فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الشرط وجعله شرطًا صحيحًا، فهذه المطلقات كالذي سبق في النهي عن شرطين في بيع وعن بيع وشرط، هذه المطلقات يجب أن تُحمل عل الصور التي فيها مانع شرعي لا على إطلاقها.
من فوائد الحديث: جواز السلف لقوله: "لا يحل سلف وبيع"؛ لأن المنهي عنه الجمع، وما نهي عن جمعه دل على جواز إفراده، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان النهي يرد عنه مطلقًا.
ثانيًا: جواز البيع مثل السلف.
ثالثًا: تحريم الجمع بين البيع والسلف لقوله: "لا يحل سلف وبيع"، وهذا إن كان مشروطًا فلا شك في أنه حرام، لأن الغالب أنه يتضمن ربًا، فإن الغالب أن المسلف إذا اشترط البيع أو الشراء منه لابد أن يكون هناك فائدة له، وكل شرط جر نفعًا للمقرض فهو حرام ربًا، فإن وقع عن غير شرط بأن باع عليه شيئًا ثم قال المشتري: أريد أن تسلفني-تُقرضني-هذا الثمن الذي ثبت لك علي يعني: يسلمه الثمن وانتهى البيع، ثم قال: سلفني إياه، هذا جائز، أو رجل باع على شخص آخر بيته بعشرة آلاف ريال، ثم قال: أريد أن تقرضني عشرة أخرى، لأنني محتاج إلى عشرين ألفًا، فهذا جائز إذا وقع بدون شرط لا شرط ولا اتفاق مسبق فإنه جائز لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: تحريم كل شرطين إذا اجتمعا لزم منهما محظور، لقوله: "ولا شرطان في بيع، أما إذا لم يلزم منهما محظور فلا بأس بذلك، مثل أن يشتري الحطب على بائعه أن يحمله إلى بيته ويدخله في البيت ويكسره، هذه ثلاثة شروط لكنها كلها جائزة، لأنها لا تضمن محظورًا شرعيًا.
ومن فوائد الحديث: تحريم الربح فيما لم يدخل في ضمان رابح، والعلة في ذلك الغرر أحيانًا وإثارة الأحقاد أحيانًا، فإنني إذا بعت شيئُا لم يدخل في ضماني بقبضه وربحت فيه فإن البائع الذي باع علي سوف يكون في نفسه شيء، يقول: هذا غرني غلبني، وإذا لم يسيء الظن بالمشتري فإنه ربما يحقد عليه.
ومن فوائد الحديث أيضًا: تحريم بيع ما ليس عند الإنسان بالصور الأربعة التي ذكرناها كل شيء ليس عندك لا تبعه، لماذا؟ لأنه يؤدي إلى الخصومات والنزاعات، فإنك إذا بعت ثم عجزت أن تسلمه صار بينك وبين المشتري نزاع طويل وحصل بذلك عداوة وبغضاء وشحناء، ثم إن الغالب أن الإنسان لا يتعجل فيبيع ما ليس عنده إلا بأرباح، فيكون التقى فيه المعنيان: الربح فيما لم يضمن، والثاني: بيع ما ليس عندك.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى تحريم كل غرر، لأن بيع ما ليس عندك غرر قد يحصل وقد لا يحصل وهو كذلك، فإن الشريعة جاءت بتحريم كل ما فيه غرر؛ لأن هذا يؤدي إلى
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 559)
النزاع والبغضاء وإلى الطمع وأن ترتقي النفوس لطلب الربح إلى الميسر الذي حرمه الله تعالى في كتابه وقرنه بالخمر والأنصاب والأزلام.
ومن فوائد الحديث: حكمة الشارع في درء كل ما يوجب العداوة والبغضاء بين الناس، لأن المطلوب من المسلمين أن يكونوا إخوانًا متآلفين متحابين، فكل ما يفضي إلى النزاع من أي معاملة كانت فإن الشرع يمنع منه.
بيع العُربان:
768 - وعنه رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العُربان".رواه مالك، قال: بلغني عن عمر بن شعيب، به.
النهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، وهو من الشارع يقتضي التحريم كما مر علينا وقوله: "العُربان"، ويُقال: العربون، والعربون: هو أن يشتري إنسان شيئُا من شخص ويقدم له بعض الثمن ويقول: إن تم البيع فهذا من الثمن، وإن لم يتم البيع فهو لك، مثال ذلك: جئت إلى زيد وقلت: يعني بيتك، قال: طيب اتفقنا على أنه يبيعه علي بمائة ألف ريال، فقال: أعطني العُربون، فقال: أعطيك عشرة آلاف ريال عربونًا، إن تم البيع أتممت الثمن، كم يتمم؟ تسعين ألفًا وإن لم يتم فهو لك، هذا فيه خلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: إنه محرم، لأنه غرر وجهالة قد يتم البيع وقد لا يتم، فيكون هناك جهالة وغرر فيكون ممنوعًا، واستدلوا بهذا الأثر، لكن هذا الأثر كما تشاهدون لا يصح، لماذا؟ لأنه يقول: بلغني عن عمرو بن شعيب، فمن الذي بلغ، ما هو الطريق؟ مجهول، وحينئذ لا يصح، ولهذا كان القول الثاني في المسألة صحة بيع العربون، وهذا مذهب عمر رضي الله عنه صح عنه ذلك، وصح عن ابنه أيضًا ابن عمر وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل أن بيع العربون جائز ولا بأس به، قالوا: والجهالة التي فيه ليس جهالة ميسر؛ لأن الجهالة- جهالة الميسر-يكون فيها المتعاملان بين الغنم والغرم، أما هذه فإن البائع ليس بغارم بل البائع غانم، وغاية ما هناك أن ترد إليه سلعة، ومن المعلوم أن المشتري لو شرط الخيار لنفسه لمدة يوم أو يومين كان ذلك جائزًا، وبيع العُربون يشبه شرط الخيار إلا أن المشتري يقول: بدل من أني رددت عليه السلعة وربما تنقص قيمتها إذا علم الناس اشتريت ثم رُدت بدلًا من ذلك أنا أعطيه عُشر الثمن أو أكثر أو أقل حسب ما يتفقان عليه، ففيه جبر لما قد
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 560)
يحصل من نقص قيمة السلعة، ولو على سبيل التقدير، ففيه مصلحة، وفيه أيضًا مصلحة للبائع من وجه آخر، لأن المشتري إذا سلم العربون وعلم أنه إن لم تتم البيعة أخذ منه العربون فسوف يتمم البيعة، ولهذا البائع يشترط العربون في الغالب لأجل أن يتمسك ويمسك المشتري ولا يتهاون، ففيه مصلحة للبائع وفيه أيضًا مصلحة للمشتري، لأن المشتري ربما إذا أخذ السلعة وذهب ونظر وفكر وقدر علم أنها لا تناسبه، فإذا كان لم يشترط الخيار فهي لازمة له، وإذا اشترط الخيار بالعربون صار غير لازم، وهذا يقع كثيرًا، تجد الإنسان يشتري الشيء راغبًا فيه جدًا ثم يتغير نظره فيه أو يأتيه من جهة أخرى نفس الشيء الذي اشتراه يهب له إنسان فتطيب نفسه عن الشراء ويرغب في ردّه، فإذا كان اشتراه عن طريق العربون انتفع.
فالقول الراجح في هذه المسألة - وعليه عمل الناس اليوم-: أن بيع العربون لا بأس به، لأنه مصلحة للطرفين، وليس من باب الميسر؛ لأن الميسر يكون فيه أحد الطرفين إما غانمًا وإما غارمًا، أما هذا فليس فيه غُرم، البائع رابح، لأنه يقول: إن تم البيع فلك، وإن لم يتم فأنا قد ربحت العربون.
