Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
جانب الحظر"، فالسلامة مبيحة والهلاك حاظر، وقد اجتمع في هذا الفعل ولم يترجح أحدهما فغلّب جانب الحظر، فنقول: لا يجوز أن تغوص.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز بيع ما يستخرجه الإنسان من البحر، يؤخذ من قوله"وعن ضربة الغائص"، لأنها مجهولة، لكن إذا علمت فإن ذلك لا بأس به، فإن الإنسان يملك ما يستخرجه من البحر كما يملك من في البرّ، ما يحشه من البر ومثل ذلك ما لو قال قائل أنا سأذهب ألقط لك الكمأة ولك ما أجنيه من الآن إلى الظهر، هذا يقوله في الصباح أو في الظهر، يقول من الظهر إلى الغروب؟ لا، لماذا؟ لأنه غرر قد يجني كثيرًا وقد يجني قليلاً، لو استأجرت شخصًا يجني الكمأة من الظهر إلى الغروب يجوز؛ لأن العقد هنا وقع على المنفعة لا على التحصيل.
ويستفاد من هذا الحديث ككل: عناية الشرع بحماية البشر مما يوجب النزاع بينهم؛ لأن هذه الأنواع التي فيها الغرر سوف يكون من المغبون فيها حقد وعداوة وبغضاء على من؟ على الغابن، وتكون من الغابن تطاول، وفخر على المغبون، فالشارع حمى الناس من هذه الورطة التي يتورطون فيها.
ومن فوائده أيضًا: أنه يجب البعد عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء، دل ذلك على أن كل ما ساواها في هذا المعنى فهو مثلها منهي عنه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تباغضوا" يعني: لا تفعلوا الأشياء التي توجب البغضاء، وأخبر أن البغضاء مما يريده الشيطان في بني آدم: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر} [المائدة: 91].
ومن فوائد الحديث: أنه إذا نهي عن الأسباب التي توجب العداوة والبغضاء فإن المعنى يقتضي الأمر بالأسباب التي توجب الولاية والمحبة؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، ولاشك في هذا أن الشرع يأمر بكل ما يوجب المودة والمحبة والولاية- ولاية المؤمنين بعضهم لبعض- فإن الله تعالى يقول: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعضٍ} [التوبة: 71]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ ".
فكل ما يوجب الولاية والمحبة فإنه مأمور به شرعًا، فإن كان مأمورًا به شرعًا فإن العاقل سوف يفعله مع ما في المحبة والولاية من الإلفة والطمأنينة، وصلاح الأحوال، وانشراح الصدر. أنت الآن لو فردت نفسك لا تلاقي شخصًا إلا وفي قلبك عداوة وبغضاء له، هل تكون مسرورًا؟

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 619)

أبدًا تضيق بك الأسواق، لكن إذا كنت لا تضمر لإخوانك المسلمين إلا المحبة والولاء فإنك سوف تكون مسرورًا بكل من تلاقيه من المسلمين، لأنك تلاقي من تحب ومن تتولاه ويتولاك، فهذه أيضًا فيها راحة نفسية لا توجد في كل إنسان يكره الناس ويبغضهم.
فإذا قال قائل: إذا كان في الإنسان ما يوجب المودة والمحبة ما يوجب البغضاء والعداوة ما العمل؟
نقول: إن الله قال: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} [الإسراء: 35]. أحببه بما معه مما يقتضي المحبة واكرهه بما معه مما يقتضي الكراهة ولا تغلب جانبًا على جانب، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يفرك مؤمن مؤمنة- يعني: لا يبغضها على سبيل الإطلاق- إن كره منها خلقًا رصي منها خلقًا آخر".
هكذا الميزان لا تكاد تجد أحدًا يسلم مما يوجب الكراهة إلا نادرًا، لكن قارن بين هذا وهذا وأعط كل شيء حكمه.
ومن فوائد الحديث: منع الإنسان من كل ما يؤدي إلى الميسر والمقامرة، لماذا؟ لأن هذه الموانع كلها فيها خطر وغرر، قد يكون الإنسان فيها غانمًا وقد يكون فيها غارمًا، وإذا اعتاد الإنسان هذا النوع من المعاملات طمعت نفسه وصار يتعامل بمثل هذه المعاملات المبنية على الخطر والغرر حتى تؤدي إلى معاملات أكبر، ولهذا كثيرًا ما يفتقر أصحاب القمار في ليلة، تجد هذا الرجل مثلاً عنده ملايين فيقامر فيغلب، يغلب أول ضربة بمليون، فيقول: ألعب ثانيًا لأجل أن أرجع المليون فيضرب ضربة أخرى بمليونين يقول: ألعب ثالثًا حتى أرجع ثلاثة، ولكن يضرب بضربة قاصمة ثلاثة ملايين، ولو كان عنده مائة مليون يصرفها في ليلة، بعد ما كان غنيًا يصبح فقيرًا، وهذه البيوع لا تظن أنها هينة، إذا اعتادت النفس على هذه المكاسب المبنية على الغرر والخطر صارت تتطلع إلى ما هو أعظم وأكبر ووقعت في الميسر الذي هو قرين الخمر في كتاب الله، بل قرين عبادة الأصنام في كتاب الله: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90].
788 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر". رواه أحمد، وأشار إلى أن الصواب وقفه.
وهو كذلك الظاهر أنه موقوف، "لا تشتروا السمك في الماء"، وعلل ذلك بأنه غرر، السمك

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 620)

