Arabic source text

📘 দফউ দাওয়াল মুআরিদিল আকলি আনিল আহাদীছিল মুতাআল্লিকতি বি মাসায়িলিল ইতিকাদ (ঈসা আল-নামি)

📘 دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد (عيسى النعمي)

📘 দফউ দাওয়াল মুআরিদিল আকলি আনিল আহাদীছিল মুতাআল্লিকতি বি মাসায়িলিল ইতিকাদ (ঈসা আল-নামি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
- وذهب طائفة من المعتزلة والأَشاعرة إلى أَنَّ الرُّؤيا خيالات باطلة(1) .
-وممن شكَّكَ من المعاصرين في صِحَّة أحاديث هذا الباب= الدُّكتور علي الوردي حيث قال: (تُروى عن النبيِّ محمد أَحاديث عديدة في الأحلام، وكُلُّها تُشيرُ إلى أنَّ الرُّؤيا الصادقة وحيٌ من الله … ونحنُ لا نعلمُ على وجه اليقين مدى صحة هذه الأحاديث المروية عن النبي، فَمِن الممكن أن تكون مكذوبة عليه. وقد أكثر نقلة الحديث من الكذب على رسول الله كما هو معروف =ومهما يكن فقد شاعت تلك الأحاديثُ بين المُسلمين، وأَصبحت عند كثيرٍ منهم مُقدَّسةً لايجوزُ الشَّكُّ فيها. وذهب بعضهم من جرَّاء ذلك إلى أنَّ الاعتقاد بأنَّ الذي يكفرُ بالرُّؤيا يكفرُ بالنُّبوَّةِ؛ إذ أنَّ الرُّؤيا والنُّبوّة ينبعان في نظرهم من منبعٍ واحد)(2) وذهب بعض علماء النَّفْس إلى أن الرُّؤيا خيالات ورموز تُركّب في نفس الحالم. مَردُّ هذه الخيالات إلى مثيرات؛ إمّا عضوية داخلية من داخل النفس الإنسانية، كأن يحلم المصاب بعسر الهضم -مثلًا- بِعَدُوٍّ يأخذ بخناقه = أو مثيرات خارجية؛ كتأثير أشعة الشَّمس الساقطة على عيني النائم في رؤيته لحريق يحدث له = أو إثارة الرغبات التي يُمْنَع من ممارستها أثناء اليقظة.
ومن أنصار هذا المذهب: الدكتور فاخر عاقل؛ حيث قرر ذلك بقوله: (إذا نام الإنسان هبطت فعالية دماغه إلى مستوى واطٍ. وقد تتوقف تمامًا خلال النوم العميق جدًّا … والأحلام تشبه التخيل والإبداع في أنها عناصر ذكريات جمعها الحالم من هنا وهناك، ثمّ ركّبها بعضها مع بعض، وأنشأ منها حوادث لم تمرّ به قط. وكثيرًا ما تكون غريبةً، أو--------------------------------------------
(1) انظر: "شرح المواقف" للجرجاني (2/ 145) .
(2) "الأحلام بين العلم والعقيدة" للوردي (37 - 38) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 771)

مستحيلةً .. ثمَّ إن النفس النائمة ينقطع الاتصال بينها وبين العالم الخارجي، أو على الأقل يخفّ الاتصال بينها وبين العالم الخارجي إلى حد كبير أثناء النوم. وبسبب انقطاع هذا الاتصال - أو خِفّته على الأقل- فتأخذ الرسائل الواردة عن عضويتها ومن حياتنا الداخلية أهمية أكبر. ولذلك فقد تعبر النفس عن الرسائل الواردة من أَجهزتها الهضمية، أو التنفسيّة، أَو الدَّمويَّة، أو شعورنا بشكل أحلام .. ويمكننا أن نحصر أسباب أحلامنا في ثلاثة:
1 - المثيرات الخارجية.
2 - المثيرات العضوية الداخلية.
رغباتنا التي لم ترضها حياة اليقظة .. )(1)
ويعلل المذكور التنبؤ بالمستقبل من خلال الحلم بقوله: (لا غرابة في أنْ ينبئ الحلم عما قد يحدث في المستقبل. ونجد تحليل ذلك فيما شرحناه سابقًا عن الرسائل التي تصل النفس من العضوية واللاشعور … وقد يقفز الحالم أو مَنْ حوله إلى استنتاجات يوصلون بها أنفسهم إلى مرتبة الولاية، أو النبوة)(2) .
ويقول الدكتور رشاد علي عبد العزيز موسى مبينًا حقيقة الأحلام: (الحلم شكل فريد من السلوك. وهو يحدث بطريقة غير إرادية، وبدون تعمُّد. والحلم لا يظهر في صورة واضحة ذات معنى دائمًا؛ بل يظهر في صور خيالات هلوسية، يغلب عليها الطابع البصري، تشابه الصور الحقيقية في واقع الحياة إلى حدٍّ كبير)(3) .
والأصل الذي تتمركز حوله مقولات علماء النفس المعاصرين في الأحلام هو = نظرية التحليل النَّفْسي التي ولّدَها "سيجموند فرويد". فالأحلام هي قطب--------------------------------------------
(1) "اعرف نفسك - دراسات سيكولوجية" (220 - 222) .
(2) المصدر السابق (224) .
(3) "سيكولوجية الأحلام" (11) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 772)

