الصور الرابعة: أن يضم يديه على حصى، يعني: أن يأخذ كومة من الأرض حصى، ولنفرض أن أرضًا فيها حصباء فأخذ بيده وقال: بعتك من هذا القطيع عدد ما في يدي من الحصاة بألف درهم فقال: قبلت، عدّ فعدّ يمكن الحصى أن يطلع كثيرًا ويمكن أن يطلع قليلًا حسب اليد وحسب صغر الحصى وحسب جودة الكمش، هذا أيضًا غرر، والعكس لو قال: بعتك هذا القطيع بعدد ما في يدك من الحصى من الدراهم، الأول قدَّرنا المبيع، وهنا قدَّرنا الثمن، نقول: هذا أيضًا لا يجوز من أجل الجهالة، هذه خمس صور.
وهناك أيضًا صورة سادسة: بأن يقول: بعت عليك ما يزن مائه من الحصى ومن هذه الأرض بكذا وكذا، وهو لم يعين الحصاة، نقول: هذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه مجهول، وبهذا تبين أن بيع الحصاة داخل في قوله: "وعن بيع الغرر"، وهذا في الحقيقة يعتبر قاعدة؛ أي: أن كل بيع فيه غرر فهو منهيٌّ عنه، والغرر كل ما فيه جهالة واحتمال فهو غرر، وعلى هذا فعطفه على بيع الحصاة من باب عطف العام على الخاص، وهذا سائغ في اللغة العربية، فيكون الخاص الذي ذكر كأنه مثال مقدم لهذه القاعدة العامة.
كلمة "غرر" قلنا: كل ما فيه جهالة واحتمال للغنم أو الغرم؛ لأن ذلك من الميسر، فإن حقيقة الميسر هي أنها معاملة تقع بين متغالبين، يكون أحدهما إما غانم وإما غارم، فبيع الغرر إذن من الميسر، والحكمة في النهي عنه ظاهرة جدًّا؛ لأنه إذا كان غانمًا أدّاه ذلك إلى الجشع والطمع والانسياق وراء المادة والدنيا؛ لأنه كسب، فيريد أن يستمر هذا الكسب، فتجده يلهو بدنياه عن دينه، وإن كان الأمر بالعكس بأن كان غارمًا ألحقه من الندم والحزن وكراهة صاحبه الذي غلبه ما يوجب العداوة بينهما، ولهذا قال الله تعالى: {إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر} [المائدة: 91]. فقال: {فى الخمر والميسر}، وواضح في هذا أن المغلوب -حتى وإن كانت المعاملة باختياره- لا بد أن يقع في قلبه شيء، فتبيّن أن الميسر ضرر على المغلوب والغالب جميعًا؛ لأن الغالب يكون في نفسه حب الغلبة والظهور والجشع والطمع وحب المال والانصراف به عما خلق له لأنه يكسب، والنفوس مجبولة على محبة المال: {وتحبُّون المال حبًّا جمًّا (20)} [الفجر: 20]. {وإنَّه لحبِّ الخير -يعني: المال- لشديدٌ} [العاديات: 8]. لهذا نهى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، فالحكمة إذن تقتضي النهي عن ذلك، وهذا النهي للتحريم، وقد علمنا من القاعدة المعروفة عند الفقهاء رحمهم الله أن كل شيء نهي عنه إذا فعل صار حرامًا من جهة الحكم التكليفي وفاسدًا من جهة الحكم الوضعي، والحكم الوضعي هو ما
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 539)
يوصف به العقد أو الفعل من صحة أو فساد أو شرط أو مانع أو سبب، يعني: هذه الأشياء ليست تكليفية فلا يقال فيها حرام أو واجب، فهي أحكام وضعية بمعنى: أن الشارع وضعها علامة على النفوذ أو عدم النفوذ، المهم: أنه إذا وقع بيع الغرر فهو حرام، والمتعاقدان آثمان، والبيع فاسد باطل يجب ردّه.
"بيع الحصاة"، هذه البيوع السابقة كلها فاسدة مع الإثم ويجب ردّها، "بيع الغرر" كثير جدًّا له مئات الصور نذكر منها الآن، أولًا: بيع الحمل غرر؛ لأنه إن ظهر سالمًا متعددًا غنم المشتري، والعكس بالعكس، ومن بيع الغرر: أن يبيع العبد الآبق؛ أي: الذي هرب عن سيده هذا إذا باعه فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه غير مقدور على تسليمه، يمكن أن يأتي ويمكن ألَّا يأتي، إن جاء فالغانم المشتري وإن لم يأت فالغانم البائع، والمشتري غارم.
فإن قال قائل: لا يمكن أن يكون المشتري غانمًا لأن المشتري قد بذل الثمن.
فالجواب: أن المشتري للآبق لا يمكن أن يشتريه بقيمة الحاضر المقدور عليه، إذا كان هذا العبد يساوي مائة فيشتريه بخمسين مثلًا فحينئذ إن وجده صار غانمًا، وإن لم يجده فهو غارم خمسين بدون فائدة، الجمل الشارد كذلك فمثلًا: إنسان له جمل شارد، يعني: هارب من أهله لا يجوز بيعه، لماذا؟ لأنه غير مقدور عليه قد يأتي وقد لا يأتي، والجمل في المرعى مقدور عليه، فلو باع عليه جمله الذي في المرعى صح؛ لأنه مقدور عليه بخلاف الشارد الذي هرب.
