أو معهما من غير جنسهما، مثال ذلك: باع برا وتمراً ببر هذا لا يجوز؛ لأن مع أحدهما من غير الجنس، ولأننا نقول إن الجنس هنا مساوياً للجنس الذي جعل عوضاً عنه، فالذي معه يعتبر زيادة، يعني: باع صاع بر ومعه نصف صاع تمر بصاع البر، نقول: هذا صار براً ببر ومع أحدهما زيادة وهذا لا يجوز وإن كان البر الذي معه التمر وبيع به البر أنقص من البر الذي جعل عوضا عنه، فقد بيع البر بالبر مع التفاضل وهذا أيضاً لا يجوز، فإن كان البر المفرد أطيب من البر الذي معه غيره بحيث تكون قيمة الاثنين مساوية لقيمة البر فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه سبق لنا أن الوصف لا يبيح الزيادة، فإن كان المفرد الذي ليس معه شيء أكثر من الذي معه شيء لكن زيادة المفرد تقابل الشيء الذي معه -مع العوض- فهل يجوز؟ ، مثال ذلك: باع صاعين من البر بصاع من البر وصاع من التمر والقيمة سواء، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يجوز جعل الصاع الزائد في المفرد في مقابل المشفوع في المثنى يعني: يقول هذان الصاعان بصاع من البر وصاع من التمر نجعل صاعاً من التمر في مقابل صاع من البر وصاعاً من البر في مقابل الصاع من البر، وحينئذً لا ربا، فيقول هذا القائل: إنه إذا كان في المفرد زيادة تقابل ما مع المشفوع من غير جنسه فإن ذلك جائز، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد، فيجعلون الزيادة في الجنس في مقابل المصاحب للمشفوع ويقولون: نجعل صاعاً بصاع وصاعاً من التمر بالزيادة التي مع البر، وكذلك لو باع صاع بر وتمر بصاع بر وتمر يقولون أيضاً لا بأس به؛ لأننا نجعل البر مقابل التمر والتمر مقابل البر يقولون مثلاً: رجل أتى بصاع من البر وصاع من التمر وباعهما على شخص آخر بصاع من البر وصاع من التمر يقولون: هذا أيضاً جائز؛ لأنك إن جعلت صاعاً من البر في مقابل صاع من البر وصاعاً من التمر في مقابل صاع من التمر فهذا جائز، وإن جعلت صاعاً من البر في مقابل صاع من التمر وصاعاً من التمر في الطرف الآخر في مقابل صاع البر فهذا أيضاً جائز، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو الصحيح؛ لأن العلة منتفية، فإذا كان هذا الزائد الذي مع العوض المقابل له زيادة في هذا فقد بعت طعاماً بطعام مع التساوي ولا محظور في ذلك؛ لأن الكمية الزائدة في المفرد تقابل بالمشفوع مع الطرف الآخر، وهذا الحديث لا يمنع القول بذلك؛ لأن هذا الحديث فيه أن القلادة زادت على الثمن، فإذا كانت زادت على الثمن فهي ليست موضع النزاع، فإن ما دل عليه الحديث هذا ممنوع على القولين جميعاً، أما لو فرض أنها أقل من الدنانير ومنعها الرسول صلى الله عليه وسلم لكان هذا فصل للنزاع ودليل على أنه لا يجوز أن يكون العوض المفرد مقابلاً بشيئين من جنسين ولو كانت القيمة واحدة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 34)
ومن فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة على معرفة الأحكام الشرعية؛ لأن فضالة بعد أن اشتراها ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أن الله عز وجل حافظ دينه ومتممه، وأن الشيء إذا وقع على خلاف ما يرضاه فلابد أن يقيض الله سبحانه وتعالى حالاً يبين بها ما يرضي الله عز وجل، وجه ذلك: أن هذا ذكر ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أتم العقد وإلا لو سكت ما كان هناك شيء بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان إقرار الله يدل على رضاه به.
ومن فوائد الحديث: أن ما وقع على وجه فاسد وجب ردة لقوله: "لا يباع حتى تفضل"، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإنسان عالماً أو جاهلاً فلو عقد عقداً فاسداً وهو جاهل فإن العقد لا يصح، ولكن لا يؤاخذ الإنسان بهذا العقد إذا كان جاهلاً لقوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286].
ومن فوائد الحديث: سد الذرائع الموصلة إلى الربا مما يدل على أن الربا أمره عظيم، وأن الشارع سد كل ذريعة تؤدي إلى الربا، وإلا فمن الجائز أن يقال: إن القيمة تعتبر واحدة؛ لأن الذهب المصوغ دون الذهب غير المصوغ.
بيع الحيوان بالحيوان:
804 - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة». رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن الجارود.
في الحاشية أن هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة ولا يصح سماعه منه. هذه المسألة في الحديث يقول: «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» أي: مؤخرا بدون قبض، والحيوان عرفاً هو البهيمة، ولا يطلق على الإنسان حيوان، وما ذهب إليه المناطقة من وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق فهو اصطلاح، وإلا فإن العرف ما ذكرنا وأظن اللغة العربية كذلك لا تجيز أن الإنسان حيواناً، وقوله: «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان» أي: في حال حياتهما وأما بعد الذبح فإنه لا يسمى حيواناً وإنما يسمى لحماً.
ففهم من هذا الحديث: تحريم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مثل: أن يبيع الإنسان بعيراً ببعير بدون قبض، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون البعيران من جنس أو من جنسين مثل: أن يبيع بعيراً ببقرة أو بعيراً ببعير، ولكن هذه المسألة فيها خلاف؛ فمن العلماء من قال:
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 35)
الحيوان بالحيوان- أي: من جنسه- كبيع البر بالبر، أما إذا كان من غير الجنس فإنه لا بأس بيعه به نسيئة، مثل: أن يبيع بقرة ببعير أو بقرة بثلاث شياه أو أربعة أو ما أشبه ذلك، قالوا: لأنه إذا كان لا يجري الربا في بيع الجنس بغير جنسه في الطعام ففي الحيوان من باب أولى؛ لأن الحيوان لا يكال ولا يوزن فليس فيه علة ربا النسيئة، وإذا قلنا بأن الحديث ليس بصحيح وأنه منقطع فإنه يجوز أن يباع الحيوان بالحيوان نسيئة، كما يجوز بيع الحيوان بالحيوان مقبوضاً غير مؤخر، وسيأتي -إن شاء الله- في حديث ابن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنقدت الإبل، فكان يأخذ البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة، فإن هذا الحديث فيه التفاضل مع النسيئة.
من فوائد الحديث: إذا صح النهي عن بيع الحيوان بالحيوان بدون قبض، وجواز بيع الحيوان بالحيوان مع القبض، وظاهره أنه لا فرق بين أن يكونا متساويين كبعير ببعير أو أحدهما أكثر من الآخر كبعير ببعيرين.
بيع العينة:
805 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». رواه أبو داود من رواية نافع عنه، وفي إسناده مقالٌ.
- ولأحمد: محوه من رواية عطاءٍ، ورجاله ثقاتٌ، وصححه ابن القطان.
