في الماء؛ يعني: أننا نعلم أنه مات بالغرق، وعليه فإذا كان الجرح موحيًا؛ أي: قاتلاً، ووجدناه في الماء فهل نأكل؟ نأكل؛ لأننا نعلم أنه مات بالسهم وليس بالغرق.
ومن فوائد الحديث: أنه لو وجد حريقًا في نار فهل يؤكل أم لا؟ في الواقع قد لا نستطيع العثور على الجرح، لكن إن أمكن أن نعرف أن الجرح هو الذي قتله فهو كالماء لكن لما كان الحريق أو المحترق لا يتبين فيه أثر السهم، قلنا: لا تأكل؛ لأن تبين أثر السهم بالحرق بعيد جداً بخلاف الغرق.
ومن فوائد الحديث: الحكم بالظاهر، وأنه وإن احتمل شيئًا آخر فلا عبرة به؛ لأنه قال: "إن غاب عنك يومًا ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت"، وهذا غالب أحكام الشريعة مبنية على الظاهر إلا إذا كان هذا الظاهر يستلزم إبطال شيء متيقن فإنه لا يلتفت إليه؛ لأن اليقين مقدم على الظن. مثاله: رجل وجد حركة في بطنه ثم أشكل عليه انتقض وضوؤه أم لا؟ وغلب على ظنه أنه انتقض وضوؤه فهل يجب أن يتوضأ؟ لا، ولهذا قلنا: ما لم يكن ظاهرًا مبطلاً ليقين فإنه لا يلتفت إليه؛ إذ أن الظاهر ظن، والظن لا يثبت به اليقين؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليه: أخرج منه شيء أو لا؟ قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحًا، والقاعدة عند العلماء: أن اليقين لا يزول بالشك.
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره لا فرق بين أن يصيبه السهم بعرضه أو بحده، ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأنه سيأتينا أنه إذا أصاب بعرضه فهو ميتة، وإن أصابه بحده فهو حلال.
صيد المعارض:
1283 - وعن عدي رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض، فقال: إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه، فقتل، فإنه وقيذ، فلا تأكل". رواه البخاري. هذا يقيد ظاهر الحديث السابق، أولاً: ما هو المعراض؟ المعراض هو عصا في رأسها حديدة محددة يصطاد به الناس كما قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} [المائدة: 94]. فهو رمح في الواقع، فيقذف به الصائد على الصيد، فإما أن يصيبه بحده، وإما أن يصيبه بعرضه، إن أصابه بحده يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فكل"؛ لأنه إذا أصابه بالحد مع قوة الرمي انجرح فأنهر الدم، وإن أصابه بالعرض فإنه لا ينجرح، وإذا قدر أن الصيد مات فقد مات بثقله لا بحده؛ ولهذا قال: "إنه وقيذ" وقوله: "عن صيد المعراض" هذا من باب إضافة الشيء
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 36)
إلى آلته أو نوعه، وقوله: "فإنه وقيذ"، "وقيذ" بمعنى: موقوذ، ولفظ الآية الكريمة {والموقوذة} [المائدة: 3]. وهي التي قتلت بشي ثقيل لا بشيء حاد. في هذا الحديث فوائد: منها: حرص الصحابة على التعلم حتى في مسائل غير الدين الأكل والشرب واللباس وغير ذلك، نجد أن الصحابة رضي الله عنه يسألون عن هذه الأمور، وهذا واجب على كل إنسان أراد أن يفعل شيئًا ألا يدخل فيه حتى يعرف أحكامه الشرعية لأجل أن يكون على بصيرة.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان المسئول عالمًا بمعنى السؤال فإنه لا يحتاج إلى استفهام، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله عن المعراض؛ لأنه يعلمه، مع أن علماء اللغة اختلفوا فيه، لكن أقرب ما يقال فيه ما ذكرناه أنه عصا في رأسه حديدة محددة.
ومن فوائد الحديث: جواز الصيد بالمعراض مع احتمال أن يصيب بالعرض أو بالحد، فلا يقال مثلاً: إذا كان فيه احتمال أن يصيب بالعرض فإن هذا لا يجوز؛ لأنه إيذاء للحيوان، أو لأنه يكون سببًا لإتلافه إذا لم تدركه فتذكيه، نقول: هذا مما أباحه الشرح مع احتمال أن يصيبه بعرضه.
ومن فوائد الحديث: وجوب التفصيل في الفتوى إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فصل، وهذا إذا احتيج إلى ذلك يستفصل عن شرط الحكم، أما عن عدم المانع فلا يجب، ولهذا لو سألنا سائل: هلك هالك عن أب وأم وأخ لا نحتاج أن نقول: هل الأب موافق للميت في الدين أم لا؟ أو هل الأم كذلك أو هل الأخ، لا نحتاج، لماذا؟ لأن هذا استفهام عن عدم المانع ولا يجب لكن لو قال هلك هالك عن بنت وأخ وعم شقيق، فهنا يجب أن نسأل نقول: ما الأخ هذا؟ إن كان أخًا لأم فللبنت النصف والباقي للعم، والأخ من الأم يسقط بالبنت وإن كان الأخ شقيقًا أو لأب فالباقي له ويسقط العم، في هذا الحديث الذي وقع السؤال من عدي بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فصل الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ما أصاب بعرضه فقتله فإنه وقيذ" فيستفاد من ذلك: أنه يجب على المفتي أن يستفصل فيما يحتاج إلى التفصيل لكن في شرط الحكم لا في انتفاء المانع.
ومن فوائد الحديث: أنه لو أصاب المعراض بعرضه فأدركته وذكيته وفي حياة مستقرة حل، يؤخذ من قوله: "فقتل" يعني: مات بإصابته بعرضه، فإن هذا يعتبر قتلاً ولا يعتبر صيدًا مبيحًا للصيد.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه علل منعه من الأكل بأنه وقيذ، وقد قال الله تعالى في المحرمات: {والموقوذة}.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 37)
ومن فوائد الحديث: جواز تقديم العلة على الحكم كما يجوز تأخير العلة عن الحكم وهو الأصل، الأصل تقديم الحكم ثم العلة أو الدليل، لكن قد يأتي أحيانًا فيقدم العلة أو الدليل فمثلاً لو قال قائل: أنا صليت الظهر ولكن لم أنو ظهرًا نويت عصرًا، قلنا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فصل الظهر، هنا قدمنا الدليل على الحكم ولا بأس أو نقول: صل الظهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال … الخ"، وأيهما الأصل: تقديم الدليل أو الحكم؟ الحكم؛ لأن الحكم كالدعوى من المدعي الذي نقول له: هات بينة. هذا الحديث الذي معنا قدم فيه التعليل على الحكم؛ لأنه قال: "فإنه وقيذ فلا تأكل"، لو فرض أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: فلا تأكل، هل يستفاد من الحديث التحريم؟ نعم، لقوله: "إنه وقيذ".
