Arabic source text

📘 দফউ দাওয়াল মুআরিদিল আকলি আনিল আহাদীছিল মুতাআল্লিকতি বি মাসায়িলিল ইতিকাদ (ঈসা আল-নামি)

📘 دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد (عيسى النعمي)

📘 দফউ দাওয়াল মুআরিদিল আকলি আনিল আহাদীছিল মুতাআল্লিকতি বি মাসায়িলিল ইতিকাদ (ঈসা আল-নামি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لك ذلك بنص القرآن، أو رواية حديث = فهل يَصِحّ القياس عليهما في البول؟!».
فغفل أنه مع ورود النص بإثبات أن للشيطان بولًا يناسب طبيعة خلقه = فلا قياس حينئذٍ؛ لأن القياس إنما يصح عند انتفاء الدليل الدّالّ على الفرع المَقيس؛ أَمَّا مع وجوده فلا قياس!
والحقيقة: أن هذا الاعتراض - فيما يظهر - إنما نشأ للشبهة الثانية؛ وهي: ظنّه أن في ثبوت فعل الشيطان بالنائم هذا الفعل يلزم منه قدرةٌ تضاهي قدرة الله تعالى؛ فضلًا عن قدرة الملائكة، والأنبياء .. إلخ = فيلزم من ذلك: اعتقاد شريكٍ مع الله فيما يختص به الله. ويلزم منه أيضًا: أن يكون العبد مجبورًا على التفريط؛ لفعل الشيطان المعطَل له.
والجواب عن الشبهة الثانية، أن يقال:
الناظر يعلم بأنه لا يلزم من إسناد هذا الفعل إلى الشيطان أن تكون له قدرةٌ تضاهي قدرة الله عز وجل؛ فالشيطان مخلوقٌ، والله خالق؛ والمخلوق له فعل يناسبه لا يتجاوز قدرته المحدودة التي تلائم ضعفه وافتقاره، وكلاهما - أي الشيطان وفعله - مَخْلوقٌ لله عز وجل، تنفذ فيهما مشيئته جل وعلا. فأنى للمضاهاةِ أن تقع حينئذٍ؟ .. هذا أمر
والأمر الثاني: أنّ نعْت الشيطان بأن له قدرة تفوق قدرة الملائكة؛ فيه من صنوف التهويل والمبالغة ما يعجب له القارئ. والمقام العلمي يتوجب الاعتدال حين سَوق الأدلة؛ وهذا لم يتأتَّ للمُدّعي. فليس في إسناد هذا الفعل للشيطان تخصيصه بقدرة تفوق قدرة الملائكة. وأما الأنبياء، والأولياء؛ فلا شك أن للشيطان قدراتٍ تناسب طبيعته قد لا تكون للأنبياء والأولياء بأصل الخِلْقة؛ ومن ذلك: القدرة على التشكُّل، وسرعة الانتقال، والاستتار = كل ذلك ثابتٌ لهم بالدَّلائل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 749)

الشرعية. ولا يلزم من ذلك الحطُّ من رتبة الأنبياء والأولياء؛ لأن الرتبة والمنزلة ليستا تبعًا للقدرة ثبوتًا وعدمًا، إلا عند من كابر وأنكر البدهيات.
وبول الشيطان في أُذُن العبد هو في الحقيقة أَثَرٌ عن تفريط العبد نَفْسِهِ في الأَخذ بالأسباب المُعِينة على دفعه؛ فالعبد في هذه الحالة مختار لا مجبور. فلما وقع التفريط باختياره تَسلّط الشيطان عليه؛ بأنْ بال في أُذنه، وزيّن له النوم حتى أصبح. فليس للشيطان إلا التزيين والإغواء. ومن استعان بالله والتجأ إليه وقاه تزيين الشيطان وإغواءَه، ومن أطاعه وتولاّه تسلّط عليه الشيطان.
والطاعة اختيار -بلا شك-. ومما يفسِّر لك ما سَلَف: ما جاء في حديث أَبي هريرة رضي الله عنه (يَعْقِد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد -إذا هو نام-، ثلاث عقد، يضرب على كل عُقْدةٍ مكانها: عليك ليل طويل فارقُدْ، فإذا استيقظ فذكر الله انْحلَّت عُقْدة، وإذا توضأ انحلَّت عنه عقدة، فإن صلّى انحلَّت عُقَده، فأصبح نشيطًا طيّب النَّفْسِ؛ وإلاّ أَصبح خبيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ)(1) .
فهذا الحديث يُبطِل دعوى الجبر من أصلها؛ فالعقْد الذي هو فعل الشيطان يحصل لصنفين من الناس:
فأما الصنف الأول: فلا يضرّه عقد الشيطان على قافيته، ولا ينفذ أثره؛ لاعتصام هذا الصنف والتجائه إلى الرب تبارك وتعالى بالصلاة والذكر، فيبطل كيد الشيطان. والاعتصام والالتجاء سببان يبذلهما العبد، وهما فرعان عن ثبوت الاختيار.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في: كتاب"بدء الخلق" باب"صفة إبليس وجنوده" (668 - رقم [3269]-ط/دارالسلام)، ومسلم في: كتاب"صلاة المسافرين وقصرها"،باب"ماروي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح" (1/ 538 - رقم [776]) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 750)

