الأبواب؟ الأبواب- والله أعلم- كناية عن صور تتضمن مسائل، وبإمكان طالب العلم أن يتأمل هذه ويجدها؛ لأننا ما دمنا نقول: إن الربا بمعنى الزيادة، فليس من لازم ذلك أن يكون بيع ذهب يذهب مع التفاضل فقط، بل بيع ذهب مع التفاضل والقبض، بيع ذهب بذهب مع التفاضل والتأخير، بيع ذهب بذهب مع التساوي والتأخير، بيع ذهب بذهب زائد عليه ويجعل مع الناقص دراهم، هذه عدة صور في بيع الذهب، ويمكن أن تجعل أيضاً صوراً أخرى في بيع الفضة، ويمكن أن يأتي ربا القرض وهو القرض الذي يجر منفعة.
فالمهم: أنه يمكن لطالب العلم أن يأمل في هذه الأبواب ويجد هذا العدد المشار إليه في الحديث، لكن يقول: «أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه»، ومعلوم أن نكاح الرجل لأمه مستقبح شرعاً وعقلاً وعادة، كل الناس يستقبحونه، لم يستحله إلا قوم من أراذل عباد الله وهم المجوس، استحلوا أن يتزوج الرجل محارمه فيتزوج أمه وأخته وبنته، وإنما مثل النبي صلى الله عليه وسلم بالأم؛ لأنه من المعلوم أن الناكح مستعل على المنكوح، فالناكح أعلى والمنكوح أسفل، فهذا يقتضي أن يعلو الرجل على أمه، وهو أقبح من أن يعلو على بنته؛ لأن للأم من الاحترام ما ليس للبنت.
وقوله: «وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم»، إذن نكاح الرجل أمه أهون من عرض المسلم، هذا مقتضى الحديث؛ لأن الرسول صلى الله عليه السلام ذكر أن عرض الرجل هو أربى الربا؛ أي: أعلاها، ونكاح الرجل أمه أيسرها، وهذا يقتضي أن عرض الرجل أعظم من نكاح الرجل أمه أيسرها، وهذا يقتضي أن عرض الرجل أعظم من نكاح الرجل أمه، وهذا الذي يجعل في القلب شيئاً من هذا الحديث وقلقاً من صحته؛ لأن مثل هذا غريب من أن يكون قد صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن يمكن أن يوجه ويقال: إن معنى "أربى الربا" أي: ليس معناه أربى الربا المحرم، أربى الربا من حيث الزيادة؛ لأن الإنسان إذا استطال في عرض المسلم بدأ يزداد فيكون هذا من باب الربا اللغوي، يعني: أن من انهمك في أعراض الناس ازداد حتى يتراكم عليه الربا ويكون هذا أربى الربا من حيث الزيادة والكمية أن يستطيل الرجل، كما في اللفظ الآخر: «استطالة الرجل في عرض أخيه»، يعني: أنه ليس كالمال، المال قد لا يحصل على الربا لو أراده، لكن الكلام يحصل يستطيع الإنسان أن يملأ الدنيا كلاماً، والإنسان إذا ابتلي بهذا الأمر أي: يأكل لحوم الناس استزاد وصار لا يستأنس ولا ينشرح إلا إذا أكل جيف بني آدم- نعوذ بالله- فيمكن أن يكون هذا وجه الحديث إن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 14)
أنواع الربا:
797 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز». متفق عليه.
798 - وعن عباده بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيدٍ، فإذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد». رواه مسلم.
799 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثلٍ، والفضة وزنا بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو رباً». رواه مسلم.
هذه ثلاثة أحاديث في بيان الأصناف التي فيها الربا وفي بيان أنواع الربا أيضاً فهي تبين ما يكون فيه الربا وتبين أنواع الربا، والربا نوعان: ربا فضل، وربا نسيئة، ويقال للثاني: الربا الجلي، وللأول: الربا الخفي، وقد قيل: إن الثاني الذي هو ربا الفضل إنما حرم، لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة- والله أعلم-، لكن على كل حال الربا نوعان: ربا جلي واضح وهو ربا النسيئة، والثاني: ربا خفي وهو ربا الفضل، أي: الزيادة، أما ربا النسيئة: فإنه المؤخر بأن يبيع ذهباً بذهب مع التأخير، والغالب أنه لا يكون إلا بفضل؛ لأنه ليس من المعقول أن يأخذ الإنسان ديناراً وزنه مثقال حاضراً بدينار وزنه مثقال مؤجلاً، هذا لا يكون على سبيل المعاوضة، أما على سبيل القبض فالأمر واضح، لكن على سبيل المعاوضة فربما النسيئة لا يخلو من ربا الفضل ولهذا سمي جليا واضحا، وإما ربا الفضل فغنه يقع أيضاً كثيراً، ولكن ربما يكون التبادل بين الجنس الواحد بدون مفاضلة لسبب من الأسباب كما سيأتي، المهم: أن ربا النسيئة يجري في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، فإن وقع التبادل بين جنس واحد، اجتمع فيه ربا الفضل وربا النسيئة، هذا هو الضابط، فربا النسيئة يكون بالتبادل بين جنسين ربويين، وربا الفضل يكون بالتفاضل بين جنس واحد فإذا اتفقا جنساً اشترط في أمران الأول: التساوي، والثاني: القبض قبل التفرق، فإن زيد أحدهما على الآخر مع القبض فهو ربا فضل، وإن تأخر قبض أحدهما بدون فضل فهو ربا نسيئة، وإن تأخر أحدهما مع الفضل فهو ربا فضل ونسيئة، إذن قد يجتمعان وقد يفترقان هذا إذا بيع جنس بجنس، إذا بغير جنسه وهو مما يشاركه في علة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 15)
الربا يجري فيه نوع واحد من الربا وهو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فلا يجري فيه، كالبر بالشعير فهما جنسان يتفقان في علة ربا الفضل فيحرم بينهما التأخير ولا يحرم التفاضل، هذا هو مجمل ما يقال في الربا، هناك أموال ليست ربوية هذا ليس فيها رباً لا فضل ولا نسيئة تبيعها متفاضلة تبيعها متأخرة.
نبدأ بالحديث الأول: يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا»، شفى تكون بمعنى: زاد وتكون بمعنى: نقص، فإن عديت بـ"عن" فهي بمعنى نقص، شفه عن كذا يعني: نقص، وإن عديت بـ"على" فهي بمعنى زاد، ولكن أن الزيادة والنقصان متقابلان لا يقبل أحدهما بدون الآخر، متى ثبتت الزيادة ثبت النقصان في الجانب الآخر، يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل» وهذا يعني في الوزن وليس في الصفة؛ يعني: لا يزيد وزن أحدهما عن الآخر، وأما في الصفة فلا بأس أن تبيع ذهبا جيداً بذهب رديء مع التساوي في الوزن، أو ذهبا قد صيغ معينة قديمة عدل الناس عنها، لكن وزنا بوزن، المهم: أ، المماثلة هنا بالوزن؛ أي: بالكم لا بالكيف.
فإذا قال قائل: وهل يأتي المثل بمعنى الكم؟ قلنا: نعم، ومنه قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12]. بالكمية وليست بالكيفية، إذن المماثلة بالوزن وهو كم وليس بكيف.
الثاني: «ولا تشفوا بعضها على بعض» أي: لا تزيدوا على بعض، وظاهر الحديث أنه لا يزاد في الذهب إذا بيع بعضه لا من جنسه ولا من غير جنسه، وعلى هذا فإذا باع ديناراً وقيمة الدينار عشرون درهما بنصف دينار وعشرة دراهم فظاهر الحديث أنه لا يجوز، لماذا؟ لأن الذهب لم يوازن الذهب، وزن الذهب نصف والباقي قيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تشفوا بعضها على بعض».