تنبيه:
إذا أمسك الكلب الصيد هل يجب غسل ما أصابه الكلب؟ معلوم أن الكلب لعابه من أخبث النجاسات يجب غسل ما أصابه سبع مرات إحداهما بالتراب، ومعلوم أنه إذا صاد الكلب صيدًا فلابد أن يصيب الصيد من لعابه فهل يجب غسله؟ اختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: أنه يجب غسله سبع مرات إحداهما بالتراب، قيل له: إذا وضعنا التراب على اللحم أفسده، قال: نجعل بدل التراب صابونًا أو شبهه مما يقوم مقامه، المهم: أنه لابد أن نغسله سبعًا إحداهما بالتراب، وقال آخرون: لا يجب غسله، فغسله من التنطح والتشدد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون"، وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وما بعده كل الصيادين تصيد الكلاب لهم، ولا نقل عن أحد منهم أنه كان يغسله، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسله، القاعدة في الشريعة الإسلامية: أنه ليس في الدين من حرج -هذه واحدة-، القاعدة الأخرى: لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين لكل هؤلاء الذين سألوه عن الصيد أنه يجب عليهم أن يغسلوه. فإذا قال قائل: قد يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك لوضوحه. فيقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه ليس كل الصحابة، ولاسيما الصيادون الذين في البراري يعلمون حكم لعاب الكلب، ثم إن المسالة ملحة على أن يبين الحكم لو كان هذا واجبًا فإن قال قائل: اللعاب واحد، فكيف إذا ولغ من هذا الإناء؟ نقول: يلزمك أن تغسله سبع مرات إحداهما بالتراب، وإذا سال لعابه على الصيد لا يلزم واللعاب واحد والكلب واحد، هذا الكلب الذي قلنا الآن: إن صيده لا يجب غسل ما أصابه من فمه هو الذي شرب من الإناء، وشربه من الإناء نقول: يلزمه أن يغسله سبع مرات إحداهما بالتراب، وهذا نقول: لا يلزمه، نقول: نعم إن الله سبحانه وتعالى يودع الأشياء ما فيه مضرة في حال دون حال، وما يدريك أن الله عز وجل رفع عن عباده ضرر لعاب الكلب في هذه الحال التي
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 38)
يكون فيها الإلزام بالغسل حرجًا وشاقًا، أليست الحمير في أول النهار قبل أن تحرم من الطيبات الحلال، هذا الحمار بعينه الذي لو ذبحناه في الصباح أكلناه في المساء لما حرم صار نجسًا خبيثًا وهو لم يتغير، هو الحمار في أول النهار قبل التحريم، وبعد التحريم لكن الله عز وجل هو الذي بيده كل شيء، فهو سبحانه وتعالى يمكن أن يمنع ما كان ضارًا فلا يسري ضرره إلى المحل القابل للضرر؛ لأن الأمر بيده عز وجل كل شيء بيده، قد يعجز الأطباء عن مرض من الأمراض النفسانيون والجسديون وغيرهم ويشفه الله عز وجل بدون شيء؛ لأن الذي خلق للإنسان؛ أولاً: هو القادر على أن يرفع عنه، ثانيًا: كل الأمور بيد الله، فالقول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أنه لا يجب غسل ما أصابه فم الكلب من الصيد وذلك للمشقة. أسألك: لو أن هذا الكلب بعد أن جاء بالصيد وألقاه بيد صاحبه جعل يأكل منه هل يجب علينا أن نغسل ما أصاب فمه؟ نعم؛ لأن هذا الأخير يمكن التحرز منه وليس فيه مشقة إذا تحرزنا أو طهرناه بعد أن يصيبه بخلاف ما كان عند صيده، فإن فيه مشقة ولا يمكننا أن نتحرز منه وكل شيء له حكمه.
الصيد بالسهم وحكمه:
1284 - وعن أبي ثعلبه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رميت بسهمك، فغاب عنك، فأدركته فكله، ما لم ينتن". أخرجه مسلم. هذا كحديث عدي رمى بسهم صيدًا فأصابه ثم غاب عنه ووجده بعد ذلك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فكل ما لم ينتن"؛ أي: ما لم تتغير رائحته بنتن، فإن تغيرت رائحته بنتن فلا تأكل، وهل نقول: إن هذا شرط زائد على ما في حديث عدي؛ لأن حديث عدي فيه أنه لم ير فيه إلا أثر سهمه؟ نقول: نعم هذا شرط زائد، ولابد من الشرط السابق الذي دل عليه حديث عدي. إذن فإذا وجده بعد أن رماه وغاب عنه يأكله إلا أن يجد فيه أثر غير أثر سهمه أو يجد نتنًا، أما الأول فلأنه شرط لحل الصيد لا يحل الصيد؛ لأنه جيفة، وأما الثاني فليس حلاً للصيد، فالصيد حلال وطاهر وليس بخبيث، لكنه إذا كان منتنًا فإن أكله ربما يضر بالصحة، فلهذا اشترط النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشرط، فيكون الشرط الأول الذي في حديث عدي شرطًا لحله الحل الوضعي؛ بمعنى: أنه لا يصح صيده إذا وجد معه صيدًا آخر، أما هذا فشرط لحله التكليفي؛ لأنه إذا كان منتنًا فإنه يضر وليس هذا شرطاً لصحة الصيد، ويظهر أثر الفرق بأن هذا الإنسان الذي غاب عنه الصيد حتى وجده منتنًا، نقول: إن الصيد طاهر والأول الذي وجد فيه جرح
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 39)
آخر نقول: أن الصيد نجس؛ لأنه ميتة، فيكون النهي فيما أنتن لضرره، والنهي فيما إذا ما وجد فيه سهماً آخر لخبثه ونجاسته وكونه ميتة.
يُستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: أن الصيد إذا غاب ثم وجد الصائد فإنه يحل أكله إلا إذا أنتن.
ويستفاد منه: أن أكل اللحم المنتن ممنوع، إما منع تحريم، وإما منع كراهة، فإن كان النتن قوياً فإنه يكون حراماً، لأنه ظاهر، وإن كان خفيفاً فإن الغالب ولاسيما فيما سبق أن اللحم في أيام الصيف يسرع إليه التغير فلا يكون محرماً، بل يكون مكروهاً.
فإن قال قائل: هل علاج لهذا النتن أن يذهب؟
الجواب: نعم، إذا طبخ طبخاً تاماً يزول النتن، فإن بقي له أثر فإنه ينهى عن أكله.
ومن فوائد الحديث: حرص الشريعة الإسلامية على حفظ الصحة لقوله: «ما لم ينتن» ، وعلى هذا فيجب على الإنسان المحافظة على صحته، ولا يقول: أنا حر إن شئت فعلت ما يضر بصحتي، وإن شئت لم أفعل، نقول: ليس كذلك، إن بدنك أمانة عندك ويجب عليك أن ترعاه أحسن رعاية، ولهذا قال الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا ضرر ولا ضرار» ، بل أسقط الله عن الإنسان شرطاً من شروط الصلاة خوف الضرر كالطهارة بالماء، فإن الإنسان إذا خاف الضرر سقط عنه أن يتطهر بها سواء من الجنابة أو من الحدث الأصغر؛ لأنك مأمور بحفظ بدنك، ولهذا وجب على الإنسان المضطر أن يأكل وليس بالخيار، فإن يم يأكل فقد تعرض لقتل نفسه.
التسمية على ما لم يسم عليه عند الذبح:
1285 - وعن عائشة رضي الله عنها: «أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتوننا باللحم، ولا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا الله عليه أنتم وكلوه». "رواه البخاري".
وفي لفظ آخر: «وكانوا حديثي عهد بكفر» أي: أسلموا قريباً، قولها: «كانوا حديثي عهد بكفر» كأنها تبين سبب السؤال لأنه لولا هذه الحال لكان سؤالهم: هل يأكلون اللحم أو لا تنطعاً وتعنتاً لكن إذا كانوا حديثي عهد بكفر فإنه قد يغلب على الظن أنهم لا يعرفون أن التسمية واجبة فيكون عند الإنسان شك.