"تبايعتم" يعني: أوقعتم عقود البيوع، وسمي هذا العقد مبايعة؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه إلى الآخر ليسلمه العوض، فالمشتري يمد باعه إلى البائع ليسلمه الثمن، والبائع يمد باعه إلى المشتري ليسلمه المثمن.
وقوله: "بالعينة"، العينة على وزن فعلة من العين، وهو الورق أو الذهب أو النقد عموماً، والمراد بالعينة: أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقداً، سواء كان هذا الشيء ربوياً أو غير ربوي، مثال ذلك: باع عليه سيارة بعشرين ألفاً إلى مدة سنة ثم عاد فاشتراها منه نقداً بخمسة عشر ألفاً، فإن هذا بيع عينة، وسمي بذلك؛ لأن المشتري لم يرد السلعة وإنما أراد العين، أي: النقد لينتفع به، ودليل ذلك أنه اشتراها بثمن زائد مؤجل ثم باعها على من اشتراها منه، فكأنه لم يقصد هذه السلعة، وإنما قصد الثمن -الدراهم- فلهذا سمي بيع عينة، هذا بيع
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 36)
محرم؛ لأنه رتبت عليه عقوبة، وإنما كان بيعاً محرماً؛ لأنه وسيلة إلى الربا بحيلة، والحيل لا تبيح المحرمات ولا تسقط الواجبات.
الوصف الثاني: "وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع"، وهاتان الجملتان متلازمتان؛ لأن قوله: "أخذتم أذناب البقر" يعني: للحرث عليها، فإن الحارث على البقرة يكون وراءها يسوقها فيأخذ بذنبها ويسوقها، "رضيتم بالزرع" يعني: زرع الأرض التي حرثتم بها على هذه البقر، "وتركتم الجهاد" يعني: لم تجاهدوا في سبيل الله لا بأموالكم ولا بأنفسكم ولا بألسنتكم، ركنتم إلى الخلود ولم تتحركوا لنصرة دين الله، والغالب أن هذا ملازم لهذا، يعني: أن الذي ينهمك في طلب الدنيا ويتحيل في الحصول عليها حتى بما حرم الله الغالب أنه يترك الجهاد، لأن قلبه اشتغل عنه.
قال إذا حصل هذه الأربع: "سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" يعني: ضربكم بذل، والذل ضد العز، صرتم أذلة أمام الناس، حتى ترجعوا إلى إقامة الدين على الذي يرضاه الله عز وجل، لأن الإنسان لا يخرج بهذه الأوصاف عن الإسلام، لكنه يخرج عن كمال الإسلام.
هذا الحديث فيه الوعيد الشديد على من اتصف بهذه الصفات الأربع.
ففي هذا الحديث فوائد: الأولى: تحريم بيع العينة وهي كما ذكرت لكم أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقداً، مثل أن يبيع سيارة بعشرين ألفاً ثم يشتريها من مشتريها بخمسة عشر ألفاً نقداً، هذا عينة، فإن اشتراها من غير مشتريها، يعني: بأن باعها الذي اشتراها منه ثم اشتراها الأول من المشتري الثاني، فإن هذا ليس من العينة؛ لأنه ليس فيه حيلة، إلا أن يكون هناك موافقة بأن يقول البائع الأول للمشتري: بعها على فلان فأشتريها منه، فإن الحيلة لا تنفع فإن باعها بعد أن تغيرت صفتها ثم اشتراها البائع بأقل مما باعها به بعد تغير الصفة فهل هذا جائز؟ ينظر في النقص إن كان في مقابل ما نقص من قيمتها التي باعها به فإن هذا لا بأس به مع أن الورع تركه لئلا ينفتح الباب، مثاله: باع عليه سيارة بعشرين ألفاً إلى سنة ثم حصل عليها حادث فنقصت قيمتها خمسة آلاف فاشتراها بخمسة عشر ألفاً فهل يجوز هذا؟ يجوز، لكن مع ذلك الأروع والأحوط تركه لئلا يكون ذلك زريعة إلى بيع العينة، فإن اشتراها بأقل من نقص السعر لا لفوات صفة فالظاهر أن ذلك لا يجوز، يعني: كانت تساوي عشرين ألفاً لكن نزل السعر فاشتراها بقدر ما نزل فقط، لا بالفرق بين النقد والمؤجل، فالظاهر أن ذلك لا يجوز وإن اختلف السعر؛ لأن ذلك حيلة، فإن اشتراها بمثل ما باعها به فهذا لا بأس به؛ لأنه من الجائز أن يبيعها علي بعشرين ألفاً إلى ستة وهي تساوي خمسة عشر ألفاً، ثم
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 37)
ترتفع الأسعار فتكون تساوي عشرين ألفاً نقداً، فاشتراها بعشرين ألفاً يعني: بمثل ما باعها به فإن هذا لا بأس به، فصارت مسائل العينة لها عدة صور منها الجائز ومنها الممنوعة، الممنوعة أن يبيعها بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه، لنقص السعر هذه لا تجوز أن يبيعها بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه ويكون النقص بمقدار ما نقص من صفتها لحدوث عيب فيها أو هزال في حيوان فهذه جائزة، ولكن الأولى تركها، الرابعة: أن يشتريها بمثل ما باعها به فهذا جائز؛ لأنه ليس فيه محظور، الخامسة: أن يشتريها بأكثر مما باعها به فهذا جائز من باب أولى؛ لأنه ليس في ذلك محظور.
ومن فوائد الحديث: التحذير من التشاغل ببيع العينة لقوله: "إذا تبايعتم بالعينة".
وهل هذا التحذير على سبيل التحريم أو على سبيل الإرشاد؟ نقول هو على سبيل التحريم، من أين أخذنا ذلك؟ أخذناه من أنه حيلة واضحة قريبة من الربا؛ لأنني إذا بعت عليك هذه السيارة بعشرين ألفاً إلى سنة ثم رجعت فأخذتها بخمسة عشر ألفاً نقداً كأنما أعطيتك خمسة عشر ألفاً نقداً بعشرين ألفاً على سنة، وهذا حيلة؛ ولهذا قال ابن عباس: "إنها دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة" يعني: خرقة، وكأنه سئل عن ثوب من الحرير مؤجل ويشتري بكذا نقداً.
ومن فوائد الحديث: أنه لو اشتراها البائع الأول من غير المشتري فلا حرج، مثل أن يبيعها زيد على عمرو ثم يبيعها عمرو على بكر فيشتريها زيد من بكر فهذا لا بأس به؛ لأن الحيلة فيها بعيدة، وقد تعرضنا في الشرح فيما لو اختلفت السلعة أو اختلفت القيمة فهل هذا مؤثر؟ ذكرنا خمس صور.
ومن فوائد الحديث: التحذير من التشاغل بالزرع عن الجهاد لقوله: "وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع".