ومثله بيع طير في هواء، مثل: أن يكون له حمام ليس في الأبراج فيبيعه، هذا البيع أكثر العلماء على عدم الصحة وقالوا: لأن الطير في الهواء غير مقدور عليه، وبعضهم يقول: إن ألف الرجوع جاز بيعه، وإلا فلا يجوز، وهذا التفصيل لا شك أنه يجري على القواعد؛ لأنه إذا ألف الرجوع فهو كالبعير الذي في المرعى يأتي في آخر النهار وهذا أيضًا يأتي في آخر النهار
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 540)
ويحصل، إذا باع عليه دينًا في ذمة شخص لا يجوز هذا هو المشهور من المذهب، مثل رجل يطلب شخصًا ليأخذ مائة صاع برّ له في ذمته فباعه على زيد فإنه لا يجوز؛ لأنه غير مقدور عليه، قد يحصل وقد لا يحصل، ربما يفتقر هذا المطلوب وربما يموت وينكر الورثة وربما يجحد، المهم: أنه غير مقدور عليه، فلا يجوز بيعه، أما بيعه لمن هو عليه فجائز بشرط ألا يربح البائع بأن يبيع بسعر المثل فأقلّ مثل لو كان في ذمته لي مائة صاع برّ، والصاع في السوق يساوي أربعة ريالات وقال: غدًا تبيع عليَّ الأصواع التي في ذمتي؟ قال: أبيع عليك الصاع بخمسة ريالات هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ربح فيما لم يدخل في ضمانه، وقد نهى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، والشيء الذي في ذمة غيرك لك ما دخل في ضمانك حتى الآن، فإذا بعته بربح فإنك تكون قد وقعت فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عمر لما سأله أن يبيع الإبل بالدراهم ويأخذ معها الدنانير وبالدنانير ويأخذ عنها الدراهم قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء، رجل باع دراهم له عند شخص بسعر يومها فهذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه محظوران: المحظور الأول: عدم القبض وهذا يجري فيه الربا ربا النّسيئة، والثاني: أنه في ذمة الغير، فإن بعت هذه الدراهم بدراهم أو بدنانير على الذي في ذمته هذا يجوز: "ما لم تتفرقا وبينكما شيء"، فإذا كانت في ذمته لي ألف درهم وبعته عليه بمائة دينار يجوز، لكن بشرط أن يسلمني مائة الدينار قبل التفرق؛ لأن بيع الذهب بالفضة يجب فيه التقابض قبل التفرق.
يوجد شرط آخر: وهو أن تكون بسعر اليوم أو أقل لا بأكثر، فمثلًا الألف درهم إذا كانت تساوي مائة دينار وبعتها عليه بمائة وعشرين دينارًا فالبيع غير صحيح، لأني بعتها عليه بأكثر من سعرها، إن بعتها بمائة يصلح مع التقابض، إن بعتها بثمانين يصلح، لكن قد تقول: إنك إذا بعتها بثمانين خالفت ظاهر حديث ابن عمر: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها"، فإن ظاهره ألَّا تأخذ بأقل ولا بأكثر، والجواب على ذلك أن يقال: إن المقصود من قوله: "بسعر يومها" ألا يزيد، أما إذا كان ينقص فهذا إحسان، ويدل على ذلك أن المنهي عنه هو الربح فيما لم يضمن، أما إذا بعت بالمائة فجائز، وإذا بعت بأقل فيكون أجود؛ لأن هذا فيه رفق بالمطلوب بدل ما أبيع عليه ألف درهم بمائة دينار أبيع عليه بتسعين دينار، يكون في هذا إحسان إليه -والدراهم والدنانير ليس فيها ربا- ولهذا اشترطنا التقابض قبل التفرق.
المهم: أن القاعدة في بيع الغرر صوره لا تحصى، بل القاعدة في ذلك: أن يكون مجهولًا ومحتملًا إنسان وقّف المبيع ومعه سيارة مشحونة بالحبحب أو بالجح، فقال له: أبيعك هذه كل واحدة بدرهم هل يجوز؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنه يمكن أن يكون في الأسفل جح لوحده صغيرة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 541)
فتأخذ عليه دراهم كثيرة وهي لا تساوي ربع القيمة، لو قال: أبيعها عليك كلها هكذا كما ترى هذا جائز؛ لأنه باع عليه الكومة ما باع عليه بالعدد، رجل أراد أن يشتري من شخص البضاعة التي في الدكان وقال: آخذ منك هذه البضاعة كل حبة منها بدرهم هذا لا يجوز لأنه غرر، يمكن أن تكون حبة تساوي عشرة وحبة لا تساوي ريالًا، الآن هناك دكاكين يقولون: كل شيء بعشرة ريالات، هذا ليس فيه غرر؛ لأنه يقول: خذ الذي تبغي خذ ما تشاء، لكن لو قال قائل: يوجد غرر على البائع لأن البائع يوجد قطع اشتراها بعشرين مثلًا نقول: البائع لا بد أنه قد عرف كيف يخرج يعرف من أين تؤكل الكتف -والله أعلم- إن كل البضاعة التي عنده أعلاها بعشرة فيكون رابحًا.
على كل حال: إذن ليست في المسألة جهالة؛ لأن المشتري سوف يختار، والبائع نعلم -والعلم عند الله- أنه قد عرف المخرج، إذن القاعدة فهمناها، الصور لا تحصى وربما يأتي صور لا تخطر على بال العلماء ولكنها داخلة في هذه القاعدة العامة.
في هذا الحديث: نهي عن بيع الحصاة، ولقد سبق لنا شيء من صوره، والأصل في النهي التحريم، والأصل فيما كان محرمًا أن يكون فاسدًا، إذن فبيع الحصاة يترتب عليه أمران: إثم المتعاملين وفساد العقد، فإن كانا جاهلين سقط الإثم وفسد العقد.
ومن فوائده: النهي عن بيع الغرر كل غرر والنهي يقتضي الفساد.
ومن فوائده أيضًا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم، ويحب هو أيضًا جوامع الكلم حتى في الدعاء كان يدعو بجوامع الكلم ويدع ما سوى ذلك، وبهذا نعرف خطأ أولئك الذين يأتون بأدعية طويلة عريضة مسجوعة وهذا خلاف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: حرص الشارع على تجنب كل ما يكون سببًا للعداوة والبغضاء، ومن أجل ذلك نهى عن بيع الغرر والحصاة.