كذلك لو باع الإنسان ذهباً مصوغاً بسبائك ذهب وأخذ الفرق مقدار أجرة الصنعة فهل يجوز؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز.
فإذا قال قائل: كيف لا يجوز إذا زدنا أجرة الصنعة وهي من صنع الآدمي، والآدمي يحتاج إلى أجرة ولا يمكن أن نقيسه على زيادة الصفة من خلق الله؟
فالجواب: مسائل الربا ليست من مسائل القياس المحض؛ لأن فيها أشياء ليس فيها نقص ولا ظلم ومع ذلك حرمها، فقد جيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر طيب جيد فسأل فقيل له: كنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال: "هذا عين الربا"، وأمر برده مع أن هذه المسألة ليس فيها ظلم بوجه من الوجوه، وليس فيها إكراه، وكل أحد يعلم أن هذا لا محظور فيه من الناحية النظرية، ومع ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "هذا عين الربا"، فدل ذلك على أن مسائل الربا يجب فيها الوقوف على مقتضى النص.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 16)
فلو قال قائل: إن هذا من صنع الآدمي فالزيادة في الصنعة بخلاف طيب التمر؟
قلنا: نعم هذا صحيح، لكن قد يكون في طيب التمر أيضاً من صنع الآدمي، وسببه إذا لم يلقح النخلة صار تمرها رديئاً، والحديث عام قال: «هذا عين الربا»، ثم إنه تنتقض- مسألة الصنعة- بما إذا أبدل دنانير مسبوكة بسبائك من الذهب هل يجوز التفاضل؟ لا يجوز، حتى عند الذين يقولون بجواز التفاضل في الصنعة مع أن الدراهم المسبوكة فيها صنع آدمي ومع ذلك لا تجيزونه، قد يقولون: إن الصنعة غير مقصودة لذاتها إنما صنعها عام من أجل الرواج، وأن تكون أقيم الأشياء بخلاف الصنعة الخاصة التي صنعها الإنسان لتكون حليا على صفة معينة وسلم أجرتها، فيقال: هب أن الأمر كذلك لكن ماذا نصنع بالتمر إذا كان سوءه من صنع الآدمي وطيبة من صنع الآدمي، أي: بسبب الآدمي، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أنه لا يجوز التفاضل بين الذهب بالذهب ولو من أجل الصنعة، وأن الباب يجب أن يغلق؛ لأن النفوس تحب المال، فإذا أجيز التفاضل من أجل الصنعة تدرجت النفوس إلى التفريط من أجل الرداءة والجودة، وحينئذ يقع الناس فيما كان حراماً بلا إشكال.
قال النبي صلى الله عليه وسلم «ولا تبيعوا الورق» المراد بالورق هنا: الفضة سواء جعلت دراهم أم لم تجعل وهذا متفق عليه، مع أن بعض العلماء في باب الزكاة لما قالوا في الرقة ربع العشر قالوا: المراد بالرقة: الدراهم المضروبة، وأخرجوا منها الحلي الذي يستعمل، قالوا: ليس قيه زكاة، ولكن الصحيح أن الزكاة واجبة في الحلي سواء سمي ورقاً أو لم يسم، مع أن ابن حزم قال: إن الورق اسم للفضة مطلقاً سواء مضروبة أم غير مضروبة، وهي هنا اسم للفضة مطلقاً سواء كانت مضروبة أم غير مضروبة، حتى عند القائلين بعدم وجوب الزكاة في الحلي، ولكن الصحيح كما مر علينا أنه تجب الزكاة في الحلي مطلقاً.
قال: «ولا تشفوا بعضها على بعض»، "تشفوا" هنا بمعنى: تزيدوا بدليل "على".
قال: «ولا تبيعوا منها غائباً بناجز»، "غائباً": يعني لم يحضر "بناجز" مقدم منقود، وهذه الجملة الأخيرة فيها تحريم النسيئة بين الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والذهب بالفضة، ولهذا جاءت الجملة بعد ذكر البيع في الجنسين في الذهب وفي الفضة، يعني: "لا تبيعوا غائباً بناجز" جاءت بع ذكر الأمرين، فالغائب بالناجز لا يجوز سواء باع الإنسان ذهباً بذهب أو فضة بفضة أو ذهباً بفضة، لا يجوز التأخير وهذا التأخير يسمى ربا النسيئة وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون هذا للاستثمار أو للاستغلال، فالاستثمار هو أن تكون المصلحة للطرفين، والاستغلال هو أن تكون لطرف واحد، مثال الأول: رجل أخذ ذهباً بمائة دينار من أجل أن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 17)
يكتسب بمائة الدينار التي أخذها فلا يأتي حلول الأجل إلا وقد ربح خمسين ديناراً هذا استثمار؛ لأن الطرفين كسبا، رجل مثلاً عرضت عليه سلعة بمائة دينار وهو يعرف أن هذه السلعة بع ستة أشهر تكون بمائة وخمسين، لكن ما عنده مائة دينار، فذهب إلى تاجر وقال: أعطني مائة دينار بمائة وعشرين إلى ستة أشهر فقال: خذ واشتر السلعة، وبعد مضي ستة أشهر باعها بمائة وخمسين ديناراً استفاد الطرفان، يسمى هذا في لغة العصر استثماراً؛ لأن الطرفين انتفعا، الاستغلال: يأتي إنسان فقير محتاج إلى زواج وبيت وسيارة فيذهب إلى تاجر فيقول: أنا ما عندي شيء أعطني دراهم أشتري سيارة أو أبني بيتاً أو أتزوج، مائة الدينار بمائة وعشرين، هذا يسمونه استغلالاً، والحقيقة أنه لا فرق، الكل استفاد، لكن في الصورة الأولى استفاد معطي الربا فائدة مالية، وهذا استفاد فائدة عينية أو فائدة تمتعية فالكل مستفيد. التفريق بين هذا الاستثمار والاستغلال لا وجه له، وعلى هذا فيحرم الربا سواء كان استثماراً أو استغلالاً.
قال في الحديث الثاني: وعن عبادة بن الصامت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب» الباء هنا للبدل، يعني: إذا بيع الذهب أو أبدل الذهب والفضة بالفضة كذلك والشعير بالشعير والبر بالبر والتمر بالتمر والملح بالملح، هذه ستة أشياء هذه يقول إذا بيع كل صنف بمثله مثلاً بمثل كمية سواء بسواء كمية وعلى هذا فتكون الثانية توكيداً للأولى، وإنما أكدها النبي صلى الله عليه وسلم لاقتضاء الحال ذلك؛ لأن الناس قد يتهاونون في التفاضل، فأكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «سواء بسواء يداً بيد» يعني: مقابضة تعطيه وتأخذ في الأول مثلاً بمثل سواء بسواء تحريم التفاضل يداً بيد تحريم التأخير وهو ربا النسيئة.
يقول: «فإذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»، فإذا بعت ذهباً بفضة فبع كيف شئت، مثلاً بمثل أو زائداً بناقص، لكن بشرط أن يكون يداً بيد، وإذا بعت برا بشعير فبع كيف شئت زائداً بناقص لا مانع، لكن يداً بيد، تمراً بشعير، كذلك بع زائداً بناقص لكن يداً بيد، وكذلك الملح بعت ملحاً ببر لا بأس بالزيادة، ولكن يداً بيد، بعت ذهباً ببر كذلك لا بأس بالزيادة والنقص لكن يداً بيد، هذا مقتضى الحديث.