ومن فوائد الحديث: أن الجهاد واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من التشاغل بغيره عنه بأن الله يصيب الأمة بذل لا ينزعه حتى يرجعوا إلى دينهم.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمسلمين ألا ينهمكوا في طلب الدنيا؛ لأنها تشغلهم عن الآخرة، وفتح باب الانهماك في الدنيا لا شك أنه ينسي الإنسان ذكر الله عز وجل، ونحن الآن في عصر انهمكت الناس فيه في طلب الدنيا، فكثر التحيل عليها بالربا وبالميسر وبالأسهم، ولهذا ما أكثر الذين يسألون اليوم عن المساهمات والمضاربات التي لا تحل؛ لأنهم اشتغلوا رأوا مكاسب كثيرة بعمل يسير وزمن قريب، فانهمكوا في الدنيا حتى صار الناس كأنهم ماديون لا شك أن هذا فيه خطر عظيم على المسلمين؛ لأن القلب وعاء إذا امتلأ بشيء لم
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 38)
يبق للشيء الآخر محل، إذا امتلأ القلب بحب الدنيا اشتغل عن حب الله ورسوله وصار الإنسان ليس له هم إلا الكسب، ولكننا نحمد الله على كل حال، ونحمد الله أنه يوجد كثير من الناس لا يقدمون على مثل هذه المضاربات إلا بعد السؤال، وهذا شيء لا شك أنه من نعمة الله، إن ما فتح هذه الأبواب للناس فتح باب الميسر بالمسابقات المحرمة لا شك أنه ضرر.
هذا الحديث كثير من العلماء ضعفه كما يفيده كلام الشارح رحمه الله ولا شك أن معناه إذا كان الجهاد فرضاً معناه صحيح، فإن الناس إذا تركوا ما أوجب الله عليهم من الجهاد وتشاغلوا بالدنيا عنه فإن هذا من أسباب الذل والهزيمة، وإذا كان الصحابة رضي الله عنهم في غزوة أحد لما أرادوا الدنيا، ونزلوا من الجبهة التي رتبهم النبي صلى الله عليه وسلم فيها حصل من الهزيمة ما حصل فكيف بغيرهم، فمعنى الحديث صحيح لكن أسانيده ضعيفة.
سبق لنا في الشرح أن قلنا: إن الجهاد يشمل كل ما يدافع به عن دين الله من الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم وأن الناس إذا كانت الأمة الإسلامية تحتاج للعلم الشرعي الصحيح كان التشاغل به كالتشاغل بالجهاد المسلح، بل قد يكون أفضل منه؛ لأن الحاجة إليه عامة للمسلمين وغير المسلمين، حتى المسلمون يحتاجون إلى إقامة دينهم المبينة على الكتاب والسنة، فهم في حاجة بأن يقوموا على شريعة الله التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم في حاجة أيضاً إلى أن يعرفوا حدود الله بالنسبة لمعاملة الكفار في السلم والحرب.
الشفاعة المحرمة:
806 - وعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شفع لأخيه شفاعةً، فأهدى له هديةً فقبلها؛ فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا». رواه أحمد، وأبو داود، وفي إسناده مقال.
الشفع مأخوذة من لفظها وهي جعل الواحد اثنين، قال الله تعالى: {والشفع والوتر} [الفجر: 3]. فالشفع ضد الوتر، وهي: أن يتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، مثال الأول: لو شفعت لشخص بأن يوضع في مرتبة عالية فهذا جلب منفعة، ومثال الثاني: أن تشفع لشخص يريد أحد أن يظلمه فتدفع عنه المظلمة، هذه دفع ضرر، إذن فالشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، وهي -أي: الشفاعة- على حسب المشفوع فيه: إن كانت في خير فهي خير، وإن كانت في شر فهي شر، فمن شفع لأخيه ليتوصل إلى باطل فهي شر ولهذا حرمت الرشوة، ومن شفع لأخيه للتوصل إلى حق فهي خير، قال الله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنةً يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعةً سيئة يكن له كفل منها} [النساء: 84 - 85]. فالشفاعة قد تكون حسنة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 39)
فقوله صلى الله عليه وسلم: «من شفع لأخيه شفاعة» المراد بها: الشفاعة في الخير، وهي قد تكون واجبة؛ لأن الواجب على المسلم أن يدفع الظلم عن أخيه بقدر ما يستطيع حتى لو لم تطلب منه الشفاعة، إلا إذا علم رضا المظلوم فإنه لا يلزمه أن يشفع، لكن إذا علم أنه لا يرضى كما هو الغالب وهو يستطيع أن يشفع فالواجب عليه أن يشفع، أما إذا كانت الشفاعة في أمر ليس فيه ظلم لكن فيه حصول مطلوب فالشفاعة هنا ليست بواجبة، لكنها خير يؤجر الإنسان عليها، كما لو طلب شخص منك أن تشفع له في حصول أمر يرغب فيه وهو لا يضره شرعاً، فهنا نقول: الشفاعة سنة وفيها خير، لكن ليست بواجبة، بخلاف الشفاعة في دفع الظلم فإنها واجبة ما لم تعلم رضا المظلوم، أما الشفاعة السيئة فهي حرام، وهي من باب التعاون على الإثم والعدوان، ولا يجوز لأحد أن يشفع لأحد فيها؛ لأنه يكون معيناً له على [العدوان]، مثال ذلك: رأيت أن شخصاً قد هيئ لشغل منصب من المناصب فجاءك رجل وقال: يا أخي، أريد أن تشفع لي في حصول هذا المنصب، فهنا لا يجوز لك أن تشفع له؛ لماذا؟ لأنك بهذا تعتدي على حق السابق، والسابق أحق، اللهم إلا إذا علمت أنه ربما يولى هذه المرتبة وهو ليس لها بأهل، فحينئذٍ لا بأس أن تشفع لهذا الرجل إن كان أهلاً؛ لأنك في هذه الحال مصلح تريد أن تحول بين هذا الرجل الذي ليس بأهل وبين المرتبة التي يريد أن يشغلها.
الحاصل: أن الشفاعة في الحقيقة تكون بحسب المشفوع فيه إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
يقول صلى الله عليه وسلم: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية» يعني: أعطاه شيئاً في مقابل شفاعته، «فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا» المراد بذلك: الربا اللغوي، وهو الزيادة، دون الربا الشرعي، وهو الزيادة في أشياء مخصوصة؛ لأن الربا الشرعي لا ينطبق على هذا، لكن الربا اللغوي ينطبق عليه، كيف الربا اللغوي؟ لأن هذا حصل الأجر والسمعة الحسنة بالشفاعة لأخيه، فإذا قبل الهدية فذلك زيادة على ما حصله بالشفاعة، ثم إن الهدية في الغالب لا يعلم الناس بها فيظنون أن هذا الشافع محسن إحسانا محضاً فيكسب سمعة حسنة ليس لها بأهل، ويكسب المال الذي أهدى له، وهذا زيادة ورباً، هذا هو ما ينزل عليه الحديث إذا صح، أما إذا لم يصح -كما قال المؤلف- فقد كفينا إياه، ثم يقال: إن كانت الشفاعة واجبة حرم عليه أخذ الهدية؛ لأنه قد قام بواجب، ولا يجوز للإنسان أن يأخذ عوضاً مالياً عن قيامه بواجب؛ لأنه ملزم به من قبل الشرع، فكيف يأخذ شيئاً على أمر هو ملزم به، وهذا وجه آخر، لكون هذه الهدية رباً؛ أي: زيادة على ما كان يستحقه الشافع.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من شفع لأخيه» هل المراد: أخوة النسب، أو أخوة الدين؟ الثاني، وهو أيضاً
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 40)
مبني على الغالب، فإن الإنسان قد يشفع لغير المسلم؛ لأن ذا الذمة له حق وحماية، فإذا رأيت أحداً يريد أن يظلمه وشفعت له لدفع الظلم عنه كنت مأجوراً بذلك؛ لأنك تفعل هذا وفاء بالعهد والذمة الذي بين المسلمين وهذا الذمي، فيكون تقييدها بالأخوة من باب التغليب وليس من باب القيد.