رَحَى هذه النظرية(1) . ويُقرُّ "فرويد" بتنوع بواعثها وميراثها؛ إلا أنه يجعل الباعثَ المهيمن لها هو الرغبات الجنسية المكبوتة، والبحث عن اللّذة؛ التي أطلق عليها اسم "اللبيدو"(2) .
فهذه الرغبات هي التي تغذّي الأحلام وتفسرها. ويُعلَّل حصول ذلك بانفلات هذه الرغبات المكبوتة في "اللاشعور" من رقابة "الشعور"، فتتبدّى للنائم في حلمه على هيئة رموز ذات مدلول جنسي؛ لها معنى ظاهر، ومعنى كامن؛ هو في حقيقته المعبر عن اللاشعور الذي يقوم بتوجيه سلوك الفرد اليومي. هذا المعنى الكامن لا يتوصل إلى كُنْه الحالِم، وإنما الطبيب المفسر الذي يُخضِع هذه الرموز لأدواته.
فنشوء الأحلام عند أتباع مدرسة التحليل النفسي يعتمد على مثيراتٍ مادية، يختلف أصحابه في أعظمها أثرًا في تكوين الأحلام. واختزال تفسير الأحلام في هذا الأنموذج، يقضي على الجانب الغيبي المدلول عليه بالشرع؛ كما هو مبين.
وأما الفريق الذي مَنَح الرُّؤيا بُعدًا غيبيًا لم يرد به النص = فيمثله: الراغب الأصفهاني وابن خلدون، اللذان أرجعا حدوث الرُّؤيا إلى فعل النفس الناطقة. وفي تقرير ذلك يقول الراغب الأصفهاني: (والرُّؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم تكن لها حقيقة لم تكن لإيجاد هذه القوة في الإنسان فائدة. والله يتعالى عن الباطل)(3) .
ويقول ابن خلدون(4): (وأما الرُّؤيا فحقيقتها: مطالعة النفس الناطقة--------------------------------------------
(1) انظر: "طريقة التحليل النفسي والعقيدة الفرويدية" لرولان دالبييز (37) .
(2) انظر: "الأحلام" لفرويد (138)، و "طريقة التحليل النفسي والعقيدة الفرويدية" (604) .
(3) "الذريعة إلى مكارم الشريعة" (146) .
(4) ابن خلدون (732 هـ-807 هـ): هو ولي الدين، أبو زيد، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، الإشبيلي أصلًا، التونسي مولدًا. حافظ، متبحر في سائر العلوم. ولي القضاء بالقاهرة وحَلب. يُعدّ من أئمة علم التاريخ والاجتماع. من مؤلفاته: "العبر" و"التعريف". انظر: "شجرة النور الزكية" (1/ 227 - 228) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 773)

لذاتها الروحانية لمحة من صورة الواقعات، فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها. وتصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية والمدارك البدنية، وقد يقع لها ذلك لمحةً بسبب النوم كما نذكر، فنقتبس بها علم ما تتشوّف إليه من الأمور المستقبليّة، وتعود بها إلى مداركها. فإنْ كان الاقتباس ضعيفًا وغير جليٍّ بالمحاكاة والمثال في الخيال لِتخلُّطِهِ؛ فيحتاج من هذه المحاكاة إلى التعبير. وقد يكون الاقتباس قويًا يُستغنى فيه عن المحاكاة؛ فلا يحتاج إلى تعبيرٍ لخلوصه من المثال والخيال .. )(1) .
والمراد بالنفس الناطقة في كلام الراغب الأصفهاني وابن خلدون = النفس الإنسانية(2) .
وممن فَسَّر الرُّؤيا تفسيرًا غيبيًا فيه مادة تناقض النصوص الشرعية = المازري رحمه الله؛ حيث فسر الرُّؤيا تفسيرًا ألغى فيه قانون السببية، اتساقًا مع المذهب الأشعري؛ الذي ينكر تأثير الأسباب في مسبباتها. وفي ذلك يقول: (والصحيحُ ما عليه أهل السنة: أنّ الله تعالى يخلق في النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها جعلها عَلَمًا على أمور أخرى خلقها، أو يخلقها في ثاني الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، وقد يختلف. وتلك اعتقادات تقع تارةً بحضرة المَلَك، فيقع بعدَها ما يسرّه، وتارةً بحضرة الشّيطان فيقع بعدها ما يضرّه. والعلم عند الله)(3) .--------------------------------------------
(1) "المقدمة" (1/ 420) .
(2) انظر: "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي (3/ 1398) .
(3) "المُعْلِم" (3/ 115 - 116) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 774)