يعيش في الماء كما هو معلوم، فإذا قلت: أبيع عليك ما في هذا الجانب من النهر من السمك، فإنه لا يجوز، وعلل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأنه غرر، والغرر جهالة، والعقود التي تتضمن الجهالة لابد أن يكون فيها نزاع بين المتعاقدين يؤدي إلى العداوة والبغضاء والحقد، والدين الإسلامي جاء بمحاربة ما يؤدي إلى ذلك، ولكن العلة أو التعليل الذي في هذا الأثر: "فإنه غرر" يقتضي أنه متى كان غير غرر فلا بأس به، مثل أن يكون السمك في مكان يحيط به العلم بأن يكون في مكان ضيق، والماء صاف والسمك يرى، ويمكن السيطرة عليه بحيث لا يخرج إلى النهر أو إلى البحر الواسع، فإذا بيع هذا السمك فإنه لا بأس به كما لو كان في بركة محجوزة بجوانبها وهو يرى لكون الماء صافيًا فإن ذلك لا بأس به، لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا كانت العلة هي الغرر وانتفي الغرر فإن البيع يصح، وهذا كالذي سبق كله مداره على الجهالة والغرر، وكل عقد يكون فيه جهالة وغرر مما يؤدي إلى النزاع فإن ذلك لا يجوز، قولنا: إن الجهالة والغرر يؤدي إلى النزاع والنزاع يؤدي إلى العداوة والبغضاء، أرأيتم لو كان العقد لا يؤدي إلى النزاع والعداوة والبغضاء مثل الهبة كما لو وهب الإنسان عبدًا آبقًا فهل يصح؟ الجواب الصحيح: أنه يصح، وأن هبة المجهول جائزة؛ لأن الموهوب له إما غانم وإما سالم، بخلاف عقود المعاوضات، فإن الجهالة فيها تقتضي أن يكون فيها إما غانمًا وإما غارمًا وبينهما فرق عظيم.
هبة العبد وهو آبق قلنا: إنها جائزة وصحيحة؛ لأن الموهوب له إن أدركه فهو غانم وإن لم يدركه فهو سالم، هبة الغنيمة قبل القسمة كذلك، هبة السمك في الماء ولو كان مجهولاً فهي صحيحة وذلك للقاعدة التي ذكرنا وهي أن العقد هنا دائر بين الغنم والسلامة فقط لا بين الغنم والغرم، وإذا كان دائرًا بين الغنم والسلامة، فإنه لن يحصل فيه نزاع؛ لأن الموهوب له مثلاً لو وهب له عبد وهو آبق وعجز عن تحصيله هل يأتي إلى الواهب يخاصمه ويطالبه؟ لو أتاه قيل له: ليس لك حق.
789 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع". رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني.
"تطعم" يعني: حتى تكون صالحة للطعام، ويشمل هذا ثمر النخل وثمر العنب ثمر الرمان البرتقال، فلا يجوز بيعه حتى يكون صالحًا للطعام؛ لأن بيعه قبل ذلك يؤدي إلى الغرر من

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 621)

وجوه، أولاً: أن الآفات تكثر عليه قبل أن ينضج، وثانيًا: أنه يزداد نموه فيحدث في المبيع ما لم يقع عليه العقد، وثالثًا: أنه قد يؤدي إلى النزاع بين البائع والمشتري في سقيه وملاحظته، فأما إذا كان قد بلغ أن يطعم فإن أخذه وجنبه قريب لا يؤدي إلى النزاع، لكن إذا كان قبل ذلك فقد يؤدى إلى النزاع بينهما، فيقول المشتري مثلاً: أسقه، ويقول: سقيته، يقول: هذا لا يكفي، يقول الآخر: يكفي وما أشبه ذلك من النزاعات التي ترد فيما لو باعه قبل أن يطعم.
وكذلك أيضًا: "لا يباع صوف على" ظهر إلى أن يجز الصوف على الظهر لا يجوز بيعه لماذا؟ لأن موضع الجز مجهول قد يريد المشتري أن يجز الصوف من أصله، ويريد البائع أن يجز من فوق من نصف الشعر مثلاً فيقع في ذلك نزاع، ثم إن الإحاطة به على وجه الكمال قد تكون متعذرة أو متعسرة، ثم إن المنع ليس منعًا يخل بمصالح العباد؛ لأنه من الممكن أن يقال للبائع جزّ الصوف ثم بعه؛ لأن الذي اشتراه إن لم يجزه في الحال فإنه ينشأ صوف جديد لم يقع عليه العقد فيختلط بما وقع عليه العقد، ويكون التمييز بينهما صعبًا أو متعذرًا، فيختلط مال البائع الجديد بمال المشتري القديم، وذهب بعض العلماء إلى جواز بيع الصوف على الظهر بشرط أن يكون معلومًا وأن يجزّ في الحال، وقال: إن المرجع في جزّه على ما جرت به العادة وأنه يغتفر الغرر اليسير في مثل هذا؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى بيعه على الظهر، ولكن إذا قلنا بهذا القول من يكون عليه الجزّ المشتري أو البائع؟ يكون الجزّ على المشتري إلا أن يشترطه على البائع، كالثمرة إذا بيعت فإن جزّها يكون على المشتري إلا أن يشترطها على البائع، ولكن على القول بالجواز كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يجاب عن هذا الحديث بأحد جوابين: إما بالضعف، وإما بأن يحمل على صوف لا يدرك أو على صوف يبقى بعد الشراء بحيث يحدث صوف لم يقع عليه العقد فتكون فيه الجهالة والصحيح أنه جائز إذا جزّ في الحال وكان معلومًا.
- وأخرجه أبو داود في المراسيل لعكرمة، [وهو الراجح].
- وأخرجه أيضًا موقوفًا على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه البيهقي.
يعني: أنه موقوف، ومعلوم أنه إذا كان موقوفًا فإنه يتنزل على خلاف العلماء: هل قول الصحابي حجة أو لا؟ فمن قال: إن قوله حجة احتج به، ومن قال: إنه ليس بحجة لم يحتج به؛ إلا أن يكون هذا القول مما لا مجال للاجتهاد فيه ولم يعرف قائله بالأخذ عن بني إسرائيل فإنه يكون له حكم الرفع، هذه المسألة المروية عن ابن عباس إذا اتبع الإنسان فيها ابن عباس

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 622)

رضي الله عنهما فله ذلك؛ لأنه صحابي، وإن لم يتبعه، وقال: إن الذي جاء به النهي ما كان فيه غرر وإلا فالأصل حلُّ البيع لعموم قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275]. فكل بيع فهو حلال إلا ما قام الدليل على منعه.

‌‌بيع المضامين:
790 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين، والملاقيح". رواه البزار، وفي إسناده ضعف.
لكن معناه صحيح، نهى عن بيع الملاقيح، وهي التي يلقحها الفحل في بطن الأنثى بأن يقول صاحب الفحل: أنا أبيع عليك ضراب فحلي من ناقتك يعني: يضربها هذه المرة فيبيع عليك هذا الضراب فلا يجوز؛ لأنه أجهل من بيع المحمل، فإن هذا اللقاح قد يكون صحيحًا وقد يكون فاسدًا، فإذا منع الحمل فهذا من باب أولى.
والحاصل: أن هذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن معناه صحيح، والعلة في النهي عن بيع هذين النوعين من البيوع هي الجهالة والغرر، إذن نقول- في هذا وما سبق: القاعدة أن كل بيع يتضمن جهالة وغررًا بحيث يكون العاقد فيه دائرًا بين الغنم والغرم فإنه بيع محرم فاسد، والعلة فيه أنه يفضي إلى العداوة والبغضاء فهو من الميسر الذي قال الله فيه: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90].
الإقالة:
791 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أقال مسلمًا بيعته؛ أقاله الله عثرته".
رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم.
عندي يقول في الحاشية: إن هذا الحديث موضعه أول الخيار في نسخ صحيحة فليحرر، على كل حال لا يهم.
قال: "من أقال مسلمًا بيعته"، و"الإقالة": هي طلب فسخ العقد، تكون أحيانًا مطلوبة من المشتري، وتكون أحيانًا مطلوبة من البائع، أحيانًا يأتي المشتري إلى البائع ويقول: أقلني، يعني: يندم المشتري على الشراء فيطلب من البائع أن يقيله، وأحيانًا يكون بالعكس يأتي