هذا الحديث استدل به بعض العلماء على أن التسمية ليست بشرط لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 40)
«سموا أنتم وكلوا»، مع أن السائلين قد شكوا في كون هؤلاء قد سموا أو لا، وهذا شك في شرط الحل لو كان شرطاً فلا تحل الذبيحة إذا شككنا هل الذابح قد سمى أو لا، ولكنه لا وجه للاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة لوجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث يحتمل ما قبل، ويحتمل أمراً آخر وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لهم في أكله؛ لأن الأصل في الفعل الواقع من أهله أنه واقع على السلامة والصحة لا لأن التسمية ليست شرطاً، وعندنا أدلة أخرى صريحة في اشتراط شرط التسمية لحل الذبيحة، والقاعدة الشرعية: أنه إذا وردت نصوص فيها احتمال ونصوص أخرى لا احتمال فيها فالواجب حمل المحتمل على ما لا يحتمل وهو من المتشابه إلى المحكم وهذه طريقة أهل العلم والإيمان، أما أتباع المتشابه فهي طريقة أهل الزيغ، ولكن لا ينبغي أن يؤخذ من هذه العبارة أن المخالفين في وجوب التسمية المستدلين بهذا الحديث أنهم أهل زيغ؛ لأن منهم علماء أجلة نعلم أن عندهم من النصح للأمة والنصل لله ولكتابه ما ليس عند غيرهم، لكن نقول: هذه الطريق طريق زيغ ضالة غير صحيحة، عندك نصوص محكمة واضحة تريد أن تحملها على المتشابه هذا عكس ما يقتضيه الشرع والعقل، بل احمل المتشابه على المحكم حتى يصير الجميع محكماً، وحينئذ يترجح احتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم في أن هذا الفعل وقع من أهله، والأصل فيما وقع من أهله أنه على السلامة حتى يتبين الفساد.
في هذا الحديث فوائد: منها: اشتراط التسمية لحل الذبيحة، وجه ذلك: أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا، ولولا أنهم قد تقرر عندهم أن اللحم لا يؤكل إلا إذا ذكر اسم الله على الذبيحة ما سألوا، ولكن هذا متقرر عندهم.
ومنها: ورع الصحابة- رضي الله عنهم؛ حيث سألوا عن هذه المسألة المشكلة، وهذا يدل على ورعهم وتحريهم، فالورع من طريق الصالحين، وحقيقته: أن يدع الإنسان ما فيه مضرة في الآخرة، كل إنسان يدع ما فيه مضرة فإنه يعتبر ورعاً، والزهد أكمل من الورع، الزهد أن يدع ما لا نفع فيه في الآخرة، فكل ما لا نفع فيه من أمور الدنيا إذا تركه الإنسان فهذا زاهد، وكل ما فيه ضرر إذا تركه الإنسان فهو ورع.
ومن فوائد الحديث: أن الفعل إذا وقع من أهله فإنه لا يسأل عنه؛ لأن الأصل السلامة، وإذا كان الأصل السلامة كان السؤال عنه تعتنا، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض بهؤلاء السائلين حيث قال: «سموا أنتم وكلوا» كأنه يقول: لستم مسئولين عن فعل غيركم، فعل غيركم المسئول عنه الفاعل، أما أنتم فمسئولون عن فعلكم، ولهذا قال: «سموا أنتم وكلوا».
ومن فوائد الحديث: وجوب التسمية على الأكل لقوله: «سموا أنتم وكلوا» وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال إن التسمية على الأكل والشرب سنة، ومنهم من قال:
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 41)
إنها واجبة؛ والصحيح أنها واجبة، وأنه يجب على الإنسان إذا أكل أو شرب أن يسمي؛ وذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، حتى إنه أمر الغلام الصغير وهو عمر بن أبي سلمة حين كان يأكل مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك»، ولأن الإنسان إذا ترك التسمية شاركه الشيطان في أكله، فيشاركك أعدى عدو لك في أكلك إذا لم تسم، وإذا سميت صارت تسميتك حصنا منيعاً تمنع الشيطان من مشاركتك، فالصواب: أن التسيمة على الأكل والشر واجبة.
فإن قال قائل: إذا نسيت أن أسمي في أول الأكل وذكرته في أثنائه فماذا أصنع؟
نقول: قل: باسم الله أوله وآخره كما جاء في الحديث، واستمر فإذا انتهى الإنسان من الأكل ولم يذكر إلا بعد أن انتهى ماذا يقول؟ يقول: الحمد لله؛ لأن التسمية فات محلها، وقد قال الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286].
فائدة: حكم اللحوم المستوردة من بلاد الكفار:
ومن فوائد الحديث: أن هذه الشريعة مسيرة؛ حيث إننا لا نطالب بالسؤال عن فعل غيرنا؛ لأننا لو طولبنا للحقتنا بهذا مشقة عظيمة، أذكر لكم مثالا: وجدنا لحما يباع في السوق لو كان يلزمنا أن نبحث لبحثنا عن الذابح هل هو يصلي أو لا يصلي، ثم بحثنا هل سمى أم لم يسم؟ ثم بحثنا هل أنهر الدم أم لم ينهر الدم؟ ثم بحثنا عن الذبيحة هل هي ملك له أو لمن استنابه في ذبحها أو لا؟ ثم إذا قال: هي ملك لفلان، نقول: من أين جاءته؟ اشتراها من فلان، وهل فلان هو مالك حين باعها أو قائم مقام المالك؟ قالوا: نعم، ثبت، قلنا: ممن اشتراها؟ قالوا: من فلان، فهل هو مالك، إلى أن نصل أول ما خلق الله الذبائح، لكن من نعمة الله عز وجل أن فعل غيرنا لا نكلف به.
يبقى عندنا الآن هذه الذبائح التي تردنا من الخارج هل من الحق أن نسأل من الذابح؟ نعم، إذا كانت وردت من بلاد يمكن أن يتولى ذبحها من يحل ذبحه أو من لا يحل فلابد أن نسأل عن الذابح، إذا قيل لنا: الذابح من أهل الكتاب هل لنا أن نسأل كيف يذبح؟ لا، هل سمي؟ لا هل ذكر اسم المسيح أو غيره؟ لا؛ لأنه ما دام ثبت عندنا أنه ممن يحل ذبحه فليس لنا أن نسأل كيف ذبحها ولا هل سمى أو لا؟ ويعتبر السؤال عن هذا من باب التعنت والتنطع.