من فوائد هذا الحديث: جواز الشفاعة، ووجهه: إثبات النبي صلى الله عليه وسلم لها وإقراره إياها، ولكن ليس ذلك على إطلاقه، بل على حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية والأصول المرعية، فإذا شفع في أمر باطل كانت شفاعته باطلة، وحراماً إذا كان حراماً ولكن المراد الشفاعة في الخير.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز لمن شفع في أمر يجب عليه الشفاعة فيه أن يأخذ هدية؛ لان وصف النبي صلى الله عليه وسلم لها بالربا يراد به التنفير منها، وكذلك من شفع لأخيه في غير الواجب، فإنه لا يأخذ على ذلك هدية؛ لما أسلفناه من أن الإنسان يكسب ويحصل ما لا يستحقه.
فإن قال قائل: ما تقولون فيما لو طلب منه الشفاعة وقال له المطلوب: أنا لا أشفع لك إلا بكذا وكذا من الأصل فهل يجوز؟
أقول: إنه إذا كان من الأصل لم تكن هذه شفاعة لم يحصل بها منة من الشافع بل هي إجارة ما لم تكن الشفاعة واجبة، إن كانت واجبة فلا يجوز له أن يقول لا أشفع إلا بكذا وكذا؛ لانه واجب ملزم به من قبل الشرع مثل أن يشفع له في دفع الظلم عنه أو حصول واجب له.
الرشوة:
807 - وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي". رواه أبو داود، والترمذي وصححه.
"لعنه" أي قال: لعنة الله عليه وهو خبر بمعنى: الدعاء؛ أي: دعا عليه باللعنة، والعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، قال تعالى لإبليس: {وإن عليك اللعنة} [الحجر: 35]. وفي آية أخرى: {وإن عليك لعنتي} [ص: 78]. أي: حقت عليه اللعنة، وهي الطرد والإبعاد عن رحمة الله أبد الآبدين؛ لان قوله: {إلى يوم الدين} لا يقتضي أنه بعد يوم الدين ترتفع اللعنة عنه، لكن من لعن إلى يوم الدين فهو ملعون أبد الآبدين، نسأل الله العافية.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 41)
"لعن" أي: دعا عليه باللعنة؛ أي: بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، "الراشي": هو باذل الرشوة، "والمرتشي": آخذ الرشوة، والرشوة بفتح الراء وكسرها وضمها مثلثة الراء، يعني تقول: رشوة فيكون صحيحاً، رشوة صحيح، رشوة صحيح، يقال: مثلث الراء، ويقال: بالمثلثة وبينهما فرق، إذا قيل: مثلث الراء باعتبار الحركات، وإذا قيل بالمثلثة باعتبار النقط، فالثاء نقول فيها: مثلثة ورشوة نقول بتثليث الراء. ما هي الرشوة؟ الرشوة في الأصل: العطاء الذي يراد به التوصل إلى مقصود، مأخوذة من ارشاء الذي هو حبل الدلو الذي ينزل في البئر للسقيا؛ لأن الرشاء يتوصل به الإنسان إلى مقصوده إلى الماء، ولكن المراد بالرشوة هنا التي لعن فاعلها هي البذل للتوصل إلى باطل، أو إسقاط حق، وأكثر ما تكون في المحاكمات يبذل الخصم للقاضي- للحاكم- شيئا ليحكم له بما يريد من باطل، فهذه الرشوة وكذلك في غير القضاء، يبذل الإنسان شيئا إلى رئيس دائرة ما أو مديرها لينصبه في وظيفة وهو ليس لها بأهل.
فالقاعدة إذن: أن الرشوة المحرمة هي بذل مال للتوصل إلى باطل أو إسقاط حق، هذه المحرمة، وأما ما يبدل للتوصل إلى حق فهي حرام بالنسبة للآخذ حلال بالنسبة للباذل، كرجل تسلط عليه ظالم فأعطاه رشوة لأجل منع الظلم عنه فهذا لا بأس به، إنسان آخر له حق ولا يستطيع التوصل إلى يبذل المال ليصل إلى حقه فهذا ليس حراماً عليه والإثم على الآخذ، ولكن لا ينبغي أن نلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة القصوى؛ لأننا لو بذلنا هذا بسهولة لفسد من يتولى أمور الناس وصار لا يمكن أن يعمل إلا برشوة، كما يوجد في بعض البلاد لا يمكن أن تقضى حاجته التي يجب قضاؤها على الموظف إلا برشوة، يأخذون بالقاعدة الأصلية الثابتة الراسخة عند العامة وهي: "ادهن السير يسير يعني: ما يمكن إنه يسير أمره ويسهل إلا إذا دهن السير وإذا دهنته كثيرا يمشي ويسرع وإن دهنته قليلاً يقطع".
على كل حال أقول: إن الإنسان الذي يبذل الشيء ليتوصل إلى حقه أو دفع الظلم عنه ليس عليه إثم، بل الإثم على الآخذ، وقد نص على ذلك أهل العلم الشراح الذين يشرحون الحديث باعتباره شرحاً فقيها، والشراح الذين يشرحون باعتباره شرحاً لغوياً كصاحب النهاية مثلاً، إذن الرشوة التي لعن فاعلها ومن فعلت له هي التي يتوصل بها إلى باطل أو إسقاط حق، هذه يلعن فيها الراشي والمرتشي، وإنما لعنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يتضمن فعلهما من المفاسد العظيمة وتعطيل حقوق الناس والتلاعب بهم، والناس- كما تعلمون- إذا لم نقض حوائجهم على الوجه المطلوب حصل بذلك فتن عظيمة وكراهة لولاة الأمور الذين يتولون هذه الأشياء، ويأخذون عليها رشوة والواجب على الإنسان أن يتقي الله عز وجل فيمن ولاه الله عليه وأن يسير بهم بالعدل والقسط، ويعطي كل ذي حق حقه، وألا يستعمل سلطته ليتوصل بها إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 42)
من فوائد الحديث: جواز لعن الراشي والمرتشي، لكن على سبيل العموم لا التخصيص، فتقول: لعنة الله على الراشي والمرتشي، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لعنهما، وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ما لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن على سبيل التعيين لا يجوز وإن رشا؛ لأنه من الممكن أن يهديه الله عز وجل ويسلم من الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وإذا كان الكافر- وهو أشد من المرتشي- لا يجوز لعنه بعينه فما بالك بالمرتشي، لا يجوز من باب أولى، ولهذا لما صار النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على قوم من العرب «اللهم العن فلاناً وفلاناً» نهاه الله، وقال له سبحانه وتعالى: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظلمون} [آل عمران: 128].