ومنها أيضًا: حرصه على أن ينهى عن كل شيء يكون سببًا للطمع والجشع والتكالب على الدنيا يؤخذ أيضًا من النهي عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
ويستفاد من الحديث: بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث يذكر بعض أفراد العام ليكون كالمثال له لقوله: بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
ويستفاد من الحديث: النهي عن الإجارة إذا تضمنت غررًا، ووجهه: أن الإجارة نوع من البيع فهي بيع منفعة إلى أجل مسمى، الإجارة إلى مدة مجهولة لا تصح؛ لأنها غرر، وهل يستثنى من بيع الغرر شيء؟ الجواب: يستثنى منه ما جرى به العرف ولم يعده الناس غبنًا مثل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 542)
أساسات الجدران، الحصى المدفون في الأرض، أو ما يسمى عندنا بالقواعد، هذه يغتفر فيها الجهالة لأن الناس لا يعدون ذلك غررًا، ولأن إلزام الإنسان بأن يحفر ذلك فيه مفسدة أكثر، لو أن واحدًا باع عليك فلَّة نقول: البيع هذا غرر، لماذا؟ قال: لم أر القواعد، ماذا تريد؟ قال: أحفر حتى أرى القواعد، هذا معناه: تكسر البناء، إذن هذا مما لا يعده الناس غررًا ولا يلتفتون إليه، نعم لو فرض أن هذه العمارة حول أرض قد تنهار فهذا ربما يطابق، يعني: حولها مثلًا مياه جارية ويخشى أن تنهار، فقد يقال: إنه لا بد من الاطلاع على المدفون، وأما العادي فهو عادي.
بيع الفجل والبصل وشبهه هل يجوز؟ قال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن المقصود منه مستتر في الأرض، والمستتر مجهول، وهذا هو المشهور من المذهب، وإذا كان مجهولًا فهو غرر فلا يصح بيعه، بيع أوراقه الظاهرة يجوز، لكن الكلام على بيع الثمرة، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جواز بيعه وقال: إن هذا مما يعرفه أهل الخبرة يعرفون المندفن بما ظهر؛ أي: بأوراقه وقوتها، وما زال الناس يتبايعون هذا من غير نكير، وعليه فإذا كان في حياض من البصل وجاء صاحبها ليبيعها المذهب لا تباع حتى تنبش وترى، والقول الثاني: تباع وإن لم تنبش لأن هذا معلوم عند أهل الخبرة وليس فيه غرر.
مسألة: هل يجوز بيع المسك في فأرته؟
الفأرة: وعاء المسك، نقول: إن هذا ليس فيه غرر عند الناس؛ لأن الناس يعرفون ذلك لكنه لا يباع إلا على صاحب خبرة يعرف ذلك، فالمهم أن هذه المسائل منها ما هو متفق على جوازه كأساسات الحيطان، ومنها ما هو مختلف فيه كالبصل والفجل وشبهه، ومنها ما هو متفق على منعه كالأمثلة التي سبقت لنا.
بيع الجهالة:
765 - وعنه رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتَّى يكتاله". رواه مسلمٌ.
الجملة هنا شرطية، أداة الشرط فيها "من"، وجواب الشرط "فلا يبعه"، واقترن الجواب بالفاء؛ لأن الجملة طلبية، وإذا كانت الجملة طلبية وجب اقترانها بالفاء كما قال الناظم:
اسميَّةٌ طلبيَّةٌ وبجامد … وبما وقد وبلن وبالتَّنفيس
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 543)
وقوله: "حتى يكتاله" هذا إذا بيع كيلًا، أما إذا بيع جزاقًا فيباع وإن لم يكتل لأنه لا حاجة لاكتياله.
الطعام ما هو؟ الطعام: كل ما يؤكل، ولكن قوله: "حتى يكتاله" يدل على أن المراد به: الطعام الذي يجري فيه الكيل البرّ والشعير والتمر والزبيب والأقط والرز والذُّرة وما أشبه ذلك، المهم الذي يؤكل ويكال إذا اشتريته فلا تبعه حتى تكتاله، مثال ذلك اشتريت من صاحب المزرعة هذه الكومة من الحبّ كل صاع بدرهم فجاءني شخص وقال: بع عليّ هذا البرّ الذي اشتريته من فلان، هل يجوز؟ لا، حتى أكتاله أولًا ثم أبيعه بعته عليه، فإذا قال: بعه عليّ وأكتاله أنا بالوكالة عنك؛ نقول: لا يصح، ولا يمكن أن أبيعه، أوكِّلك في قبضه لا بأس، اذهب واكتله نيابة عني، ثم إذا اكتلته وتمّ اكتياله [سلمه لي] وأبيع عليك، ما الحكمة من عدم البيع؟ للجهالة، لأنه لا يتحقق الغابن إلا بالاكتيال قد ينقص وقد يزيد، والعادة أن هذه الحبوب كلما مضى عليها وقت تنقص إلا إذا كان الجوّ فيه ندى هذه ربما تزيد وإلا فالأصل أنها كلما مضى عليها وقت يبست، وحينئذٍ إن زادت صار الغبن على المشتري وإن نقصت صار الغبن على البائع، فأنا أكيلها أولًا ثم بعد ذلك أبيعها إن نقصت بعد الكيل كان عليّ وليس على البائع، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وهنا نسأل هل يقاس عليه غيره، مثل: أن يبيع شيئًا يوزن فنقول: لا تبعه حتى تزنه؟ الجواب: نعم، نقول: إذا باع الإنسان شيئًا يوزن فلا يبعه حتى يزنه؛ لأن العلة واحدة وهي احتمال الزيادة والنقص، ولأن متعلقات البيع الأول لم تتم بعد فيبيعه وقد تعلق به شيء من تمام العقد الأول وهو الكيل أو الوزن، هل يقاس على ذلك ما يباع بالعدد؟ مثل أن أقول: بعتك هذا التفاح كل واحدة بكذا وكذا، أو هذا البيض كل واحدة بكذا وكذا وأنا قد اشتريتها من فلان عددًا؟ الجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة.