وقد غلا "صالح قُبَّة" من المعتزلة(1) في الرُّؤيا، فجعل ما يراه النائم في نومه صحيحًا؛ كما أنّ ما يراه الشيطانُ صحيحًا. فإذا رأى في بغداد أنه في إفريقيا، فقد اخترعه الله، وجعله في ذلك الوقت في إفريقيا(2) .
وسيأتي بيانُ ما في هذه المقالات من أوجه الغلط، بعد بيان المُعارض العقلي الذي أورده من أنكر حقيقة الرُّؤيا.--------------------------------------------
(1) صالح قبة: من الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، من تلاميذ النظام، له كُتب كثيرة، وخالف جمهور المعتزلة في مسائل، سُمي بـ"قُبَّة" لأنه قيل له: ما تنكر أن تكون في هذا الوقت بمكة جالسًا في قبة قد ضُربت عليك، وأنت لا تعلم ذلك لأن الله لم يخلق فيك العلم به هذا وأنت صحيح سليم غير مؤف؟ قال لا أنكر =فلُقِّب بـ"قبة"=انظر "طبقات المعتزلة"لابن المرتضى (73)،و"المقالات" (407) .
(2) انظر: مقالات الإسلاميين (432) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 775)

‌‌المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الرُّؤيا:
ذهب طائفة من المتكلمين من المعتزلة وبعض الأشاعرة إلى أن الرُّؤيا خيالات باطلة؛ فأما المعتزلة فمستندهم في إنكار صحة الرُّؤيا = فَقْدُ شرائط الإدراك حال النوم. ويَعْنُون بهذه الشَّرائط: المقابلة، وانبعاث الشعاع، وتوسّط الهواء الشفاف .. إلى شرائط أُخَر عدّوها شرطًا لحصول الإدراك.
وأَمَّا من نَّفَاها من الأَشاعرة وغيرهم فمستندهم في نفي صحة الرُّؤيا = أمران:
الأول: دعوى الضرورة القاضية باستحالة اجتماع الضدين، ذلك أن الإدراك ضد النوم فلا يجامعه.
الثاني: أن حصول الإدراك أثناء النوم خلاف العادة التي أجراها الله.
وفي تقرير هذين المذهبين يقول صاحب المواقف: (أمّا الرُّؤيا فخيال باطل عند المتكلمين؛ أمّا عند المعتزلة؛ فَلِفَقْدِ شرائط الإدراك؛ من المقابلة، وانبثاث الشعاع، وتوسّط الهواء، والبنية المخصوصة. وأما عند الأصحاب إذا لم يشترطوا شيئًا من ذلك؛ فلأَنَّه خلاف العادة؛ ولأَنَّ النَّومَ ضدُ الإِدراك، فلا يجامعه، فلا تكون الرُّؤيا إدراكًا حقيقيًا؛ بل من قَبيل الخيال الباطل)(1).--------------------------------------------
(1) "المواقف" (2/ 145 - مع شرحها للجرجاني).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 776)