فإذا قال قائل: هل العربون مقدر، أي: أنه يكون بنسبة شيء معين إلى الثمن أو على حسب ما يتفقان عليه؟
الجواب: هو الثاني، قد يعطيه من العربون عشرة ريالات والثمن منه مائة ألف، وقد يعطيه خمسين ألفًا والثمن مائة ألف، المهم: أن هذا شيء يرجع إليهم، لكن من المعلوم أنه إذا أعطاه عربون خمسين ألف من مائة ألف الغالب أنه لا يترك المبيع؛ لأن الخسارة كبيرة والبائع إذا كان يخشى سوف يطلب عربونًا كبيرًا حتى يستمسك من المشتري.
حكم بيع السلع حيث تُبتاع:
769 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يد الرجل، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت، فإذا هو زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تُباع السلع حيث تُبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم". رواه أحمد، وأبو داود واللفظ له، وصححه ابن حبان والحاكم.
"استوجبته" يعني: تم العقد وحصلت المفارقة ولزم، وفي لفظ: "فلما قبضته".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 561)
وقوله: "أضرب على يد الرجل" يعني: أن أبيع عليه، وإنما كنى عن البيع بالضرب على اليد؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك أحيانًا، يقول مثلًا: اشتريت منك كذا وكذا، فيقول: نعم، ويضرب يده على يده فالمؤكد للبيع، ولهذا يُسمى عقد البيع ويُسمى صفقة، وليس المعنى تصكه على وجهه، لكن المعنى: أنك تصفق يدك على يده، ومن التصفيق: ضرب اليد على اليد، فكانوا أحيانًا عند البيع - ولاسيما البيعات الكبيرة-يفعلون هذا كالمعاهد، الإنسان إذا أراد أن يُعاهد شخصًا مد يده وعاهد، كما قال الله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله} [الفيتح: 10]. ولهذا سموا البيع بيعًا، لأنه مأخوذ من الباع، لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للآخر، المهم أن قول ابن عمر: " أردت أن أضرب على يده" أي: أتمم البيع معه وأتمم العقد.
يقول: "فأخذ رجل مني خلفي بذراعي" كأنه رفع يد ابن عمر فأخذ من خلفه ذراعه فالتفت فإذا هو زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال: "لا تبيعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تُباع السلع حيث تُباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم"، (حيث) هذه ظرف مكان، و"ابتعته" بمعنى: اشتريته، يُقال: باع وابتاع كما يُقال: شرى واشترى، شرى: بمعنى باع، خلافًا للغة العُرفية عندنا أن شرى بمعنى اشترى، بل شرى بمعنى: باع، ومنه قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} [البقرة: 207] أي: من يبيعها، واشترى مقابلها باع وابتاع كشرى واشترى.
وقوله: "حيث تُبتاع" أي: حيث تُشترى، "حتى يحوزها التجار إلى أماكنهم، إن كانت دكانًا ففي الدكان، وإن كانت بيتًا ففي البيت المهم إلى بيته الذي يسكنه أو إلى محل تجارته، وقوله: "حتى يحوزها التجار" وهم الذين يتعاملون بالتجارة والتكسب، والظاهر أنه ليس لها مفهوم، وأنها جاءت على الأغلب، وأن الإنسان إذا اشترى ولو لحاجته الخاصة ثم أراد أن يبيعه فلا يبيعه حتى يحوزه إلى رحله.
هذا الحديث فيه دليل على فوائد كثيرة منها: جواز البيع والشراء من العالم والفقيه وذي اتجاه بدليل فعل ابن عمر رضي الله عنهما ولا يُخفى على أحد مكانة ابن عمر رضي الله عنهما من العلم والفقه والدين والورع وهو كذلك، أي: أنه يجوز للعالم والفقيه والعابد أن يبيع ويشتري كغيره، لكن كره بعض أهل العلم أن يبيع القاضي ويشتري بنفسه، وإنما كرهوا ذلك لئلا يُحابي القاضي ويكون عند المحابي له خصومة، لأن القاضي كل الناس إما أن يحتاجوه وإما أن يترقبوا حاجتهم إليه، فربما يحابونه تحسبًا لما سيكون عندهم من المخاصمة، ولكن الصحيح أنه لا يُكره للقاضي أن يبيع ويشتري لحاجاته، أما في مسألة التجارة وطلب التكسب فالأولى أن يتنزه
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 562)
الإنسان عن ذلك؛ لأن الإنسان إذا داخل الناس في تجاراتهم سقط من أعينهم وعرفوا أنه مثلهم يُنازعهم جيفة الدنيا، وأظن للشافعي رحمه الله أبيات حول هذا الموضوع يقول: [الطويل]
ومن يبغ الدنيا فإن طعنتها***وسيق إلينا عذبها وعذابها
فلم أرها إلا غرورًا وغافلًا ***كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلا جيفة مستحيلة***عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها***وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فالإنسان ذو الشرف والجاه والعلم لا ينبغي أن يتدخل في التجارة وطلب زيادة المال، أما التجارة التي لا بد منها فلابد منها.
ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة-رضي الله عنهم-على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر لفعل زيد بن ثابت.
ومن فوائد الحديث: المبادرة في منع المنكر؛ لأنه أمسك بيده، وهذا يدل على أنه فعل ذلك فورًا لئلا يتم البيع.
ومن فوائده: أن مثل هذا لا يُقال أن فيه حسدًا للمشتري أو بيعًا على بيع كما يتوهمه بعض العامة إذا عُقد عقد محرم وجاء شخص ينصح العاقد ويحذره قال: لا تقطع رزقه، هذا ليس بصحيح، بل الشيء المحرم يجب منعه، ولا يُعد هذا من باب الحسد والحيلولة بين الإنسان ورزقه.
[إعادة شرح]: وقوله: "ابتعت" بمعنى: اشتريت، وأما بعت بمعنى: اعطيت الشيء، فعندنا المادة شرى إن زيدت فيها التاء فهي بمعنى: الأخذ، إن حذفت فهي بمعنى: الإعطاء، فالبائع معط والمشتري آخذ يُقال: شرى بمعنى: باع، واشترى بمعنى: أخذ ويُقال: باع بمعنى: أعطى، وابتاع بمعنى: أخذ.
[عودة للفوائد]: أنه لا يجوز بيع الشيء في مكانه الذي اشترى منه حتى يحوزه مشتريه إلى رحله لقوله: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تُباع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم ولا فرق في هذا بين ما يحتاج إلى توفية وما لا يحتاج، أي: لا فرق بين ما يبيع جزافًا أو يبيع بكيل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 563)
أو وزن أو عد أو ذرع، فمثلًا لو اشتريت سيارة من معرض وبعتها في هذا المعرض كان هذا حرامًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. ولو اشتريت كيسًا من البر كل صاع بدرهم هذا يحتاج إلى توفية فلا يجوز أيضًا بيعه حتى تكيله وتحوزه إلى رحلك، وظاهر هذا أنه لا فرق بين أن تكون السلعة فيما يختص بالبائع كدكانه وبيته أو فيما هو عام كالسوق، لأن هذه القصة كانت في السوق، ولكن في النفس من هذا شيء، وذلك لأن السوق رحل للبائع والمشتري، فمثلًا إذا اشتريت كومتين خضرة في سوق الخضار من قثاء أو غيره، فهل نقول: لا يجوز لك أن تبيعه ما دامت في هذا المكان حتى تحوزها إلى رحلك؟ نقول: في هذا نظر، لماذا؟ لأن هذا الذي باعها لم يبعها في مكان يختص به وقد باعها وخلى بينك وبينها، وأنت الآن لو حزتها إلى أي مكان تحوزها، ليس من العُرف والعادة أن الإنسان إذا اشترى شحنة من هذه الأشياء يذهب بها إلى بيته ليبيعها في بيته، أو في دكانه، بل جرت العادة أن يبيعها في هذا المكان وهذا هو الظاهر، وعلى هذا فيكون هذا الحديث خاصًا فيما يُنقل إلى الرحل، أما ما لم تجر العادة بنقله ويكون البائع قد خلى بينه وبين المشتري في مكانه العام فلا يدخل في هذا الحديث.