فكذلك هؤلاء الفسقة الذين لعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن نلعن الإنسان منهم بعينه لكن على سبيل العموم، وبهذا نعرف الفقه في هذه المسألة وهي الفرق بين التعيين بالجنس والتعيين بالشخص، التعيين بالجنس أوسع وهو أن أقول: اللهم العن الرشاة والمرتشين عموماً، لكن التعيين بالشخص، اللهم العن فلانا لأنه يرتشي لا يجوز، اللهم العن فلاناً لأنه كافر لا يجوز، لكن لو قلت: لعنة الله على الكافرين جائز للعموم، وهذا كما أنه في العقوبات فهو كذلك في الثواب، فلا تشهد لشخص معين بأنه في الجنة وإن كان مؤمناً، ولا تشهد لمن قتل في الجهاد بأنه شهيد وإن قتل فيه، ولكن نقول كما أرشد إليه عمر رضي الله عنه: "من قتل في سبيل الله أو مات فهو شهيد" على سبيل العموم؛ لأننا لو قلنا بجواز الشهادة بالتعيين لكنا نشهد لكل واحد بأنه في الجنة من المؤمنين وهذا لا يكون.
ومن فوائد الحديث: وجوب القيام بالعدل بين الناس؛ لأن الرشوة في الغالب يكون فيها جور؛ حيث إنه يقدم الراشي على غيره، وربما يحكم له بالباطل مع أن الحق مع غيره.
فإن قال قائل: ما وجه إدخال هذا الحديث في باب الربا؟
نقول: وجه ذلك: هو أن الجامع بينه وبين الربا أن هذا الآخذ بغير حق من أكل المال بالباطل فهو كالربا.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 43)
بيع الحيوان بالحيوان نسيئة:
808 - وعنه رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة. قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة". رواه الحاكم والبيهقي، ورجاله ثقات.
"وعنه": أي عبد الله بن عمرو، "أمره أن يجهز جيشاً"، يعني: يقوم بمصالح الجيش ويشتري حوائجه وينفذه، والجيش هو الطائف من الجنود تتجاوز أربعمائة، وقوله: "فنفدت الإبل" يعني: الإبل المعدة للجهاد نفدت وانتهت، "فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ على قلائص الصدقة"، "قلائص": جمع قلوص وهي الناقة، وأضافها إلى الصدقة؛ لأنها تجبي من أموال أهل الإبل ويؤتي بها إلى المدينة، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، "قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة" شراء قطعا، وليس قرضاً؛ لان الباء هنا للمعاوضة، ولأنه من المعلوم أن القرض بذلك يكون من الربا، فلا يجوز للإنسان أن يعطى واحداً ويأخذ اثنين، لأنه يكون رباً لأنه قرض جر نفعاً وهو ربا، وقوله: "إلى إبل الصدقة" أي: إلى أن تأتي إبل الصدقة.
فهذا الحديث فيه فوائد: جواز التوكيل في تجهيز الجيش لان النبي صلى الله عليه وسلم وكل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
ومنها: منقبة لعبد الله بن عمرو؛ حيث ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر العظيم، وهذا يدل على حنكة الرجل وأمانته.
ومنها أيضاً: التأهب والاستعداد في تنفيذ الجيوش؛ لقوله: "أن يجهز"، والتجهيز أن يقوم بجهازه وكل ما يلزمه من مؤنه، فلا يبعث الجيش هكذا بدون أن يجهز.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهذا الحديث أقوى من الحديث السابق- حديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة- فهو أصح منه وأقرب إلى القواعد، فعلى هذا يكون مرجحاً على حديث سمرة.
ومن فوائد الحديث أيضاً: أنه يجوز النساء بل تجوز الزيادة في بيع الحيوان بالحيوان، وجهه: قوله: "كنت آخذ البعير بالبعيرين … الخ".
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 44)
ومنها: جواز الزيادة في بيع التقسيط، وجهه: أن هذه الزيادة في مقابلة الأجل، وهذا أمر لا يشبه على أحد، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية نقل إجماع العلماء على جواز بيع التقسيط إذا كان قصد المشتري السلعة بخلاف ما إذا كان قصده المال فقد عرفتم أنه من باب التورط وأنه يرى تحريمه، لكن إذا كان قصده السلعة فلا بأس أن يأخذها مؤجلة بزيادة، وهذا هو الموافق للفطر، إذ لا يمكن لأي إنسان أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل كئمنه إذا كان نقداً، هذا مستحيل، اللهم إلا محاباة للمشتري لقرابة أو صداقة أو ما أشبه ذلك، وأما البيع المعتاد فإنه لا يمكن أن يبيع شخص سلعة تساوي مائة الآن بمائة بعد سنة، لابد أن يأخذ على هذا التأجيل مقابلاً وليس هذا من باب الربا في شيء، بل هو من باب الأمر الجائز. هل يجوز بيع البعير بثلاثة أبعرة؟ يجوز؛ لأنه إذا جاز البعيرين جاز الثلاثة والأربعة، ويدل على انه لا ربا في بيع الحيوان- بيع بعضه ببعض- وعلى هذا فتجوز الزيادة.
ما رأيكم لو عامل الإنسان معاملة فجاء شخص وقال له: ما دليلك على الجواز، هل طلب الدليل هنا صحيح؟ طلب الدليل هنا في غير محله، نقول له: الدليل عدم الدليل؛ لان الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على المنع.
المزابنة:
809 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؛ أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله" متفق عليه.
"المزابنة" مفاعله، وهذه الصيغة تدل على الاشتراك في الغالب، الغالب أن المفاعلة تدل على اشتراك بين اثنين وأكثر كالمقاتلة والمجاهدة والمغارسة والمساقاة وقد لا تدل على الاشتراك كالمسافرة يقال: سافر الرجل مسافرة وهو واحد ليس له طرف آخر، المزابنة من الأفعال المشتركة، وهي مأخوذة من الزبن وهو الدفع، فهي مبايعة بين شخصين، لكنها خصت بنوع خاص من البيوع وإلا فإن جميع البيوع فيها مزابنة؛ لأنها من الدفع، فالبائع يدفع السلعة والمشتري يدفع الثمن، ولكنها خصت بنوع معين من البيوع، ولا مانع من أن نخصص المعنى العام في شيء من أفراده.
المزابنة فسرها بقوله: "أن يبيع ثمر حائطة"، و"أن" هنا مصدرية، إما أن يكون في محل جر
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 45)
بيان للمزابنة؛ لان المزابنة مجرورة بـ"عن"، "أن يبيع" أي: البائع "ثمر حائطه … الخ" هذه ثلاث صور الصورة: الأولى: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، فيأتي شخص إلى صاحب الحائط ويقول: بعني ثمرة هذه النخلة بتمر هذه مزابنة لا تجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، والعلة في ذلك أنها بيع تمر بتمر، وبيع التمر بالتمر يشترط فيها التساوي كيلاً، ومعلوم أن التمر على النخل لا يمكن فيه الكيل، وإذا لم يمكن في الكيل فإنه لا يتحقق التساوي.
فإن قال قائل: نحن نخرصه بما يئول إليه تمره، ونقول: هذه النخلة إذا أثمرت يأتي منها خمسون صاعاً من التمر، فإذا دفع المشتري خمسين صاعاً من التمر بثمر هذه النخلة فقد قابل التمر الذي دفعه ثمر النخل بماذا؟ بالخرص.