فإن قال قائل: هو ورد من دولة فيها أهل كتاب وفيها مشركون وفيها ملحدون، نسأل من الذي يتولى الذبح، إذا قالوا: الذي يتولى ذبحها في المذابح كتابيون ماذا نقول؟ هي حلال
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 42)
حتى لو كانت البلد شيوعية، إذا علمنا أن الذي يتولى الذبح كتابيون أو مسلمون؛ لأنه يوجد الآن مسلمون في بلاد شيوعية يتولون المذابح إذا قالوا: إنهم مسلمون أو كتابيون، قلنا: هي حلال، فإذا قال: لا ندري من يتولى الذبح أهم مشركون وثنيون أو كتابيون أو مسلمون لا ندري والبلد خليط من هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، فماذا نصنع؟ نقول: الأكثر، إذا كان الأكثر يمكن أن يتولى الذبح، فإن كان الأكثر هم التجار والأغنياء والذين لا يمكن أن يتولوا الذبح فلا عبرة بالأكثرية هنا، لأننا نعتبر الأكثر فيما إذا كان الاحتمال وارداً أن يكون الذابح هو الأكثر أم لا، وإذا كنا نعلم أن الأكثر هم الكبار الأغنياء الذين لا يمكن أن يتولوا الذبح سقط الترجيح بالأكثرية حينئذ، ويبقى الآن أنه يوجد صعوبة إذا سقطت الأكثرية أو إذا سقط الترجيح بالأكثر سيبقى الأمر مشكلاً تماماً، فنقول في هذا الحال: اترك لا تأكل لكن أنا أخبركم بالنسبة للبلاد السعودية أنه جرى مناقشة هذا الأمر في هيئة كبار العلماء ودعوا وكلاء الوزارة مرة أو مرتين يسألونهم كيف ترد إلينا هذه الذبائح؟ فقالوا: إن هناك أناساً موكلين بالإشراف، وأنه لا يمكن أن يرد إلى المملكة إلا ما أشرف على ذبحه وأنه بطريق شرعي ونحن في ذمة غيرنا، لكن من أراد أن يسلك الورع فهذا شيء آخر بشرط أن يكون للورع محل، أما إذا كان الورع من باب التنطع فإنه ليس بورع.
فإن قال قائل: وهو يورد الكتابيون في الوقت الحاضر ملاحدة لا يؤمنون إيمان عيسى ولا إيمان موسى.
قلنا: ولو كان الأمر كذلك ما داموا ينتسبون إلى اليهودية أو النصرانية، فإنهم وإن كانوا مشركين ذبائحهم حلال، والدليل أن الله تعالى قال في سورة المائدة: {وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5] وقال في نفس السورة {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] فكفرهم عز ووجل مع أنه حكم بحل ذبائحهم؛ لأنهم ينتسبون إلى هذا الدين، ثم نقول: مجرد ما يبقون على دينهم بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا كفاراً، أي: بمجرد ما يأبون دخول دين الإسلام، فالمسألة ليست مسألة كفر وإيمان، هم وإن طبقوا اليهودية والنصرانية مائة في المائة فهم كفار بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسألة ليست مسألة كافر أو مؤمن، بل المسألة أنه منتسب لأهل الكتاب، إذا انتسب لأهل الكتاب حلت ذبيحته وإن كان ملحداً في دينه.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 43)
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يضيق على نفسه في الأمور التي أطلقها الله ورسوله؛ لأن التضييق على النفس يوجب الحرج والمشقة سواء كان ذلك في تبيان الحكم أو العمل، فإن الإنسان إذا شق على نفسه شق الله عليه كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشددوا فيشدد الله عليكم»، سواء كان ذلك في الحكم أو في التطبيق، فمثلاً في التطبيق بعض الناس يتشدد في الطهارة أو في أقوال الصلاة أو في أفعالها فيشدد الله عليه، فبدلاً من أن يغسل يديه ثلاث مرات يغسلها ست مرات؛ لأنه شدد على نفسه أو في العمل، تحده مثلاً في العمل يريد أن يشدد يقرأ القرآن بالتجويد كما زعم فتجده عند خروج الحاء يخرجها حتى يكرها كراً في حلقومه، وربما تأخذه السعلة من أجل هذا عند القلقلة يقلقل حتى كأنما قلقل رجليه من الأرض، وهكذا أيضا في بقية القواعد التجويدية فيتنطع ويزيد على المشروع، فإذا شدد، شدد الله عليه، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أقل الناس تكلفاً ليس عندهم تكلف لا في العمل ولا في التطبيق، كذلك إذا شدد الإنسان، شدد الله عليه في الحكم، بمعنى: أنه قد يوجب على نفسه ما لم يوجب الله عليه إذا كان قد انتهى زمن التشريع، وقد يوجب الله عليه ما لم يجب إذا كان في زمن التشريع؛ ولهذا امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة في رمضان صلاة التطوع، وقال: «إذا خشيت أن تفرض عليكم» يعني: أن تلتزموا بها فتفرض عليكم، ولما أمر موسى- عليه الصلاة والسلام قومه أن يذبحوا بقرة ما رأيكم لو أخذوا أي بقرة وذبحوها أكان يجزئ؟ يجزئ، ولو فعلوا هذا لسهل عليهم الأمر، لكن قالوا: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} [البقرة: 68] ما هذه البقرة، ما عملها، ما سنها، ما لونها؟ قال في الجواب الأول: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون} [البقرة: 68] لكن ما فعلوا، فجاء السؤال عن اللون ما لونها، قال: {إنها بقرة صفراء ليست صفراء فقط فاقع لونها- كالذهب تسر الناظرين} [البقرة: 69] ثلاثة أوصاف: صفرة، فقوع اللون، سرور الناظرين، هذا فيه تشديد ما انتهوا، وفي هذه الآية ما قال: افعلوا ما تؤمرون لأن الذين عتوا في الأولى سيعتون في الثانية، قالوا: {ادع لنا ربك لنا ما هي إن البقر تشابه علينا} أفهامهم حجر، وقالوا: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] ما جزموا، قال: {إنه يقول إنها بقرة إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها} أي: لا عيب فيها، ثم صاروا هم الحكام وليس موسى هو الحاكم، قالوا: {الئن جئت بالحق} هم الذين حكموا بأن هذا هو الحق، {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] فالمهم: أن الإنسان إذا شدد على نفسه فإنه يشدد عليه مثلا ظن أن ظروف ثوبه
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 44)
نجاسة ظن قال: أحتاط وأغسله فرشش الماء، وظل هكذا حتى يغسل الثوب كله من أجل هذا؛ لأنه شدد على نفسه، فإذا شدد على نفسه شدد الله عليه، وهكذا أيضاً في طريق الموسوسين أشياء غريبة لكن لو أن الإنسان قطع هذا الأمر وأخذ بالأيسر سهل الله عليه، فهذا الحديث أصل في أن الإنسان لا ينبغي أن يشدد على نفسه ولا يسأل عن فعل غيره ما دام الفعل قد وقع من أهله فهو سليم صحيح.
النهي عن الحذف:
1286 - وعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحذف، وقال: إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين» متفق عليه، واللفظ لمسلم.
«نهى»، النهي معناه: طلب الكف عن العمل على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة وهي المضارع المقرون ب «لا» الناهية، فقولنا: «طلب الكف» خرج به الأمر، لأن الأمر طلب الفعل، وقولنا: «على وجه الاستعلاء» خرج به الالتماس والدعاء، وقولنا: «بصيغة مخصوصة» خرج بذلك ما كان بمعنى النهي من ألفاظ الأمر مثل دع واترك واجتنب، هذا بمعنى النهي، ولكنه ليس نهيا بل هو أمر.
وقوله: «نهى عن الخذف» «الخذف» هو الرمي بحجر صغير يوضع بين السبابة والوسطى ثم هكذا يدفع، ويطلق أيضا على المقلاع، وهو عبارة عن حبل ممدود تمسك طرفاه بواسطة شيء مثل القبة توضع فيه الحجر ثم يديره الإنسان بقوة ويطلق أحد الطرفين فتنطلق الحصاة بسرعة، هذا أيضا من الخذف فقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ما سنذكره في الفوائد، وعلل النهي بقوله: «إنها لا تصيد صيداً» وهذا هو الشاهد من الحديث، يعني: لو أصابت الصيد فقتلته فإنه لا يحل؛ لأنها إنما تقتله بالثقل، «ولا تنكأ عدوا» أي: لا تدفع العدو، فإن العدو لا يرمي بمثل هذا، إذ إن هذا لا يفيد شيئاً «ولكنها تكسر السن» إذا أصابته «وتفقأ العين» إذا أصابتها، فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه لا خير فيها، وأنها تجلب سوءا، وإذا كان كذلك فإن أحد الأمرين موجب للنهي عنها وهي أنها لا تنكأ عدوا ولا تصيد صيداً فتكون لغوا لا فائدة منها، وإذا كانت تفقأ العين وتكسر السن صار فيها مضرة.
ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: النهي عن الحذف، وهل هو للتحريم أو للكراهة؟ الأظهر أنه للكراهة ما لم يتحقق الضرر الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهي أنها تفقأ العين وتكسر السن، وذلك بأن
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 45)
يكون أمامنا ناس نخشى أن يصيبهم هذا الحجر الصغير فيفقأ العين وبكسر السن، ويقاس على الخذف ما يعرف عندنا الآن بالنباطة هذا أيضاً من جنسه؛ لأنه لا يصيد الصيد ولا ينكأ العدو.
ومن فوائد الحديث: أن من أصيب بحصى الخذف فإنه لا يحل لقوله: «لا تصيد صيداً» لكن لو أدركه حياً فذكاه فإنه يحل؛ لأن هذا يشبه الموقوذة التي قال الله تعالى فيها: {إل ما ذكيتم} [المائدة: 3] فإّا أردك الصيد وذبحه وخرج منه الدم الحار الأحمر فهي حلال سواء تحركت أم لم تتحرك؛ فمثلاً: إذا أصاب صيدا بحصى الخذف ثم سقط وأدركه قبل أن يموت وذبحه وسال منه الدم الأحمر الحار فهو حلال، لأنه أنهر الدم، ولا فرق بين أن يتحرك أو لا يتحرك، وقيل: إنه لابد أن يتحرك؛ لأن كون يذكى ولا يتحرك يدل على أنه انهارت قواه وخرجت روحه، ولكن الصحيح الأول.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث إنه إذا ذكر الحكم ذكر الحكمة، وهذا فرد من آلات الأفراد من قوله تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} [النساء: 113].
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي أن نقابل أعداءنا بسلاح لا ينفع فإن هذا من التهور الذي يكون سببا للتدهور، بل نقابله بمثل سلاحه أو أعظم لقوله الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60] ومن هنا نعرف أن ما يفعله بعض الناس في المدن الإسلامية وغير الإسلامية من الفئات القليلة التي لا تملك من السلاح ما تملكه حكوماتهم ثم يخرجون على الحكومة نرى أن هؤلاء مخطئون بكل حال، حتى لو فرض أن الحكومة كافرة مائة في المائة فإنه لا يجوز الخروج عليها في مثل ذلك، لأن هذا سوف يكون إساءة إلى الإسلام وانتصاراً لهذه الطائفة الكافرة إذا قدر أن الحكومة كافرة، وجه ذلك: أنهم سيغلبون والعلم عند الله إذا غلبوا حينئذ قدر على البقية من المسلمين وانتصرت هذه الدولة التي يعتقد هؤلاء أنها كافرة، وهذا أمر ظاهرة حتى من الناحية العقلية، أما من الناحية الشرعية فانظر إلى حكمة أحكم الحاكمين حيث لم يأمر ولم يأذن للمسلمين في مكة أن يجاهدوا أو يقاتلوا لم يأذن لهم إلا بعد أن انتقلوا إلى المدينة وصار لهم دولة، والإنسان يجب عليه أن يتأمل قبل أن يقدم ما هي
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 46)
النتيجة وما هي الفائدة، والأحداث تشهد بأنه لا نتيجة ولا فائدة بل تشهد أيضا شهادة واقعية أن أولئك الذين يخرجون على أئمتهم بحجة أنهم يريدون أن ينتصروا للإسلام وأن أئمتهم على الضلال والكفر نرى أن الحال تنعكس وتكون أسوأ بكثير مما سبق، ولا حاجة إلى التشخيص والتعيين، تأملوا كل البلاد التي حصلت فيها الثورات يتمنى شعوبها الآن أنهم كانوا على الحال الأولى، يتمنون بقلوبهم ولكنن لا يحصل.
إذن يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا ينبغي أن نقاتل العدو بسلاح هش ردئ لا ينفع ولا ينكأ العدو.
ويستفاد من هذا الحديث: تجنب ما يكون ضرراً على الغير لقوله: «ولكنها تكسر السن» إذا أصابته، وكذلك قوله: «وتفقأ العين» وهذا ضرر، فالواجب اتقاء الضرر، ثم إن الضرر إن كان متيقنا أو راجحا فالنهي للتحريم.
النهي عن اتخاذ ذي الروح غرضاً:
1287 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً» رواه مسلم.
هذا أيضاً نهي، والدليل على أنه نهي: جزم الفعل بعد «لا»، وقوله: «شيئا فيه الروح» قيد، ولم يقل: شيئا مطلقا، قال: «فيه الروح غرضاً»؛ أي: هدفاً يرمى إليه بأن ينصب أمام الناس، ويقال الآن نترامى عليه، وإنما نهى عنه صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من إيلامه وعدم الضرورة إليه؛ لأنه من الممكن أن يتخذ غرضاً ليس فيه الروح ليس من الضرورة أن نجعل ما فيه الروح غرضاً.
ففي هذا الحديث: النهي عن اتخاذ ما فيه الروح غرضاً، والنهي للتحريم لما فيه من أذية الحيوان بدون ضرورة إليه.
ومن فوائد الحديث: أن الدين الإسلامي كما يرحم الإنسان يرحم الحيوان، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» أي: ما كان قوته واجباً عليه فكفى به إثما أن يضيعه.
ومن فوائد الحديث: أنه لو مات الحيوان كالطير مثلاً وجعل غرضاً فلا بأس به، لكن هذا المفهوم مقيد بما إذا لم يكن ذلك متضمناً لإفساد المال، فإن كان متضمناً لإفساد المال بمعنى: أن هذا الطير الذي جعلناه غرضاً بعد أن مات يتخرق ويفسد لحمه فإنه ينهى عنه من هذه الناحية أن في ذلك إفساد للمال.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 47)
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون للرماة غرضاً يترامون إليه؛ لأن هذا هو الذي يحصل به تعلم الرمي، وكثير من الناس يصيب الهدف بما يريد أن يصيبه فيه من أعلاه أو من أسلفه أو من يمينه أو شماله، حتى إنه حدثنا بعض الناس أن من الرماة من يجعل البيضة على صدر ابنه ثم يرمي إليها فيصيب البيضة ويسلم الولد، وهذا يعني: أنه يبلغ من الإصابة غايتها؛ إذ إن رجلا يفعل هكذا يخشى عليه أن ترتعد فرائضه؛ لأن أمامه ابنه ومع ذلك يتحكم إلى هذا الحد، وهذا أمر معروف مشهور عندنا نحن لم نشاهده لكنه اشتهر عند الناس وإن كنا لا نحبذ هذا الأمر؛ لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشير الرجل بحديدة إلى أخيه فهذا أشد خطراً لكننا نحكي الواقع، وحكاية الواقع لا يعني إقراره، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم اليهود والنصاري» وحكايته إياه لا يدل على إقراره، فالحاصل: أنه إذا مات ما فيه الروح جاز اتخاذه غرضاً بشرط ألا يؤدي ذلك إلى إفساد المال.