ومن فوائد الحديث: أن للشرع نظرًا في قطع ما يُوجب الحقد والبغضاء، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع السلع في مكان ابتياعها لئلا يربح المشتري، وحينئذ يكون في قلب البائع شيء من الحقد والبغضاء، حتى وإن كان البائع قد باع باختياره لكن من المعلوم أنه إذا كسب عليه المشتري فقد يظن أنه غلبه وأخذه منه بأقل فيكون في نفسه شيء عليه، ولاسيما أن الشيطان يحرص على هذه الأمور، وبناء على هذه العلة قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لو باعه على من اشتراه منه فإن ذلك لا بأس به أو باعه تولية فإن ذلك لا بأس به، ما معنى تولية؟ يعني: برأس المال بدون ربح، ولكن ظاهر الحديث يُخالف هذا، وأنه لا يجوز بيعه لا تولية ولا مُرابحة ولا على البائع ولا على غيره، وهذا هو الأقرب.
ومن فوائد الحديث: جواز البيع والشراء في الأصل؛ لأنه إنما منع بيعها حيث تُبتاع، فيدل على أن الأصل جواز البيع، وهذا هو الأصل لقول الله تعالى: (واحل الله البيع وحرم الربا) البقرة 275. ونستفيد من الأصل أنه لو ادعى مدعٍ أن عقد بيع معين عقد محرم ماذا نقول؟ نقول: هات الدليل، وإلا فالأصل أن عقد البيع حلال حتى تأتي بدليل.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 564)
770 - وعنه رضي الله عنه قال: "قلت يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه وأعطي هذه من هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء"، رواه الخمسة، وصححه الحاكم.
"البقيع" معروف هو بقع الغرقد الذي فيه مقبرة أهل المدينة، والبقيع معناه: مقتنع الماء وهو موضع قريب من المدينة تُباع فيه الإبل.
وقوله: "فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم"، الدنانير جمع دينار وهو النقد من الذهب، والدراهم جمع درهم وهو النقد من الفضة، والنقدان هما الذهب والفضة، فكان بيع بالدنانير ويأخذ بالدراهم وبالعكس.
وقوله: "آخذ هذا من هذا وأعطي هذا من هذا"، "من" هنا بدلية أي: بمعنى بدل؛ لأن من معاني "من" البدلية، ومنه قوله تعالى: {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} [الزخرف: 60]. فآخذ هذا يدل هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا بأس .... إلخ) مثال ذلك: يبيع البعير بخمسة دنانير ويأخذ عنها ستين درهمًا أو يبيعها بستين درهمًا ويأخذ عنها خمسة دنانير، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء" "لا بأس" أي: لا حرج ولا إثم: "أن تأخذها" الضمير يعود على العوض المأخوذ بدلًا من العوض الثابت في الذمة سواء كان يأخذ الدنانير بدل دراهم أو الدراهم بدل دنانير، لكن اشترط النبي صلى الله عليه وسلم شرطين قال: "بسعر يومها" لا تزيد ولا تنقص، فمثلًا إذا باع بخمسة دنانير وكان قيمة الدينار عشرة دراهم كم يأخذ العِوض؟
خمسون درهمًا، لو أخذ عنها ستين درهمًا لا يجوز، أخذ عنها أربعين درهمًا لا يجوز لظاهر الحديث؛ لأنه قال: "بسعر يومها"، أما إذا أخذ عِوض هذه الخمسة ستين درهمًا فإنه لا يجوز، ووجهه: أنه ربح فيما لم يدخل في ضمانه ربح في دين له في ذمة المشتري فربح في شيء لم يدخل في ضمانه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب، إذن نقول: وجه ذلك: أنه لا يجوز أن يربح في شيء لم يدخل في ضمانه، أما إذا أخذ عنها خمسين يجوز، لأن هذا سعر يومها، إذا أخذ عن الخمسة أربعين وكان قيمة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 565)
الدينار عشرة فظاهر الحديث أنه لا يصح، ولكن ليس هذا مرادًا يعني: أنه يجوز أن يأخذ عن هذه الدنانير الخمسة التي قيمة الدينار عشرة أن يأخذ عنها أربعين؛ لأن هذا في مصلحة المشتري الذي تلفت عليه خمسة دنانير وأنا لم آخذ منه إلا أربعين درهمًا لو ذهب ليشتري الدنانير لدفع خمسين درهمًا.
فإذا قال قائل: كيف تخالفون مفهوم الحديث؟
قلنا: إن المفهوم يُصدق ولو بصورة واحدة، وهنا صُدق بصورة واحدة وهي ما إذا كان بزيادة، أما إذا كان ينقص فلا بأس به، لأن قواعد الشرع لا تاباه، كما أنه لو ثبت في ذمتك لي خمسين درهمًا وقلت: أعطني أربعين درهمًا وأنت في حِل أليس هذا بجائز.
الشرط الثاني قال: "وما لم تفترقا وبينكما شيء" يعني: أنه يُشترط قبض العوض قبل التفرق، وهذا ظاهر، لأن هذا بيع ذهب بفضة، وبيع الذهب بالفضة يُشترط فيه التقابض قبل التفرق، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيء تم إذا كان يدًا بيد"، إذن لابد أن يستلم البائع عِوض الثمن في مجلس العقد، مثاله: بعت عليك هذا البعير بخمسة دنانير، ثم أردت أن أخذ عن هذه الدنانير دراهم وقيمة الدينار عشرة كم درهمًا آخذ؟ خمسة، قلت: إذن نحول الذهب إلى فضة، وأبقيت في ذمتك خمسين درهمًا، هل يجوز؟ لا يجوز، لابد أن يعطيني ويسلمني الدراهم، ووجهه: ما ذكرت أن بيع الذهب بالفضة يُشترط فيه التقابض في مجلس العقد، فإن أخذت عٍوضًا عنه ما لا يجوز فيه النساء بأن قلت: الدراهم التي في ذمتك آخذ عنها هذه السيارة فوافق، فهل يجوز هذا أو لا يجوز، ولم آخذ السيارة؟ إن قلتم يجوز: أخطأتم، وإن قلتم: لا يجوز أخطأتم، نقول: إذا كانت السيارة تساوي ما في ذمة الذي أعطاها فقد حصلنا على شرط وهو قوله: "بسعر يومها"، فمثلًا إذا كان في ذمته لي عشرة آلاف ريال وقال: أعطيك عنها هذه السيارة، والسيارة تساوي عشرة آلاف ريال وُجد الشرط الآن لكن صرف ولم أشتر منه السيارة، فهل يجوز؟
نحن قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترط: "وما لم تفترقا وليس بينكما شيء"، اشترط هذا الشرط، لأنه سيأخذ عن الدنانير دراهم أو عن الدراهم دنانير وبيع الذهب بالفضة يشترط فيه التقابض في مجلس العقد، أما بيع السيارة بالدراهم لا يُشترط فيه، وبناء على ذلك فيجوز أن أخذ هذه السيارة عما في ذمته بدون أن أستلمها تبقى عنده متى شيءت استلمتها، والعلة الثانية: "ما لم تفترقا وبينكما شيء"، لأن بيع الذهب بالفضة لابد فيه من التقابض في مجلس العقد، وبناء على هذه العلة لو أُخذت عوضًا عن الدراهم ما يُباح به النسيئة فإنه لا يُشترط القبض في مجلس العقد.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 566)
يُستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: حرص الصحابة- رضي الله عنهم-على العلم، لسؤال ابن عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن تصرفه.