وأما الصنف الثاني: من نَفَذ أثرُ عمل الشيطان فيه؛ بشؤم تفريطه في الأخذ بالأسباب. والتفريط أيضًا فرعٌ عن ثبوت الاختيار. ولو كان الجَبْر واقعًا وانتفاء اختيار العبد متحقّقًا = لتحصَّل من ذلك وقوع النوم إلى الصبح من جميع الناس؛ لأنه لا اختيار لهم = وهذا يبطله الشرع، والحسّ -كما ترى-.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 751)

‌‌المبحث الثالث دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث:
(إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله … وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان .. )
وحديث: (إذا نُودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط … )
وفيه ثلاثة مطالب:
- المطلب الأول: سَوْق حديث (إذا سمعتم صياح الدِّيكة فاسألوا الله من فضله .. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان) وحديث: (إذا نودي للصَّلاة أدبر الشيطان وله ضراط .. ).
- المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على الحديثين.
- المطلب الثالث: دفْع دعوى المعارض العقلي عن الحديثين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 753)

‌‌المطلب الأوّل: سَوْق حديث: (إذا سمعتم صياح الدِّيكة فاسألوا الله من فضله .. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان) وحديث: (إذا نودي للصَّلاة أدبر الشيطان وله ضراط .. ).
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وإذا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ من الشَّيْطَانِ فإنه رَأَى شَيْطَانًا) متفق عليه(1).
وعنه رضي الله عنه، أنّ النبيَّ قال: (إذا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حتى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فإذا قضي النِّدَاءُ أَقْبَلَ حتى إذا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حتى إذا قضي التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حتى يَخْطِرَ بين الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يقول اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لم يَكُنْ يَذْكُرُ حتى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صلّى) متفق عليه(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال، (3/ 1202 - رقم [3127]) و"مسلم" كتاب: الذكر والدعاء، باب: استحباب الدعاء عند= =صياح الديك (4/ 2092 - رقم [2729]).
(2) أخرجه البخاري في: كتاب "الأذان"، باب "الأذان مثنى مثنى" (1/ 220 - رقم [583]). و مسلم في: كتاب: "الصلاة"، باب: فضل الأذان وهروب الشيطان عند سماعه (1/ 290 - رقم [389]).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 754)

‌‌المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي عن الحديثين
المعارض الأوَّل: أن تعليل صياح الديك بكونها رأت مَلَكًا، مع تقرر أن لكل ابن آدم ملائكةً حفظة وملكين يكتبان أعماله = يلزم منه: أن تصيح الديكة ليل نهار كلما رأت إنسانًا؛ لرؤيتها الملائكة مع كل إنسان، وهذا لم يحدث = فالحديث كذِبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتكذيب الواقع المحسوس له. هذا ما يتعلق بتعليل صياح الديك.
وكذا تعليل نهيق الحمار برؤيته الشيطان؛ فإنه يشكل عليه أن المتقرر شرعًا أن لكل إنسان شيطانًا موكلًا به، وأن الشيطان كثير الوسوسة لبني آدم؛ فلو كانت العلة كما ذكر في الحديث = لوجب أن تنهق الحمر في الأوقات كلها، ولدى رؤيتها للناس.
بل إذا وضعنا الحديث بجانب حديث: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان" مع كثرة ما يصادف وجود حمار -أو حمير- عند المسجد، مع انتفاء سماع نهيق الحمار حينئذ = يلزم منه حسب حديث المناداة =خروج الشيطان له ضراط. وحسب الحديث الثاني: أن الحمار يرى الشيطان، وينهق عند رؤيته!
المعارض الثاني: كيف يدرك الحمار والديك مالا يدركه الإنسان، مع كونهما أقل إدراكًا ومَلَكةً من الإنسان؟
وفي تقرير هاذين المعارضين اللَّذين تفرّد بهما "إسماعيل الكردي" يقول: (ورد في الحديث استحباب الدعاء عند سماع صوت الديك، خاصة أن الديك يصيح عند الفجر، فيوقظ الناس لصلاة الفجر. وورد أن صياح الديك تسبيحه، أما كون صياح الديك سببه أنه يرى ملاكًا = فهذا من غرائب المرويات عن أبي هريرة [رضي الله عنه] ويبدو لي أنه إضافة مدرجة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 755)