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 623)

الطلب من البائع يندم على البيع فيأتي للمشتري فيقول: أقلني، والحديث يشمل هذا وهذا، فـ"من أقال مسلمًا بيعته" يعني: البيعة التي وقعت بينه وبينه، "أقال الله عثرته"، عثرته في أمور الدنيا أو عثرته في أمور الدنيا والآخرة؟ نقول: يشمل الأمرين جميعًا، وفضل الله واسع، وإقالة العثرة لاشك أنها أمر مطلوب لكل واحد؛ إذ أنه لا يخلو واحد منا من العثرات، فإذا أقال الله عثراتنا فهذا فضل عظيم ينبغي للإنسان ألا يفرَّط فيه، والمسألة سهلة جدًا.
وقوله: "من أقال مسلمًا" هل مثل ذلك لو أقال ذميًّا؟ الجواب: نعم، ويكون ذكر المسلم بناء على الغالب، ويؤيد ذلك أن في بعض الألفاظ: "من أقال نادمًا بيعته" فيشمل المسلم وغير المسلم.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: جواز الإقالة وهو كذلك، فالإقالة جائزة، بل نقول: في الحديث دليل على أن الإقالة مطلوبة مستحبة، ووجه الدلالة: أن الشارع رتب عليها ثوابًا، وهذا ترغيب من الشارع لفعلها، والترغيب إذا علَّق على حكم دلّ ذلك على أن هذا الحكم مطلوب شرعًا إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون مستحبًا حسب ما تقتضيه الأدلة.
ولكن هل الإقالة عقد جديد أو فسخ لعقد مضى؟ الجواب: الثاني أنها فسخ لعقد مضى؛ ولهذا تجوز قبل قبض المبيع ولو كان من الكيل أو الموزون الذي يحتاج إلى حق توفية، وتجوز بعد نداء الجمعة الثاني، وتجوز أيضًا بعد إقامة الصلاة إذا لم تمنع عن الصلاة؛ لماذا؟ لأنها ليست بيعًا.
هل تجوز في المسجد؟ نعم تجوز، لأنها ليست بيعًا، ولكن هل يشترط أن تكون بمثل الثمن أو لا بأس أن يزيد الثمن أو ينقص؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، فإن أسقط أو زاد لم تصح، قالوا: لأنه إذا أسقط أو زاد فقد لاحظ في إقالته المعاوضة، وإذا لاحظ المعاوضة لم تكن إقالة، ولكن الصحيح الجواز ومحظور الربا فيها بعيد، فمثلاً إذا بعت عليك سيارة بعشرين ثم جئت إليّ وقلت: أقلني أنا الآن لا أريد السيارة، فقلت: لا أقيلك إلا إذا أعطيتني ألفين من الثمن، فقال: أعطيك، فمن قال: إنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، قال: إن هذه الإقالة لا تصح، ومن قال بالجواز- وهو الصحيح- قال: إن هذه الإقالة صحيحة، وكذلك بالعكس لو أن البائع هو الذي طلب الإقالة فقال المشتري: أنا لا أقيلك إلا إذا أعطيتني ألفين، فالصواب: أنه جائز ولا بأس به، وذلك لأن الإقالة قد يكون فيها ضرر على المقيل وربما يكون باع هذه السيارة بعشرين ألفًا، ولكنها وقت الإقالة وصلت إلى عشرين ألفًا، فإذا ردَّها عليَّ فإنها قد لا تبلغ عشرين ألفًا، أو لأن الذين يزيدون فيها قد تفرقوا، والثاني أن الناس قد يقولون: لماذا ردها لولا أن فيها عيبًا ما ردها فتنقص القيمة، لهذا نقول: الصحيح جواز الإقالة بمثل الثمن أو فوقه أو دونه.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 624)

ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هذا الذي أقال المسلم بيعته يقيل الله عثرته؛ لأن الغالب أن الإقالة إنَّما سببها الندم، فإذا أقلته وأزلت الندم عنه أقال الله عثرتك، فأزال الندم الذي يكون لك بالعثرة.
وهنا أسئلة:
أولاً: هل يلحق غير البيع بالبيع؟
الجواب: نعم، يعني: لو أنه أجره بيته وبعد أن استأجره جاء إليه وقال: استأجرت البيت منك ولكن أرجو منك الإقالة، فأقاله هذا يندب له، لكن هل يحصل على هذا الثواب؟ نعم، الظاهر أنه يحصل؛ لأن الإجارة نوع من البيع، فهي وإن لم تكن كالبيع؛ لأن البيع تطول مدته ويملك به العين والمنفعة بخلاف الإجارة، لكنه يعطى من الأجر بمثل ما نفع هذا المستقبل.
هل يلحق بهذا عقد النكاح؟ الزوج بعد أن عقد جاء إلى الزوجة أو إلى ولي الزوجة وقال: أقلني؟ هذا لا يلحق؛ لأنه يمكن أن يتخلص منه بالطلاق وهذا بالنسبة للزوج واضح، لكن بالنسبة للزوجة هل نقول إذا جاءت الزوجة إلى الزوج وطلبت منه الطلاق فوافقها على ذلك وطلقها هل يحصل له هذا الأجر؟ الظاهر أنه يحصل له هذا الأجر إن لم يكن أكثر؛ لأن المرأة قد لا تطيق الصبر مع الزوج هذا، ومشكل لا يمكن الانفكاك عنه، أما المشتري إذا كان لا يريد هذه السلعة وندم عليها يمكن أن يتخلص بالبيع، لكن المشكل الزوجة كيف تتخلص من زوجها؟ الزوج ذكرتم أنه يتخلص منها بالطلاق، لكن الزوجة تريد أن تتخلص منه، فالظاهر أنه إذا أقالها- أي: طلقها- بناء على رغبتها فإنه يرجى أن يكتب له هذا الأجر؛ لأنه فكها من ندم عظيم، لولا طلاقه لبقيت في أتعب ما يكون.
ثانيًا: إذا أقال الإنسان هذا الرجل فهل يشترط أن يقبض المبيع في نفس المكان أو لا يشترط؟ يعنى: مثلاً اشترى منه ذهبًا بفضة ثم رجع إليه واستقاله فأقاله، هل يشترط قبض العوضين في المجلس، الجواب: لا، لماذا؟ لأن الإقالة فسخ وليست بيعًا، فلا يثبت لها أحكام البيع.
ثالثًا: هل يشترط للإقالة رضا المقيل؟ نعم، لابد من هذا، وبناء على ذلك لو أن شخصًا أكره آخر على أن يقيل فلانًا وقال له: أقل فلانًا وإلا فإني أفعل وأفعل وهو قادر على تنفيذ ما هدده به فإن الإقالة لا تصح.
السؤال الرابع: هل لولي اليتيم والوكيل ونحوهم أن يقيلوا؟
الجواب فيه تفصيل بالنسبة للولي إذا رأى المصلحة في الإقالة فله أن يقيل، وإن لم ير