وهل يقاس على ذلك ما بيع بالذرع مثل أن أبيعك هذه الطَّيَّة من الحبال كل متر بكذا وكذا؟ الجواب: نعم؛ لأنه يحتاج إلى ذرع، فإذا قال قائل: ما هي العلة؟ نقول: اختلف في هذا أهل العلم، فابن عباس رضي الله عنهما ذكر أن العلة أنه قد يتخذ حيلة، أو أنه يشبه بيع دراهم بدراهم إذا اشتريته منك أيها البائع وهو عندك لم أكله أو لم أزنه أو لم أعده اشتريته بمائة ثم بعته قبل أن أقبضه على زيد بمائة وعشرين، السلعة ليست بيدي الآن ولا تحت قبضتي وإنما السلعة تحت قبضة البائع، يقول: فكأنه باع دراهم بدراهم، الدراهم التي أعطاها البائع أو التي هي ثابتة في ذمته لم يسلمها بعد وأخذ من المشتري الثاني الجديد دراهم كأنه باع الدراهم التي سلمها للبائع أو التي في ذمته الآن بالدراهم التي أخذها من المشتري الجديد، ولهذا قال: تلك دراهم بدراهم فهي تشبه بيع الدراهم بالدراهم؛ لأن المشتري الأول لم يقبض السلعة ولم يكتلها هذا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 544)
واحد، وبعضهم علل بأن البيع الأول لم يتم بعد؛ لأن فيه شيئًا من متعلقاته وهو الكيل أو الوزن أو العدد أو الذّرع، فهو إلى الآن لم يتخلص من متعلقات البيع الأول، فإذا باعها أدخل بيعًا على بيع، ومن العلماء من علل بأن المشتري ربما يبيعها بأكثر مما اشتراها، فما هو الغالب خصوصًا الذي يشتري السلع الغالب أنه لا يبيع إلا بربح، فإذا علم البائع الأول ربح المشتري فإنه يماطل في التسليم، وربما يتحيل على إبطال البيع بأي سبب لأجل أن يحرم المشتري هذا الربح الذي هو إلى الآن في قبضة البائع، وهذا الأخير علل به شيخ الإسلام ابن تيمية، ولهذا قال: إنه لو باعه بدون ربح فلا بأس، أو باعه على البائع الذي باع عليه فلا بأس، لكن لا شك أن هذه العلة التي ذكرها شيخ الإسلام تستلزم تخصيص العموم؛ لأن الحديث عام: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه أو حتى يكتاله".
فنقول: الحديث عام، وتخصيص العموم بعلة مستنبطة لم ينص عليه الشرع فيه نظر، لماذا يكون فيه نظر؟ لأنه من الجائز ألا تكون هذه هي العلة، وهذا واقع، ولهذا لم يعلل ابن عباس بهذا الشيء، إنما علل بأن دراهم بدراهم.
وعلى هذا فنقول: إن ظاهر الحديث يدل على أنه لا يجوز بيعه لا على البائع ولا على غيره بدون ربح، بل الحديث يدل على منع البيع على البائع وعلى غيره بربح وبغير ربح، نحن قسنا على الطعام المكيل كل شيء بيع بالوزن أو بيع بالعدّ أو بيع بالذّرع، قلنا: العلة هي عدم الاستيفاء في كل منها، ولكن روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"، أو قال: "حتى يقبضه"؛ قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله، فكأنه يرى رضي الله عنه أن الحديث عام في القياس.
فعلى هذا نقول: كل شيء يباع قبل قبضه فبيعه منهي عنه، سواء بيع بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع أو بيع بغير ذلك، ويؤيد هذا العموم ما رواه ابن عمر وزيد بن ثابت من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، والمراد: حتى يحوزوها على مكان لا يختص بالبائع، فهذا الحديث عام، حتى قال ابن عمر: كانوا يضربون على بيعها قبل أن يحوزوها إلى رحالهم، وهذا يدل على أن كل شيء لا يباع حتى يقبض، وهذا القول هو أرجح الأقوال، وأن جميع الأشياء المبيعة لا تباع حتى تقبض؛ لأن ذلك أبعد عن التنازع فيما إذا حصل ربح وعن التنازع فيما إذا أراد البائع أن ينكد على المشتري ويفسد سمعته بين الناس، فكونه لا يبيع إلا إذا قبض لا شك أنه أولى وأحوط لأنه عام.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 545)
وقد يقول قائل: هل النهي للكراهة أو للتحريم؟
نقول: إن كون الناس يضربون على ذلك يدل على التحريم وأنه لا يجوز.
بقى علينا أن نقول: القبض كيف يكون؟ نقول: من الأشياء ما لا يمكن نقله فهذا قبضه بتخلي البائع عنه، لو باع عليه أرضًا هل نقول: لا تبع الأرض حتى تحوزها إلى رحلك؟ هذا لا يمكن، إذن كيف يقبضها بالتخلي عنها؟ نقول: هذه أرضك خذها، إذا باعه دارًا يقبضها المشتري بالتخلية وتسليم المفتاح، إذا باع شيئًا منقولًا فقبضه بنقله، فإن احتيج إلى عدٍّ أو ذرع أو كيل أو وزن فليضف إلى القبض، فلو باع عليك مثلًا هذا الكيس من البرّ كل صاع بدرهم وحملت الكيس إلى بيتك لا يكفي هذا بل لا بد من كيله، لقوله في هذا الحديث: "حتى يكتاله"، إذن ما يحتاج إلى توفية بعد أو ذرع أو كيل أو وزن فإنه يضاف إلى قبضه، اشتراط التوفية يعني: الاستيفاء، ولهذا في بعض الألفاظ في حديث ابن عباس: "حتى يستوفيه"؛ لأنه إذا استوفاه انقطعت علق البائع الأول عنه نهائيًّا ولم يبق له فيه أي تعلق.
من فوائد الحديث: تحريم بيع الطعام إذا بيع بكيل حتى يكتال.
ومن الفوائد: أن غير الطعام مثله بالقياس.
ومن فوائد الحديث: أن الشارع له نظر في إبعاد الناس عن كل معاملة يمكن أن يحصل فيها نزاع؛ ولهذا نهى عن بيع هذا الشيء حتى تنقطع علق البائع الأول عنه نهائيًّا لئلا يحصل النزاع.