فالجواب على ذلك أن نقول: إن الخرص ظن وتخمين، والكيل علم ويقين، ولا يمكن أن يقابل الظن والتخمين بالعلم واليقين، ولدينا قاعدة في باب الربويات وهي: "أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل"، ونحن الآن نجهل التساوي كيلاً؛ لأن الخرص ليس علماً بل هو ظن وتخمين، وكذلك أيضاً بالنسبة للعنب "إن كان كرما" أي: عنباً "أن يبيعه بزبيب كيلاً" الزبيب هو العنب المجفف، والكرم هو العنب الطري، فيكون رجل عنده شجرة من العنب وفيها عنب فيأتي إليه شخص ويقول: أنا أشتري منك عنب هذه الكرم بزبيب كما يأتي هذا العنب فيقول: يأتي إذا يبس خمسين صاعاً، فأقول: هذه خمسون صاعاً من الزبيب، فهذا مزابنة ولا يحل، وعلته ما سبق أن التساوي أو التماثل بينه وبين الزبيب مجهول، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، "وغن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام"، الزرع يشمل الشعير ويشمل البر، فهذا رجل عنده مزرعة يأتي منها مائة صاع فجاء إليه وقال: بعني هذه المزرعة بمائة صاع حب، الذي عبر عنه في الحديث بالطعام؛ لأنه يطعم، فنقول: هذا لا يجوز، والعلة فيه أنه بيع بر ببر أو شعير بشعير مع الجهل بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، هذا الحديث إذن يدخل في باب الربا.
أرأيتم لو أنه باع تمر نخله بزبيب كيلاً فهل يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن بيع التمر بالزبيب لا تشترط فيه المماثلة، وكذلك لو باع ثمر نخله بطعام كيلاً فإنه لا بأس به؛ لأن هذا لا تشترط فيه المماثلة، وكذلك لو باع ثمر نخلة بطعام كيلاً فإنه لا بأس به؛ لأن هذا لا تشترط فيه المماثلة، لكن إذا باع تمراً بزبيب أو طعاماً ببر أو شعير فلا بد من التقابض لاشتراكهما في الكيل الذي هو علة الربا، بل في الكيل والطعام والقوت.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 46)
مسألة في بيع العرايا وشروطه:
يستثنى من هذا الحديث ما يثبت به السنة من العرايا في تمر النخل وكذلك في العنب على القول الصحيح، فلو أن إنساناً أراد أن يشتري ثمر نخل بتمر فإنه يجوز في باب العرايا لكن بشروط:
الشرط الأول: ألا يكون عند المشتري نقد.
والشرط الثاني: أن يكون محتاجاً للرطب يعني: يريد أن يتفكه، ليس إنساناً لا يهمه أن يأكل تمراً أو رطباً بل نفسه تشتاق إلى الرطب فهو في حاجة له.
والشرط الثالث: أن يكون في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاغاً أي: ثلاثمائة صاع، فإن زاد عليها فإنه لا يجوز.
الشرط الرابع: أن يكون الرطب في خرصه بمقدار ما يئول إليه مساوياً للتمر؛ بمعنى: أن نقول: هذا الرطب إذا يبس يأتي منه مائة صاع ويبدل بمائة صاع بدون زيادة، يعني: يكون خرص الرطب بما يؤول إليه تمراً مساوياً للتمر الذي دفع.
الشرط الخامس: أن يأكله رطباً؛ أي يأكله المشتري رطباً، فلو تركه حتى أثمر بطل البيع، اللهم إلا أن يدعه لعذر كأن يحال بينه وبينه فهذا يعذر فيه، فهذه الشروط الخمسة يجوز بيع الرطب بالتمر، وإذا لم توجد هذه الشروط الخمسة فإنه لا يجوز، العنب كالتمر؛ لأن الناس يحتاجون إلى التفكه فيه، أما الزرع فلا؛ لأن الزرع مهما كان سوف يتحول إلى حب ولن ينتفع به قبل أن يكون حباً.
في هذا الحديث من الفوائد: أولاً: أنه لا يجوز بيع الرطب بالتمر، ولا فرق بين أن يكون الرطب على رءوس النخل أو قد فرك وجني، ويستثنى من ذلك ما أشرنا إليه من العرايا، في العرايا ذكرنا خمسة شروط، ونزيد شرطاً سادساً: وهو أن يكون الرطب على رءوس النخل، فإن كان قد جني فإنه لا يصح، لابد أن يكون على رءوس النخل لأجل أن يجنيه شيئاً فشيئاً.
يستفاد من هذا الحديث أيضاً: مراعاة تجنب الربا ولو على وجهه بعيد؛ لأنه حرم بيع الرطب بالتمر والزبيب بالعنب وكذلك الزرع بالحب.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز بيع الرطب باليابس فيما يشترط فيه التماثل وإن لم يكن على الوصف الذي ذكر في الحديث، فلو فرض أن لدينا تمراً طرياً -لكنه ليس رطباً- وتمر آخر يابساً فإنه لا يجوز بيع هذا بهذا، لماذا؟ لأن ذلك سوف يختلف في الكيل، فإن كيل الرطب ليس ككيل اليابس.
* * *
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 47)
810 - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر. فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك». رواه الخمسة، وصححه ابن المديني، والترمذي، وابن حبان، والحاكم.
جملة "يسأل" حال من "النبي" يعني: سمعت مسئولاً، "اشتراء الرطب بالتمر" من باب شراء الربوي بجنسه، ومعلوم الاختلاف بين الرطب والتمر، وأنه لا يمكن فيهما التساوي، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «أينقص إذا جف؟ قالوا: نعم»، وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن نقصان الرطب إذا جف ليس سؤال استخبار؛ لأنه يعلم ذلك لكنه سؤال تقرير للحكم، وإشارة إلى العلة من أنه ينقص إذا جف، وبيع التمر بالتمر يشترط فيه التساوي وهو هنا معدوم، حتى لو أن الرطب خرص بما يئول إليه تمراً مساوياً بالتمر الذي بيع به فإنه لا يجوز؛ وذلك لأن الخرص ظن وتخمين، والمشترط العلم واليقين.
في هذا الحديث من الفوائد: حرص الصحابة رضي الله عنهم على تعلم العلم؛ لأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسألة الدقيقة.
ومن فوائده: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث يقرن الحكم بالعلة، وقرن الحكم بالعلة له فوائد:
منها: طمأنينة المكلف، فإن الإنسان إذا بين له الحكم بعلته ازداد طمأنينة، ولا شك أن المؤمن مطمئن بحكم الله ورسوله على كل حال لكنه يزداد، قال إبراهيم: {رب أرنى كيف تحى الموتى قال أو لم تؤمن} [البقرة: 260].
ومن فوائد قرن الحكم بالعة: بيان سمو الشريعة، وأن أحكامها مبنية على حكم وأسرار، ولكن هذه الأحكام المبنية على الحكم والأسرار قد تكون حكمها وأسرارها معلومة، وقد تكون مجهولة؛ لأننا نحن لم نؤت من العلم إلا قليلاً، وليس كل حُكم حَكم الله به ورسوله نعلم حكمته؛ لأننا قاصرون، فلذلك كان ذكر علة الحكم مبيناً لسمو الشريعة وأن لها في أحكامها أسراراً وحكماً عظيمة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 48)
ومن فوائد ذكر العلة المقرونة بالحكم: إمكان القياس بحيث يلحق بهذا المنصوص عليه ما يساويه في تلك العلة.
