسة الآلات والوسائط الفلكية لدى القدماء .. فضّل هو الآخر أن يختار طريقًا وسطًا بين النظامين أكثر تطابقًا والواقع العلمي للبحوث. لذلك بقيت الأرض تحتل مركز الكون ثابتة دون حركةٍ؛ بينما تقوم الشَّمس بالدوران حولها)(1) .
وبرز الآن تيار من العلماء يُعرفون بـ " علماء النموذج الأرضي المتأخرين " يقولون بالنموذج الأرضي الذي يُثبتون فيه بأدلتهم أن الأرض ثابتة، والشَّمس متحركة(2) .
وأما دعوى أن الحِسّ يشهد لدوران الشَّمس = فحَسْبُ القارئ العاقل الحُكم عليها!
فإنه لا يُعلم أنّ عالمًا فلكيَّا معتبرًا ممن يقول بصحة النموذج الشَّمسي = قال إنَّ دليل صحة ما ذهب إليه = هو الحس والمشاهدة.
وحسب المؤمن يقينًا في زَخَمِ اختلاف البشر وتناقض أقوالهم = ما ذكره خالق الحقيقة في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن العليم - جل وعلا - في كتابه قد أسند إلى الشَّمس ما هو أبلغ من الحركة؛ كالجري، والتسبيح؛ فقال تبارك وتعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ--------------------------------------------
(1) مختصر تاريخ الفلك. فابريتسيو (93 - ضمن قراءة في سطوح السماء لمجموعة من الباحثين الإيطاليين) .
(2) انظر: " رفع اللبس " (4) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 811)