ومن فوائده: أن الإنسان لا يتصرف في الشيء حتى تكون قبضته عليه على وجه تام؛ يعني: حتى يكون في قبضته لئلا تخلف المسألة فيقع في حرج، ولهذه الفائدة مسألة في الحديث الذي بعده حديث عمرو بن شعيب رضي الله عنه.
النهى عن بيعتين في بيعة:
766 - وعنه رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعةٍ". رواه أحمد، والنَّسائيُّ، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن حبَّان.
- ولأبي داود: "من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الرِّبا".
الحديث الأول معناه: أنه لا يجوز لإنسان أن يبيع بيعتين في بيعة؛ أي: في صفقة واحدة، ولننظر هل هذا ظاهر المراد، لو قلت: بعتك هذا الشيء على أن تشتري مني الشيء الآخر، هذا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 546)
يكون بيعتين في بيعة هذه صورة، أريد أن أشتري منك سكرًا مثلًا فقال: بعتك هذا السكر بشرط أن تشتري مني الرز فأقول: قبلت، هذا بيعتان في بيعة، ثانيًا: قال: بع عليّ بيتك، فقال: لا أبيعه حتى تبيع عليّ بيتك، هذا أيضًا بيعتان في بيعة، لكن الفرق بينها وبين الأولى أن البيع في الأولى من رجل واحد والبيع في الثانية: بعتك هذا على أن تبيع هذا، هذا بيعتان في بيعة، فهل هذا هو المراد؟ نقول: رواية أبي داود تدل على أنه غير مراد؛ لأنه قال: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الرِّبا"، والصورتان اللتان ذكرناهما ليس فيهما ربا ولا فيهما أوكس ولا أكثر، فيهما أني أبيعك بيتي على أن تبيعني بيتك، أو أبيع عليك هذا الشيء على أن تشتري مني الشيء الآخر، وليس فيه وكس ولا زيادة.
وعلى هذا فنقول: إن مقتضى رواية أبي داود ألا تدخل الصورتان المذكورتان في نهيه عن بيعتين في بيعة ويؤيد ذلك أن الصورتين المذكورتين ليس فيهما محظور شرعي؛ إذ لا مانع لو أنني قلت: بعت عليك هذا السكر وهذا الشاي بألف ريال، هذا جائز بالاتفاق، فلا فرق بين أن أقول: لا أبيعك هذا السكر حتى تشتري هذا الشاي، فإذا جمعت بينهما بشرط فإن الأمر لا يتغير عما إذا جمعت بينهما بغير شرط، وحينئذٍ يكون لا محظور في المسألة.
كذلك أيضًا إذا قلت: لا أبيعك بيتي حتى تبيعني بيتك، ما المحظور؟ إن رضيت بهذا الشرط فاقبل البيع إذا لم ترض فاترك، وأنا قد يكون لي نظر في هذا، قد لا أريد عليك بيتي فأبقى بلا بيت حتى تبيع علي بيتك، والبيتان لا يجري فيهما الربا حتى نقول: ربما يتخذ وسيلة إلى الربا، فما دامت المسألة ليست فيها محظور شرعي وأن جمعهما لا بأس به بدون شرط وجمعهما بالشرط لا بأس به: "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا"، وهذا الشرط لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، أرأيت لو قلت: بعتك بيتي بيتك واتفقنا على هذا فيجوز بالاتفاق، فالمسألة هذه بعتك بيتي على أن تبيعني بيتك ليس بينهما فرق ولا بين تلك، إلا أننا قدرنا الثمن في الأخير دون الأول، فيجب على هذا أن يحمل على رواية أبي داود: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا"، وحينئذٍ نقول ما معنى "أوكسهما"؟ أي: أنقصهما أو الربا إن لم يكن له أنقصهما؛ يعني: إن كان له الأكثر وقع في الربا وإن كان له الأقل لم يقع في الربا، ما صورة ذلك؟ لهذا صورتان:
الصورة الأولى: أن يقول: بعتك هذا الشيء بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة، فهنا إن أخذ بالعشرة نقدًا لم يقع في الربا، وإن أخذ بعشرين نسيئة وقع في الربا، هذه صورة.
فإذا قال قائل: أين البيعتان؟
قلنا: واحدة بعشرة وواحدة بعشرين، المبيع واحد، والبيعتان هما الثمنان إما عشرة نقدًا وإما عشرون نسيئة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 547)
الصورة الثانية: أن المراد بذلك: مسألة العينة وهي أن يبيع الإنسان شيئًا بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقدًا، قالوا: فهاتان صفقتان في صفقة؛ أي: في مبيع واحد، وتحمل البيعة هنا على المبيع، يعني: باع بيعتين في بيعة، فهذا هو الذي له أوكسهما، والصورة أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقدًا، فهنا بيعتان البيعة الأولى بثمن مؤجل، والبيعة الثانية بثمن حاضر نقول للذي باع البعير: أنت الآن لك أوكسهما أو الربا، كيف ذلك؟
يعني: إما أن تقتصر على الثمن الأقل وإلا وقعت في الربا، الثمن الأقل ثمانون والأكثر مائة، إذا أخذها بثمانين فلا ربا؛ لأنه باع بمائة واشتراها بثمانين، المشتري لم يأخذ إلا الثمانين فلم يأخذ ربًا، فإن أخذ بالأكثر أخذ بالربا، من الذي يأخذ بالأكثر؟ البائع الأول باعها بمائة فقد أخذ بالربا، وإن اقتصر على الثمانين لم يأخذ بالربا، إذا اقتصر على الثمانين هل يلحق المشتري شيء؟ لا؛ لأنه اشتراها بثمانين وقد باعها بثمانين وانتهى كل شيء.
الصورة مرة ثانية: بعت عليك هذه الناقة بمائة إلى سنة، الثمن الآن مؤجل ومقداره مائة إلى سنة، ثم رجعت إليك واشتريتها منك بثمانين نقدًا، البعير ردت لي الآن وثبت لك في ذمتي مائة، إذن كأنني أعطيته ثمانين بمائة، وهذا ربا، فإن قلت له: أنا الآن أشتريها بثمانين ولا أريد منك الزائد فقد أخذت بأوكسهما، البيعة الأولى بمائة وهذه البيعة بثمانين أخذت بأوكسهما وسلمت من الربا، فإذن يكون المراد بالبيعتين في بيعة: مسألة العينة.