ثانيًا: أنه يتأكد على كل إنسان أراد أن يفعل عبادة أو أن يعقد عقدًا أن يعرف أحكامه لئلا يقع في خطأ، وهل يُطلب من الإنسان أن يعرف الأحكام قبل أن يفعل أو بعد أن يفعل؟ قبل أن يفعل، لأنه إذا فعل ووقع في الخطأ مشكل قد لا يمكن استدراك هذا الخطأ، ولهذا نجد بعض الناس الآن لما انتشر الوعي وصار الناس يتساءلون عن الدين تجده يسأل عن مسألة لها عشرين سنة، يقول: حججت منذ عشرين سنة وفعلت كذا وكذا، وربما يكون هذا لم يطف طواف الإفاضة، إذا كان لم يطف طواف الإفاضة وتزوج وجاءه أولاد يقع في مشكلة ما هي؟ المشكلة أن من يرى أن عقد النكاح قبل التحلل الثاني فاسد يجعل نكاحه هذا فاسدًا، لكن يوجد قول ثان يقول أن عقد النكاح يعد التحلل الأول جائز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم وجماعة من أهل العلم، قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال: "حلّ لكم كل شيء إلا النساء" يعني: نساءكم، ولا يتوجه النهي عن النساء إلا بعد العقد، ولكن من أخذ بالعموم وقال: إلا النساء سواء كان جماعًا أو مباشرة أو وسيلة فإنه داخل في الحديث كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، فإن عقد النكاح لهذا الرجل ليس بصحيح ويجب أن يُعاد انظر كيف التساهل يعني: بعد عشرين سنة وبعدما تزوج ورزق أولادًا قال: تركت طواف الإفاضة، المهم: أنه يتأكد أن يسأل الإنسان قبل أن يفعل.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يُشترط في التقابض في بيع الحيوان بالنقود، لقول ابن عمر في الدراهم: نبيعها بالدنانير ثم نأخذ عنها كذا، وهذا يدل على أن الدراهم والدنانير تبقى في ذمة المشتري.
ومن فوائد الحديث: جواز بيع الدين لمن هو عليه، كيف ذلك؟ لأن ابن عمر يبيع البعير بالدنانير، فيثبت في ذمة المشتري دنانير، ثم يبيع على المشتري هذه الدنانير، وهذا بيع الدَّين لمن هو عليه، وله أمثلة منها هذا المثال الذي في حديث ابن عمر، ومنها لو كان في ذمتك لي سلم يعني: قد أعطيك دراهم على أن تعطيني مائة صاع بًرّ إلى أجل لما حلّ الأجل بعت عليك هذه الأصواع، فهل يجوز أو لا؟ نعم يجوز، وإنما مثلت بالسّلَم خاصة؛ لأن بعض أهل العلم قال: إن بيع السّلَم لا يجوز حتى ولو كان على ما هو عليه، واستدلوا بحديث ضعيف:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 567)
"من أسلف في شيء فلا يُسلفه إلى غيره"، والحديث ضعيف، ولو صحّ فليس معناه الذي ذهب إليه هذا الدال، لو أنني اشتريت منك سيارة وبقيت السيارة عندك ثم بعتها عليك قبل أن أحوزها إلى رّحلي هل يجوز؟ لا يجوز إلا على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن ذكرنا أن ظاهر الحديث العموم.
مسألة بيع الدَّين:
-هل يجوز بيع الدَّين على غير من هو عليه؟
في هذا خلاف بين أهل العلم، أما المذهب فإنه لا يجوز أن يُباع على غير من هو عليه، مثال ذلك: في ذمتك لشخص مائة صاع بُرّ فباعها الذي هي له على زيد وأحاله عليه، هل يجوز أو لا؟ المذهب لا يجوز، وذلك لأن هذا المشتري قد يقدر على استلام هذا الدّين وقد لا يقدر، فيكون في البيع نوع غرّر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وقال بعض أهل العلم إنه يجوز بيع الدّين على غير من هو عليه بشرط أن يكون معلومًا جنسه وقدره وأجله، إذا كان مؤجلًا وأن يكون مقدورًا على أخذه، وقال: إنه ما دام صاحب الدّين مقرًا به وثقة يمكن أخذ الدّين منه والأجل معلوم والجنس معلوم، والنوع معلوم والقدر معلوم، فإن هذا لا يدخل في بيع الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الصحيح، ويدل على ذلك أن العلماء رحمهم الله-الذين منعوا بيع الدّين على من هو عليه قالوا: لو باع مغصوبًا بيد الغاصب والمشتري قادر على أخذه فإن ذلك جائز وصحيح، فنقول: المغصوب عين باعها من هو له، والدّين دّين باعه من هو له، ولا فرق بين الدّين والعين، لأن العلة هي القدرة على التسليم، وما دام المشتري قادرًا على تسلم المبيع ممن هو عنده أو في ذمته فلا محظور في ذلك، وهذا القول هو الصحيح، لكن يُشترط ألا يبيعه بما يزيد فيه الربا بأن يكون في ذمة المدِين دراهم ويبيعها الطالب لي شخص ثالث بدنانير، لماذا يشترط؟ لأنه ينتفي التقابض، ولابد من التقابض قبل التفرق، والشرط الثاني: ألا يربح البائع فيها، فإن ربح فهو حرام، لأنه ربح فيما لم يدخل في ضمانه، مثل أن يكون الدّين الذي في ذمة المطلوب مائة صاع بُرّ، الصاع يساوي عشرة فبعته بأحد عشر فلا يجوز؛ لأنني ربحت في شيء لم يدخل في ضماني.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 568)
*إذن بيع الدّين على غير من هو عليه جائز بشروط:
الشرط الأول: أن يكون مقدروًا على أخذه.
والشرط الثاني: أن يكون معلومًا جنسه وقدره ووصفه وأجله.
والشرط الثالث: ألا يجري فيه ربا النسيئة مع ما باعه به.
والشرط الرابع: ألا يربح فيه، فإن ربح فيه فإنه لا يجوز؛ لأنه ربح فيما لم يضمن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وإذا تمت هذه الشروط فما المانع ألا نشترط شرطًا خامسًا: بأن يكون المدين مستعدًا للتسليم، هنا قد يكون المشتري في نفسه ظانًا أنه قادر وأن صاحبه سهل الانقياد فيخلف الظن ويكون داخلًا على خطر، بخلاف ما إذا قال المدّين: أنا مستعد للتسليم، يعني: لو قيل بهذا الشرط لأجل قطع الاختلاف لكان هذا القول جيدًا، فتكون الشروط على هذا خمسة، فإن كان هذا الدّين على الغير غير ثابت ما يثبت، جاءنا واحد وقال: أنا أطلب فلانًا مائة صاع، فقال أحد الحاضرين: بعها علي، هذا لا يصح.
إذن ممكن أن تضيف هذا الشرط السادس: وهو أن يكون الدّين ثابتًا ببينة أو بإقرار؛ لأنه إذا لم يثبت كيف يبيع عليه شيء لم يثبت.
من فوائد هذا الحديث: أنه لا يحل أن يأخذ عِوضًا بأكثر من سعر اليوم لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها".