من حديث أبي هريرة، ظن الرُّواة أنها مرفوعة، ذلك؛ لأَنَّ التعليل لسبب صياح الديك يُشكِل عليه: أن القرآن الكريم والحديث نصّا على أن لكل ابن آدم ملائكةً حفَظَةً، وملكين يكتبان أعماله. وعليه؛ فالمفروض أن تصيح الديكة ليل نهار كلما رأت إنسانًا؛ لأجل أنها ترى معه أولئك الملائكة، مع أن شيئًا من هذا لا يحدث!
وقديمًا قال علماء الحديث: أكذبُ الحديث ماكذّبته المشاهدة، والواقع المحسوس.
وكذلك تعليل نهيق الحمار برؤيته لشيطان؛ فإنه يشكل عليه: ما ورد في صحيح الحديث أن لكل إنسان شيطانًا موكلًا به، ومثله ما جاء في القرآن الكريم من وجود القرين للإنسان: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)} فصلت. وقد بين لنا الحق تعالى أن الشيطان كثير الوسوسة للإنسان، وعلّمنا أن نستعيذ بالله من شَر الوسواس الخناس … إلخ والحاصل أن الناس في غالب أحوالهم مُعرَّضون لمحاولات الإضلال من قبل الشيطان، ولوساوسه. فلو كان نهيق الحمار سببه رؤية الشيطان = لوجب أن تنهق الحمير في الأوقات كلها، ولدى رؤيتها للناس! ويلزم: أنه إذا كان الإنسان راكبًا حمارًا، فكلما وسوس له الشيطان بشيء وجب أن ينهق الحمار من تحته لرؤيته الشيطان!
وكذلك يُشْكِلُ متن الحديث إذا وضعناه بجانب الحديث الأخير؛ حيث كثيرًا ما يكون حمار أو حمير - في القرى - على باب مَسْجد أو قريبًا منه، ثم نرى أن المؤذن يؤذن ولكن لا نسمع نهيق الحمار! مع أنه من المفروض حسب الحديث الأول: أن الشيطان خرج من المسجد له

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 756)

ضراط، وحسب الحديث الثاني: أن الحمار يرى الشيطان، وينهق عند رؤيته!.
هذا عدا عن التساؤل: كيف يكون للحمار والديك - وهما أدنى مستوى وأقل بكثير عقلًا ومَلَكة واستعدادًا من الإنسان - أن يريا مالا يراه الإنسان، ويدركا مالا يدركه؟! مع أن القرآن إذا أراد أن يضرب مثلًا لجهالة الإنسان بكافر، وتعطّل حواسه عند رؤية الحق شبّهه بالحيوان، فقال عن الكفار مثلًا: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} الفرقان: 44 .... )(1) .--------------------------------------------
(1) "نحو تفعيل قواعد الفقه من الحديث "إسماعيل كردي (ص 276 - 277) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 757)

‌‌المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث: (إذا سمعتم صياح الدِّيكة فاسألوا الله من فضله .. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان).
وحديث: (إذا نودي للصَّلاة أدبر الشيطان وله ضراط .. ).