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 625)

المصلحة فليس له أن يقيل؛ فإذا قال: أنا أريد الأجر، قلنا: المحافظة على أداء الأمانة أولى من طلب الأجر بالإقالة؛ لأن المحافظة على الأمانة واجبة، والإقالة سنة، وليست بواجبة، أما بالنسبة للوكيل فليس له أن يقيل إلا أن يجعل إليه؛ لأن الوكالة مقيدة بما وكَّل فيه، وهو إنما وكل بالبيع، ولم يوكل بالإقالة؛ ولأن الموكَّل قد لا يرضى بذلك بخلاف الولي، الولي مستقل عنده نوع استقلال ليس فوقع أحد، بل هو متولَّ على مال اليتيم فله أن يقبل إذا رأى المصلحة، وأما الوكيل فلا؛ إلا أن يجعل إليه أو يراجع الموكل.
ومن فوائد الحديث- وإن كان يتكرر علينا كثيرًا-: الرد على الجبريّة، حيث قال: "من أقال مسلمًا"، وهذا يدل على أن للإنسان اختيارًا في الإقالة وعدمها، والجبريّة يرون أنه لا اختيار للإنسان، وأن الإنسان مجبر على عمل.
وفي الحديث أيضًا: ردُّ على غلاة القدرية الذين ينكرون علم الله بأفعال العباد، ووجه ذلك قوله: "أقال الله عثرته"، ولم يقل: "عثرته" إلا بعد العلم بإقالته.
* * *

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 626)

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين)القسم: شروح الحديث
الكتاب: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام
المؤلف: محمد بن صالح العثيمين
تحقيق وتعليق: صبحي بن محمد رمضان، أم إسراء بنت عرفة بيومي
الناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 6
أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 3 شعبان 1438

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1829)

‌‌2 - باب الخيار
الخيار اسم مصدر اختار وليس مصدراً؛ لأن المصدر اختيار، وأما خيار فهو اسم مصدر، واسم المصدر عندهم: هو ما دل على معنى المصدر واشتمل على حروفه الأصلية دون الزائد، الخيار اسم مصدر اختار واختار بمعنى: أخذ بخير الأمرين، فنقول مثلاً: اخترت كذا دون كذا؛ أي أخذت بما أراه خيراً، والخيار أقسام منها:‌‌ خيار المجلس، وإليه الإشارة في قوله:
خيار المجلس:
792 - عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع». متفق عليه، واللفظ لمسلمٍ.
قال: «إذا تبايع الرجلان» أي: عقدا صفقة بينهما، والرجلان هنا وصف أغلبي فلا يكون له مفهوم، بل يشمل الحكم حتى المرأتين، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فكل واحد منهما» أي: من البائع والمشتري، "بالخيار" بين الإمضاء وارد، "ما لم يتفرقا" أي: من مكان العقد، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم، وليس عن عقد البيع؛ فإن بعض العلماء يقول: "ما لم يتفرقا" عن عقد البيع؛ يعني: ما لم يحصل الإيجاب والقبول، فإن حصل الإيجاب والقبول فلا خيار، وهذا التفسير بعيد لفظاً وبعيد معنى؛ لأنه لا يقال فيمن عقد عقداً فأوجب أحدهما وقبل الآخر لا يقال: تفرقا، وأيضاً لا يصدق عليهما أنهما تبايعا حتى يتم الإيجاب والقبول فلا تبايع إلا بإيجاب وقبول، وعلى هذا يكون المراد: ما لم يتفرقا بأبدانهما، ويؤيد ذلك قوله: "وكانا جميعاً"، فإن هذه الجملة كالتفسير للجملة التي قبلها، والتفرق قلنا: إنه عن مكان العقد، فإذا قاما عن مكان العقد جميعاً فهل نقول: تفرقا، يعني: هما فارقا مجلس العقد، ولكنهما لم يتفرقا، إذا كانا في الطائرة مثلاً وتعاقدا في الطائرة وزمن الطيران عشر ساعات يكونان بالخيار لمدة عشر ساعات؟ نعم، كما لو كانا جالسين في هذا المكان لمدة عشر ساعات.
وهل يحصل التفرق بالنوم، كما تبايعا وهما يفرشان فراشهما وقبلا وتم البيع وناما ولما استيقظا قال أحدهما: رجعت، هل يملك ذلك؟ هل تفرقا؟ لا لم يتفرقا، لكن مثل هذا ينبغي أن يقال: إذا خيف الإشكال فلتكن على الحال الأخرى.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 3)

قال: "يخير احدهما الآخر"، ومعنى يخير أحدهما الآخر: يقول الخيار لك وحدك بأن يتنازل عن حقه، فإذا تنازل احدهما عن الآخر صار الذي تنازلا لا حق له في الخيار، والثاني له الخيار، وإذا تنازل كل منهما عن الخيار فلا خيار لواحد منهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسقط الخيار عمن تنازل عنه فالخيار عمن تنازل عنه من الطرف الثاني أيضاً جائز، وعلى هذا إذا تبايعا على أن لا خيار لأحدهما، أو تبايعا ثم أسقط أحدهما خياره، فهذا جائز كما يدل عليه الحديث، قال: "أو يخير أحدهما الآخر" يعني: يقول: الخيار لك وحدك.
قال: "فإن خير أحدهما الآخر فتبايع على ذلك فقد وجب البيع" أي: لزم على حسب ما اشترطاه، فإن خير كل واحد منهما الآخر فلا خيار، وإن البائع المشتري فالخيار للمشتري وحده، وإن خير المشتري البائع فالخيار للبائع وحده.
"وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع" "وجب" أي: لزم وثبت فصار وجوب البيع في صورتين:
الأولى: إذا خير أحدهما الآخر لزم في حق المخير، وإن خير كل واحد منهما الآخر لزم في حقهما جميعاً.
الصورة الثانية التي يجب فيها البيع: إذا تفرقا، والتفرق ليس له حد شرعي فيرجع في ذلك إلى العرف.
من فوائد الحديث: أولاً: ثبوت الخيار للمتبايعين ما داما لم يتفرقا لقوله صلى الله عليه وسلم: "فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا".
والثاني من فوائده أيضاً: مراعاة الشرع لأحوال الناس؛ لأن هذا الخيار الذي جعل للمتبايعين إنما جعل رفقاً بهما، فإن الإنسان إذا لم تكن السلعة عنده فهي غالية في نفسه، تجده حريصاً على أن يملكها فإذا ملكها فربما ترخص في نفسه ويختار ألا يتملكها وهذا شيء معلوم، ولهذا يقال: أجب شيء إلى الإنسان ما منع، فهي لما كانت في ملك غيره يجد نفسه متعلقة بها، فإذا ملكها هانت عنده، فجعل الشارع له الخيار ولكنه لم يجعله خياراً مطلقاً؛ لأنه لو جعله خياراً مطلقاً لزم يكون العقد اللازم عقداً جائزاً، وإن جعله- أي: الخيار- إلى مدة غير معلومة بل هي منوطة بما يتشهى كل واحد صار الخيار مجهولاً، فلهذا جعله الشارع لمدة معينة تجعل للإنسان حرية بعض الشيء، ولا تذهب لزوم العقد، ولا توقع العقد في جهالة، فالمسألة إما أن يقال: لا خيار مطلقاً، أو بثبوت الخيار مطلقاً، أو بثبوته ما داما راضيين به، أو بثبوته ما داما في المجلس، فإذا قلنا: لا خيار لزم من ذلك التضييق على الناس وألا يعطوا فسحة يتروى فيها الإنسان، وإذا جعلنا الخيار مطلقاً لزم أن يكون العقد اللازم جائزاً، وإن قلنا: لهما الخيار