نحن الآن بين أيدينا حديث إذا اختلف هذه الأصناف فلا بأس لكن يداً بيد، ولكن إذاً بيع الذهب بالفضة فقد دل حديث أبي سعيد أنه لا يباع منها غائب بناجز، ولكن إذا بيع ذهب بتمر أو بشعير أو ببر أو بملح أو فضة بذلك، فظاهر حديث عبادة أنه لا بد من القبض لقوله: «إذا كان يداً بيد»، لكن قد دلت السنة في موضع آخر أنه إذا كان أحد العوضين من الذهب أو الفضة فإنه لا يشترط التقابض ولا يشترط أيضاً التساوي بالطبع، وذلك فيما صح به الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 18)
شيء فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم"، ويسلفون في الثمار يعني: يعطون دراهم إلى الثمرة الآتية، وهذا بيع تمر بدراهم مع تأخر القبض، وعلى هذا يكون هذا الحديث مخصوصاً بحديث ابن عباس رضي الله عنه في السلم، ولهذا قال الفقهاء في هذا الحكم: ليس أحدهما نقداً، يحرم ربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة، ربا الفضل ليس أحدهما نقداً، فإن كان أحدهما نقداً فإنه يجوز النساء، أما التفاضل فمعلوم.
مسألة: هل يلحق بالأصناف التي فيها الربا غيرها؟ خصص فيه الرسول ستة أشياء فهل يلحق بها غيرها؟
قال بعض العلماء: لا يلحق بها غيرها؛ لأن التخصيص والتعيين يدل على اختصاص الحكم بما ذكر؛ ولأن الله تعالى قال: {وأحل الله البيع وحرم الربوا} [البقرة: 275]. فأطلق، فإذا كان لدينا آية يقول الله فيها وأحل الله البيع على سبيل العموم فإنه يجب ألا تضيق على عباد لله، وأن تجعل التحريم خاصاً بما جاءت به السنة في هذه الأصناف الستة فقط وما سواها لا نقيسه عليها، وإلى هذا ذهب الظاهرية وهم- كما تعلمون- أهل ظاهر يأخذون بالظاهر ولا يلتفتون إلى المعنى، هذه جادة مذهبهم، مع أنهم أحياناً يلتفتون إلى المعاني، وقد ذكر إلى أن أول من ذهب إلى هذا القول قتادة بن دعامة، وذهب بعض العلماء إلى اختصاص الحكم بهذه الأشياء الستة من أهل النظر، يعني: لا من أهل الظاهر، وعللوا ما ذهبوا إليه بأن العلماء اختلفوا في العلة- علة الربا-، واختلافهم في العلة يدل على أن العلة مضمونة؛ لأن العلة المتعينة لا يختلف الناس فيها غالباً، فلما اختلفوا فيها إلا على أنها مضمونة وإذا كانت مضمونة فلا يعمل بها، وعلى هذا فنقتصر على هذه الأصناف الستة لا من أجل أننا لا نعقل العلة أو أن ليس لها علة، لكن لأن العلة ليست معينة لدينا، لا بالكتاب ولا بالسنة ولا بالإجماع، فالناس مختلفون فيها مضطربون، إذن نلغي هذه الأقوال كلها ونقول: نقتصر على ما جاء به النص والباقي على الحل، وإلى هذا ذهب بعض أصحاب الإمام أحمد كابن عقيل من كبار أتباع الإمام أحمد رحمه الله وقال بعض أهل العلم: بل يلحق بهذه الأصناف الستة ما سواها في العلة، ثم اختلفوا على ذلك ما هي العلة؟ فقيل: العلة في الذهب والفضة أنهما موزونان، لأن الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يتبايعون في الذهب والفضة بالوزن وأحياناً بالعد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس أوراقٍ صدقة» هذا وزن، وفي حديث أنس بن مالك في الكتاب الذي كتبه أبو بكر رضي الله عنه في الصدقات: "في الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلا عشرون ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها"
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 19)
هذا عد، فقالوا: الذهب والفضة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تباع بالوزن وتباع بالعد، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «وزناً بوزن سواء بسواء»، فالعلة في الذهب والفضة هو الوزن، وعلى هذا فكل موزون فهو ربوي، الحديد ربوي، والنحاس والرصاص كله ربوي، لأن العلة هي الوزن، العلة في البعضية الكيل، قالوا: فكل مكيل فإنه ربوي سواء مطعوماً أو غير مطعوم حتى الأشنان مثلاً تغسل به الثياب يجري فيه الربا، حتى الحنة الذي تمشط به المرأة يكون فيه ربا؛ لأنه مكيل، ولا عبرة بالأكل أو الاقتيات وهذا هو المشهور من مذهب الأمام أحمد بن حنبل رحمه الله، إذن إما غير معلل أو هو معلل، والعلة: الكيل والوزن.
وقال بعض العلماء: العلة في الذهب والفضة الوزن، والعلة فيما عداهما الطعام، يعني: مطعوم يؤكل، وعلى هذا سيجري الربا في كل ما يؤكل سواء كان مكيلاً أم غير مكيل، ولا يجري فيما لا يؤكل ولو كان مكيلاً، بناء على هذا القول الأشنان والسدر والحنة ليس فيه ربا، البرتقال والتفاح والرمان فيه ربا؛ لأنه مأكول مطعوم، فالعلة الطعام الرز البر والشعير فيه ربا على القولين جميعاً؛ لأنه مكيل ومطعوم.
القول الرابع يقول: العلة الاقتيات أنه مطعوم، ويقتات يعني: يتخذ قوتاً يأكله الناس على أنه قوت لا على أنه تفكه، وعلى هذا فنقول: إذا وجد شيء يكال أو يوزن لكنه ليس قوتاً للناس فإنه ليس فيه ربا، وهذا مذهب مالك رحمه الله وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن العلة هي القوتمع الكيل فإذا لم يوجد إحدى العلتين فإنه ليس فيه ربا.
وإذا دققت النظر وجدت أن الأشياء الأربعة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم البر والشعير والتمر والملح وجدت أنها مكيلة لا شك وأنها مطعومة يقتاتها الناس.
والقول الخامس: أن العلة في الذهب والفضة الثمينة أنها ثمن الأشياء وقيمة الأشياء والعلة في الأربعة أنها قوت للناس يقتاتونها وليست من الكماليات، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن على ذلك القول يجري الربا في كل ما كان أثماناً سواء كان من الذهب أو من الفضة أو من الحديد أو من الخشب أو من الورق أو من أي شيء ما دام جعل ثمناً للأشياء ففيه الربا، وما كان قوتاً ففيه الربا، وما ليس بقوت فلا ربا فيه، وما ليس بثمن فلا ربا فيه، وهذا القول لا بأس به لكنه يرد عليه أنه ثبتت السنة بجريان الربا في الذهب وليس بثمن ويعني: وهو
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 20)
ليس بثمن كما في حديث فضالة بن عبيد في شراء القلادة من الذهب بأثني عشر ديناراً فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع حتى تفصل؛ لأن فيها خرزاً.