فإن قال قائل: يعزم معلمو الصيود اليوم أنه لا يمكن أن يتعلم الصيد حتى تطلق أمامه حمامة أو نحوها، فهل إطلاقها جائز، أو نقول: هي مثل هذا الحديث أنه يتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً لكنه اتخذه غرضا للصيد فهل نقول: إنه يدخل في هذا الحديث دخولا لفظياً أو دخولا معنوياً؟
الجواب: أن الظاهر أنه لا يدخل في الحديث إذا لم يمكن تعليم الصيد إلا بذلك والفرق بينه وبين السهم: أن السهم يمكن أن تجعل شيئاً ليس فيه الروح غرضاً أما هذا فلا يمكن أن نعرف أن نعلم الصيد إلا بهذا.
حكم ذبح الحجر وذبح المرأة الحائض:
وعن عكب بن مالك رضي الله عنه: «أن امرأة ذبحت شاة بحجر، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأمر بأكلها» رواه البخاري.
هذا الحديث ساقه البخاري رحمه مختصراً، والقضية التي وقعت أن جارية كانت ترعى غنماً بتل قريباً من المدينة، وكان في ذلك الوقت محل الرعي، الآن كله عمائر، كانت ترعى الغنم فأصاب الذئب شاة منها فأدركته أخذت حجراً له حد فذبحتها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها.
وهذا الحديث فيه فوائد ذكرنا أظن فوق العشرة في كتابنا «الأضحية والذكاة» عشر فوائد تؤخذ من هذا الحديث نأخذ منها ما تيسر.
أولاً: فيه دليل على جواز الذبح بالحجر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك، حيث أمر بأكل الذبيحة
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 48)
به، لكن يشترط أن يكون الحجر ذا حد لقول النبي صلى الله فيما سبق: «ما أصاب بحده فكله وما أصاب بعرضه فلا تأكله» هنا الحجر لابد أن يكون له حد، ولأنه لا يمكن أن ينهر الدم إلا إذا كان له حد.
ومن فوائد الحديث: جواز ذبح المرأة، وجه ذلك أن الرسول أقر ذلك.
ومن فوائده: أنه يجوز ذبح المرأة الحائض، هنا ذبح مصدر مضاف إلى الفاعل، يعني يجوز للحائض أن تذبح وجه الدلالة أنه لم يستفصل، وأخذ العلماء من ذلك أنه يجوز ذبح الجنب قالوا: لأن حدث الحيض أعظم من حدث الجنابة، ولكن هذا القياس فيه نظر؛ لأن موجبات الحيض أدنى من موجبات الجنابة بمعنى: أن الحائض لا تمنع دخول الملائكة والجنب لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب فالجنابة تبعد الملائكة والحيض لا تبعد الملائكة، ولكن على كل حال الأصل في ذبح الجنب أنه حلال سواء قسناه على الحائض أو جعلناه مستقلاً.
فائدة في ذبح ملك الغير وحله:
من فوائد الحديث: جواز تصرف الأمين فيما فيه المصلحة، وإن أدى إلى التلف ليس التلف الكامل- البعض الدليل أن الجارية تصرفت لأنها أمينة تصرفت وذبحت الشاة مع أن صاحب الشاة لم يأذن لها ولم يقل: إن أصابها شيء فاذبحيها؛ لأن هذا من المصلحة ويدل لهذا أيضاً قصة الخضر حين ركب السفينة فخرقها قال له موسى: أخرقتها لتغرق أهلها، فأخبر أنه خرقها لأن وراءه ملكاً يأخذ كل سفينة غصباً.
إذا قال قائل: أنتم تقولون: فيه دليل على جواز تصرف الأمين بما فيه مصلحة، وإن لم يؤذن له فهل أردتم بالجواز ما يقابل المنع أو أدرتم بالجواز ما استوى فيه الأمران؟
الجواب: الأول أردنا ما يقابل المنع وهل هنالك فرق بين العبارتين؟ إذا قلنا: المراد بالجواز استواء الطرفين صار هذا الأمين إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وإذا قلنا: المراد بالجواز ما يقابل المنع صار واجباً على الأمين إذا خشي التلف أن يتصرف وهذا هو المراد، يعني: يجب على الأمين إذا خاف التلف فيما اؤتمن عليه أن يفعل ما هو أقرب إلى الصلاح، وعلى هذا فقولنا: جواز تصرف الأمين فيما فيه المصلحة وإن لم يأذن له صاحبه في مقابل المنع وليس معناه استواء الطرفين.
ومن فوائد الحديث: أن ما أصابه سبب الموت فأدرك فهو حلال، وجه ذلك: أن هذه الشاة عدا عليها الذئب فأكلها لكن هذه الجارية أدركت البهيمة حية وذبحتها.
ومن فوائد الحديث: أن الفعل إذا جرى من أهله فإنه لا يسأل عنه، ولهذا لم يسأل النبي
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 49)
صلى الله عليه وسلم هل هذه المرأة سمت الله عليها أم لا؟ بل أمر بالأكل لأن الأصل في الأفعال الواقعة من أهلها السلامة وصحة التصرف.
ومن فوائد الحديث: ورع الصحابة- رضي الله عنهم حيث لم يأكلوها حتى سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بأكلها.
ومن فوائد الحديث: أن الأمر يأتي بمعنى الإذن لأن قوله: «أمر» ليس معناه أمر تعبدي بمعنى أنه يلزمهم أن يفعلوا ذلك ولكنه أمر بمعنى الإذن، وهكذا كل أمر بعد استئذان فهو للإباحة وليس للوجوب ولا للاستحباب إلا بدليل خارجي أما مجرد الأمر الواقع جواباً للاستئذان فإنه يكون للإباحة وهذا هو الأصل.
شروط الذبح:
1289 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر؛ أما السن؛ فعظم: وأما الظفر: فمدى الحبشة» متفق عليه.
قوله: «ما أنهر الدم» هذه ما شرطية، «وأنهر» فعل الشرط وفاعله مستتر جوازاً تقديره هو «والدم» مفعول به وقوله: «وذكر اسم الله عليه» معطوف على فعل الشرط، وقوله: «فكل» هذا هو جواب الشرط واقترنت الفاء به لأنه طلب وإذا كانت جملة الجواب طلباً وجب اقترانها بالفاء وعلى هذا بيت مشهور فيما يجب اقترانه بالفاء:
(اسمية طلبية ويجامد … وبما ولن وبقد وبالتفيس)
من أي هذه الأحكام السبعة هنا في الحديث؟ الطلبية وقوله: «ليس السن» ليس هذه أداة استثناء واسمها مستتر وجوباً، وليس كما نعلم يستتر اسمها وجوباً إلا إذا كانت أداة استثناء فإن اسمها يكون اسمها مصدرا وجوباً، والسن خبرها، وأما قوله: «فأما السن» فأما هذه حرف شرط وتفصيل، والسن مبتدأ وعظم خبر المبتدأ، ويقال: كذلك في «فأما الظفر فمدى الحبشة» يقول النبي صلى الله عليه وسلم أي شيء أنهر الدم من حديد وخشب ورصاص وذهب وفضة، أي شيء أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، واستفدنا العموم من أداة الشرط لأن جميع أدوات الشرط الأسمية تفيد العموم كل اسم شرط فإنه مفيد للعموم، وعلى هذا فيشمل كل ما أنهر الدم من أي مادة كان الزجاج يدخل في هذا، ويدل على العموم الاستثناء حيث قال: ليس السن والظفر، وقد ذكر الأصوليون ضابطاً في هذه المسألة فقالوا: الاستثناء معيار العموم وهذا واضح لأن الشيء إذا
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 50)
تناول أشياء كثيرة ثم أخرج منه بعض الأفراد علم أن ما سوى هذا المخرج داخل في اللفظ لكن لو قال قائل: العموم يستثنى منه الذهب والفضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في صحائفهما والشرب في صحائفهما قلنا النهي الوارد في الأكل والشرب ولا يصح أن يقاس غيرهما عليهما لظهور الفرق وحتى لو قلنا بتحريم ذلك فإنه لا يلزم من تحريمهما؛ أي: تحريم استعمالهما فهو حرام حتى في تقشير البصل يكون حراماً فليس تحريم ذلك خاصاً بالذبيحة وعلى هذا فالذبيحة حلال مع تحريم الفعل على القاعدة أن النهي العام لا يقتضي بطلان الخاص.