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 4)

إلى أن يرضيا صار الأجل مجهولاً، وإن جعلنا الخيار إلى مدة التفرق أعطيناهما بعض الحرية بدون جهالة وبدون ضرر.
ومن فوائد الحديث: جواز قطع هذا الخيار منهما أو من أحدهما لقوله: "أو يخير أحدهما الآخر"، أما من أحدهما فواضح لقوله "أو يخبر أحدهما الآخر"، وأما منهما، فلأنه إذا جاز في حق أحدهما جاز في حق الآخر؛ لأن الحق لهما، فإذا أسقطاه وتبايعا على أن لا خيار بينهما بأن قال: بعتك هذا البيت بمائة ألف درهم على أن لا خيار لواحد منا، هذا بيع على أن لا خيار، أو يقول: بعتك بيتي بمائة ألف درهم ثم في أثناء المجلس قالا: لنتفق على قطع الخيار، فإذا اتفقا انقطع الخيار، وإن أيي أحدهما وقطعة الآخر فالحق له القول: "أو يخير أحدهما الآخر".
ومن فوائد الحديث: جواز مد الخيار إلى ما بعد التفرق، يؤخذ من الاحتمال الثاني في قوله: "أو يخير أحدهما الآخر"؛ لأنه صالح للأمرين:
فإن قلت: كيف صالحاً لأمرين متضادين: الأول في قطع الخيار، والثاني في مدة؟
قلنا: لأن النصوص العامة تدل على جواز الشروط بين المتعاقدين ما لم تخالف الشرع، وهنا لا مخالفة للشرع.
ومن فوائد الحديث: أن الحق الخاص لآدمي يجوز له إسقاطه لقوله: "أو يخير أحدهما الآخر"، فإن كان الحق حقاً محضاً للآدمي فله أن يسقطه؛ لأنه لا أحد يطالبه في إثباته.
ومن فوائد الحديث: أن البيع من العقود اللازمة لقوله: "فقد وجب البيع"، وكونه من العقود اللازمة هو الموافق لمصالح العباد؛ لأنه لو كان البيع من العقود الجائزة ما تمكن أحد أن يتصرف فيما انتقل إليه من العوض على وجه تطمئن إليه نفسه؛ لأنه يخشى في كل لحظة أن يقول الآخر: قد فسخت البيع، فلهذا كان من المصلحة لعباد الله أن يكون عقد البيع من العقود اللازمة لكل من الطرفين.
ومن فوائد الحديث: جواز إسقاط الإنسان ما هو حق له وإن لم يرض الآخر لقوله: "ولم يترك واحد منهما البيع"، فإذا قال البائع مثلاً للمشتري لما قال اخترت فسخ العقد قال: لا يمكن؛ لأن هذا يضر بالسلعة ويهدم مستقبلها، فجوابه أن يقول له: هذا حق جعله الشارع لي ولا يمكن أن تمنعني إياه، ولكن يجب أن نعلم أنه متى قصد المختار إضرار صاحبه كان ذلك حراماً عليه، وإن كنا نحكم له بظاهر الحال، لكنه حرام عليه لو أنه سامها ثم سامها حتى انتهى السوم إليه ثم باعه عليه، وكان من نيته أن يفسخ البيع من أجل أن ينزل قيمة السلعة في نفوس الناس فإن ذلك حرام عليه، لأنه إضرار بأخيه، لكن إذا كان فسخ البيع عن رغبة لا عن قصد الإضرار فإن هذا حق له، واعلم أن الناس اختلفوا في هذا الحديث اختلافاً عظيماً، والحقيقة أنه

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 5)

اختلاف لا طائل تحته، وأن من تأمل الحديث وما يتضمنه من المعاني الجليلة وجد أنه لا يخالف القاعدة، ولا يخالف القياس، وأنه مقتضى القياس والنظر الصحيح وأن المراد بالتفرق هو التفرق بالبدن، وليس هو التفرق بالقول، وأن دعوي أنه تفرق بالقول وأن البيع يلزم بمجرد الإيجاب والقبول قول ضعيف جداً، وابن عمر رضي الله عنهما راوي الحديث كان إذا باع عليه أحد شيئاً قام من المجلس وفارق المجلس لئلا يستقبل أو لئلا يفسخ البائع، وهذا يدل على أن المراد بالافتراق هو افتراق الأبدان، ولا حاجة إلى التكلف الذي ذهب إليه من زعم أنه ليس في البيع خيار المجلس.
793 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله».
رواه الخمسة إلا ابن ماجة، والدارقطني، وابن خزيمة، وابن الجارود.
- وفي رواية: "حتى يتفرقا من مكانهما".
هذا كالحديث الأول فيه أن البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، وهو مثل قول: "إذا تبايع الرجلان" إلا أن هذا قال: البائع والمبتاع، ففصل أحدهما عن الآخر، فالبائع هو جالب السلعة والمبتاع مشتريها، يقول: "بالخيار" يعني: كل واحد منهما له الخيار يختار ما يراه أنفع وأصلح لنفسه من أي شيء؟
"يتفرقا من مكانهما" وهذا نص صريح بأن المراد بذلك تفرق أبدان قال: "إلا أن تكون صفقة خيار"، الصفقة: هي عقد البيع، وسميت صفقة؛ لأن كل واحد منهما يصفق بيده على الآخر عند العقد، وهذا في زمن مضى، أما الآن فلا تحصل الصفقة.
وعلى كل حال: المعنى إلا أن تكون البيعة بيعة خيار، وبيعة الخيار نقول فيها ما قلنا في قوله في الحديث السابق: "أو يخير أحدهما الآخر"، فتشمل ما إذا كانت صفقة خيار؛ أي: صفقة إسقاط خيار، فإذا كانت صفقة إسقاط خيار وسقط خيار المجلس بمجرد العقد، ويحتمل أن يكون المراد: صفقة خيار؛ أي: صفقة شرط فيها الخيار إلى مدة معينة بعد التفرق، وعلى هذا فيكون في ذلك إثبات خيار الشرط.
قال: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"، يشمل البائع والمشتري، وقوله: "أن يستقيله" أي: أن يفسخ العقد، فالاستقالة هنا بمعنى: فسخ العقد، وذلك لأنه لو كان المراد بها: الاستقالة