الجواب عن المعارض الأول؛ وهو: دعوى أن الحديث يكذبه الحسّ إلخ … في الوجوه التالية:
الوجه الأول: أن الحديث قد رواه الأئمة، واستهم الشراح في بيانه، فلم يقع لواحد الإدلاء بهذا الاعتراض الذي اعترض به المعترض، مع سداد فهومهم، وذكاء عقولهم. فتفرُّده بهذا الاعتراض على الحديث ينبئك عن مقدار فهمه في جنب فهوم أولئك الأعلام.
الوجه الثاني: أن الحديث بتمامه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوى أن تعليل صياح الديكة في الحديث هو من إدراج أبي هريرة رضي الله عنه = دعوى يُعوزها البرهان، ولم أر أحدًا من نقّاد الحديث صرح بذلك، مع كونهم أعلى عينًا بما تصح نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومالا تصح، والمعترض إنما نصب هذه الدعوى - فيما يظهر - لئلا يستوحش الناظر من طعنه في الحديث، وتكذيبه له؛ بدعوى مخالفته الواقع.
الوجه الثالث: أن الحديث أخبر عن أمر غيبي لا يقع للعقل إدراك كُنْهِهِ؛ لعجزه، ولقصور الواسطة الناقلة للعقل - وهي: الحواس - عن تحصّل هذا الإدراك. فإذا تحقق ذلك فلا طريق إلى معرفة هذا الغيب إلا عن طريق الوحي، وحينئذ يجب الإيمان بما أخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم؛ وذلك من مقتضيات الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم.
وبناءً على ما قُرِّر يتبين لك أن دعوى المعترض أنه لو كانت الدّيكة تصيح عند رؤيتها للملائكة، مع كون كل إنسان محاطًا بملائكة يحفظونه،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 758)

وملكين يكتبان أعماله؛ للزم من ذلك أن تصيح كل وقت = دعوى باطلة، ذلك أن حصول صياح الديكة عند رؤية الملك، وكذا نهيق الحمار عند رؤية الشيطان؛ لا يلزم منهما أن يكونا عند رؤية الديكة لكل مَلَك، وكذا نهيق الحمار عند رؤية الحمار لكل شيطان؛ لأن الذي أشهد كُلًا منهما لرؤية مالا يراه البشر = قادرٌ أن يحجب عن الديكة رؤيةَ الملائكة الحفظة، والملكين الموكلين بكتابة الأعمال. وعن الحمار: قرين الإنسان، والشيطان حين إدباره بسماعه الأذان.
وقوله: (وقديمًا قال علماء الحديث: أكذب الحديث ما كذّبته المشاهدة والواقع المحسوس) لا مستمسك له فيه؛ بل هو حجة عليه. وذلك أننا لمَّا لم نسمع صياح الديكة في كل وقت، مع رؤيتها للإنسان الذي لا يخلو من اقتران الملائكة به = عَلِمنا بدلالة الواقع عدم شهود الديكة رؤية الملائكة في كل حين. وما يقال في صياح الديك ينسحب حكمه لنهيق الحمار. هذه واحدة.
والثانية: أن غاية ما دل عليه الحديث: أن وقوع الصياح من الدِّيَكة هو دليل على رؤيتها للمَلَك، فانتفاء الصياح دليل على انتفاء الرؤية؛ لأنَّ انتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، لكن لا تلازم بين انتفاء صياحها لانتفاء الرؤية=وانتفاء وجود الملائكة =لأنَّ النصوص قد أبانت عن شهود الملائكة للإنس، وكتابة بعضهم لأعمالهم؛ وهذا مقطوع به.
والثالثة: أن تحريرَ مقاصد أئمة الحديث فيما قعّدوه من أن كل خبر كذّبه الحسّ فهو باطل(1) =أمر متحتّم؛ وذلك ليُفهم مواقع كلامهم، فلا يستروح إلى طعن النصوص بمجرد ما ينشأ في وَهْم الطاعن أنه مخالفة--------------------------------------------
(1) انظر: الموضوعات"لابن الجوزي (1/ 150)، " المنار المنيف " لابن القيم (44) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 759)