ومن فوائده: اشتراط التقابض فيما يُشترط فيه القبض، أي: فيما يجري فيه ربا النسيئة، وأما ما لا يجري فيه ربا النسيئة فلا يُشترط فيه القبض. هل نأخذ من الحديث: أنه لا يلزم المستفتي أن يسأل عن الموانع؟ نعم، وهو كذلك، يعني: لا يُشترط لجواز الفتوى أن نسأل المستفتي عن الموانع، فإذا استفتاك في رجل مات عن أبيه وأمه وابنه، فقلت: للأب السدس، وللأم السدس، والباقي للابن، هل يُشترط أن تقول قبل أن تُفتي هل أحدهما مخالف للميت في الدّين؟ لا، ولا يُشترط أن تقول: هل أحدهما قاتل الميت، هل أحدهما رقيق، كل هذا لا يجب، فالسؤال عن الموانع عند الفتوى لا يجب، اللهم إلا إذا كان قد بلغ المفتي خبر فأراد أن يتحقق منه، يعني: خبر يمنع من نفوذ الحكم فأراد أن يستفهم، فهذا لا بأس.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 569)
بيع النَّجش:
771 - وعنه رضي الله عنه قال: "نهى صلى الله عليه وسلم عن النَّجش". متفق عليه.
النجش مصدر نجش ينجش نجشًا، وأصله: حرث الأرض وإثارتها، والمراد بالنجش: أن يزيد في السلعة ولا يريد شراءها، فنهى عنه صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من العدوان على الغير وإحداث العداوة والبغضاء بين المسلمين، والناجش لا يريد أن ينفع البائع أو يضر المشتري أو يريد الأمرين معًا، أو يريد بذلك إظهار نفسه مظهر الغنى مثل أن يزيد في سلعة كبيرة لا يشتريها مثله لكن ليظهر للناس أنه غني، فالمهم أن النجش هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد الشراء إما لإضرار المشتري أو نفع البائع أو لهما جميعًا أو لإظهار نفسه مظهر الغني، ونحو ذلك، وإنما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم لما فيه من العدوان على المشتري، بل وربما على البائع، أما على المشتري فظاهر لأنه يدل من أن يحصلها بعشرة فإنه مع النجش لا يحصلها إلا بخمسة عشر مثلًا، وأما على البائع فلأنه أدخل عليه مالًا بالباطل، ولا يحل لأحد أن يُدخل على أخيه مالًا بالباطل، ومن أدخل على أخيه مالًا بالباطل فإنه في الحقيقة لم ينفعه بل ضره.
ومن فوائد الحديث: حماية النبي صلى الله عليه وسلم أمته عما يثير العداوة والبغضاء؛ لأنه نهى عن النجش وهو مما يثير العدواة والبغضاء.
ومن فوائد الحديث: حماية الإسلام لحقوق الإنسان؛ لأن في النَّجش خِداعًا على الغير، فإذا نهى عنه هذا يتضمن حماية الإنسان من العدوان عليه.
ومن فوائده: تحريم النجش، لأن الأصل في النهي التحريم.
وهل نقول: من فوائد عدم صحة البيع في حال النَّجش؟
الجواب: لا، البيع صحيح، لأن النهي فيه هو الفعل لا العقد، والنجش لا ينقسم إلى صحيح وباطل، والذي ينقسم إلى صحيح وباطل هو الذي إذا ورد النهي عنه يُقال: إن النهي يقتضي فيه الفساد، وأما ما لا ينقسم إلى صحيح وفاسد فلا يصح أن نقول: إنه صحيح أو أنه فاسد.
فلو قال لنا قائل: الظهّار حرام هل فيه ما هو صحيح وفاسد؟
لا؛ لأنه لا ينقسم إلى صحيح وفاسد، لكن البيع إذا وقع في وقت منهي عنه مثل بعد نداء الجمعة الثاني فهو حرام وغير صحيح، لماذا؟ لأن البيع نفسه ينقسم إلى صحيح وباطل، فإذا وقع على الوجه المنهي عنه كان باطلًا، النَّجش ليس فيه تقسيم إلى صحيح وباطل بل كله حرام، فلا نقول: إن من اشترى بالنجش فشراؤه باطل، لا نقول بذلك لماذا؟ لأن النجش لا ينقسم إلى صحيح وباطل، فلا يكون العقد باطلًا.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 570)
ولكن بالنسبة لمن وقع عليه النَّجش فهل شراؤه صحيح؟ نعم صحيح، ولكن هل له الخيار؟ الجواب: نعم، إذا زاد الثمن عن العادة فله الخيار، مثاله: نجش زيد على عمرو، كانت السلعة لولا النَّجش تساوي عشرة، وبالنجش لم يأخذها عمرو إلا بخمسة عشر، نقول: البيع صحيح، ولكن إذا تبين أن فيه نجشًا فإن للمشتري - وهو عمرو - الخيار بين أن يرد السلعة ويأخذ الثمن أو يبقيها بثمنها الذي استقر عليه العقد، لان البائع يقول: ما ذنبي ليس لي ذنب، إما أن تعطوني سلعتي أو الدراهم كلها، لو أن إنسانًا زاد في السلعة رغبة فيها بناء على أن ثمنها قليل وأنه يُؤمل الربح، لكن لما ارتفع تركها، فهل هذا من النَّجش؟ ليس هذا بنجش؛ لأنه ما قصد إضرار غيره ولا نفع البائع على حساب المشتري، وإنما رأى أن هذه السلعة رخيصة، فلما ارتفع ثمنها تركها فهذا ليس من النَّجش، وهذا يقع كثيرًا تجد إنسانًا يسُوم السلعة ويزيد فيها بناء على أنها رخيصة، فإذا ارتفعت قيمتها تركها فهذا لا بأس به.
هل من النَّجش أن يزيد الشريك فيما هو شريك فيه وهو يريد نصيب صاحبه؟ ليس من النَّجش، فإذا قال قائل: هو يزيد لنفسه، فالجواب: ليس يزيد لنفسه، بل هو يزيد على نفسه بالنسبة لنصيب شريكه، أما بالنسبة لنصيبه فهو ملكه لا يحتاج أن يقع عليه العقد، فحينئذ لا يصح أن نقول: إنه زاد لنفسه، وعلى هذا فيجوز لأحد الشركاء أن يزيد في السلعة المشتركة، ولا يُعد هذا من النًّجش.
النهي عن المحاقلة والمزابنة وما أشبهها:
772 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وعن الثُنيا إلا أن تُعلم ".رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي.
قال: "نهى عن المحاقلة" النهي قال العلماء: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني: أن يطلب منك الناهي شيئًا لتكف عنه على وجه الاستعلاء، فإن كان على وجه الاستجداء فهو سؤال ودعاء، وإن كان على وجه الالتماس، فهو التماس، ولهذا قالوا: إن كان من أعلى إلى أدنى فهو نهي، ومن أدنى إلى أعلى فهو سؤال، ومن مماثل لمماثل فهو التماس، "نهى"، النهي هنا طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منا أن نكف عن هذه الأشياء.