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 6)

التي هي فسخ العقد برضا الطرفين لم تقيد بالمفارقة؛ لأن الإقالة تجوز بعد مفارقة المجلس وقبل مفارقته، لكن المراد بالاستقالة هنا: فسخ العقد، وقوله: "ولا يحل له" أي: للمبتاع والمشتري أن يفارقه؛ أي: يفارق صاحبه خشية أن يستقبله وهو صريح في أن المراد: مفارقة البدن.
ففي هذا الحديث من الفوائد: ما سبق من ثبوت خيار المجلس، وأن هذا الخيار يجوز إسقاطه ويجوز مد الخيار إلى ما بعد التفرق.
وفيه أيضاً: أنه يحرم على الإنسان أن يفارق المجلس خوفاً من اختيار صاحبه فسخ العقد؛ لأن هذا تحيل إلى إسقاط حق أخيه بعد ثبوته، ولا يجوز التحيل على إسقاط حق الغير.
ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار النية في العمل، فإن المفارق لمجلس عقد البيع قد يكون فارق المجلس؛ لأنه انتهت حاجته، وقد يكون فارق المجلس من أجل ألا يفسخ صاحبه لئلا يمكن صاحبه من الفسخ، فعلى الأول تكون مفارقته جائزة، إنسان جاء لشخص واشترى منه وذهب، وعلى الثاني تكون المفارقة حراماً؛ لأن المقصود بها إسقاط حق أخيه الثابت في العقد.
فإن قال قائل: أليس هذا الحق له؟
فالجواب: بلى الحق له، لكن ليس له الحق في إسقاط حق أخيه بدون مصلحة له، وهذا موجود كثير في الشريعة أنه لا يحل للإنسان أن يمنع أخاه من شيء ينتفع به أخوه وهو لا يضره، كما جرى لعمر بن الخطاب مع محمد بن مسلمة حين منع جاره أن يجري الماء من أرض محمد فقال عمر: "لأجرينه ولو على بطنك"، وكما قال أبو هريرة في وضع الخشب على الجدار: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم"، فهذا الرجل لا يحل له أن يسقط حق أخيه الثابت له بدون مصلحته وهو ليس قصده إلا الإضرار.
فإذا قال قائل: أليس ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا عقد الصفقة قام وفارق المجلس خشية أن يستقيله صاحبه، فما الجواب؟
الجواب: أن هذا فعل ابن عمر، وفعل ابن عمر لا يحتج به على الحديث، ولكن يلتمس له العذر فلعله رضي الله عنه لم يبلغه هذا الحديث، وإلا فإننا نعلم أن ابن عمر رضي الله عنهما من أشد الناس تمسكاً بالسنة، ولو علم أنه لا يحل له أن يفارقه ما فارقه قطعاً، هذا هو ما نعلمه من حال ابن عمر رضي الله عنهما، فيحمل ما ورد من فعله على أنه لم يبلغه الخبر.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 7)

‌‌خيار العين:
794 - وعن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوت فقال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة». متفق عليه.
هذا رجل كان يخدع في البيوع خداعاً يخفى عليه دون غيره، لأن الخداع نوعان خداع عام وخداع خاص، كما سيأتي.
وقوله: "يخدع في البيوع" بماذا يخدع؟ يحتمل أنه يخدع في السلعة تظهر له جيدة وهي رديئة، أو يكون فيها عيب وهو لا يعرف العيوب، أو يخدع في القيمة فتضاعف عليه، المهم: أنه يخدع في كل ما يعد خديعة، والحديث عام.
فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخلص من هذه الخديعة بأن قال: "إذا بايعت فقل لا خلابة" أي: لا خديعة، فكان إذا باع يقول: "لا خلابة" فإذا ثبتت الخلابة فسخ العقد، وذكر أنه كان يقول: لا خدابة، أنه ألثغ، لسانه فيه شيء، المهم المعنى. أنه كان يقول إذا بايع لا خلابة، فإذا ظهر أنه مخلوب فسخ العقد.
في هذا الحديث فوائد منها: أنه يجوز تصرف الإنسان الذي يخدع في البيع، ولكن يشترط لنفسه أنه لا خلابة.
فإن قال قائل: إذا كان يخدع في البيع فهو سفيه، ومعلوم أن السفيه يحجز عليه.
فيقال: نعم، الحجر عليه هو الأصل، لكن أحياناً لا يصبر عن البيع والشراء، فهذا إذا تصرف يشترط لنفسه فيقول: "لا خلابة"، فإذا قال: لا خلابة فظهر أنه مخدوع فله الفسخ.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يثبت خيار الغبن إلا بشرط؛ لأنه لو كان يثبت بلا شرط ما احتيج أن يقال لا خلابة؛ إذ إنه إذا غبن فسخ سواء كان لا خلابة أم لم يقل، هذا هو مذهب كثير من أهل العلم أنه لا خيار في الغبن، ولكن هذا المذهب فيه نظر؛ لأن هناك قضايا تدل على خيار الغبن منها ما سبق في تلقي الجلب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجالب إذا أتى السوق جعل له الخيار؛ لأنه قد يغبن ومنها ما سبق في المصراة فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيار للمشتري بعد أن يحلبها ثلاثة أيام، وهذا يدل على ثبوت الغبن، وممكن الجمع بين هذا الحديث وبين الحديثين السابقين الدالين على أنه يثبت الخيار في الغبن.
يمكن أن يقال: إن الغبن نوعان: غبن عام يخفي على كل أحد، فهذا فيه الخيار سواء اشترط المشتري أو ذلك أم لم يشترط، مثل التدليس، فإن التدليس لا يعلم به أحد، وكذلك

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 8)