للحس. فما قرّره الأئمةُ النُّقَّاد من اشتراط عدم مناقضة الحسِّ للخبر =حقٌّ، فما قطع العقل بواسطة الحس باستحالة مَضمونه فإنَّه يستحيل بناء على تلك المُقدِّمةِ أَن يحصل اليقين لدى الناظر، أو غَلَبة الظَّنِّ بصدقه؛ إذ معنى ذلك الجمع بين النقيضين؛ لكن شَرطُ هذا القطع هو التحقق من حصول مخالفة الحديث للحس وللواقع المشاهَد؛ فإن الحس قد يعتريه الغَلَط والوهْم، وما يُقَدَّر ورودُه على النقل يُقدَّر ما هو أبلغ منه على الحسّ؛ لأنّ هذا النقل إن كان ثابتًا فإنه ينتظمه الوعد بحفظ الذكر وإن كان ليس كذلك فإن الله يقيض له من أهل الصَّنْعة من يكشف عن وجوه العلل فيه. وأمّا الحسّ فليست سلامته من الخطأ وطروء الوهم عليه بمستحيل؛ خصوصًا إذا وُجِدت الموانع التي قد تحمل صاحبها على دعوى مخالفة الحديث للواقع المشاهَد؛ كالهوى، وانطواء القلب على شبهةٍ مانعةٍ من قبول ما خالفها، ومما يكشف لك عن خطأ هذه الدعوى=وجود المخالف لها. في حين أنَّ مخالفة الحِس للأحاديث الثابتة ليس لها في الواقع ما يُصدِّقه، فإنه يمتنع أن يخالف الحسُّ حديثًا ثم لا يوجد ما يُعارضه من الأحاديث النبوية الأخرى =والأمرُ كما قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: (والواقع أنَّه ليس في الأخبار الصحيحة التي لا معارض لها من جِنسْها ما يُخالفُ القرآن و لا العقل)(1)
أما الجواب عن المعارض الثاني وهو قوله (كيف يكون للحمار والديك - وهما أدنى وأقل بكثير عقلًا = أنْ يريا مالا يراه الإنسان .. ) إلخ
فيقال: إن اختصاص بعض المخلوقات ببعض ما يميزها عن الإنسان أمرٌ غير منكور؛ نقلًا، ولا عقلًا. فأما النقل: فلم يأت فيه ما يمنع من ذلك؛ بل قد ثبت ما يؤيد اختصاص بعض المخلوقات بما--------------------------------------------
(1) "جواب الاعتراضات المصرية" (50)،وانظر أيضًا: (85) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 760)

لا يقع مثله للإنسان. ومن ذلك: أن لله عز وجل أسْمَع الحيواناتِ عذابَ أهل القبور، كما صح بذلك الخبر. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا النبي صلى الله عليه وسلم في حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ على بَغْلَةٍ له وَنَحْنُ معه؛ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وإذا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أو خَمْسَةٌ أو أَرْبَعَةٌ … فقال: (من يَعْرِفُ أَصْحَابَ هذه الْأَقْبُرِ؟) فقال رَجُلٌ: أنا. قال (فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ) قال: مَاتُوا في الْإِشْرَاكِ. فقال (إِنَّ هذه الْأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ من عَذَابِ الْقَبْرِ الذي أَسْمَعُ منه … )(1) .
فهذه البغلة مع كونها حيوانًا أقل مستوى وعقلا! من الإنسان؛ إلا أن الله خلق لها إدراكًا سمعت به أصوات المعذَّبين حتى كادت أن تلقي بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ما قصرت حواس الإنسان عن إصابته.
وأما عقلًا: فإنه لايحيل ذلك؛ بل يحكم بواسطة الحس اختصاص بعض الحيوانات بما لم يوهبه الإنسان. والأمثلة على ذلك كثيرة؛ ومن ذلك: أن ((الهدهد)) من أهدى الحيوانات وأبصرهم بمواطن الماء تحت الأرض؛ حيث لايراه غيره(2) . وقد اكتُشِف أَنَّ ((الوطواط/الخفاش)) لا تمثل عيناه دورًا مُهمًّا في توجيه حركته، بخلاف الأذن فإنَّها تُمثِّل دورًا كبيرًا في توجيه مَساره، وتفادي العوائق، واقتناص الحشرات؛ وذلك أَنَّه يُصدرُ أَصواتًا فوق سمعيَّة يتعذَّر لإذن الإنسان المُجرَّدة سماعها، فتصطدم هذه الأصوات بالعوائق ثم يلتقط الوطواط الصدى ووَفْقًا لذلك يُغيِّر اتجاهه، بل ثبت قُدرة ((الوطواط/الخفاش)) على استبانة الصدى الخاص به في مُحيط يعجُّ بمئات الخفافيش التي هي الأُخرى--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في: كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عْرض معفد الميت من الجنة أو النار عليه حديث (4/ 2199 - رقم [2867]) .
(2) انظر: " شفاء العليل " لابن القيم (1/ 241) . وكذلك انظر:" الحيوان"للجاحظ (3/ 512) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 761)

تُصدر أَصواتًا مختلفة داخل الكهف(1) . وهذا من عَجيب خلق الله تبارك وتعالى.