أولًا: "المحاقلة" مفاعلة من الحقل وهو الزرع أو مكان الزرع، كما قال رافع بن خديج: كنا أكثر الأنصار حقلًا، فهو الزرع أو مكان الزرع، وكما تعلمون أن المحاقلة مفاعلة تدل على اشتراك
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 571)
في الفعل، لأن كلمة مفاعل تدل على المشاركة، فما هي المحاقلة؟ قلنا: إنها من الحقل وهو الزرع أو مكان الزرع، نقول: "أل" في قوله: "المحاقلة" وفيما بعدها للعهد الذهني، يعني: أن المحاقلة أمر معهود عندهم، يأتي الإنسان فيبيع حقله على الآخر بحقله، مثاله: عندي مزرعة وعندك مزرعة فبعتها عليك بمزرعتك وكلتاهما بُرّ، فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأن بيع البُرّ بالبر يُشترط فيه التماثل كيلًا، والتماثل هنا - والسنبل على رءوس سُوقه - لا يمكن فهو متعذر، إذن هذا فيه ملاحظة الربا، أما الجهالة فليس فيه جهالة؛ لأنه معلوم، ولهذا لو باع الزرع بدراهم جاز، فهو من باب الربا؛ لأن بيع البُرّ بالبُرّ لا يجوز إلا مع التساوي كيلًا والتقابض، مع أن هنا قد حصل التقابض، لأنه أعطاني المزرعة وأعطيته المزرعة، ولكن فات شيء آخر وهو التساوي أو التماثل.
صورة أخرى للمحاقلة: يبيع الزرع على شهر في بُرّ محصود يابس هذا أيضًا لا يجوز، لماذا؟ لتعذر العلم، فإذا فرضنا أن البُرّ المحصود معلوم فإن الزرع غير معلوم فيكون قد باع بُرًا غير معلوم ببُر معلوم فلا يجوز.
الثاني: "المزابنة" من الزبن، وهو الدفع بشدة، كأن كل واحد من المتبايعين يدفع العِوض للآخر دفعًا بشدة، أي: بسرعة.
وما هي المزابنة نقول: "أل" فيها للعهد، أي عهد؟ الذهني، وهي بيع معلوم عندهم، وفُسر بأن يبيع العنب بالزبيب، مثاله رجل عنده شجر أعناب، وآخر عنده أكياس من الزبيب، فقال أحدهما لآخر: نتبايع هذه الأشجار من الأعناب بهذه الأكياس من الزبيب، نقول: هذا نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ملاحظًا فيه الربا؛ لأن بيع العنب بالزبيب لا يجوز، إذ إنه يُشترط التماثل، والتماثل هذا معدوم، لأنه لو فرضنا ان اكياس الزبيب معلومة المقدار، لكن اشجار العنب غير معلومة المقدار، فلو قال: نخرص هذه العنب بمثل ما يئول إليه، قلنا: الخرص في هذا الباب لا يجوز إلا العرايا، ومثل ذلك أيضًا في المزابنة مثلها: إذا باع رطبًا على رءوس النخل بتمر من الزنابيل والأواني فإنه لا يجوز، لأن بيع التمر بالتمر يُشترط فيه التماثل، والتماثل بين الرُطب والتمر متعذر غير معلوم، فيكون هذا حرامًا ملاحظًا فيه جانب الربا.
الثالث: "المخابرة" وهي مأخوذة من الخبر، يعني: الزرع، والخبير الزارع مأخوذ من الخيارة، وهي في الأصل: الأرض الرخوة يزرع فيها الحب، والمخابرة "أل" فيها أيضًا للعهد، والمراد بها: المزارعة الفاسدة، ولها صور: الأولى: أن يقول: زراعتك على أن يكون لك البر ولي الشعير، هذا لا يجوز لماذا؟ لأن فيه غررًا قد يكون بالعكس.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 572)
الصورة الثانية: أن يقول: زراعتك على أن يكون لي شرقي الأرض ولك غريبها، هذا أيضًا لا يجوز لماذا؟ للجهالة والغرر؛ لأنه قد يكون المحصول كثيرًا من الشرق دون الغرب أو بالعكس، والمشاركات مبناها على المساواة، وهنا لا تسوية.
الصورة الثالثة: أن يقول: زراعتك على أن يكون لي مائة صاع من المحصول والباقي لك هذا أيضًا لا يجوز لماذا؟ للجهالة أيضًا؛ لأن هذا الزرع ربما لا يأتي منه إلا مائة صاع، وحينئذ يكون صاحب المائة صاغ غانمًا، والثاني غارمًا، وربما يكون في تقديرنا أنه يأتي ألفًا من الأصواع، فتكون نسبة المائة إلى الألف العُشر، ثم يأتي عشرة آلاف صاع فتكون نسبة المائة عُشر العُشر، وحينئذ يكون الذي اشترط المائة صاع غارمًا، وهذا لا يجوز في باب المشاركات.
الصورة الرابعة: أن يقول: زراعتك على هذه الأرض خمس سنين، على أن تكون السنة الأولى لي والثانية لك، والثالثة لي، والرابعة لك، والخامسة بيننا، فهذا لا يجوز لماذا؟ للجهالة والغرر؛ لأنها قد تكون خمس سنوات؟ لا، لو قال: لك سنة ولي سنة لا يجوز، لكن ذكرناه على سبيل المثال.
الخامس من صور المخابرة الممنوعة: أن يقول: لك ثمرة النخل الذي على البِركة، والباقي لي، أو لك ثمر النخل الذي على السواقي، والباقي لي، فهذا أيضًا لا يجوز لماذا؟ للجهالة. إذن ما هي المخابرة الجائزة؟ المخابرة الجائزة: أن تكون بجزء معلوم مُشاع يعني: شائعًا في كل أجزاء المحصول مثل العُشر، الربع، النصف، ثلاثة أرباع، واحد من مائة، عُشر العُشر، يعني: هذا لا بأس به، لأننا إذا اشترطنا ذلك اشترك الجميع في المغنم والمغرم، فصارت المخابرة المنهي عنها خمسة أقسام تدور كلها على الغرر والجهالة، وأن أحد الشريكين يكون غانمًا والآخر يكون غارمًا، فإن أجّره الأرض بدارهم وقال: خُذ هذه الأرض كل سنة تعطيني عشرة آلاف ريال، فهل يجوز او لا؟ يجوز؛ لأن هذا من باب الإجارة، والزارع يزرع ويحصل قليلًا أو كثيرًا ما علينا، حتى لو لم يزرع فأجرتي ثابتة؛ لأن هذا من باب الإجارة ولهذا قال رافع بن خديج: "فأما الورق فلم ينهنا"، يعني: تأجير الأرض بالفضة، "فلم ينهنا" يعني: رسول صلى الله عليه وسلم.
قال: "وعن الثُنيا" على وزن صُغرى أو كبرى وليست على وزن ثريا كما في شرح سبل السلام (1)، قال: إنه عن الثُنيا على وزن ثريا، وهذا ليس بصحيح، ولا ادري من أين جاء هذا الضبط المعروف في القاموس وغيره أنها بالضم ثم السكون على وزن صُغرى يعني: عن الثُنيا، المراد بالثُنيا: الاستثناء، "إلا أن تعلم" يعني: نهى الرسول صلى الله عليه وسلم في البيع عن الثُنيا إلا أن يكون.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 573)
الاستثناء معلومًا؛ وذلك لأنه إذا لم يكن الاستثناء معلومًا دخل الغرر المنهي عنه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر.