إذن للحديث معنيان: المعنى الأول: أن يبيع عليه الشيء بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة مؤجل هذا بيعتان في بيعة وهذا لا يجوز، الصورة الثانية: مسألة العينة أن يبيعه شيئًا بمائة مؤجل ثم يشتريه بثمانين نقدًا، ثمانين يسلمها للمشتري الذي اشترى منه أولًا، البائع الأول يسلم للمشتري الأول ثمانين وباقي في ذمته مائة، زيد باع على عمرو هذه الناقة بمائة إلى سنة، كم يثبت في ذمة عمرو لزيد؟ مائة، ثم رجع زيد فاشتراها بثمانين نقدًا وسلّمه الثمانين، كم في ذمة عمرو لزيد؟ مائة كأن هذا -أعني: زيدًا- أعطى عمرًا ثمانين بمائة إلى سنة. الحديث يقول: "له أوكسهما أو الربا"، ما أوكسهما؟ ثمانون أو الربا، نقول: أنت الآن يا زيد إن أخذت من عمرو مائة وقعت في الربا؛ لأنك أخذت أكثر مما أعطيت؛ لأنك أعطيت ثمانين، وإن أخذت ثمانين فقط عند تمام السنة خرجت من الربا، فإذا تمت السنة قلنا: يا زيد تعال، إن أخذت المائة وقعت في الربا وإن أخذت بالثمانين خرجت من الربا، فلك أوكسهما بدون ربا، أو الربا إن أخذت الأكثر، عندنا الآن تفصيل للفظ الأول نهى عن بيعتين في بيعة، وبيّنا أن التفسير الذي فسر به ظاهر اللفظ غير مراد، وهو أن أقول: لا أبيع عليك هذا الشيء حتى تشتري هذا الشيء أو لا أبيع عليك هذا الشيء حتى تبيعني هذا الشيء، ها صورتان، وقلنا: إن هذين غير مرادين،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 548)
فالمسألة الثانية قلنا: فسر الحديث بتفسيرين: إما أن المعنى أبيعك إياه بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة إلى سنة تفسير آخر يقولون: مسألة العينة وهي: أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقدًا بعت على زيد بعيرًا بمائة إلى سنة ثم اشتريتها بثمانين نقدًا؛ أيُّ التفسيرين أولى بالمطابقة بالحديث؟ الثاني؛ لأن بيعتين في بيعة بيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم: "فله أوكسهما أو الربا" وعلى هذا فيكون المراد بالبيعتين: مسألة العينة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فنقول للبائع: الآن إذا تمت السنة إما ألا تأخذ إلا ثمانين الذي أعطيته فتكون قد سلمت من الربا أما إذا أخذت المائة ثمن البيع الأول فإنك تقع في الربا؛ لأن حقيقة الأمر أنك أعطيته ثمانين بمائة وأدخلت بينهما بعيرًا، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة؛ يعني: ثوب، نقول: هنا في مثالنا دراهم بدراهم دخل بينهما بعير، الصورة الأولى في التفسير الثاني، وهي: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة ما وجه إدخالها في الحديث؟ قالوا: لأن هذا ربا لأنك زدت الثمن في مقابل الأجل هذا واحد، ولأن هذا جهالة لأن الثمن لم يستقر، أنت تقول: بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة، إذن المشتري هل يلتزم بعشرة أو يلتزم بعشرين، والبائع لا يدري هل الذي حصل له عشرة أو عشرون، إذن فالمسألة فيها جهالة وفيها ربا، إذن فتكون داخلة في الحديث، ولكن عند التأمل يتبين أن الحديث لا يراد به ذلك أولًا: استنادًا إلى لفظ أبي داود، وثانيًا: أن قول البائع: بعتك هذا بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة ليس فيه ربا وليس فيه غرر، ليس فيه ربا لأنني لم أبدل دراهم ثمانين بمائة وإنما الزيادة في ثمن السلعة، فكما أني لو قلت: السلعة هذه تساوي ثمانين لكن لا أبيع عليك إلا بمائة زدت كم؟ عشرين وهذا ليس بربا، فأنا إذا أجلت هذه المائة عليك أفدتك خيرًا، إذا كان يجوز أن أبيع ما يساوي ثمانين بمائة نقدًا فلماذا لا يجوز أن أبيع ما يساوي ثمانين بمائة نسيئة من باب أولى؟ ثانيًا: قولهم: إن هذه جهالة، نقول: ليس بجهالة؛ لأن المشتري لا يمكن أن يفارق المكان حتى يقطع الثمن: وما هو الثمن؟ ثمانين أو مائة، صحيح الذي يذهب وهو غير قاطع للثمن فهو جهالة، ولكن لا نأخذها من هذا الحديث بل من أحاديث أخرى وهي جهالة الثمن، أما إذا قال: خذ هذه أنا أبيع عليك بثمانين نقدًا أو بمائة إلى سنة صار معلومًا ما تفرقنا حتى قطعنا الثمن وعرف المشتري أن عليه مائة سنة والبائع أن له مائة ولا إشكال.
فتبين الآن أن أصح ما يفسر به الحديث مسألة العينة؛ لأنا فسرنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أحسن من تفسير الحديث بالحديث، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا أمكن أن يفسر كلام المتكلم بكلامه فهو أولى من أن يفسر بكلام غيره؛ لأنه أعلم بمراده، والمسألة لا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 549)
تنطبق أبدًا إلَّا على مسألة العينة، أما بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة لكن بشرط ألا يتفرقا حتى يقطع الثمن، أو يقول: لك الخيار يومًا أو يومين، فإذا أخذه على هذا الشرط فلا بأس.