والمقصود أنَّ تفرُّد بعض الحيوانات ببعض الخصائص لا يُزيل تكريم الله للإنسان وتفضيله على كثير من مخلوقات الله. وكذلك تشريف الله الإنسان بالعقل لا يسلب ما امتازت به المخلوقات عن الإنسان. ومن أنعم النَّظَر في هذه الدَّعوى = تبيَّن له عُروّها عن العلم.--------------------------------------------
(1) انظر:"طبيعة الأَشياء"الدكتور محمَّد الريح (25 - 32) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 762)

‌‌الفصل الثالث دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقة بالرُّؤيا
وفيه مبحث واحد:
- وهو: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلقة بالرُّؤيا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 763)

مبحث دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالرُّؤيا

وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سوق الأحاديث المتعلِّقة بالرُّؤيا.
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث المُتعلِّقة بالرُّؤيا.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المُتعلِّقة بالرُّؤيا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 765)

‌‌المطلب الأوَّل: سوق الأَحاديث المُتعلِّقة بالرُّؤيا:
عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ(1) لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ. وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ. وَالرُّؤيا ثَلَاثَةٌ: فَالرُّؤيا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ. فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ .. ) متفق عليه(2).
وعن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرُّؤيا الصَّادِقةُ مِن اللّهِ، والحلْم مِن الشَّيطانِ) متفق عليه(3).
وعن جابر رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضُرب فتدحرج، فاشتددتُ على أَثَرِه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (لا تحدِّث الناس بِتَلَعُّبِ الشَّيطانِ بكَ في منامك) وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بعدُ، خطب، فقال: (لا يحدِّثَنّ أحدُكم بِتَلَعُّبِ الشَّيطانِ به في منامه) رواه مسلم(4).--------------------------------------------
(1) في معنى اقتراب الزمان قولان:
أحدهما: تقارب الليل والنهار في الاعتدال، وموجب صدق الرُّؤيا في ذلك الزمان = اعتدال الأمزجة فيه، فلا يكون في المنام أضغاث أحلام.
ثانيهما: أن المراد بذلك آخر الزمان المقارب للقيامة = انظر: "المفهم" (6/ 10 - 11).
(2) أخرجه البخاري كتاب "التعبير" باب "القيد في المنام" (1473 - رقم [7017]) ومسلم كتاب: "الرُّؤيا" باب "" (4/ 1773 - رقم [2263]) واللفظ له
(3) أخرجه البخاري في كتاب: "التعبير" باب "الرُّؤيا من الله" (1467 - رقم [6984]) ومسلم في كتاب "الرُّؤيا" (4/ 1771 - رقم [2261]) واللفظ للبخاري.
(4) رواه مسلم كتاب "الرُّؤيا" باب "لا يخبر بتلعّب الشيطان به في المنام" (4/ 1776 - 1777 - رقم [2268]).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 766)

وعن عائشة أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها، أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرُّؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصُّبْح) متفق عليه(1).