كيف الثنيا المعلومة والثنيا غير المعلومة؟ الثنيا المعلومة أن يقول: بعتك هذا الشيء إلا نصفه فهذا معلوم، إلا ربعه معلوم، فإذا قال: بعتك هذا البيت إلا ربعه، هذا البستان إلا ربعه معلوم، بعتك هذه العشر نخلات إلا عشرها معلوم، كل جزء مشاع يعين فهو معلوم، بعتك هذه النخلات العشر إلا واحدة مجهول لا يصح؛ لأن هذه الواحدة لا ندري ما هي أهي الطويلة وعينتها يصح؛ لأن هذا معلوم، بعتك هذا البيت إلا جزءًا منه لا يجوز هذا لأنه مجهول، فكان لابد من علم المستثنى، بعتك الشاة إلا رأسها معلوم، لو فرض أن هناك شاة لها رأسان وقال: إلا أحد رأسيها، إذا كان رأساها متساويين فهذا معلوم، لكن إذا كان واحد صغيرًا وواحد كبيرًا فهذا مجهول، إذا قال: بعتك هذه الشاة إلا حملها، هذا مجهول، ولهذا قال الفقهاء: إنه لا يصح؛ لأن الحمل مجهول، ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه يصح؛ لأنه وإن كان استثناء لكنه في الحقيقة استبقاء، فإن الحمل جزء منفصل عن الأم، وكما أنه يصح أن أبيع عليك الحائل يصح أن أبيع عليك هذه الحامل إلا جنينها لأني إذا بعتها عليك إلا الجنين كأني بعت عليك حائلاً، إذ أن الجنين جزء منفصل مستقل قائم بنفسه، بعتك هذه الشاة إلا قلبها، مجهول، ولهذا قال العلماء: إنه مجهول، وكذلك بعتك هذه الشاة إلا كبدها يقولون: إنه مجهول فلا يصح، ولو قيل بالصحة لم يكن بعيدًا؛ لأن هذين العضوين يكادان يكونان معلومين، والاختلاف قريب يسير.
القاعدة الآن في باب الاستثناء أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، بعتك هذه الكومة من البر إلا ثلاثة أصواع؟ في خلاف المذهب يقول: لا يصح، وعللوا ذلك بأن الثنيا معلومة، لكن الباقي بعدها مجهول غير معلوم، واستثناء المعلوم من المجهول يصيره مجهولاً، بعتك هذه الكومة إلا نصفها هذا يجوز؛ لأنه مشاع، لكن إلا ثلاثة أصواع فهذا لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى جهالة المبيع، وهو الباقي بعد ثلاثة الأصواع، قد أتصور أنه سيبقى بعد ثلاثة أصواع ثلاثون صاعًا، ولا يبقى إلا سبعة وعشرون صاعًا فيقولون: هذا يختلف، ولكن الصحيح أن هذا من الثنيا المعلومة؛ لأن الرسول نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، الذي يعلم ما هو؟ المستثنى، فإذا كان المستثنى معلومًا فلا بأس، وهنا نعلم أن هذه الكومة من الطعام تزيد عن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 574)
كتاب البيوع
المستثنى بكثير، نحن استثنيا ثلاثة أصواع وهي تأتي ثلاثمائة صاع، فالصحيح أن استثناء المعلوم من المجهول لا بأس به، كالمثال الذي ذكرنا، بعتك هذه الأرض إلا أربعين مترًا يصح، مثل هذه المسألة الحكم فيها كالحكم في السابقة، المهم إذا كانت تختلف سواء ذات الأرض أو جهات الأرض باعتبار الشوارع فإنه في هذه الحال يحتاج إلى أن يعين.
إذن يستفاد من هذا الحديث: النهي عن هذه الأشياء: المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والثنيا إلا أن تعلم، وقد علمنا في أصول الفقه أن النهي يقتضي الفساد، وعليه فإذا جرت العقود على هذه العقود المنهي عنها فهي فاسدة؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنها، والنهي يقتضي الفساد وإذا كان النهي يقتضي الفساد فإن التعامل بهذه الأشياء يكون فاسدًا.
إذن من فوائد الحديث: تحريم هذه المعاملات التي تفضي إلى النزاع والخصومة وحمل الأحقاد.
ومن فوائده: جواز الاستثناء في كل عقد من البيوع وغيرها بشرط أن يكون معلومًا، فإن كان مجهولًا فإنه لا يصح، وهذا في عقود المعاوضات واضح، وفي عقود التبرعات قد نقول بالجواز؛ لأن عقود التبرعات ليس فيها ما يثير العداوة والبغضاء، فلو قال الإنسان لشخص: وهبتك هذا الشيء إلا بعضه فيتوجه الجواز ويعين الواهب البعض الذي استثناه؛ لأن الموهوب لم يخسر شيئًا، إن سلم له الكل فذاك، وإن لم يسلم له إلا أقل القليل فهو رابح على كل حال.
773 - وعن أنس رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة"، رواه البخاري.
كل هذه أيضًا أنواع من البيع فيها غرر وجهالة أو احتمال ربا.
"المحاقلة" وهي مأخوذة من الحقل، وتفسر في هذا الحديث بما فسرت به في الحديث السابق.
"المخاضرة" مأخوذة من الخضار، وهي: أن يبيع الحب قبل أن يشتد، يعني وهو أخضر، فهذا لا يجوز، وذلك أنه يؤدي إلى الغرر، فقد يصاب هذا الحب بآفات، ويحصل في ذلك نزاع بين المشتري والبائع، مثاله: رجل عنده مزرعة قد خرجت السنابل وباعها قبل أن يشتد حبها، فهذا لا يجوز إلا إذ باعها على أنها علف بشرط القطع، فهذا يجوز لأنها معلومة وقد بيعت لغرض حاضر فصح البيع، أما إذا بيعت على أنها تكون حبًا قبل أن يشتد فالغرض منها مؤجل، ولهذا إذا باع الزرع وقصده أن يكون علفًا وشرط القطع فلا بأس بذلك، أما إذا باعه على أن يكون حبًا فهذا لا يجوز حتى يشتد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 575)
"والملامسة": أن يقول: أي ثوب لمست فهو لك بكذا، أي شاة تلمس فهي لك بكذا، أي نخلة تلمس فهي لك بكذا، هذا مجهول، مثلًا يغطي عينيه ويقول: اذهب إلى قطيع الغنم أي شاة تلمسها فهي عليك بمائة، فذهب فأمسك شاة فإذا تساوى خمسمائة، يكون الغابن من؟ المشتري، لأنه يبعث عليه بمائة ريال وهي تساوي خمسمائة، ومرة أخرى غطى عينيه وقال: أي شاة تلمسها فهي عليك بمائتين، فوقعت يده على شاة تساوي خمسين، فمن الغابن؟ البائع، إذن لا يجوز للغرر والجهالة، وهذا يؤدي إلى النزاع والعداوة والبغضاء.
كذلك أيضًا لو قال: أي ثوب تلمسه ولو لم يغط عيناه فهو بكذا فإنه لا يجوز؛ لأن هذا وإن علم لدى المشتري فهو مجهول لدى البائع؛ لأن البائع لا يدري أي ثوب يلمس، هذا الإنسان عنده ثياب متنوعة بعضها بمائة وبعضها بألف وبعضها بعشرة ريالات، فقال: أي شيء تلمسه من هذه الثياب فهو لك بخمسين، أخبروني أي ثوب يختاره هذا المشتري؟ أغلى شيء، فيأخذ الثوب الذي يساوي ألفًا على كل حال فهذا مجهول.
"المنابذة": أن يقول أي ثوب أنبذه؛ لأن النبذ بمعنى: الطرح، أي ثوب أنبذه فهو عليك بكذا، ما الذي يختاره البائع؟ أدنى ثوب، والمشتري يكون مغبونًا، فلا يصح، أو يقول مثلًا: انبذ حصاة أو عودًا أو ما أشبه ذلك، فعلى أي ثوب يقع فهو لك بكذا، فهذا لا يجوز.
إذن للمنابذة صورتان:
الأولى: نبذ المبيع.
والثانية: أن ينبذ شيئًا على المبيع، وكلتاهما باطلة، المزابنة سبق تفسيرها.