من فوائد الحديث: أولًا: أن الربا محرم؛ لقوله: "أوكسهما أو الربا"؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان لن يخسر الأوكس إلا إذا كان الأكثر ممنوعًا وإلا فلا.
ثانيًا: فيه دليل على تحريم الحيل وأنها لا ترفع الأحكام، فمن تحيل على إسقاط واجب لم يسقط الواجب، ومن تحيل على فعل محرم لن يبح المحرم، مثال الأول: لو سافر الإنسان في رمضان من أجل أن يفطر فالسفر مبيح للفطر، ولكن إذا سافر من أجل أن يفطر فقد تحيل على إسقاط واجب يفعل شيء مباح فيكون هذا المباح محرمًا، ومثال الثاني: التحيل على المحرم وهو ينطبق على هذا الحديث الذي معنا.
وفيه: دليل على أن الإنسان إذا عامل معاملة ربويّة فالواجب عليه حذف الربا لقوله: "فله أوكسهما"؛ لأنه إن وقع في الربا وقع في حرام فلم يبق إلا الأوكس، وهو لا يتحقق إلا بحذف الزيادة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رءوس أمالكم لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 279].
ومن فوائد الحديث: إحكام الشريعة وإتقان سياجها وأنها شريعة جدٍّ لا لهوٍ ولعب، وذلك بتحريم الحيل؛ لأن الحيل نوع من اتخاذ آيات الله هزوًا، كيف يحرِّم الله عليك هذا الشيء ثم تذهب وتلوذ من جهة أخرى لتصل إليه بأدنى وسيلة، فالشريعة شريعة جدٍّ وصراحة وليست شريعة لهو وتحيل وهزوٍ.
السلف والبيع:
767 - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك". رواه الخمسة وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن خزيمة والحاكم.
- وأخرجه في علوم الحديث من رواية أبي حنيفة، عن عمرٍو المذكور بلفظ: "نهى عن بيعٍ وشرطٍ" ومن هذا الوجه أخرجه الطَّبرانيُّ في الأوسط وهو غريبٌ.
أولًا: نفي الحل يقتضي التحريم، وإن كان بعض العلماء قال: قد يقتضي الكراهة؛ لأن ضد الحل شيئان هما الكراهة أو التحريم، لكن هذا خلاف الظاهر، فإن الله تعالى يجعل الحل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 550)
كتاب البيوع
مقابل الحرام لا مقابل المكروه، قال الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116]، فإذا نفى الضد ثبت ضده، فنقول: ظاهر الحديث أن نفي الحل هنا يعني التحريم.
وقوله: "سلف وبيع"، السلف: التقديم ومنه الحديث في زيارة القبور: "أنتم سلفنا ونحن في الأثر"، ومنه حديث ابن عباس: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يسلفون في الثمار" أي: يقدمون القيمة على الثمن الذي يأتي في السنة المقبلة، فالسلف: الشيء المقدم، ويحتمل أن يكون السلف اسم مصدر بمعنى: تسليف، لكن المراد به التقديم، "بيع" البيع المعروف هو تبادل الشيئين على وجه التأبيد، والواو هنا في قوله: "وبيع" للجمع لا للتفريد، لأن السلف وحده حلال، والبيع وحده حلال لقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] لكن المراد: الجمع بين السلف والبيع.
فما هذه الصورة التي فيها السلف والبيع؟ قال بعض العلماء: السلف والبيع أن يقول: أسلفتك مائة درهم بمائة صاع من البُرّ إلى سنة على أن تبيعني بيتك، فهنا جمع بين السلف الذي هو السلم وبين البيع، وهذا عائد إلى تفسير البيعتين في بيعة، وهو أن يشترط عقد في عقد، فعلى هذا يفسر السلف والبيع بما فسر به بيعتان في بيعة، وقيل: معنى السلف هنا: القرض، يعني: لا يحل لإنسان أن يجمع بين قرض وبيع، مثل أن يقول: أبيعك داري بألف على أن تقرضني ألفًا قالوا: هذا لا يحل، لماذا؟ لأن الغالب أن هذا الشرط يكون فيه مصلحة للمقرض وكل قرض جر نفعًا فهو ربًا، فأنت إذا قلت: أبيعك هذا البيت على أن تقرضني كذا، فإن هذا المشتري سوف ينتفع في الغالب، أو يقول مثلًا: لا أشتري هذا، أو يقول: أشتري منك هذا على أن تسلفني، يأتي إنسان يعرض عليك سلعة فتقول: أشتريها منك بشرط أن تقرضني كذا وكذا، فهنا انتفع المقرض، لأن هذه السلعة التي عرضها علي ربما لا تساوي مائة وأشتريها بمائة وعشرين من أجل القرض، وحينئذ يكون قد أقرضني بفائدة، ومعلوم أن القرض إذا جر منفعة فهو ربًا، لأن الأصل في القرض أنه من باب الإرفاق والإحسان، فإذا انضم إليه شيء من العوض صار ربًا، وصار ليس قصده الإرفاق والإحسان، هذه ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن المراد بالسلف هنا السلم، يعني: أن يسلم إليه دراهم بسلعة مؤجلة ويشترط عليه بيعًا مع هذا العقد، وعلى هذا التفسير يكون كقوله: "نهى عن بيعتين في بيعة" على أحد التفاسير السابقة، لكن هذا في الحقيقة ليس بصحيح، لأن الجمع بين عقدين على وجه ليس فيه محظور شرعي لا بأس به.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 551)
الصورة الثانية: أن يقول: بعتك كذا على أن تقرضني كذا، يأتي يطلب منه أن يبيع عليك سلعته يقول: أنا أبغيك تبيع عليّ بيتك، فيقول: أبيعك بيتي بشرط أن تقرضني كذا وكذا، هذه لا تجوز، لماذا؟ لأنه جر نفعًا للمشتري حيث حصل مقصودًا من البيت بسبب إقراضه البائع، ولولا أن البائع باع عليه ما أقرضه.