‌‌المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الرُّؤيا:
ما ذهب إليه جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة = لا يصح؛ من جهتين:
الأولى: مناقضته للضرورة النقلية:
فقد تقدم أنّ برهان القول بصحة الرُّؤيا دلالةُ الكتاب والسُّنَّة، والإجماع عليها، والمقصود هنا بالرُّؤيا الصالحة -بلا ريب -؛ أي: الرُّؤيا بالعُرف الشَّرعي، لا الإطلاق الُّلغوي =بل إنَّ اتفاق العقلاء في كل ملّةٍ على صحّة الرُّؤيا، فليس هذا مخصوصًا بأهل الإسلام(1).
الثانية: مناقضة قولهم للضرورة العقلية الحسّيَّة.
فإن المشاهدة أوضح برهان على صدق الرُّؤيا لتحققها وحصولها، وخَطَلِ قول النافين، وبُعْدِهم عن الصواب.
قال القاضي ابن العربي رحمه الله: (وربَّما ظَنَّ الجاهلُ أَنَّ حالةَ النَّوم حالةُ تخيُّلٍ = وهذا جهل عظيم .. والمشاهَدةُ تدفع قَوْلَه؛ فإِنَّ المرء يرى الرُّؤيا نائمًا، ويرى تفسيرها يقظةً. وهذا ما يدركه التقيُّ. وتتأتَّى من الكافر كما تتأتَّى من المؤمن)(2).
الجهة الثالثة: أَنَّه ليس مع المُنْكِر إلَّا النَّفي المَحْض.
والنَّفي ليس بعلمٍ -كما تقدم مرارًا-. فكيف إذا قام برهان المشاهدة على نقيضه؟! ثم إن منشأ الغلط عند هؤلاء النافين: أَنَّهم تَطلّبوا كُنْهَ إدراكِ النفس للرؤيا؛ وهذا لا يتأتّى؛ لأنّه (إذا كانت النفس قد--------------------------------------------
(1) انظر "قانون التأويل" لابن العربي (140).
(2) المصدر السابق (139).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 777)

غُيِّب عنا علم حقيقتها، فبالأحْرَوِيّةِ ألاّ نعلم ما غُيّب عنا من إدراكاتها)(1) .
ثم إنَّ دعوى المعتزلة بانتفاء الإدراك لانتفاء شرطه = مُسلَّمٌ؛ متى كان ما اشترطوه يُعدّ شَرْطًا حقيقيًا لحصول الإدراك، أَمَّا إذا لم يكن كذلك، فدعوى لزوم توفر هذه الشروط = دعوى تفتقر إلى برهان يصدقها.
وزيادة في البيان: فإنَّ ما اشترطه المعتزلة من شروط لتحقق الإدراك لا يصلح كثير منها لتحقق الإدراك في حال اليقظة؛ فَضْلًا عن حَالِ النَّوم. فاشتراط المقابلة -مثلًا- ليس شرطًا لا يتحصل الإدراك مطلقًا إلا به، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تستبقوني بالركوع، ولا بالسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يديّ)(2) .
وكذلك ما اشترطوه من انبعاث الشعاع؛ فإنَّ هذا الشَّرْطَ مَبنيٌ في الأَصْلِ على اعتقادهم أَنَّ العين هي التي تبعث أَشعَّتها على المرئي، فيتحقق الإدراك. وهذا بحسب ما بلغت إليه معارفهم. والعلم الحديث يبرهن على خلاف ذلك؛ فالعين جهازٌ بصري، ليس مصدرًا لانبعاث الشعاع، وإنما مُسْتقبِلٌ للإثارة المضيئة(3) . هذا إذا سُلّم لهم بأَنَّ الإدراك المُتَحَقِّق في الرُّؤيا لا سبيل إليه إلا بالعين الباصرة -وسيأتي بيان ذلك-.
وأما ما ذكره بعض الأشاعرة من امتناع الرُّؤيا بدعوى أَنَّ النَّوم والإِدراك لا يجتمعان، فيقال:--------------------------------------------
(1) "المفهم" (6/ 6) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب "الأذان" باب "إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف" (144 - رقم [718]) ومسلم كتاب "الصلاة"، باب "تحريم سبق الإمام بركوع وسجود أو نحوهما" (1/ 320 - رقم [426]) .
(3) انظر: "موسوعة الشباب" (247 - العدد (8)) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 778)

إِنَّ النَّوم وإنْ تسلَّط على الجوارح فأصابها بالرُّكود؛ فلا يلزم من ذلك أن يسري أثره إلى القلب والروح. فيتحصّل حينئذٍ الإدراك بجزءٍ لم يحلّه النوم، فيبطل بذلك دعوى مخالفة الضرورة.
وفي تقرير ذلك يقول ابن العربي رحمه الله: (خلق الله العبد حيًّا، دَرَّاكًا، مُفكّرًا، قادرًا في أحسن تقويم، ثم رَدّه أسفل سافلين، ثم سَلَّط عليه السّهو والغفلة؛ ليتبين قصور هذه الفضائل التي فيه، حتى لا يقول: أنا، أنا. وسلّط عليه النوم؛ وهذه آفة تُدْرِكُ الحواسَّ، وركودٌ يقوم بالجوارح؛ لا يلحق القلب، ولا الروح، ولا النفس منها شيءٌ. ولذلك؛ فإن الرُّؤيا حقيقةٌ، وعلمٌ صحيحٌ)(1) .
ويقول أبو العباس القرطبي رحمه الله: (إنْ قِيل: كيف يقال: إن الرُّؤيا إدْراكٌ مع أنّ النوم ضد الإدراك؛ فإنه من الأضداد العامة، كالموت، فلا يجتمع معه إدراكٌ؟
فالجواب: إن الجزء المُدْرَك من النائم لم يحلّه النوم، فلم يجتمع معه، فقد تكون العين نائمةً، والقلبُ يقظانَ)(2) .
ومما يبرهن على ذلك قول النَّبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي)(3)(4) والمقصود بيان عدم مناقضة ما دلَّت عليه أحاديث الرُّؤيا لبرهان العقل.
وأَمَّا دعوى أَنَّ عادة الله لم تَجْرِ بحصول الإدراك في المنام = فمُكابرة تنقضها المشاهدة.--------------------------------------------
(1) "المسَالك في شرح موطأ مالك" (1/ 427) .
(2) "المفهم" (6/ 8) .
(3) أخرجه البخاري كتاب "صلاة التراويح" باب "فضل من قام رمضان" (396 - رقم [2013]) ومسلم كتاب "صلاة المسافرين وقصرها" باب "صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم " (1/ 509 - رقم [738]) .
(4) "المفهم" (6/ 8) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 779)