فإن قال قائل: إمكان القياس حاصل وإن لم تذكر العلة.
فالجواب: أن الأمر كذلك، ولكن لا شك أن العلة المنصوصة أقوى من العلة المستنبطة؛ العلة المستنبطة قد تكون هي المرادة للشارع وقد لا تكون؛ لكن العلة المنصوصة لا شك أنها هي المقصودة للشارع، فهي أقوى، ثم إن العلة المنصوصة يقوي الإنسان على إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق إذا شاركه في العلة، بخلاف العلة المستنبطة، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه»، هذه العلة استفدنا منها فوائد عظيمة، وهي: أن كل ما يحزن المسلم فإنه منهي عنه، وكل ما يسره فإنك مأمور به وإن لم تؤمر به لعينه، لكنك مأمور به لجنسه، فكل ما يسر المؤمن فإنك مأمور به كما أنك منهي عن كل ما يحزنه.
ومن فوائد الحديث: أن هذا الحكم -أعني: بيع الرطب باليابس- من الربويات إذا كان من جنسه عام في التمر بالرطب وغيره، وعلى هذا فيكون بيع الحب بالحب اليابس غير جائز؛ لأنه سوف ينقص إذا جف.
بيع الدين بالدين:
811 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، يعني: الدين بالدين». رواه إسحاق والبزار بإسنادٍ ضعيفٍ.
والنهي: طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني: أنه يوجه إلى شخص طلب الكف عن شيء معين على وجه الاستعلاء، فقولهم: "طلب الكف" خرج به الأمر وما ليس بأمر ولا نهي: الإباحة؛ لأن الأمر طلب الفعل، والإباحة لا بطلب فعل ولا كف، وقولهم: "على وجه الاستعلاء" خرج به ما كان على وجه المساواة أو كان على وجه الأدنى، بمعنى: أن الأدنى يوجه النهي إلى الأعلى، فالأول يسمونه التماس كقول الزميل لزميله لا تشوش علي، وإذا كان من أدنى إلى أعلى يسمى دعاء وسؤالاً، ومعلوم أن توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم النهي لأمته من باب طلب الكف على وجه الاستعلاء؛ لأن أمره مطاع صلى الله عليه وسلم؛ ولكنه أشد الناس تواضعاً للخلق.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 49)
وللحق قال: «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» يعني: المؤخر بالكالئ بالمؤخر، وهذا الحديث أولاً: إسناده ضعيف، وثانياً: ليس على إطلاقه ولا عمومه، وإنما يشمل صوراً معينة وهي التي يكون فيها شيء من المحظور الشرعي، وله صور منها: بيع الدين بالدين على الغير مثل: أن يحضر إلي شخص ويقول: أنت تطلب فلاناً مائة صاع بر يعني: إياه بمائتي ريال أسلمها لك بعد سنة، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه بيع دين في ذمة الغير قد يقدر على استلامه وقد لا يقدر، وثانياً: أن فيه ربحاً فيما لم يضمن، وقد مر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، يعني: أم الدين الذي في ذمة الغير لي لم يدخل في ضماني، متى يدخل في ضماني؟ إذا تسلمته، ومن المعلوم أنني إذا بعته مؤجلاً فإنه سيزيد ثمنه؛ لأنه ليس البيع المؤجل كالبيع الحاضر وحينئذ بعت ما لم يدخل في ضماني وبعت ما يكون مشكوكاً في القدرة عليه، هذه صورة، كذلك أيضاً من بيع الدين أن يكون عند شخص لي مائة درهم فتحل المائة ويأتي إلي ويقول: ليس عندي شيء، فأقول: نجعل المائة بمائة صاع بر إلى سنة فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه -كما قلنا- سوف يربح فيما لم يضمن؛ لأنه ليس ثمن الحاضر كثمن المؤجل، فمائة صاع بر بمائة درهم، التي في ذمتي مائة درهم وأنا بعته بمائة صاع بر يمكن لو بعته بحاضر لا أحصل بمائة درهم إلا تسعين صاعاً، والآن أنا بعت بمائة فربحت فيما لم أضمن؛ ولأنه يؤدي إلى قلب الدين بهذه الحيلة على المدين كيف ذلك؟ لما حل الأجل لمائة الدرهم جعلناها بمائة صاع إلى سنة فحلت السنة وليس عنده بر، فأقول: تكون بمائة صاع شعير، أو أقول: بعت مائة صاع بر تكون بمائة وعشرين درهم، وحينئذ تؤدي إلى قلب الدين ويكون ذلك شبيهاً بما نهى الله عنه في قوله: {يا أيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربوا أضعافاً مضاعفةً} [آل عمران: 130].
وقد يكون أيضاً من صوره: أن يبيع الإنسان ما في ذمة الغير المعسر على شخص آخر بدراهم أقل، ففي ذمة هذا الفقير لشخص ألف درهم فيأتيه إنسان ويقول: بعه علي بخمسمائة درهم وأنا وحظي مع هذا الفقير، فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه أولاً: بيع دراهم بدراهم بدون قبض، والثاني: لأنه بيع شيء لم يدخل في ضمانه، والثالث: أنها شبيهة بالميسر؛ لأن هذا اشتراها- الألف بخمسمائة- إن قدر عليها فهو غانم وإن عجز فهو غارم، وهذه هي قاعدة الميسر كل عقد يتضمن إما الغرم وإما الغنم.
وعلى هذا نقول: هذا الحديث إن صح يجب أن يحمل على ما دلت النصوص على منعه لا على كل دين بدين، وبناء على هذا لو اشتريت منك مائة صاع بر بمائة درهم ولا أحضرنا الدراهم ولا البر فإن ذلك على القول الراجح جائز ولا بأس به؛ لأن كلا منها غير مؤجل بل هو حاضر وليس فيه محظور إطلاقاً، وعمل الناس الآن على هذا فيأتي الإنسان يشتري من شخص
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 50)
طعام: سكر، بر، أي شيء بدراهم لا يسلمه له في الحال فهو بيع دين بدين لكنه جائز؛ لأنه ليس فيه محظور إطلاقا لا جهالة ولا غرر ولا ربا، والأصل في العقود الحل إلا ما قام الدليل على منعه، وهذا لم يقم دليلا على منعه؛ لأن هذا الحديث ضعيف، ولأنه يصدق ولو بصورة واحدة، يعني: إذا صدق النهي ولو بصورة واحدة كفى؛ لأن لدينا أدلة تدل على أن الأصل هو الجواز، فإذا ضح الحديث حمل على الصورة التي يعلم منعها بالأدلة الأخرى.