الجلب فإنه يخفى على كل الركبان، وغبن آخر يغبن به الغرير الذي لا يعرف، فهذا الذي يحتاج إلى قوله: "لا خلابة" أو يجعله بوجه آخر، ويقال: إنه يثبت خيار الغبن مطلقاً سواء كان الغبن عاما أو خاصاً، لكن قوله: "لا خلابة" من باب التأكيد وقطع النزاع، فإن الخديعة منفية شرعاً؛ لأنها خلاف النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولكن إذا نفاها عند العقد صار ذلك من باب التأكيد وقطع النزاع، أما كونها من باب التأكيد فواضح؛ لأن نفي الخلابة ثابت سواء شرط أو لم يشترط، لا يجوز لأحد أن يغبن أحداً لكونه غريراً أو لا يعرف الأسعار، بقطع النزاع؛ لأنه إذا ثبت الخديعة ثبت الخيار بدون نزاع، فلا يقول البائع إذا غر المشتري: أنت الذي أخطأت على نفسك، أنت الذي لم تحتط لنفسك؛ لأنه يقول: أنا أحطت لنفسي بقولي: لا خلابة، هذا الوجه أحسن من الوجه الذي قبله، يعني: أحسن من تقسيمنا الغبن إلى قسمين.
فنقول: إن هذا الحديث يدل اشتراط الغبن للفائدتين المذكورتين وهي التوكيد، وقطع النزاع.
ومن فوائد هذا الحديث- على هذا التقدير الذي قررنا-: ثبوت خيار الغبن لكل مغبون، فكل من غبن بتغرير في الثمن أو في المثمن فإن له الخيار.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يكون التعامل بين المسلمين بالنصح بالبيان والصدق وعدم التغرير، وهذا هو الواجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ومعلوم أن من غرر أخاه وخدعه في البيع أو الشراء فإنه لم يجب لأخيه ما أحب لنفسه، لأن الذي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه حقيقة هو الذي يعامل أخاه بما يحب أن يعامل به.
هل يمكن أن يقال: إنه يقاس على البيوع ما سواها من العقود بحيث لا يجوز الخداع فيها؟
الجواب: نعم لا يجوز الخداع في جميع العقود، إما أن نأخذها بالقياس على هذا الحديث، يعني: إما أن نأخذ حكمها بالقياس على هذا الحديث، وإما أن نقول: إنها داخلة في عموم قوله تعالى: {يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1]. فإن من الإيفاء بالعقود أن تعامل إخوانك بالنصح، وفي قوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34]. وفي قوله تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} [هون: 85]. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أنه يجب أن تكون معاملة الإنسان لغيره قائمة على النصح بالبيان والصدق.
وفي الحديث هذا دليل على أن الشريعة الإسلامية كما جاءت بإصلاح أحوال الناس في أمور الدين جاءت بإصلاح أحوالهم في أمور الدنيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد هذا الرجل إلى أن يقول: لا خلابة.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 9)

وفيه: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يرشد الغرير الجاهل إلى ما يسلم به من غائلة هذا الجهل والمغرة؛ لأن هذا من النصح، فلا يجوز للإنسان إذا رأى شخصاً غريراً وقف على دكان يسأله عن سلعة فقال له صاحب الدكان: ثمنها سبعمائة وهو يدري أن قيمتها خمسين ويسكت، بل الواجب عليه أن يقول لهذا المشتري: إن قيمتها في السوق خمسون، ولا يعد ذلك من قطع الرزق كما يظنه بعض العامة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا خيار في الغبن إلا إذا شرط؛ يعني: إذا شرط المغبون بأن له الخيار، ووجه ذلك: أنه لو كان يثبت الخيار بالغبن ما احتيج إلى اشتراطه، وسبق لنا الجواب على ذلك، وقلنا: إن هذا إنما ذكر من اجل التوكيد وقطع النزاع؛ لأن هناك أحاديث تدل على ثبوت الغبن مثل النهي عن تلقي الجلب والمصراة، فإن هذا يدل على خيار الغبن وهذا هو الصحيح.
****

‌‌3 - باب الربا
الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [فصلت: 39]. أي: علت وزادت، ومنه قوله تعالى: {وءاوينهما إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين} [المؤمنون: 50]. أي: إلى مكان مرتفع زائد عن مستوى الأرض، أما في الشرع: فإنه الزيادة بين شيئين حرم الشارع التفاضل بينهما بعوض أو التأخير في قبض ما يشترط قبضة، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو من كبائر الذنوب، بل من الموبقات السبع التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر أكل الربا، وفيه وعيد عظيم في القرآن والسنة، قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه لم يرد في ذنب دون الشرك مثل ما رد في الوعيد على آكل الربا؛ وذلك لأنه فساد للمجتمع في دينهم ودنياهم؛ فإنه يقتضي أن يتغذى الناس بالحرام ويقتضي أن تختلف طبقات الناس، فيكون منهم من هو في القمة، ومنهم من هو في القمامة، ويحصل به التضخم المالي المدمر للاقتصاد بين الأمة، فهذا وردت فيه نصوص كثيرة في الوعيد وإنما وردت فيه بالوعيد الشديد؛ لأن النفوس تحب المال، كما قال الله تعالى: {وتحبون المال حباً جماً} [الفجر: 20]. فتحتاج إلى رادع قوي يمنعها من أكل هذا المال المحرم؛ لأنه لو كان الوعيد خفيفاً هان على الإنسان أن يأكل هذا المال المحرم، لكن إذا كان الوعيد عظيماً ارتدع من قلبه إيماناً، ثم إن هذا الربا العظيم الذي توعد الله عليه في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وأجمع المسلمون على تحريمه، لا فرق بين أن يكون المرابي

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 10)

محتاجاً أم غير محتاج، لو أخذ الحبل يحتطب ويأكل لكان خيراً له من أن يعطي الربا، ثم اعلم أن الربا سيكون في أشياء معينة تذكر في الأحاديث التي تأتي- إن شاء الله- من أدلة الكتاب على تحريمه قوله تعالى: {يأيها الذين أمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافاً مضعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 130 - 131]. وهذا يدل على أن آكل الربا مهدد بالنار المعدة للكافرين، وقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون} [البقرة: 275].
وقوله تعالى: {يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 278 - 279]. وقوله تعالى: {وما أتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما أتيتم من زكوةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 29]. أما في السنة فاستمعوا إلى حديث جابر رضي الله عنه.

‌‌تحريم الربا:
795 - عن جابر رضي الله عنه قال: "آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء". رواه مسلم.
- وللبخاري نحوه من حديث أبي جحيفة.
لعن خمسة- والعياذ بالله- في الربا: "آكله" بدأبه؛ لأنه المستفيد من الربا فلذلك بدأ به، وهو أشدهم- والعياذ بالله- لأنه يأكل الربا، وأكل مال محرم سحت يتغذى جسده بالسحت، فإذا دعا لم يكن حرياً بالإجابة، فلو فعل أسباب الإجابة ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، وملبسه حرام، ومطعمه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك».
"وآكل الربا" لا يعني من أكله فقط، بل من أخذه سواء أكله أو لبسه أو شربه أو غير ذلك، وإنما ذكر الأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ لأنه يتغذى به البدن، فاللباس يقيه الحر والبرد لكن ليس كنفع الأكل، لأن نفع الأكل أدخل مباشرة في البدن، وأما قول بعضهم: أعم وجوه الانتفاع، فلأن الغالب أن الإنسان ينتفع أكلاً أكثر مما ينتفع بماله شرباً أو لبساً لكن الظاهر أنه خص الأكل؛ لأنه أخص الانتفاع بالربا، ولكن هل المراد خصوص الأكل؟ الجواب: لا، بل المراد: أخذه للأكل أو لغيره، ولهذا قال الله تعالى في اليهود: {وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} [النساء: 161].