والظاهر لي- والله أعلم- أن نقول: العلة في الذهب والفضة أنها ذهب وفضة فيجرى الربا في الذهب والفضة مطلقاً كما جاء به النص سواء كان ثمناً أو كان حلياً أو تبرا أو غير ذلك يجري في الربا بكل حال، أما إذا كان هناك أثمان من غير الذهب والفضة فإنها تلحق به إلحاقاً في أن العلة هي الثمينة؛ يعني: فيه شبهة قوية، ولأننا لو لم نلحق هذه الأثمان بالذهب والفضة لأرتفع الربا غالباً في الوقت الحاضر؛ لأن الناس الآن لا يتعاملون إلا بالأوراق النقدية، وإذا قلنا: ليس فيها ربا معناه: أن هذه البنوك ليست تتعامل بشيء محرم لأنه ليس في الورق ربا، والفقهاء- رحمهم الله قالوا: إذا كان النقد من الذهب والفضة فيه الربا ربا الفضل وربا النسيئة، وأما إذا كان النقد غير ذهب ولا فضة ففيه ربا النسيئة دون ربا الفضل فقالوا: ليس في الفلوس ربا إلا أن تكون نافقة يعني: دارجة متداولة ففيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، وبعضهم عبر بقوله: لا ربا فيها مطلقا، لكن القول الأول أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل هو الصحيح، وعلى هذا فالأوراق النقدية لا يجري فيها ربا النسيئة، قول متوسط، ليس كقول من يقول: إنها عروض مطلقاً ليس فيها ربا وليس فيها زكاة، وليس كقول من يقول: إنها كالذهب والفضة فيها ربا فضل ونسيئة، بل هذا وسط بين القولين أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، يعني: لا يجوز أن أصرف نقداً بنقد غائباً بناجز، ولكن يجوز أن أصرف عشرة بثمانية ناجزاً يداً بيد أو أكثر أو أقل؛ لأن هذه الأشياء ليس لها قيمة ذاتية، إنما قيمتها تبع للعرض والطلب أو سبب لما تقرره الدولة أو الحكومة، فمثلاً عندنا قدرت الحكومة أن الورقة ذات الريال الواحد تقدر بريال واحد من المعدن ولو شاءت لقالت: تقدر بريالين كالنصف والربع/ فهذا تقويم نظامي فقط، وعلى هذا فيمكن أن يكون خاضعاً للعرض والطلب، فإذا رخصت الأوراق صار صرف هذه العملة النقدية أرخص، وإذا غلت صارت أغلى، وأنا أذكر أن الناس كانوا يفضلون الورق النقدي على الريال الفضي، والآن الريال الفضي يساوي عشرة ريالات ورقية.
فأصبح الأقوال في هذه المسألة: أن العلة في الذهب والفضة كونها ذهباً وفضة، يعني: هذا الجنس يجري فيه الربا على كل حال، ثم لشبهة علة الثمنية أن أقول: ما جعل ثمناً في الأشياء وقيمة فإنه يجري فيه ربا النسيئة دون ربا الفضل؛ لان الأصل الحل: {وأحل الله البيع} حتى نتيقن أنه يدخل في الأموال الربوية، ولولا الفساد الكبير لقلنا: إنه لا يجري فيه لا ربا الفضل ولا ربا النسيئة، لكن لا شك أن هذا القول يترتب عليه فساد عظيم، يترتب عليه حل، ويترتب
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 21)
سقوط الزكاة عن الأغنياء في الوقت الحاضر؛ لان أموال الناس الآن أوراق، فلو قلنا بأنها عروض مطلقا- كما قال به بعض الفقهاء- لسقط الربا فيها، ولسقطت الزكاة، ولحصل فساد كبير، فالحاصل: أن القول الوسط أننا نلحقها بالثمينة في وجوب الزكاة وفي ربا النسيئة فقط، وهذا هو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي، بل إنه رحمه الله يجيز تأخير القبض إذا تؤجل إذا لم يكن فيه أجل؛ يعني: أنه تصرف عشرة دراهم سعودية بدينار كويتي مثلاً مع تأخر القبض بشرط ألا يكون التأخير مؤجلاً ولكن الذي أرى أنه يجب التقاضي قبل التفرق ولا يجوز التفرق قبل القبض.
ما تقول في رجل أبدل برتقالة مغربية ببرتقالتين مصريتين؟ على قول من يقول: إن العلة الطعم فإنه لا يجوز، وعلى قول من يقول: إن العلة في الاقتيات فإنه يجوز؛ لأن هذا ليست بقوت، وكذلك من يرى أن العلة الكيل فإنه يجوز؛ لأنه لا يكال.
ما تقول فيمن أبدل صاعا من السدر بصاعين من السدر؟ من قال: إن العلة في الكيل فإنه لا يجوز؛ لأنه مكيل ومن قال: إن العلة الطعم فإنه يجوز.
على كل حال: الآن فهم الحكم، الأحكام هذه تبني على اختلاف العلماء- رحمهم الله في علة الربا.
من فوائد الحديث الأول حديث ابن مسعود: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بتصنيف الكلام وتنويعه حيث قال: «الربا ثلاث وسبعون باباً».
ومن فوائده: أن الشارع قد ينص على الشيء مجملاً ويكل العلم بتفصيله إلى الناس ليتتبعوه، وهذا فيما يمكن أن يدرك بالتتبع؛ لأنه قال: "ثلاث وسبعون باباً"، ولم يبينها، لكن العلماء يتتبعونها حتى يعرفون، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة»، ولم يبينها لكنها مبينة بالتتبع تعرف وإنما قلت لكنها مبينة لئلا يرد علينا مذهب أهل التعطيل في صفات الله كالذين يقولون: إن الله أراد بها معنى غير ظاهرها ووكل علمه إلى الناس ليدركوه بعقولهم، فإن هذا قول باطل وليس مثل مسألتنا؛ لان نصوص الصفات بينه واضحة لا تحتاج إلى تحريف.
ومن فوائد الحديث: أن الربا من أكبر الكبائر؛ لأنه جعل أيسر هذه الأبواب مثل أن ينكح الرجل أمه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 22)
ومن فوائد الحديث: أن استطالة الإنسان في عرض المسلم من أربى الربا؛ لانه لا يكلفه شيئاً فيزداد في استطالته في عرضه فيكسب آثاماً كثيرة وهو لا يدري لقوله: "أربى الربا"، وعلى هذا فيكون اسم التفضيل بالنسبة للكمية لا للكيفية.
ومن فوائد الحديث: التحذير من الربا؛ لان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أيسره مثل أن ينكح الرجل أمه.
ومن فوائده: التحذير من أعراض المسلمين؛ حيث قال: «إن أربى الربا عرض الرجل المسلم».
وأما حديث أبي سعيد ففيه دليل على: تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلاً، ويؤخذ من عمومه: أنه لا فرق بين كون أحد العوضين أجود من الآخر؛ لعموم قوله": "لا تبيعوا الذهب بالذهب"، أو مصنوعاً والآخر غير مصنوع لعموم قوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل".
ومن فوائد الحديث: تحريم بيع الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ويقال فيها ما قيل في الذهب.
ومن فوائد الحديث: أنه يحرم تأخير القبض فيما إذا بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والذهب بالفضة، ولهذا أعقب الجملة فقال: "لا تبيعوا منها غائباً بناجز".
ومن فوائد الحديث: كمال بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث إنه- عليه الصلاة والسلام فصل تفصيلاً كاملاً في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة.
وحديث عبادة بن الصامت فيه دليل على: أن هذه الأصناف الستة يجري فيها الربا، وأن الربا فيها نوعان: ربا فضل وربا نسيئة، فغن بيع الشيء بجنسه اجتمع في ربا الفضل وربا النسيئة، وإن بيع بغير جنسه ففيه ربا النسيئة فقط، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «مثلاً سواء بسواء يداً بيد» هذا فيه التماثل والتقابض، فإذا اختلفت هذه الأصناف "فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" هذا فيه ربا النسيئة إذا اختلف الجنس، وظاهر الحديث شمول هذا الحكم فيما إذا باع تمراً بدراهم أو بدراهم أو شعيراً بدراهم أو ملحاً بدراهم، لكننا ذكرنا في أثناء الشرح أن السنة قد دلت على عدم وجوب التقابض فيما إذا كان أحدهما نقداً، وما هي السنة التي بينت ذلك؟
حديث ابن عباس: «كان الناس يسلفون الثمار السنة والسنتين فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك».