وبعد الفراغ من بيان أوجه الفساد في المعارضات العقلية المدّعاة على أحاديث الرُّؤيا؛ يتصدى النظر لإجمال القول في بطلان مسالك الخارجين عن الجادّة في حقيقة الرُّؤيا. فإنّ ما ذهب إليه القائلون بأنّ الرُّؤيا مجرد خواطر، أو أثر من فعل الطبائع، أو الأخلاط، أو حاصل بعض المثيرات الخارجية، أو العضوية الداخلية = فإنّ هذا -إنْ صَحَّ- في بعض ما يراه النائم، لا يقتضي ذلك نفْي أن تكون بعض الرؤى من الله؛ بِأَنْ يُطْلِعَ اللهُ النائم على بعض الغيب والأمور المستقبلية = وأن يكون بعضُها حُكمًا من تلاعب الشيطان بالنائم. فإن ذلك متحقق كما سبق.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: (من أراد فهْم أنَّ الرُّؤيا لا تكون إلا عن أَخلاط = فهو باطل؛ بما ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث: أن الرُّؤيا منها ما يكون من الله؛ وهي المُبشرة والمُحذِّرة .. وليس في قوَّةِ الطبيعة أن تُطْلِع على الغيب بالإخبار عن أمورٍ مستقبلةٍ تقعُ في المستقبل؛ على نحو ما اقتضته الرُّؤيا بالاتفاق بين العقلاء. ومن أراد فهم: أن الأخلاط قد تكون سببًا لبعض المنامات = فقد يُسلّم ذلك على ما قررناه. ثم يبقى نظرٌ آخر، وهو: أنه لو كان ما رتبوه صحيحًا للزم عليه ألاّ يرى من غلب خِلْطٌ من تلك الأخلاط إلا ما يناسبه، ونحن نشاهد خلافه، فيرى البلغمي النيران، والصعود في الارتفاعات. وعكس ذلك الصفرواي = فبطل ما قالوه بالمُشاهدةِ. والله وليّ المعاضدة)(1) .
يبقى نظر ثالث يضاف إلى ما ذكره القرطبي رحمه الله؛وهو: أن قضية الأخلاط وما ينشأ عنها حسبما تقرر في الطب القديم؛ إنما كانت بحسب--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (6/ 19)، وانظر "الروح" لابن القيم (44)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 780)

ما بلغته معارفهم، فيبقى تصحيح وجودها مُرْتَهَنًا بما توصّل إليه الطب الحديث. وهو أمرٌ يحتاج إلى مزيد فَحص.
ثم إن ما ارتآه "فرويد" في تعليل نشوء الأَحلام = غير سديد؛ إذ عَدّ الدور الأكبر في نشوئها للرغبات الجنسية المكبوتة. وهذا ما لم يبرهن عليه أولًا.
ثانيًا: أن المشاهدة تخالف ذلك؛ إذ ليس كلّ الأحلام تدلّ بالضرورة على الرغبات الجنسية.
ثالثًا: أَن فرويد يُقِرّ أنّ من مثيرات الأَحلام ما هو ناشئ عن مصدر عضوي؛ كعسر الهضم مثلًا. وهذا ممّا يدلّ على عدم تماسُك تفسيره.
رابعًا: أنه لم ينكر أنّ من الأحلام ما ينشأ عن الشعور ذاته، ومِنْ ثَمّ لا علاقة له باللاشعور. وهذا أيضًا مما يوهن نظريته. لكن الإشكال يكمن في تمييز إمكانية النابع من كليهما(1) .
أما ما ذهب إليه الراغب الأَصفهاني وابن خلدون - رحمهما الله - من نسبة حدوث الرُّؤيا إلى فعل النّفْسِ الناطقة = فقول يفتقر إلى توقيف من الشارع. والسلامة في ترك الخوض فيما غُيِّبَت عنّا أسبابه.
وأما المازري فقد قَصَرَ نُبوع الرُّؤيا على خلق الله تعالى دون توسط أسباب في ذلك، وعلى قوله هذا تكون الرُّؤيا المُحزنة من الله أيضًا، وهذا ما تنفيه الأدلة؛ حيث أَضافت ذلك إلى الشيطان. والذي دعاه إلى هذا القولِ نَفْيُه أن يكون للأسباب أثرًا في مسبّباتِها، جَرْيًا على ما قرر الأشاعرة في ذلك.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (وهذا موضعٌ اضطرب فيه الناس .. فمِن قائلٍ: إن هذه المرائي عُلوم علقها الله في النفس ابتداءً بلا سبب.--------------------------------------------
(1) انظر: "موسوعة اليهود واليهودية" للدكتور عبد الوهاب المسيري (3/ 453) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 781)