بالنَّظَرِ في المسوق من الأحاديث، يتجلَّى من جُمْلتها ما يلي:
أولًا: أن رؤيا الأنبياء وَحيٌ لا يَعْتَورها أَضغاث الأَحلام(2).
ثانيًا: أنَّ المُدرك في المنام أمثلةٌ للمرئيات لا عين المرئيات. ثم قد تكون من قبيل التخييل الذي لا يطابق الحقيقة الخارجية مطلقًا، وإن كان قد يطابقها من بعض الوجوه فهذه حق من جهة أنَّ لها تعبيرًا صحيحا. وقد تكون مطابقة لها، فتظهر في الخارج على وفق ما أُدْرِكَتْ في المنام(3).
ثالثًا: أنَّ ما يراه النَّائمُ لا يخلو إمَّا أن يكون نَوْعًا من الوحي، وإمّا لا يكون. فإن كان من قبيل الوحي = فهي الرُّؤيا الصالحة، وإلا فقد تكون رؤيا شيطانية مثّلها الشيطان في ذهن النائم، أَو تكون من حديث النَّفس.(4)
رابعًا: الرُّؤيا الصالحة من الرَّجل الصالح نوع من الوحي. وهي جزء من أجزاء النبوة؛ تكون صادقةً، لا كاذبةً(5)،ومعنى كونِها جزءًا من النُبوَّة =موافقتها النبوَّة في صدق الخبر عن الغيب؛ فهي إنباءٌ صادِقٌ--------------------------------------------
(1) البخاري كتاب "بدء الوحي" باب (3) (1 - رقم (3)) ومسلم كتاب "الإيمان" باب "بدء الوحي" (1/ 351 - 352 - رقم [6982]).
(2) انظر: "الأجوبة عن المسائل المستغربة" (254)، "الفصل في الملل والنحل" (5/ 124)،و"المفهم" (6/ 17)،و"التلخيص شرح الجامع الصحيح"للنَّووي (1/ 348).
(3) انظر:"المفهم" (6/ 24) "بيان تلبيس الجهمية" (1/ 325 - 326)، و "مجموع الفتاوى" (11/ 638)، و"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (9/ 517).
(4) انظر: "المفهم" (6/ 8،11).
(5) انظر: "المفهم" (6/ 14)، و "إعلام الموقعين" (2/ 323).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 767)

عن الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوَّة الإنباء الصادق من الله الَّذي لا يجوز عليه الكذب(1) .
خامسًا: أن قصارى ما يؤخذ من الرُّؤيا الصالحة من الرجل الصالح البشارة أو النذارة، والاستئناس بها إن وافقت حجة شرعية.(2)
سادسًا: الشرع خصّ حرْف "الرُّؤيا" بما كان مُتلَقّى من الله تعالى، وخصَّ حرف "الحلم" بما كان مُتلَقّى من الشيطان. وهذا تَصَرُّفٌ في اللَّفْظِ بالحَقيقةِ الشرعية. وأمَّا باعتبار الاستعمال اللُّغوي فكلٌّ منهما يشمله لفظ "الرُّؤيا"وبالعكس(3) . وقد دَلَّت الدلائل القرآنية، أيضًا، وما انبنى عليها وعلى السنة من إِجماع = على إثبات الرُّؤيا، وأنّها حقّ.
ومن تلك الدلائل:
قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)} يوسف. ثم قال تعالى مخبرًا عنه: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} يوسف: 100
وقال تعالى مخبرًا عن رؤيا إبراهيم عليه السلام: {قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)} الصافات.
وقال تعالى عن تحقق رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم في دخوله المسجد الحرام: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} الفتح.
وقد نقل الاتفاق على ذلك الإمام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله فقال:--------------------------------------------
(1) انظر:"شرح صحيح البخاري"لابن بطَّال (9/ 517) .
(2) انظر: "القائد إلى تصحيح العقائد" (80 - 81) .
(3) انظر: "عمدة القاري" للعيني (24/ 132)، و "فتح القدير" (4/ 59)، و "الإعجاز البياني في القرآن" لعائشة بنت عبد الرحمن (215 - 216) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 768)