[نكمل حديث أبي هريرة] وقوله في حديث أبي هريرة: "فمن زاد أو أستزاد فهو ربا". زاد شيئاً بدون طلب، "استزاد": طلب الزيادة، فالذي يزيد ويعطي الزيادة مربي، والذي يطلب الزيادة أيضاً مربي، ومعلوم أن الزيادة فيها باذل ومبذول له، فالمبذول له هو المستزيد، والباذل هو الزائد، وكلاهما واقعان في الربا، أما الآخذ للزيادة فوقوعه في الربا ظاهر، وأما الثاني فلأنه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 23)
معين على ذلك وراضٍ به، ولأن هذه الزيادة نشأت من عقد واحد فكانا فيها سواء، فلهذا قال: "فمن زاد أو استزاد فهو ربا".
وهذا الحديث وحديث عبادة وحديث أبي سعيد الأول يغني عنهما حديث عبادة؛ لانه أشمل واوسع مدلولاً، وفيه ذكر النوعين من الربا ربا: الفضل وربا النسيئة، يعني: لو أن المستدل الذي أراد أن يتكلم على تحريم الربا اقتصر في الاستدلال على حديث عبادة لكان كافياً، لكن أتى المؤلف بهذين الحديثين من باب توكيد المسألة، وأن الأمر لم يأت من طريق واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل جاء من عدة طرق.
في هذا الحديث دليل على ما سبق من وجوب التساوي في بيع الذهب بعضه ببعض، ووجوب التساوي في بيع الفضة بعضها ببعض، وأن المعيار لابد أن يكون هو الوزن، وان الآخذ للربا والمعطي كلاهما واقعان في الربا.
800 - وعن أبي سعيد ألخدري وأبي هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله «استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً». وقال في الميزان مثل ذلك. متفق عليه.
- ولمسلم: "وكذلك الميزان".
قوله: "استعمل رجلاً"، هذا الرجل اسمه سواد بن غزيه، وإبهام الرجل أو بيان اسمه الغالب أنه لا يتعلق به حكم ويكون خفاء اسمه من الشيء الذي إن جهله الإنسان لا يضر وإن علمه فهو زيادة خير لكن ليس بلازم في الغالب ولا يترتب عليه حكم يقول: "استعمل على خيبر" أي جعله وكيلاً في قبض ما يستحقه المسلمون منها "فجاء بتمر جنيب" التمر الجنيب هو الطيب الذي يكون قاسياً شديداً لأن التمور تختلف منها ما يكون ليناً ليس فيه شحم ومنها ما يكون صلباً قوياً شديداً طيباً فالثاني يسمى الجييب يعني: التمر الطيب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكل تمر خيبر هكذا؟ » يسأل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم عن هذه الأشياء ولا يعلم عن كل تمر خيبر فسأل فقال: "لا والله يا رسول الله" يعني: ليس كل تمر خيبر هكذا بل فيه التمر الطيب وفيه التمر الرديء "وإنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة" قوله بالصاعين أي من تمر خيبر وبالثلاثة أي من تمر خيبر أيهما أرخص الصفقة الأولى أو الثانية الصاع بالصاعين يعني: المائة بالمائتين، الصاعين بالثلاثة يعني المائتين بخمسمائة، يعني ثلاثة أخماس هذا نسبة الثلاثمائة، إلى الخمسمائة ثلاثة أخماس وذلك نسبته النصف فأيهما أكثر؟
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 24)
لو أخذنا بالأول الصاع بالصاعين كم يكون الصاعين؟ أربعة، وإذا كان الصاعين خمسة صار الصاعين أربعة أصواع ونصف صار الأخير أرخص، يعني: التمر الرديء أرخص يأخذ الصاع بصاع ونصف، يعني الطيب أرخص بالنسبة للذي أخذ صاع بصاعين، وبالعكس إذا أخذ الصاعين بالثلاثة، المهم أنهم كانوا يأخذون إما المائة مائة أو المائتين ثلاثمائة، يعني: معناه أرخص من الأول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل هذه " "لا" ناهية يعني: لا تفعل هذا الفعل فتشتري شيئاً أقل بشيء أكثر من التمر ثم أرشده فقال: "بع الجمع بالدراهم" لما منعه من صورة الربا أرشده إلى صورة الحلال فقال: "بع الجمع بالدراهم" الجمع هو: التمر المجمع المخلوط، والغالب أن التمر المجمع المخلوط أنه يكون رديئاً؛ لأنه يكون من الأنواع الرديئة ويخلط جميعاً ولا يعتني به ما ينقي ولا يهذب، "ثم ابتع بالدراهم جنيباً" يعني: اشتر تمراً طيباً.
وفي لفظ لمسلم قال: "ردوه" يعني: ردوا هذا التمر، وهذا اللفظ فيه فائدة عظيمة وهي أن العقد وإن كان صاحبه جاهلاً إذا كان محرماً يجب رده وإبطاله؛ لأن في إنقاذه معصية لله ورسوله واعتباراً لما ألقاه الشرع. وقال: "في الميزان مثل ذلك" ما المراد بالميزان؟
قال بعض العلماء: المراد به: كل ما يوزن، وقال بعض العلماء: المراد بالميزان: الذهب والفضة لأنها توزن، يعني قال بالذهب والفضة مثل ما قال في بيع التمر بالتمر.
فإذا قال قائل: ما مناسبة ذكر الميزان في هذه الصورة؟
فالجواب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من حسن تعليمه إذا ذكر الشيء ذكر ما يمكن أن يحتاج إليه السائل وغن لم يسأل عنه، وهذا من الجود بالعلم، كما لو سألك فقير قال: أعطني قميصاً، فأعطيته قميصاً وعمامة، فغن هذا من الكرم بالمال والزيادة على سؤال السائل، ونظير هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، مع انه لم يسأل عن الميتة، لكن من ركب البحر سيحتاج إلى الأكل، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ما يمكن أن يحتاج إليه؛ لان ميتته طاهرة، هذا الحديث كما ترون أصله بيع تمر بتمر متقابلاً هذا أصله، والرسول صلى الله عليه وسلم حكم هذه المسألة بياناً شافياً كاملاً.
فيستفاد من الحديث: جواز استعمال الرجل الواحد في قبض الزكاة ومحاسبة الشركاء، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر، ومن المعلوم أن خيبر ثمارها شطرها للمسلمين والشطر الثاني للهيود على سبيل المساقاة، ولكن يشترط في العامل أن يكون ذا خبرة وأن يكون أميناً، وهذان الشرطان شرط في كل معاملة أسندت إلى شخص أن يكون الشخص ذا خبرة وأن يكون أميناً، وقد أشار الله إلى ذلك في كتابه، فقال عز وجل عن العفريت من الجن الذي قال لسليمان: {أنا أتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوى} [النمل: 39]. وهذه الخبرة {أمين} وهذه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 25)
الأمانة، وقالت ابنة شعيب صاحب مدين: {يا أبت استئجره -يعني: موسى- إن خير من استئجرت القوى الأمين} [القصاص: 26]. فلابد فيمن استعمل على عمل أن يكون ذا خبرة وأن يكون أمينا.
ومن فوائده: أن اختلاف الجنس في الجودة والرداءة لا يؤثر في منع الربا، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في رواية أخرى: "عين الربا" يعني: هذا عين الربا مع أن القيمة مختلفة، فإن الرديء لا يساوي في القيمة الجيد ومع ذلك منع الرسول صلى الله عليه وسلم الفضل بينهما بين التمرين؛ لأنهما من جنس واحد.