وهذا قول منكري الأسباب، والحِكم والقُوى(1) = وهو قول مخالف للشرع، والعقل، والفطرة)(2) .
وبعد التعريج على هذه الأقوال يبقى بيان ما في قول الطَّرَفِ الغالي في إثبات الرُّؤيا من الخطأ، ويتمثل ذلك فيما تقلّده "صالح قبّة" من المعتزلة؛ حيث جَعل ما يراه الحالم هو عين الواقع، فمن رأى في المنام أنه في البصرة فهو في البصرة فيها حقيقة. وهذا القول -كما ترى- مخالف للضرورة الحِسِّيَّة؛ إذ نرى النائم في مَكَانِهِ لم يتزحزح عنه، بل إن النائم يرى في منامه من تلاعب الشيطان به أنه مقطوع الرأس وهو حي، وهذا ما يمتنع تحققه في الواقع؛ لأن قطع الرأس لا تتحقق بعده الحياة.--------------------------------------------
(1) في الأصل: والحكم القوي. ولعل الصواب ما هو مثبت.
(2) "الروح" (45) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 782)

‌‌الفصل الرابع دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن بقية الأحاديث المتعلّقة بالغيبيات
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث الدالّة على أن شدّة الحرّ وشدّة البرد من النار.
- المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة بسجود الشَّمس تحت العرش.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 783)

‌‌المبحث الأول دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن الأَحاديث الدالة عن: أنّ شدّة الحرّ وشدّة البرد من النار
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالة على أن شدة الحر والبرد من النار.
المطلب الثاني: سَوْق المُعارِض العقلي على الأحاديث الدَّالة على أنّ شدّة الحرّ والبرد مِن النَّار.
المطلب الثالث: دفْع دعوى المعارض العقلي عن الأَحاديث الدَّالة على أَنَّ شدّة الحر والبرد من النَّار.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 785)

‌‌المطلب الأوَّل: سوق الأحاديث الدالة على أن شدة الحر والبرد من النار:
عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اشتكت النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ أكل بعضي بعضًا، فَأَذِن لها بِنَفَسينِ: نَفَس في الشتاء، ونفَس في الصَّيف؛ فهو أَشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدون من الزَّمهرير) متفق عليه(1).
وفي روايةٍ لمسلم: (فأَذِن لها في كلِّ عام بِنَفَسَين: نَفَسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف)(2).
وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: أَذّن مُؤذنُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بالظُّهر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَبْرِدْ(3) أَبْرِدْ). أو قال: (انْتظِر انْتظِرْ) وقال: (إنّ شِدَّة الحَرِّ من فيح(4) جَهَنَّم؛ فإذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة) متفق عليه(5).

* * *--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في كتاب: " مواقيت الصلاة "، باب " الإبراد بالظهر في شدة الحر " (122 - رقم [537])،ومسلم في كتاب: " المساجد ومواضع الصلاة "، باب " استحباب الإبراد بالظهر " (1/ 431 - رقم [617]).
(2) المصدر السابق.
(3) (أَبْردْ أبْردْ): أي أَخِّر إلى أن يبرد الوقت = ينظر " فتح الباري " (2/ 22).
(4) فيح جهنم: أي من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها = فتح الباري (2/ 24).
(5) رواه البخاري كتاب " مواقيت الصلاة " باب " الإبراد بالظهر في شدة الحر " (111 - رقم [535] ط/دار السلام) ومسلم في كتاب: " المساجد ومواضع الصلاة " باب " استحباب الإبراد بالظهر " (1/ 431 - رقم [616]).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 786)