وقوله: «ذكر اسم الله عليه» «ذكر» لم يبين من الذاكر، ولكن الأحاديث السابقة في الصيد تدل على أن الذكر لابد أن يكون من الفاعل فيكون المراد بذكر اسم الله أن يكون الفاعل هو الذاكر فلو أن أحداً ذبح وآخر ذكر فالذبيحة حرام، وقوله: «اسم الله» هل المراد هذا اللفظ المعين الذي هو لفظ الجلالة أو أنه عام لأن «اسم» مفرد مضاف إلى الرب عز وجل فيشمل كل اسم من أسماء الله؟
فالجواب الثاني إذا ذكر اسم الله الخاص به فإنه يحصل به المقصود وقوله: «فكل» الأمر هنا للإباحة، ولكن لا يعني ذلك أنه يجوز أن ترمى هذه الذبيحة، لأن رميها إفساد للمال وإضاعة له لكن نقول: لا يلزم أن تأكل، ممكن أن تبيعها على أحد ولا تأكل، وعلى هذا فيكون الأمر للإباحة على كل حال لكن لا يعني ذلك جواز ترك الأكل ورميها بدون فائدة.
وقوله: ليس السن والظفر، السن هنا مطلق فهل نقول: إن المراد به سن الإنسان أو سن الحيوان؟ وهل المراد المتصل أو المنفصل؟ بمعنى لو وجدنا سناً منفصلاً وذبحنا به لم يدخل في الاستثناء أو هو عام؟ الظاهر أنه عام لأنه ليس هناك قرينة تدل على التخصيص وعلى هذا فيتناول السن على أي وجه كان سواء كان متصلاً أو منفصلاً وسواء كان من إنسان أو من حيوان أي: سن يذبح به فإنه لا تحل الذبيحة.
وقوله: الظفر ما المراد به؟ هل المراد ظفر الإنسان أو يشمل ظفر الإنسان والحيوان؟ وهل المراد المتصل أو المنفصل؟ الظاهر أن المراد ظفر الإنسان ويؤيد هذا قوله: أما الظفر فمدى الحبشة؛ لأن الحبشة هم الذين يطيلون أظفارهم ويذبحون بها وإلا لقلنا: إن الظفر عام كما قلنا إن السن عام.
في هذا فوائد: منها: اشتراط إنهار الدم لحل الذبيحة وجه ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم علق حل الأكل على إنهار الدم، والمعلق على شرط لا يتم إلا بوجود ذلك الشرط، فلابد من إنهار الدم وهذا أصرح حديث فيما يجب قطعه عند الذبح.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 51)
وهذه المسألة اختلف العلماء- رحمهم الله فيها هل يكفي إنهار الدم بدون قطع الحلقوم والمريء أو لابد من قطع الحلقوم والمريء؟ وهل إذا قلنا: لابد من قطع الحلقوم والمريء يكتفي بهما عن إنهار الدم أو لابد مع ذلك من إنهار الدم.
نقول: إن الحديث ظاهر في أنه لابد من إنهار الدم وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلقوم هو مجرى النفس وعن المريء الذي هو مجرى الطعام سكت عنه.
قد يقول قائل: سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عنها لأن من أنهر الدم من الودجين فقد قطع الحلقوم والمريء إذ إن الحلقوم أبرز من الودجين فإذا قطع الودجين فلابد أن يقطع الحلقوم والمريء، فيقال: هذا ليس بصحيح؛ إذ قد يقطع الودجين دون أن يقطع الحلقوم والمريء مثل أن يقطعها بمبراة صغيرة يقطع العرق وكذلك العرق الآخر فليس بلازم أنه إذا قطع الودجين قطع الحلقوم والمريء.
وليعلم أن أكمل الحالات أن يقطع الأشياء الأربعة: الودجين والحلقوم والمريء هذا أطيب شيء وأذكى شيء يحصل بذلك إنهار الدم وقطع مادة الحياة التي هي الحلقوم والثاني المريء لأن الحلقوم به قطع النفس والمريء قطع الطعام والشراب وبالنفس والشراب تكون الحياة كما أن بالدم تكون الحياة فأكمل ذلك أن تقطع الأربعة.
يلي هذا أن تقطع الودجين والحلقوم فإن الصحيح أن الذبيحة تحل بقطع الودجين والمريء يلي ذلك أن تقطع الودجين مع المريء وهذه صعبة لأن المريء داخل الحلقوم، يعني: تحته لكن قد يكون مثلا إنسان رمى بندقية وأصابت الودجين، يعني: رماها لأنه غير قادر على الذبح أو قادر ولكن أصاب الودجين والمريء المهم يكون هذا هو المرتبة الثالثة.
المرتبة الرابعة: قطع الودجين فقط وهذا أيضاً تحل به الذبيحة، الدليل أن في ذلك إنهار للدم ولهذا إذا قطع الودجين فإنه يراهما يشحبان دماً.
المرتبة الخامسة: أن يقطع المريء والحلقوم دون الودجين ففي حل ذلك خلاف والمشهور من المذهب أنها تحل وأن الشرط هو قطع الحلقوم والمريء وإن لم يقطع الودجين لكن القول بالحل هنا فيه نظر، وجه النظر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه» وهذا لا ينهر الدم، صحيح أنه بعد مدة طويلة يموت الحيوان لأنه ينضب الدم لكنه لا ينهره وأيضاً قد روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح ولا تفرى الأوداج وهذا الحديث وإن كان فيه مقال لكنه يشهد له حديث ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 52)
المرتبة السادسة: أن يقطع الحلقوم وحده فقط فهذه لا تجزئ قولاً واحداً حتى على المذهب لا تجزئ.
المرتبة السابعة: أن يقطع المريء وحده فهذه لا تجزئ أيضاً، بقى عندنا أن يقطع أحد الودجين فهذه أيضا لا تحل؛ لأنه لا يحصل بذلك إنهار الدم، فصار الآن عندنا أكمل الحالات في الزكاة أن يقطع الأربع الودجين والحلقوم والمريء.
من فوائد الحديث: أن الذبيحة لا تحل إلا إذا ذكر اسم الله عليها لقوله: «وذكر اسم الله عليها» بأن يقال: باسم الله، لو أن الإنسان قال: يا الله ثم ذبح فهذا لا يجزئ؛ لأن هذا لا يقال له: ذكر، يقال له: دعاء، ولابد من ذكر اسم الله.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا نسي اسم الله، أي: نسي أن يذكر اسم الله عليه فإن الذبيحة لا تحل، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذكر اسم الله شرطاً والشرط لا يسقط بالنسيان، ولأن الله تعالى قال في القرآن الكريم: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] فنهانا أن نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه سواء تركت التسمية عمداً أو سهواً أو جهلاً.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286].