هل يجوز بيع الدين على غير من عليه بسعر يومه إذا بيع بما لا يشترط فيه التقابض أو لا يجوز؟ مثاله: رجل عنده لي مائة صاع بر فجاءني شخص وقال: بعها علي بمائة درهم بقيمتها الحاضرة بدون أي ربح أو لا يجوز؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: لا يجوز، لأن هذا ليس عنده وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده، ومنهم من قال بالجواز، لكن إن قدر على قبضه تم البيع وإلا فله الرجوع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا قد يحتاج إليه الإنسان فيما لو كان المطلوب في بلد آخر، لو كان المطلوب في بلد آخر وجاء شخص من أهل البلد الذي فيه المطلوب واشترى منه ما في ذمته بعوض لا يجري بينه وبينه ربا النسيئة فهنا قد يحتاج إليه، لكن بشرط أن يكون بسعر اليوم لئلا يربح فيما لم يضمن.
فإن قال قائل: هذا القول يرد عليه حديث ابن عمر: "كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ عنها الدنانير، وبالدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء".
فالجواب: أن هذا لا يرد، لأن بيع الدراهم بالدنانير أو بالعكس يشترط فيه التقابض قبل التفرق، وبيع الدراهم بالدنانير ولو كان حاضرا بحاضر لابد فيه من التقابض قبل التفرق، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم»، أما صورتنا هذه فهي بيع شيء بآخر لا يجري بينهما ربا النسيئة، ولكن لا شك أن الاحتياط الأخذ بالقول الثاني، وهو ألا يبيعه حتى يقبضه، لأنه إذا فتح هذا الباب فربما يتبايع الناس ديونا لا يرجى حصولها ويكون هذا من باب الميسر، وربما يبيعون ديونا يرجى حصولها لكن بربح، وكل هذه من المحظورات الشرعية، فالأولى والاحتياط الأخذ بالمنع، وألا يبيع الإنسان دينا في ذمته غيره حتى يقبضه.
* * * *
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 51)
4 - باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار
"الرخصة" في اللغة بمعنى: السهولة، وفي الشرع: التيسير والتسهيل في أمر ملزم به أن يرخص في أمر ملزم به في الأصل ويسهل فيه، فالرخصة شرعا: التسهيل في أمر ملزم به إما بتركه وإما بفعله، وقوله: "في العرايا" جمع عرية فعيلة بمعنى: مفعولة، أي: معراة من النقد كما سيأتي، "وبيع الأصول والثمار"، الأصول ضد الفروع، والأصل في كل مكان بحسبه، فعندكم في الفرائض أصول المسائل، وفي أصول الفقه الأصول، كذلك في علم العقائد يقال: الأصول، بل حتى في الفقه يقال: الأصل في كذا قوله تعالى، أي: الدليل الذي يعتمد عليه، والمراد بالأصول هنا: الأراضي والعقارات والأشجار، وهذه أصول للثمرات التي يحصل عليها منها، فالأرض تؤجر وتستغل، والأشجار فيها الثمار، والدور ونحوها فيها الإجارة والاستغلال. وأما الثمار فهو جمع ثمر وهو ما يحصد من ثمر النخل والعنب ونحوها.
بيع العرايا:
812 - عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله رخص في العرايا: أن تباع بخرصها كيلا». متفق عليه.
"رخص" يعنى: سهل من المنع؛ لأن الأصل في بيع الرطب بالتمر التحريم، ولكنه رخص في العرايا وسهل، قال: "أن تباع بخرصها كيلا"، الضمير في "تباع" يعود على الرطب، وسميت عرية؛ لأنها عرت عن النقد؛ إذ إنها بيعت بتمر، ولهذا قال: "بخرصها كيلاً" كيف قال: كيلاً؟ لأن التمر يباع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالكيل لا نأتي نقول: أعطني كيلو تمر، نقول: أعطني صاع تمر أو مد تمر يكال بالمكيال، إذن نقول: هذه سميت عرية؛ لأنها عرت من النقد ليس فيها دراهم، بل هي تمر بتمر، لكن هذه رطب وهذه تمر يابس، قوله: "بخرصها"، الخرص معناه: التقدير والتخمين، ولابد أن يكون من عالم به، لا من أي أحد من الناس؛ لأنه فن يعرفه أصحابه، ولا يصح أن يكون الخرص من أي أحد يقولون: إن شخصاً من الناس كان عاملاً على الزكاة وكان خرصه ضعيفا، وربما لا يرفع رأسه إلى الثمرة فوقف تحت جذع نخلة وإذا هو قد خرص واحدة قبله، قال: نحن خرصنا مائتين وزنا هذه نجعلها أربعمائة وزنا؛ لأنها نشيطة، فرفعوا رءوسهم وإذا النخلة فحل، ما فيها ثمرة إطلاقا؛ لأن هذا الرجل لا ينظر، فلابد أن يكون الخارص خبيراً، فإذا أراد أحد أن يتعامل بهذه المعاملة في العرايا فلابد أن يأتي
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 52)
شخص كبير يقال له: كم تخرص هذه الثمرة إذا يبست؟ قال أخرصها بمائة صاع، تباع بكم؟ بمائة صاع، قال: أخرصها بخمسين تباع بخمسين وهل يعتبر الخرص وقت كونها رطباً؟ الجواب: لا، لأن وقت كونها رطباً كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن وقتها تمراً، فإنها إذا يبست سوف تنقص، خذ هذا قيداً، وهو أن تباع بالخرص، فلا يجوز أن تباع جزافا.
لو قال: أخذت هذه الثمرة بهذه الصبرة من التمر لا يجوز، أخذت هذه الثمرة بهذه الثمرة الصبرة من البر يجوز بشرط التقابض، لماذا؟ لأن بيع التمر بالبر لا يشترط فيها المساواة - ولمسلم: «رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، يألكونها رطباً».
هذا بيان للخرص، هل تخرص رطباً أو تخرص تمراً فبين أنها تخرص تمراً، إذن تخرص بما تئول إليه تمر.
قال: "يأكلونها رطباَ"؛ لأنه إذا لم يأكلونها رطبا سوف تتحول تمراً، وحينئذ لا فرق بينها وبين التمر الذي يبعت به، فتضيع الفائدة التي من أجلها رخص في العرايا، خذ هذا قيداً آخر وهو أن تؤكل رطباً، فإن أخرت حتى يبست بطل العقد، لأن الفائدة التي من أجلها رخص في بيع الرطب بالتمر تزول.
813 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بخرصها من التمر، فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق». متفق عليه.
"رخص في بيع العرايا … إلخ" كل هذه الألفاظ بكلمة رخص؛ وذلك لأن الأصل المنع والتخريم، قال: بخرصها من التمر" أي: بما يساوي خرصها من التمر وهي تخرص تمراً فيقدم المشتري مائة صاع من التمر إذا كان خرص هذا الرطب تمراً يكون مائة صاع ولابد من التساوي بالكيل المعلوم والخرص.
يقول: "فيما دون خمسة أوسق" "أو" هذه للشك من الراوي، "فيما دون" أي: فيما أقل من خمسة أوسق، "الأوسق" جمع وسق وهو الحمل، وسمي وسقاً؛ لأنه يوسق أي: يشد ويربط، والوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون الخمسة ثلاثمائة صاع يصاع النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الحديث الآن فيه شك.
هل هو في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق؟ وهنا ثلاث صور: أن تكون بأقل، أن تكون في أكثر، أن تكون في الخمسة، أما فيما هو أقل فلا شك أن الحديث يتناوله، وأما ما هو
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 53)