تمهيد:

تُدار المسائل التي انطوى عليها هذان الحديثان في قضيتين:
الأولى: بيان معنى كون شدة البرد والحر من جهنم.
الثانية: بيان معنى شكوى النار إلى ربِّها.
فأما القضية الأولى:
فقد اختلف أهل العِلْم في معنى كون شدة البر والحَرِّ من جهنم؛ من حيث حمل الحديث على الحقيقة أو المجاز = على قوليْن:
القول الأوَّل: أَن شدة البرد والحر الحاصلان في الأرض من جَهنَّم حقيقة.
القول الثاني: أن ذلك من مجاز التشبيه؛ أي: كأن الزمهرير وشدة الحر من جَهَنَّم.
والقول الأول: ذهب إليه جَمْهرةٌ من المحققين(1) .
قال القاضي عياض رحمه الله: «اختُلف في معنى قوله: (اشتكت النار إلى ربها .. ) الحديث، وقولِهِ: (فإن شدة الحرِّ من فيح جهنَّم) فحمله بعضهم على ظاهره. وقال: شكواها حقيقة [و](2) أن شدة الحر من وهج جهنم حقيقة؛ على ما جاء ما في الحديث، وأن الله أذن لها بنفَسين: نَفَسٍ في الصيف، ونَفَسٍ في الشتاء … وقيل: إنه كلام خَرَج مخرج التشبيه والتقريب … وكلا الوجهين(3) ظاهر، والأول أَظهر، وحمْلُه على الحقيقة أولى)(4) .--------------------------------------------
(1) انظر: " التمهيد " لابن عبد البر (1/ 263)، و" إكمال العلم " للقاضي عياض (2/ 582 - 583)، و" المسالك شرح موطأ مالك " لابن العربي (1/ 456)، و" شرح صحيح مسلم " للنووي (5/ 120)، و" المفهم " للقرطبي (2/ 244)، و" فتح الباري " لابن رجب (3/ 70)، و" فتح الباري " لابن حجر (2/ 24) .
(2) ما بين المعقوفتين زيادة ليستقيم بها الكلام.
(3) يعني الحقيقة والمجاز.
(4) " إكمال المعلم " (2/ 582 - 583) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 787)

وقال الإمام النَّووي بعد نقله كلام القاضي عياض: (قلتُ: والصواب الأوَّل؛ لأنه ظاهر الحديث. ولا مانع من حمله على حقيقته = فوجب الحكم بأنه على ظاهره - والله أعلم -)(1) .
والقول الثاني: أن الحديث خرج مخرج التشبيه؛ أي: كأنه نار جهنم في الحرِّ، فاحذروه واجتنبوا ضرره. وكذا يقال في شدة البرد.
وهذا القول ذهب إليه الخَطَّابي، ونقله عنه ولم يتعقبه ابن الملك(2) .
والَّذي يترجح - والله أعلم - ما ذهب إليه أَصحاب القول الأول من حَمْلِ الحديث على الحقيقة. والمصير إلى ذلك هو الأقوى من جهة النظر؛ خصوصًا شهادة الرِّوايات بعضها لبعض، وتعاضدها في نسبة شدة الحر والبرد إلى جهنَّم. وسيأتي بسط القرائن المرجحة لهذا القول حين التعرُّض للقضية الثانية.
القضية الثانية: بيان معنى اشتكاء النَّار إلى ربِّها وإذنه لها بنفَسين.
وهذه القضية أيضًا انسحب عليها خلاف أهل العلم؛ تبعًا للقضية الأولى على قولين:
الأول: وهو حَمل الحديث على حقيقته، وأنَّ شكوى النار بلسان مقالها لا بلسان حالها، وأَن النَفَسَ المضاف إليها هو تنفُّس حقيقي يناسب خِلْقتها.
والقائلون بهذا القول قد تقدم الإشارة إليهم، وسيأتي النقل عن بعضهم.
القول الثاني: أَنَّ شكوى النار وتنفسها = مجاز، لا حقيقة؛ فالشكوى بلسان حالها لا مقالها، على جهة التوسّع في الاستعمال، كما قال الشاعر:--------------------------------------------
(1) " شرح صحيح مسلم " (5/ 120) .
(2) انظر " مبارق الأزهار " (1/ 302) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 788)