ومن فوائد الحديث: أن اختلاف النوع لا يؤثر أي في منع الربا، والفرق بين النوع والجنس؟ التمر كله جنس، لكنه أنواع: سكري، شقراء، أم الحمام، أنواع كثيرة، لكن ثلاثة أنواع: الأول أحسن، وعلى هذا فلا يجوز أن أبيع صاعا من السكري بصاعين من الشقر وإن كان النوع مختلفا، بدليل أن "الجمع" تمر مخلط مختلف الأنواع، ومع ذلك منع الرسول صلى الله عليه وسلم بيعه متفاضلا بالجنيب الذي لم يخلط معه شيء، فدل هذا على أن اختلاف النوع لت يؤثر في منع الربا.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز إمضاء العقد المشتمل على محرم؛ بل الواجب أن يعاد هذا العقد وأن يفسخ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى: "ردوه" وهذا يدل على بطلان العقد وإن كان الإنسان جاهلا.
فإن قال قائل: أليس الله تعالى قال في كتابه: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286].
فالجواب: بلى قال ذلك، ونحن لا نقول: إننا نؤاخذك بخطئك أو نسيناك، بل أنت معذور وليس عليك إثم، لكن إمضاء العقد الذي أبطله الشرع بعد أن تعلم أنه باطل لابد أن تبطله لو أنك تعمدت عن علم وذكر لكنت آثما مع وجوب الرد، أما الآن فلست بآثم لكن يجب الرد.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان المفتي إذا ذكر المنع أن يذكر للناب باب الحل حتى إذا أغلق الباب من جهة انفتح من جهة أخرى، وجه ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى هذا لما قال هذا ممنوع أرشده فقال: "بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا"، وهكذا ينبغي للمفتي وللعالم ولكل من يتكلم في أمر الشرع إذا ذكر للناس الباب الممنوع أن يذكر لهم الباب الجائز حتى تمشي أحوالهم؛ لأن الناس لابد أن يتعاقدوا ويتعاملوا، ومن هذا لو أن الإنسان ذكر للناس بدعة يتعبدون لله وقال لهم: هذه بدعة ينبغي أن يفتح لهم باب سنة، فمثلا يقول: يغني عنها كذا وكذا، مثلا إذا قال: بدعة المولد وما دمنا الآن في شهر ربيع الأول الليلة الخامسة عشرة فإننا قريب عهد بمن يختلفون بالليلة الثانية عشر من هذا الشهر بما يقولونه من صلوات على النبي صلى الله عليه وسلم إذا قلنا لهم: إن هذا بدعة وليس بسنة لا عن الرسول ولا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 26)
عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة المسلمين نقول: بدل من هذا الذي تدعون أن فيه ذكرا للرسول صلى الله عليه وسلم إما أن نقول لكم: إن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فرض كفاية على المسلمين كل يوم خمس مرات عند حلول الصلوات في الأذان أشهد أن محمدا رسول الله على رءوس الأشهاد، وإن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في كل عبادة فإن الإنسان الفطين الكيس يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ليس باسمه ولكن يذكر بالاتباع كل عبادة فيها من الإخلاص لله والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنت حين تستحضر المتابعة سيكون في قلبك ذكر للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في الصلوات الخمس السلام عليك أيها النبي فرض إما أن تكون فرضا مرتين في الصلاة الخمس السلام عليك أيها النبي فرض إما أن تكون فرضا مرتين في الصلاة أو مرة واحدة، فإذا ذكرنا لهم هذه البدعة نقول: عندكم سنن كثيرة، فالمهم أن الإنسان الذي يتصدى الناس بالإفتاء أو غيره إذا ذكر لهم الشيء الممنوع فليذكر لهم الشيء الذي يحل محله، وهذا كما أنه مما وجه إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه مما وجه إليه الخالق عز وحل فقال الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104]. لما نهى عن هذه اللفظة {راعنا} [البقرة: 104] فتح لهم لفظ آخر فقال: {انظرنا} [البقرة: 104] حتى يستغنوا بما أباح الله عما حرم الله ومن ذلك قول لوط عليه الصلاة والسلام لقومه: {أتأتوان الذكران من العالمين وتذرونا ما خلق لكم من أزواجكم} [الشعراء: 166].
فالحاصل: أن هذه من الأشياء التي في كتابه ووجهت إليها المرسل، بمعنى: أنك إذا سددت بابا على الناس فافتح لهم أبواب الحل.
ومن فوائد الحديث: أن بعض العلماء استدل به على جواز العينة أو على جواز الحيلة كما يقولون: بع التمر بالدراهم إذا بعته على زيد بدراهم واشتريت به -بالدراهم- تمرا طيبا فيقولون: إن هذا يدل على جواز التحيل على الربا؛ كيف؟ لأنك بدلا من أن تقول: خذ هذه التمر الرديء بعشرة ريالات وأعطني صاعا بعشرة ريالات، وهذه حيلة، يعني: تمر دخلت بينهما دراهم غير مقبوضة، ولكن هذا الاستدلال ليس بصحيح؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبا» مطلق، ما قال: اشتر ممن تبيع عليه ولا اشتر من غيره، فهو مطلق، والمطلق يقيد بما دلت عليه السنة طريق آخر، فإن السنة دلت على تحريم الحيل كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها حملوه، يعني: أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه»، فدعا عليهم لكونهم تحيلوا لما حرمت عليهم الشحوم قالوا: لا نأكلها نذوبها ثم نبيعها ثم نأخذ الدراهم.
وقال صاحب كتاب "الحيل" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 27)
فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»، ومن المعلوم أن الذي يحرم صاعا بصاعين من التمر تأبى حكمته أن يحل لك أن تقول بعتك هذين الصاعين بعشرة دراهم فأعطني بها صاعا من التمر الطيب! ! هذا تلاعب، فليس في الحديث دليل على ما ذهبوا إليه، لأنه مطلق، والمطلق يجب أن يقيد بما دلت عليه النصوص من تحريم الحيلة.
ومن فوائد الحديث: جواز اختيار الأجود من المأكولات وأنه لا ينافي الزهد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الرجل على اختيار التمر الجيد ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل: لا، فاختيار الأجود من الأنواع لا شك أنه جائز لهذا الحديث، ولم يناف الزهد؛ لأن الزهد حقيقة ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فالزهد يترك كل شيء لا ينفعه في الآخرة.
فإن قال قائل: إذا قلنا: إن اختيار الأجود من المأكولات لا ينافي الزهد فهل يمكن أن نحوله إلى زهد؟
فالجواب: نعم، إذا صد الإنسان التعبد بهذا المأكول الطيب لمنة الله به عليم وليعرف منة الله بذلك صار عبادة فصار نافعا في الآخرة.
ومن فوائد هذا الحديث: جريان الربا في الذهب والفضة إذا خصصنا لفظ "الميزان" بهما أو في كل موزون إذا قلنا بالعموم، وأنه لا يجوز التفاضل.
ومن فوائد الحديث: الرد على الذين قالوا بجواز الربا إذا لم يشتمل على ظلم، حيث عللوا تحريمه بأنه ظلم وقالوا: إذا انتفت العلة انتفى الحكم وبنوا على هذا جواز الربا للاستثمار لا للاستغلال من أين يؤخذ؟ من أن هذه المعاملة أخذ منه صاع طيب ورد عليه صاعان رديئان، وكذلك باذل الزيادة لم يظلم، لأنه يرى أن أخذ الصاع الطيب بالصاعين كسب له وليس فيه ظلم له، فدل هذا على أن الربا ممنوع سواء وجدت العلة التي من أجلها ثبت الحكم أم لم توجد، وهذا الحديث لا شك أنه يدمغ هؤلاء الذين قالوا بالجواز إذا كان الربا من أجل الاستثمار وتنمبة الاقتصاد كما زعموا، فنقول: هذا الحديث ليس فيه ظلم بل فيه اختيار.