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 11)

ثانياً: "موكله"، الموكل هو الذي يعطي الربا، واستحق اللعنة على فعل تكون به اللعنة والمعين على المحرم كفاعل المحرم، كما أن المعين على الخير كفاعل الخير.
"كاتبة" أيضاً ملعون، لأنه أعان على تثبيته بكتابته، ولأنه لم يكتبه إلا وقد رضي به، فصار مشاركاً للفاعل، ويقال كذلك في "شاهديه" اللذين يشهدان به، فإنهما داخلان في اللعنة؛ لان شهادتهما بذلك تثبته، ولأن شهادتهما به تدل على رضاهما به، والراضي بالمحرم كفاعل المحرم، وعلى هذا يكون الربا يلعن فيه خمسة: الآكل، والموكل، والكاتب، والشاهدين، يلعن فيه هؤلاء الخمسة، وعرفتم وجه اللعن فيما عدا الأكل؛ لأن لعن الأكل واضح، ولعن غيره من أجل السببية.
وفي الحديث دليل على أن أكل الربا وتأكيله والشهادة في وكتابته من كبائر الذنوب، وجه ذلك: أنه رتب على هذه الأفعال اللعنة وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
ومن فوائده: أن المعين المحرم كفاعل المحرم حتى وإن كان مظلوماً به، فالموكل مظلوم بالمحرم بالربا ومع ذلك كان له إثم الآكل لإعانته إياه على أكله ورضاه بذلك.
ومن فوائد الحديث: تحريم الشهادة بما يكون حراما؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن الشاهد، وكذلك نقول في الكتابة، فإذا كان الشيء عند الشاهد حرام عند غيره فإن كان حراماً عند المتعامل به كانت شهادة الشاهد به حراماً وإن كان يرى الحل لماذا؟ لأنه أعان على المحرم فهو يعتقد أن هذا الذي شهد له بهذا المحرم يعتقد تحريمه فيكون شاهداً له بالمحرم، وإن كان هو يرى الحل كمسائل البيوع التي اختلف فيها العلماء أو مسائل الوقف المختلف فيها، أو الرهن أو غير ذلك، شهدت لشخص يعتقد أن هذا العقد محرم وأنت تعتقد أنه حلال، فنقول: هذا حرام عليك، لأنك أثبت لهذا الشخص ما يعتقد أنه حرام، وكذلك بالعكس لو كان هذا الشخص يعتقد الحل وأنت ترى التحريم حرم عليك أيضاً أن تشهد؛ لأنك ستشهد بما تعتقد أنه حرام، ولكن يدخل في هذه المسألة الشهادة على الطلاق الثلاث هل يشهد الإنسان أولا يشهد؟
رجل طلق زوجته ثلاثاً ثم ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثاً، وأنكر الزوج، ويوجد من يشهد من حضر طلاقه هل يشهد بهذا الطلاق أو لا يشهد لأنه محرم؟
الجواب: أنه يشهد، لماذا؟ لأنه يترتب عليه أمر كبير، وأنا الآن لا أشهد به إقراراً له، ولكن لأجل ما يترتب على هذا من البينونة الكبرى لمن يرى أن الثلاث تبين به المرأة، أو التأديب عند من يرى أن المرأة لا تبين به ولكنه حرام، المهم: أنه إذا سمع شخصاً يطلق زوجته ثلاثاً ودعت الحاجة أن يشهد بذلك عند القاضي فإنه يشهد؛ لأن هذا أمر وقع ولم يبق إلا أن تشهد

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 12)

به من أجل ترتب الآثار عليه بخلاف ما لو شهد على بيع خمر، فإنه لا يشهد بذلك؛ لان بيع الخمر حرام يجب رده على البائع بل يجب إتلافه، وليس للبائع عوض عن هذا الخمر، وإن كان القول الراجح في هذه المسألة في أنه يجبر المشتري على أن يتصدق بهذا الثمن الذي جعله ثمناً للخمر لئلا يجمع له بين العوض والمعوض.
من فوائد الحديث: أن المعين للحرام مساوٍ للمباشر له لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "هم سواء"، ولكن هذا مشكل، وجه الإشكال: أنه ليس الشاهد والكاتب والموكل كالمباشر الذي انتفع بالربا، ولكن يمكن أن نقول: إن الحديث تحمل فيه التسوية على أنهم سواء في أصل الإثم أو في أصل اللعنة وإن اختلفوا في كيفيتها، ولا يلزم من التساوي في الأصل التساوي في الكيفية، وإنما قلنا: إن هذا محتمل؛ لأننا نعلم أن جزاء الله- سبحانه وتعالى مبنى على العدل التام نعم، لو كان لا يثبت الربا للآكل إلا بشهادة هؤلاء فربما نقول: إنهم يتساوون حتى في كيفية اللعنة وصفة العقوبة.
وقوله: "وللبخاري نحوه … الخ"، "نحوه" يعني: ما يقاربه، لأن في حديث أبي جحيفة: "لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله"، وليس فيه ذكر الكاتب والشاهدين.
796 - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم». رواه ابن ماجه مختصرا، والحاكم بتمامه وصححه.
قوله: "الربا" نتكلم أولاً عن هذا الحديث من جهة المتن فنقول: لا شك أن في متنه شيئاً من النكارة؛ وذلك لأن أكل المال بالربا أعظم من أكل العرض، اللهم إلا إذا كان العرض بالقدر، ثانياً: ولأن قوله: «أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه»، ومن أيسر الأبواب مثلاً أن يبيع صاعاً طيباً بصاعين رديئين مستاويين له في القيمة ومع ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه»، وهذا تشنيع عظيم في أيسر الربا، فمثل هذا المتن في القلب منه شيء وذلك لعظم العقوبة في أمر يظهر للإنسان أن ما مثل به أشد وأعظم من الممثل، فالله أعلم، ولكن سند الحديث لا بأس به. «الربا ثلاثة وسبعون باباً»، الباب بمعنى: الصنف والجنس، ومنه قول بعض العلماء: لم يصح في هذا الباب شيء أي: في هذا الصنف من مسائل العلم فهو ثلاثة وسبعون باباً، ما هذه

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 13)