شكا إليَّ جملي طول السُّرى … صَبْرٌ جميل فكلانا مبتلى(1)
وكما قال عنترة:
*وشكا إليَّ بِعَبْرةٍ وتَحمْحُمِ*
وكقول العرب: قالت السماء فهطلت.(2)
وأَما نَفَسُها فهو كناية عن الحرِّ والبرد في ابتدائِه، وامتِدادِه، وقوتِه، وضَعْفِهِ(3) .
وممن قال بهذا القول: البيضاوي. حيث نقل عنه الحافظ ابن حجر قَولَه: «شكواها: مجازٌ عن غلَيانها. وأكْلُها بعضها بعضًا: مجازٌ عن ازدحام أَجزائها. وتنفُّسها: مجاز عن خروج ما يبرز منها)(4) .
وممن ذهب إليه أيضًا: ابن الجوزي. حيث قال: (تشبيه الحرّ والبرد في ابتدائه، وامتداده، وقوته، وضعفه؛ بالنّفَسِ = من أَحسن التشبيه)(5) .
والذي يَظْهر رجحانُه -من جهة النظر -: القول الأوَّل؛ للقرائن التالية:
القرينة الأولى: أن الأصل حمل الكلام على الحقيقة عند انتفاء القرائن الناقلة له عن هذا الأصل إلى المجاز؛ وخصوصًا أن الحديث خبَرٌ عن أَمر مُغيَّب لا يقع للحسِّ إدراكه؛ ليصح القول إن قرينة المعاينة تَصرف الخطاب من الحقيقة إلى المجاز عند من يُصحّحون القول بالمجاز. أو من حقيقة إلى أخرى عند من لا يصحّح ذلك.--------------------------------------------
(1) انظر:" التمهيد " (1 / -273)، و" المفهم " (2/ 244) .
(2) انظر: المصدرين السابقين.
(3) انظر " كشف مشكل الصحيحين " لابن الجوزي (3/ 370) .
(4) " فتح الباري " (2/ 26) .
(5) " كشف مشكل الصحيحين " (3/ 370) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 789)

القرينة الثانية: أنّ ورود ذكر الشكوى في الحديث وتفسيرها، والتعليل له، وقصْر النَّفَسِ على نَفَسَين اثنين فقط =كل ذلك حارسٌ مِن توهمِّ جريان الخبر على غير ظاهره الحقيقي؛ و كلّ ذلك مما يُضعف جانب القول بالمجاز؛ لخروجه عن المألوف في استعماله.(1)
القرينة الثالثة: أنه لا مانع يمنع من إجراء الحديث على ظاهره؛ لصلاحية قُدرة الرب لذلك.
وقد جاءت الأدلة بما يَشْهدُ لهذا المعنى؛ ومن ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَخْرجُ عُنُقٌ من النَّار يوم القيامة، لها عينان تُبْصران، وأُذنان تسمعان، ولسان ينطق؛ يقول: إني وُكِّلت بثلاثةٍ: بكل جبارٍ عنيدٍ، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمُصوِّرين)(2) .
وكذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحاجّت الجنة والنار، فقالت النَّار: أوثرتُ بالمتكبرين والمتجبّرين. وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطُهم؟ .. )(3) الحديث.
وغيرها من الدلائل المعضدة لهذا المعنى.
فلهذه القرائن كان القول بإجراء الحديث على ظاهره هو أَسعد القولين بالصواب. قال الإمام ابن عبد البر: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (اشتكت--------------------------------------------
(1) انظر " فتح الباري " (2/ 26) .
(2) أخرجه أحمد (2/ 95)،والترمذي كتاب "صفة جهنم"،باب"ما جاء في صفة النار" (4/ 604 - رقم [2574])،وصححه الألباني في"السلسلة الصحيحة" (2/ 39) .
(3) رواه البخاري في صحيحه، كتاب " التفسير " باب " قوله تعالى {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)} " (1039 - رقم (4850) ط/السلام) ومسلم في كتاب: " في الجنة ونعيمها " باب:"النَّار يدخلها الجبَّارون، والجنة يدخلها الضعفاء" (4/ 2186 - رقم [2846]) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 790)

النَّار .. ) فإن أَهل العلم اختلفوا في ذلك: فحمَله بعضهم على الحقيقة، وحمَله منهم جماعة على المجاز … والقول الأول [أي: القول إنه على الحقيقة] يعضده عموم الخطاب، وظاهر الكتاب، وهو أولى بالصواب. والله أعلم)(1) .
لذا قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: ( … فالمحقّقون من العلماء على أنّ الله أَنطقها بذلك نطقًا حقيقيًا؛ كما يُنْطِق الأيدي، والأرجلَ، والجلودَ يوم القيامة، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما يُسمع نُطْقُه في الدنيا)(2) .--------------------------------------------
(1) " الاستذكار " لابن عبد البر (1/ 102) .
(2) " فتح الباري " لابن رجب (2/ 70) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 791)