ومن فوائد الحديث: أن الله سبحانه إذا حرم على عباده شيئا فتح لهم بابا للحل، بل إننا نقول: إن أبواب الحل أكثر من أبواب المنع أخذا من قوله سبحانه وتعالى فيما كتب عنده: "إن رحمتي سبقت غضبي"، فالغضب يترتب عليه المنع كما حرم الله على الذين هادوا بسبب ظلمهم: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160]. والرحمة سبب السعة والحلم، وباب المباحات في المعاملات أكثر من باب المحرمات.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 28)
بيع التمر بالتمر وشروطه:
801 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله عن بيع الصبرة من التمر التي لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر». رواه مسلم.
"النهي": طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة وهي المضارع المقرون بلا الناهية، فقولنا: "طلب الكف" خرج به الأمر وما ليس ينهي مما أبيح، وقولنا: "على سبيل الاستعلاء" خرج به الدعاء والالتماس ونحوهما، وقولنا: "بصيغة مخصوصة" خرج به الأمر المفيد للكلف أو الأمر الذي يفيد طلب الكف مثل: دع، واترك، واجتنب، لأن هذا يفيد معنى النهي، لكنه بلفظ الأمر فلا يسمى نهيا اصطلاحا.
و"الصبرة" الكومة من التمر، وسميت صبرة لأنها محبوسة مجموع بعضها إلى بعض مثل: أن يكون عند الإنسان كومة من التمر، يقول: "التي لا يعلم مكيلها" يعني: لا يعلم كم كيلها، "بالكيل المسمى" أي: المعلوم من التمر، ووجه النهي أنه يشترط في بيع التمر بالتمر المساواة في الكيل، فهنا لا تعلم المساواة؛ لأن هذه صبرة غير معلومة، والعوض تمر معلوم، ولكن المعلوم من المجهول لا يجعل المجهول معلوما؛ فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع البصرة بالتمر المعلوم كيله؛ لأن التساوي فيه غير معلوم.
فإن قال قائل: أرأيتم لو خرصه وقال: إنها تساوي مائة صاع ثم باعها صاع؟
فالجواب: لا يفيد ذلك شيئا ولا يفيد الحل؛ لأن الخرص ظن وتخمين لا تعلم به المساواة.
فإن قال قائل: أليست السنة قد جاءت بجواز بيع العرايا؛ وهو بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر المعلوم بخرص الرطب؟
فالجواب: بلى، ولكن هناك فرق بين العرايا وهذه الصبرة؛ لأن العرايا فيها رطب، والرطب يعتبر أكله تفكها في وقته، والإنسان في حاجة إلى التفكه في وقت الرطب بالرطب، فمن أجل هذه الحاجة أباح الشارع العرايا، أما تمر بتمر صبرة مكومة فليس فيه حاجة، فلهذا يكون الفرق بينها وبين العرايا ظاهرا.
ففي هذا الحديث من الفوائد: أولا: تحريم بيع الصبرة من التمر بكيل معلوم منه؛ لأن الأصل في النعي التحريم.
ومن فوائده: أنه لة جرى العقد على ذلك فالعقد فاسد؛ لأنه منهي عنه لعينه، والشيء إذا نهي عنه لعينه فإنه لا يصح؛ لأن تصحيحنا إياه مع نهي الشارع عنه مضادة لحكم الله عز وجل فإن نهي الشارع عنه يقتضي البعد وإحباط هذا الشيء، فإذا صححناه فمقتضى ذلك الإذن بممارسته والعمل به.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 29)
ومن فوائد الحديث: التشديد في مسألة الربا، حيث إن ما يشترط فيه التماثل، فلابد أن يكون تماثله معلوما.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان الصبرة معلومة الكيل فباعها بتمر معلوم الكيل فلا بأس بذلك، وظاهر الحديث -أي: ظاهر هذا المفهوم - أنه لا يشترط إعادة كيل الصبرة بعد العقد؛ لأن الأصل بقاؤها على ما هي عليه، وإن كان احتمال النقص أو الزيادة وارداً لكن الأصل بقاؤها على ما كانت عليه، نعم لو فرض أن كيلها كان سابقا بزمن يمكن أن تتغير فيه فإنه لابد أن يعاد كيلها.
من أين نأخذ جواز بيع الصبرة بالتمر المعلوم كيله إذا كانت معلومة كيله؟ من قوله: "التي لا يعلم مكيلها"، فإنه يؤخذ منه: أنه إن كان يعلم مكيليها فلا بأس، ولا حاجة إلى إعادة الكيل، خلافا لبعض أهل العلم الذين قالوا: لابد من الكيل بعد العقد؛ لأنه يحتمل أن تكون اختلفت، فإت التمر إذا ضمر مثلا نقص عن الكيل الأول، فنقول: نعم إذا تقدم الكيل بزمن يمكن فيه التغير وجب إعادة كيله وإلا فلا.
ومن فوائد الحديث: جواز قبض المكيل بالكيل الحاصل قبل العقد إذا لم يمض زمن يمكن أن يتغير، يعني مثلا: لو اشتريت منك طعاما كيلا بدراهم فإنه لا يجوز أن أبيعه حتى - أكيله، هكذا جاءت السنة، لكن إذا كان البائع قد كاله أمامي قبل العقد وعرفت أنه لم يتغير فإنه يجوز الاعتماد على الكيل الأول، والدليل على هذا ظاهر هذا الحديث، فإن ظاهره أنه إن كانت الصبرة معلومة الكيل فلا حاجة إلى إعادة الكيل، كذلك الطعام الذي اشتريته مكايلة وقد كاله البائع بزمن لم يتغير فيه لا بأس أن أقبضه بناء على الكيل الأول.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز بيه صبرتين من التمر بعضهما ببعض؛ لماذا؟ لأن هذا شبه جهالة مما إذا كان أحدهما معلوما إلا إذا علمنا كيلهما بزمن لا يتغير فيه التمر فلا بأس.
802 - وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير». رواه مسلم.
هذه حكاية حال ماضية بالفعل المضارع الدال على الحال، وأفاد ذكر التعبير هكذا الإشارة إلى أن يتصور الأمر وكأنه الآن تأكيد لضبطه إياه، وإلا فممن الممكن أن يقول: "إني سمعت"، ومن المعلوم لنا جميعا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن دائما يتكلم بهذا وهذا يسمعه دائما، لكن سمعه دائما، لكن سمعه مرة، وإنما قال: "كنت أسمع" تحقيقا لضبطه لهذا السماع وكأنه حاضر الآن.
يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل" يعني: في القدر ليس في الصفة؛ لأنه في الصفة لا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 30)
يجوز أن أبيع صاعاً طبياً بصاعين طيبين، زلا يمكن أن أبيع صاعاً طيباً بصاع طيب من جنس واحد؛ لأن هذا عبث، لكن المراد بقوله: "مثلاً بمثل" في المقدار، وقد سبق لنا الاستشهاد بمجيء المثل بمعنى المقدار في قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12].
قال: "وكان طعامنا يومئذ الشعير"، في النسخة التي عندي هكذا بالنصب على أن طعام خبر مقدم، والتقدير: وكان الشعير طعامنا يومئذٍ، وفائدة تقديم الخبر: الحصر، يعني: كأنه يقول: ليس لنا طعام إلا الشعير، ويجوز أن يقال: "وكان طعامنا يومئذ الشعير"، يعني: الإخبار عن طعامهم بأنه الشعير لا عن الشعير بأنه طعامهم، لكن صح في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري -في زكاة الفطر- قال: "كنا نخرجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والتمر والزبيب والأقط"، والجمع بينهما إما أن يقال باختلاف الأحوال، فأحياناً لا يوجد في الغالب إلا الشعير، وقد توجد الأصناف الأربعة، وإما أن يقال بأن الأصناف كلها موجودة ولكن أكثرها الشعير وهذا هو الأقرب.