قلنا: بلى، ولهذا لو أكل الإنسان مما لم يسم عليه ناسيا أو جاهلاً لم يعاقب ولم يؤاخذ لكن هنا شيئان: فعل الذابح وفعل الآكل كلاهما إذا وقع نسيانا أو جهلا فلا إثم؛ فالذابح إذا نسي أن يسمي فلا إثم عليه، وكذلك إذا جهل، يبقى عندنا الآكل الآن وقف هذا الآكل على ذبيحة لم يسم عليها فهل له أن يأكل؟
لا؛ لأن الذي سقط عنه الإثم الذابح، أما الآكل فالآن هو يعلم أن هذه ذبيحة لم يسم عليها فيحرم عليه الأكل فإن أكل ناسياً أو جاهلاً يظن أنه قد سمي عليها فلا شيء عليه، لا إثم عليه وليس في هذا معارضة للآية التي هي قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن سنينا أو أخطأنا} لأننا نقول إذا أكل من الذبيحة التي لم يسم عليها ناسياً لم تصح صلاته ولم يأثم لأنه معفو عنه لكنها لا تبرأ بها ذمته لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة.
فإن قال قائل: ألستم تقولون إن الإنسان إذا صلى في ثوب نجس ناسياً فالصلاة صحيحة مع اشتراطكم طهارة الثوب للصلاة قلنا: بلى نقول بهذا لكن اشتراطنا طهارة الثوب للصلاة اشتراط عدمي؛ يعني: ألا يكون الثوب نجساً وأما اشتراطنا للوضوء إذا صلى ناسياً فهو شرط وجودي لابد من وجوده هذا هو الفرق.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 53)
فإذن قال قائل: إذا حرمتم متروك التسمية سهواً أو جهلاً أضعتم الأموال لأن هذا يقع كثيراً في الناس؟
قلنا: الأمر بالعكس، لأننا إذا قلنا بتحريم متروك التسمية سهواً أو جهلاً أقمنا الناس واستقام الناس على الذكر؛ لأن الإنسان إذا حرم بعيره وهي بخمسة آلاف ريال وقلنا: حرم أكلها، ارمها للكلاب فهل ينسي في المرة الثانية أن يسمي؟ لا ينسى ربما يسمى عشر مرات ويخشى أن التسمية الأولى فيها نقص حركة أو شيء لكن لو قلنا: بأنه مستحب فربما يتهاون.
ونظير هذا الاعتراض أعني أن يعترض الإنسان فيقول إذا حرمتم متروك التسمية سهواً أضعتم أموالاً كثيرة نظير هذا من اعترض على قطع يد السارق وقال: إذا قطعتم يد السارق جعلتم نصف الشعب أقطع، وهذا قرأناه في بعض المجلات، نقول: هذا بالعكس بل إذا قطعنا يد السارق قلت السرقة.
يوجد إشكال في إعراب الحديث وهو قوله: «ليس السن والظفر» فلماذا لم تكن مرفوعة على أنها اسم ليس؟ يقولون: إن هذه- أعني «ليس» في المكان- وما أشبهها أداة استثناء واسمها محذوف وجوباً، وعلى هذا فنقول: ليس فعل ماض وهو أداة استثناء، وإن شئنا قلنا: السن مستثنى كما نقول ذلك فيما بعد إلا، أو نقول: اسمها مستتر وجوباً والسن خبرها، والسن بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه العظم، والظفر: العلة فيه أنه مدى الحبشة، نرجع للفوائد.
من فوائد الحديث: أنه لابد لحل الذبيحة من إنهار الدم، لقوله: «ما أنهر الدم» ولكن هل هو من أي موضع؟ لا؛ لأنه لا يمكن إنهار الدم إلا من موضع واحد وهو الرقبة؛ لأنها مجمع العروق ويكون إنهار الدم بقطع الودجين وهما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا حصل إنهار الدم حلت الذبيحة وإن لم يقطع الحلقوم والمريء، وهذا هو القول الراجح، والمسألة فيها أقوال متعددة تصل إلى ستة أقوال؛ ولكنها كلها ليس عليها دليل واضح إلا هذا القول: إن الواجب هو قطع الودجين لأن بهما إنهار الدم، لكن لا شك أن الأكمل أن يقطع الأجزاء الأربعة وهما الودجان والحلقوم مجرى النفس والمريء مجرى الطعام والشراب.
ومن فوائد الحديث: أنه لا تحل الذبيحة إلا إذا ذكر اسم الله عليها لقوله: وذكر اسم الله عليها؛ لأن ذكر اسم الله عليها معطوفة على الشرط، والمعطوف على الشرط يكون شرطاً مثله، والجواب: قوله فكل.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 54)
واختلف العلماء في هذه المسألة فمنهم من يقول: إن التسمية سنة وليست بواجبة فإذا ذبح وسمى فهو أكمل وإذا ذبح ولم يسم فالذبيحة حلال، ولو كان عمداً، ومنهم من قال: إن التسمية واجبة ولكنها تسقط بالسهو والجهل لقول الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقوله: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5].
ومنهم من يقول: إن التسمية شرط ولا تحل الذبيحة بدونها سواء تركها سهواً أو جهلاً.
وهذا القول أصح الأقوال وأشدها انطباقا على القواعد، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراط لحل الأكل شرطين: الأول إنهار الدم، والثاني التسمية فإذا كان اختلاط الشرط الأول وهو إنهار الدم موجباً لتحريم الذبيحة فكذلك إذا اختل الشرط الثاني ولا فرق، أرأيت لو أن إنساناً نسي وذبح الذبيحة من خلف العنق وماتت الذبيحة وصار الدم يخرج منها حتى نفد الدم وماتت لكنه نسي أتحل الذبيحة؟ لا تحل، وكذلك لو كان جاهلاً فذبحها من على الرقبة حتى ماتت نبض الدم وماتت فإنها لا تحل.
إذن ما الذي جعلنا نقول إذا نسي التسمية حلت وإذا جهل وجوبها حلت مع أن كلا الأمرين في شرط واحد لا وجه لذلك وأما قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فنقول: نعم لا يؤاخذ الإنسان إذا ذبحها بدون تسمية جاهلاً أو ناسياً وليس الشأن بالذبح الآن الذبح إذا كان ناسياً أو جاهلاً فإنه لا يأثم به بلا شك، الكلام على الأكل هذا الذي يأكلها علاماً ذاكراً غير مكره قد تعمد المعصية لقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121].
ولهذا لو أن الإنسان أكل من هذه الذبيحة التي لم يسم عليها جهلاً أو نسياناً فلا شيء عليه لأن هناك فرقاً بين الذبح الذي هو فعل الذابح وبين الأكل الذي هو فعل الآكل فهما مفترقان فالذبح إذا تعمد الإنسان ترك التسمية [فيه] إنها لا تحل ولا إشكال في ذلك، لو نسي أو جهل فإنه ليس عليه إثم لأنه ناس أو جاهل، لكن يبقى الآكل إذا أراد أن يأكل قيل له هذه الذبيحة لم يسم الله عليها إذا أكل فقد تعمد مخالفة قول الله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} وإذا تأمل الإنسان المسألة وجد أن هذا هو الصواب من وجهين: أولاً: لظاهر النصوص، وثانياً لأنه أقرب إلى القواعد لأن الشرع لا سقط سهواً ولا جهلاً.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 55)