هذه المعاملات هل إذا وقعت من إنسان تكون حرامًا ويصح العقد أو هي حرام ولا يصح العقد؟ الثاني: هي حرام ولا يصح العقد، حرام للنهي عنها، ولا يصح العقد؛ لأن النهي منصب على نفس الفعل، وإذا كان النهي موجه إلى نفس الفعل فإن ذلك يقتضي بطلانه؛ لئلا يحصل التفاضل والتناقض، إذ كيف يمكن أن يكون هذا الفعل منهيًا عنه مأذونًا فيه في وقت واحد، لو قلنا بذلك لقلنا بإمكان الجمع بين النقيضين، وهذا أمر مستحيل، فنقول الآن: لو أن إنسانًا باع ببيع محاقلة أو مزابنة أو مخابرة أو استثنى ما لم يعلم أو بيع ملامسة أو منابذة أو مخابرة لكان البيع فاسدًا لوقوع النهي عنه، كم هذه من أنواع؟ سبعة أنواع من البيع نهى عنها الشرع بعضها يومئ إلى الربا وبعضها يومئ إلى الجهالة والميسر.
من فوائد الحديث: النهي عن المحاقلة والمزابنة وقد سبق والنهي عن المخابرة وذلك أن الحب قبل أن يشتد يكون عرضة للتلف، ولأن الحب قبل الاشتداد لو أتى برد شديد هلك فهو عرضة للآفات، فيكون في ثمراته مخاطرة، والمخاطرة منهي عنها شرعًا.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 576)
ومن فوائد الحديث: النهي عن الملامسة والمنابذة، وذلك لأنهما من بيع الغرر الذي يؤدي إلى الجهالة والعداوة والبغضاء والندم من المغبون، وكل هذا مما يُنهى عنه في الشرع.
النهى عن تلقِّي الرُّكبان:
774 - وعن طاوس، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلقَّوا الرُّكبان، ولا يبع حاضر لباد. قلت لابن عباس: ما قوله: ولا يبع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا". متَّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
قال: "لا تلقوا الركبان" الجملة هنا جملة إنشائية متضمنة للنهي عن تلقي الرُّكبان، و "تلقي" بمعنى: استقبال، و "الركبان" جمع راكب، والمراد بهم: كل من يقدم للبلد لبيع سلعته من راكب وماش وواحد وجماعة، لكنه علق الحكم بالركبان، لأن الغالب أن الذين يقدمون البلد لبيع السلع يكونون هكذا راكبين، ويكونون أيضًا جماعة، وإلا فلو قدم واحد لبيع سلعته فله هذا الحكم.
وقوله: "لا بيع حاضر لباد"، "الحاضر": صاحب القرية، و"البادي": من ليس من أهل القرية؛ لأنه أتى من البادئة، وهنا "لا يبع" فتكون "لا" ناهية.
ثم سأل ابن عباس: ما معنى قوله: "لا يبع حاضر لباد"؟ قال: "لا يكون له سمسارًا" والسمسار هو الذي يبيع لغيره بأجرة، وضده من يبيع لغيره مجانًا، ولكن للنصح، فالسمسار يبيع لغيره لمصلحة نفسه، والمتبرع يبيع لغيره لمصلحة الغير، لكنه يريد الأجر من الله، وبينهما فرق؛ أي: السمسار والمتبرِّع؛ لأن المتبرع ناصح محضًا، والسمسار إنما هو للمصلحة، رجل أناني.
وقوله: "تلقوا الركبان" المراد: تلقيهم للشراء منهم، أما إذا تلقاهم ليضيفهم فإن ذلك لا بأس به، فالمراد: تلقيهم للشراء منهم؛ وذلك لأن الشراء منهم فيه مفسدتان: المفسدة الأولى: ما يخشى من غبنهم؛ لأن هؤلاء قدموا إلى البلد لا يعرفون الأسعار، فيأتي هذا المتلقي الذي تلقاهم خارج البلد ويشتري منهم برخص فيعينهم، المسألة الثانية: أن فيه تفويتًا للربح على أهل البلد؛ لأنه جرت العادة أن هؤلاء الرُّكبان يبيعون برخص ويشتري الناس منهم، ويكسبون من ورائهم، فمن أجل هذين الأمرين نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان، أما الحاضر لباد فنهى عنه؛ لأن الحاضر عالم بالسلعة، والبادي غير عالم، والبادي في الغالب يبيع برخص، لأنه يريد أن يقضي حاجته ويمشي، فإذا تولى الحاضر البيع له فإنه لن يبيع برخص سيبيع بالثمن الذي يبيع به الناس، وحينئذ يفوت الناس الفائدة التي تحصل من بيع البادي بنفسه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 577)
ففي هذا الحديث فوائد: أولًا: النهي عن تلقي الركبان للشراء منهم لقوله: "لا تلقوا"، وهذا النهي للتحريم أو للكراهة؟ للتحريم؛ لأن الأصل في النهي التحريم، ولأجل العلة التي تفوت بهذا التلقي.
ومن فوائد الحديث: حماية الشرع لمصالح العباد الفردية والجماعية، الفردية؛ لأن في النهي عن تلقي الركبان حماية للبائع، وهذه فردية، وتفويت مصلحة لأهل البلد وهذه جماعية، فالشرع يحمي المصالح الفردية والجماعية.
وظاهر الحديث النهي عن تلقي الرُّكبان، سواء كانوا يعلمون بالقيمة أو لا يعلمون، أما إذا كانوا لا يعلمون فالأمر ظاهر، وأما إذا كانوا يعلمون فإن العلة ألا يتخذ هذا ذريعة لتلقي من لا يعلم، صحيح أنه ربما يكون الذين قدموا لبلد لبيع سلعهم يعرفون الأسعار تمامًا وربما لم يأتوا لهذا البلد إلا لعلمهم بالسعر لاسيما في وقتنا هذا سهولة المواصلات، والإنسان يستطيع أن يعلم بالهاتف القيمة قبل أن يتوجه من بلده فضلًا عن وصوله للبلد، لكن نقول: الحديث عام ويجب سد الباب.
هل إذا اشترى منهم يصح البيع أو لا يصح البيع؟ نقول: في هذا قولان لأهل العلم - وهذه هي الفائدة الرابعة- فمن العلماء من يقول: إن البيع لا يصح؛ وذلك لأن النهي عن التلقي يراد به النهي عن الشراء فيكون النهي حقيقة عائدًا إلى الشراء ويكون هذا الشراء منهيًا عنه ولا يمكن أن يصح، ولكن الصحيح أن الشراء يصح، ودليل ذلك ما يأتي في الحديث الذي بعده أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقي فاشتري منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار"، قالوا: وثبوت الخيار له فرع عن صحة البيع إذ لا خيار إلا بعد بيع، ولا شك أن هذا هو ظاهر الحديث أن البيع صحيح، بدليل أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أثبت للرُّكبان الخيار، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، على أنه يمكن أن يقول قائل: أن المراد بالخيار: الإمضاء، ويكون ذلك من باب تصرف الفضولي، وبناء على هذا يقع العقد موقوفًا حتى يأتي صاحبه السوق ويكون بالخيار، إن أجاز نفذ البيع، وإن لم يجز فالبيع غير نافذ من أصله، ويتفرع على ذلك: ما لو تلف هذا المبيع بين شرائه من خارج البلد وبين وصوله إلى البلد فإن قلنا: إن البيع صحيح فضمانه على من؟ على المشتري؛ لأنه ملكه، وإن قلنا: إن البيع لا يصح، وإنه من باب تصرف الفضولي فالضمان على البائع، ولكن لنا فسحة، وأن نأخذ بظاهر الحديث، ونقول: الأصل أن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 578)