على كل حال: هذا الحديث يدل على أن بيع الشعير بالشعير لابد أن يكون متماثلاً ولكن قوله: "الطعام بالطعام" قد يقال: إن في ذلك إشارة إلى علة الربا وهي: الطعم، ولكن لا شك- على هذا التقدير- أنه لا يراد به كل مطعوم، إذ لو أريد به كل مطعوم لدخل حتى الماء؛ لأن الماء عند الإطلاق يدخل في الطعام كما قال تعالى: {فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده {[البقرة: 249]. ولكن المراد بالطعام: ما يطعم على أنه قوت، فإن الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يأكلون الشعير على أنه قوت؛ يعني: الذي هو مدد غذائهم، وعلى هذا فيكون في هذا الحديث إشارة إلى القول الراجح في هذه المسألة، وهو أن علة الربا في الأصناف الأربعة التي في حديث عبادة بن الصامت هو الطعم، لكن يضاف إلى ذلك الكيل؛ لأن كل الأحاديث الواردة كذلك تقدر هذا بالكيل، وعلى هذا فالطعام المكيل الذي يطعم ويقتاته الناس هو الذي يجري فيه الربا، وأما الطعام الذي لا يكال أو ما ليس بكيل فإنه لا يجري فيه الربا، مثل: الفاكهة على اختلاف أنواعها والخضروات والسدر والإشنان والحناء وما أشبهها.
في هذا الحديث من الفوائد: أولاً: أن بيع الطعام بالطعام لابد أن يكون متماثلا لقوله: "مثلاً بمثل".
ثانياً: بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من شغف العيش، وأن طعامهم الشعير الذي في عصرنا هذا لا يمكن أن يكون طعاماً للآدمي، وفي هذا دليل على أن إمداد الناس
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 31)
بالمال والبنين لا يدل على أنهم خير القرون؛ لأنه بلا شك خير القرون هم الصحابة ومع هذا فهذه حالهم في عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز إخبار الإنسان عن نفسه وإن كان الإخبار يدل على البؤس؛ لقوله: "وكان طعامنا الشعير"، والإنسان إذا أخبر بما يفيد البؤس عن نفسه فلا يخلو إما أن يكون المقصود مجرد الخبر، أو يكون المقصود التسخط على القدر، أو يكون المقصود التشكي إلى المخلوق، فأما الأول فلا بأس به، وقد قال لوط عليه الصلاة والسلام للملائكة: {وقال هذا يوم عصيب} [هود: 77]. وأما الثاني الذي يقصد به التسخط ولوم القدر فإن هذا لا يجوز، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر مقلب الله والنهار»، وأما الثالث- وهو الذي يقصد به التشكي إلى المخلوق- فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأن المخلوق لا يرحمك، والله يرحمك، ولهذا قيل: [الكامل]
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما … تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
وهذا صحيح، والإنسان لا يجوز له أن يشكو الخالق إلى أحد، فكيف إذا شكاه إلى مخلوق ضعيف؟ هذا المخلوق لو أصيب بمثل مصيبتك لا يستطيع أن يزيل عن نفسه ذلك.
بيع الذهب بالذهب:
803 - وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: «اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تباع حتى تفصل». رواه مسلمٌ.
قوله: "يوم خيبر" يعني: يوم فتح خيبر، وكانت خيبر حصوناً ومزارع لليهود تقع في الشمال الغربي من المدينة على بعد نحو مائة ميل، وقد فتحها النبي صلى الله عليه وسلم في عام ستة من الهجرة، ولما فتحها طلب منه اليهود أن يبقيهم عمالاً فيها لأنهم أهل حرس وزرع، على أن يكون لهم الشطر وللنبي صلى الله عليه وسلم الشر، فوافقهم على هذا؛ لأن الذين معه من المهاجرين والأنصار مشغولون معه بمصالح المسلمين من الجهاد وغيره؛ ولأن هؤلاء أهل حرس وزرع فهم أعلم بحروثهم وزروعهم، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم غنم منها مغانم، منها الذهب، فكانت هذه القلادة مما غنم فبيعت باثني عشر ديناراً وهذه رواية مسلم.
وقد اختلفت الروايات في مقدار الثمن الذي بيعت به اختلافاً كثيراً، حتى إن بعضهم ادعى أن الحديث ضعيف لاضطرابه؛ لأن اضطراب الرواة في نقل الحديث يؤدي إلى ضعفه إذا لم
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 32)
يمكن الجمع ولا الترجيح؛ لأن الاضطراب يشترط فيه شرطان: ألا يمكن الجمع وألا يمكن الترجيح، فإن أمكن الجمع جمع وزال الاضطراب، وإن أمكن الترجيح أخذ بالراجح وشذ فيما سواه، ولكن الصحيح ما حققه ابن حجر رحمه الله؛ لأن الاختلاف في مثل هذا لا يضر؛ لأن الاختلاف فيه لا يعود إلى أصل الحديث؛ إذ إن أصل الحديث متفق وهو بيع القلادة بذهب، وأما الاضطراب فلا يتعلق به حكم، ونظير ذلك اختلاف الرواة في مقدار جمل جابر، فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً ومع ذلك لم يعد هذا من الاضطراب؛ لأن الاختلاف ليس في أصل الحديث، أما الاختلاف في أصل الحديث- مثل أن يكون أحدهم روى النهى، والثاني رواه بلفظ الأمر مما يعود إلى أصله- فهذا نعم يحكم بالاضطراب، إذا لم يمكن الجمع ولا الترجيح، والذي يهمنا صيغة العقد والمعقود عليه جنسه، أما قبضه فلا يهم.
يقول: "باثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز" كما هي العادة في القلادة أن يكون فيها خرز من ذهب وخرز من خزف ونحوه، يقول: "ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً"، يعني: من الذهب، وذلك بالوزن، فكان الذهب الذي فيها يزن أكثر من اثني عشر ديناراً، ومعلوم أن بيع الذهب بالذهب لابد فيه من التساوي.
يقول: "فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تباع حتى تفصل" أي: تفصل من الخرز ويجعل الذهب وحده، والدنانير وحدها ثم توزن، فإذا تساوت وزناً جاز بيعها، وقوله: "لا تباع" لم يقل: لا تفعل، فيفيد أن هذا البيع يجب إبطاله وإعادته؛ لأنه بيع فاسد باطل.
هذا الحديث فيه شراء جنس من الربوي بجنسه مع التفاضل، والقاعدة الشرعية في بيع الربوي بجنسه أنه لا يجوز مع التفاضل.
في هذا الحديث فوائد: منها: أن ما غنم من مال الكفار فهو ملك للغانمين؛ ولذلك صح العقد عليه، فهل ما ملكوه منا ملك لهم؟ الصحيح: نعم أنه ملك لهم؛ لأنهم يأخذونه على أنه حل لهم؛ ولأن الكفار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يكسبون من المسلمين ويبيعونه تبع أموالهم، فما ملكناه من أموالهم فهو لنا، وما ملكوه من أموالنا فهو لهم، كما أن من قتلوه منا لا يضمنونه ولو أسلموا؛ لأنهم يعتقدون أن هذا حلال.
ومن فوائد الحديث: أن الصنعة لا تؤثر في اشتراط التساوي إذا بيع الربوي بجنسه، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباع حتى تفصل».
فإن قال قائل: الزيادة هنا في المصنوع وكلامنا إذا كانت الزيادة في غير المصنوع.
فقال: إذا منع الشرع الزيادة في المصنوع فعكسه من باب أولى.
ومن فوائد الحديث: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه معه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 33)