(الرُّؤيا الصَّادقةُ من الله، وأَنَّها من النُّبوَّة، وأَنَّ التصديق بها حقٌّ، وفيها من بديع حكمة الله ولطْفِه، مايزيد المؤمن في إيمانه =ولا أعلمُ خلافًا بين أهل الدِّين الحقِّ، من أهل الرأي والأَثَرِ، خلافًا فيما وصفتُ لك، ولا يُنكر الرُّؤيا إلَاّ أهل الإلحاد؛ وشرذمة من المعتزلة)(1) .
وبمقتضى هذه الدَّلائل أجرى أهل السنة والجماعة أَقلامهم عند تحريرهم لمسائل الاعتقاد بإثبات الرُّؤيا، وأَنَّها من الله تعالى؛ متى ما تميز صدقها وظهر. قال الإمام أحمد رحمه الله: (والرُّؤيا من الله عز وجل، وهي حَقٌ؛ إذا رأى صاحبُها شيئًا في منامِهِ ما ليس هو ضِغْثٌ، فقصَّها على عَالمٍ، وصَدَق فيها، وأوَّلها العالِمُ على أَصل تأويلها الصحيح، ولم يُحرِّف = فالرُّؤيا حينئذٍ حقٌّ. وقد كانت الرُّؤيا من الأنبياء وحيٌ = فأيُّ جاهلٍ أجهلُ ممن يطعن في الرُّؤيا، ويزعم أنَّها ليست بشيءٍ؟!)(2) .
وقال أبو عمرو الدَّاني رحمه الله(3) مقرِّرًا أقوال أهل السنة في الاعتقاد: (ومن قولهم: إن التصديق بالرُّؤيا واجب، والقول بإثباتها لازم، وأنها جزء من أجزاء النبوة، كما ورد الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. )(4) .
وقال الإمام الحافظ ابن منده رحمه الله: (ومن ينكر الرُّؤيا، ويزعم أَنَّها ليست بحقيقة = فهو من الجاحدين للنبوة. فنسأل الله تعالى الإيمان بالغيب، ونعوذ بالله من الشك والريب)(5) .--------------------------------------------
(1) "التمهيد" (16/ 71) .
(2) "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى (1/ 63) .
(3) أبو عمر الداني (371 - 440 هـ):هو عثمان بن سعيد بن عثمان الأموي، مولاهم، أبو عمرو الأندلسي، القرطبي، ثم الداني. يعرف بـ "ابن الصيرفي". إمام حافظ من الأئمة القراء، من مصنفاته: "جامع البيان في القراءات السبع"، و " البيان في عَدِّ أي القرآن" =. انظر: "سير أعلام النبلاء" (18/ 77)، و "طبقات المفسرين" للداودي (1/ 373 - 375) .
(4) "الرسالة الوافية" (96) .
(5) "جزء فيه ذكر أبي القاسم بن أحمد الطبراني" (45) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 769)

وإنما عدَّ الإمام ابن منده إنكار أن يكون للرُّؤيا حقيقةٌ من الجحد للنبوة؛ لعلتين:
الأولى: أن الرُّؤيا نوع من الوحي الذي يتلقاه النبي عن الله تعالى؛ حقيقة قطعية لا يتطرق إليها الخطأ = فالطعن في هذا النوع طعن في النبوّة.
الثانية: أن إنكار أن يكون للرُّؤيا حقيقة لغير الأنبياء = تكذيب لخبر النبي الصادق ببقاء نوع من الوحي يقع لغير الأنبياء. وتكذيب خبر النبي يستلزم عدم صدقه، وهذا عين المناقضة للنبوّة.
ومع ثبوت هذه الحقيقة وقيام أَوضح البرهان عليها = إلا أنَّ هناك طوائف من أَهل البدع وغير المتشرعين - من أهل الطبِّ، وغيرهم- نازعوا في هذه الحقيقة. وهذه المنازعة تكمن في اختزالها في معنى واحدٍ؛ إمّا بنفْي الجانب الغيبي المدلول عليه شرعًا في تفسيرها للرؤيا، أو بمنحها بُعْدًا غيبيًا؛ لكنّه في حقيقة الأمر إمّا أنه يفتقر إلى البرهنة الشرعية التي تصحح هذا التفسير، أَو أَنَّه مصادم للبراهين الشرعيَّة - كما سيأتي بيان ذلك -
فأما الفريق الأوَّل: فيتجلى نفيه للجانب الغيبي من خلال مقولاته التي فسّر بها حقيقة الرُّؤيا؛ ومن ذلك: اختزال الرُّؤيا في كونها مجرد خواطر تخطر للنائم. وهذا ما نُقل عن النَّظَّام(1) .
- أو تعليل حدوثها بأنه فِعل الطبائع. كما نسب إلى "معمر"(2) من المعتزلة وأهل الطب(3) .--------------------------------------------
(1) انظر "مقالات الإسلاميين" (433) .
(2) المصدر السابق، الصفحة نفسه. ومعمر (؟ -215 هـ):هو أبو المعتمر مُعَمَّر بن عمرو بن عبَّاد البصري السُّلمي مولاهم العطَّار، من رؤوس المعتزلة، له مقالاته الشَّنيعة =انظر "السير" (10/ 546) .
(3) انظر: "المفهم" (6/ 18) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 770)