الصورة الثالثة: العكس ما هو؟ أن يقول: أشتري منك كذا بشرط أن تقرضني كذا وكذا، فهذا أيضًا لا يصح، فالإقراض تارة يكون من البائع وترة من المشتري وكلاهما فيه: إخراج للقرض عن المقصود به إذا إن المقصود بالقرض الإرفاق، وفي هاتين الصورتين خرج به عن المقصود.
قال: "ولا شرطان في بيع" هذا ليس على إطلاقه، والشرط سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: شرط للعقد وشرط في العقد، والفرق بينهما: أن الشرط للعقد تتوقف عليه صحته، والشرط في العقد يتوقف عليه لزومه، بمعنى: أنه إذا فات الشرط فمن له شرط الخيار بين إمضاء العقد وفسخ العقد لكن الشرط للعقد لا يصح إلا به، من شروط البيع: أن يكون الثمن معلومًا، فإذا باعه بثمن مجهول لا يصح العقد، لماذا؟ لفقد شرط من شروط، أما الشرط في العقد فإن يشترط أحد المتعاقدين شرطًا فيه مصلحة له، فهذا شرط في العقد يتوقف عليه لزوم العقد، مثال ذلك: قال: بعتك بيتي على أن أسكن فيه سنة، هذا شرط في العقد لو لم يوفِّ المشتري ويُمكنني من السكك لي الخيار، فرق ثان بينهما: شرط العقد من وضع الشرع فليس لأحد أن يخل به، والشرط في العقد من وضع المتعاقدين فلكل منهما إبطاله.
هنا يقول: " ولا شرطان في بيع" ليس المقصود بلا شك النوع الأول الذي هو شرط العقد، لأن العقد يتضمن شروطًا كثيرة.
كم شروط البيع؟ سبعة على المشهور من المذهب، فيتضمن عدة شروط، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم هذا، إنما أراد الشرطين في العقد، وهنا في البيع.
ما معنى "شرطان في بيع" هل كل شرطين في البيع يحرمان أيضًا؟ هذا ليس على إطلاقه، فهناك شرطان في البيع يصحان بالإجماع، كما لو قال: بعتك هذه السيارة على أن تقبضني الثمن، وقال الآخر: وعلى أن تسلمني السيارة، هذان شرطان، شرط من البائع، وشرط من المشتري وهما يصحان بالإجماع، بل لو قال: بعتك هذه السيارة بشرط أن يكون الثمن حالًا وأن تقبضني إياه، هذان شرطان من طرف واحد أنه حال وأنه يقبضه هذان حلال بالإجماع، الصورة الأولى: الشرطان من المتعاقدين جميعًا، وهذه الصورة الشرطان من واحد منهما وهذا أيضًا: جائز بالإجماع، لماذا؟ لأن هذا مقتضى العقد فهو ثابت سواء شرطه المشترط أو لم يشرطه، لأن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 552)
كتاب البيوع
مقتضى العقد المطلق أن يكون الثمن حالًا، ومقتضاه أيضًا أن يقضيه إياه سواء اشترط البائع ذلك أو لم يشترط، فما دام ثابتًا فإن شرطه لا يفيد إلا التوكيد فقط، هذا لا إشكال في جوازه وأظنه لا خلاف فيه أيضًا.
بقى لنا الكلام في الشرط الذي لا يلزم إلا باتفاقهما الذي الأصل عدمه، فهذا هو محل الخلاف، مثاله: اشتريت من صاحب السيارة الحمولة التي على ظهرها ولنقل: إنه حطب واشترطت عليه أن يحمله إلى البيت، أن يدخله في البيت وأن يكسره، هذه الشروط هل هي ثابتة بمقتضى العقد أم لا؟ أبدًا غير ثابتة، مقتضى العقد إذا اشتريت منه حمولة السيارة ينزل في الحال ويقول: أنت تحمله هذان الشرطان، اشترطت عليه أن يحمله ويُدخله البيت، قال بعض أهل العلم: إن هذين هما الشرطان اللذان نهى عنهما الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "لا يحل شرطان في بيع" قال: هذان شرطان في بيع فلا يحل، لماذا؟ قالوا: هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتوالى شرطان في عقد واحد، ولكن هذا فيه نظر، لأن هذين الشرطين ليس فيهما محظور شرعي، فإذا قال قائل: بل فيهما محظور شرعي؛ لأن حمل الحطب وإدخاله لو لم يكن عقد بيع لاحتاج إلى أجرة ونسبة الأجرة إلى الثمن مجهولة، أنا اشتريته بمائة وقلت: بشرط أن تحمله إلى البيت وتدخل، البيت الثمن الآن مائة بالشرطين المذكورين، قلنا عن هذين الشرطين: لو أنهما كانا بأجرة لكان نسبة الأجر إلى الثمن مجهولة، ما ندري المائة هذه كيف نوزعها على الأجرة وعلى قيمة الحطب، فيعود ذلك إلى جهالة الثمن، وهذا هو وجه النهي مع أن الرسول نهى عنه وسكت، ولكن هذا التعليل عليل منقوض؛ لأنا نقول: هل لو اشترط عليه أن يحمله إلى البيت بدون أن يدخله البيت هل يصح الشرط؟ يصح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل شرطان في بيع" حمله من مكان البيع إلى البيت يستحق الأجرة لو انفرد، ونسبة الأجرة هذه إلى الثمن مجهولة فينتقض، وحينئذ نقول: لابد أن ننزل الحديث على القواعد الشرعية، فلنبحث ما هما الشرطان اللذان إذا اجتمعا وقعنا في محظور، وإذا انفرد سلمنا من المحظور، يجب أن ننزل الحديث على أنه إذا كان هناك شرطان يوقعان الشارط في محظور شرعي فهما محرمان، وإن كانا لا يوقعانه في محظور شرعي فإن الحديث لا يشملهما، لكن هذا أيضًا لو قال قائل هذا فيه نظر؛ لأن الشرطين المشتملين على محظور شرعي محرمان سواء أضيفا إلى البيع أم لم يضافا إليه، فالجواب على هذا أن يقال: إن هذين الشرطين لا يستقلان عادة وإنما يكونان تابعين للعقد، فلهذا قال: "ولا شرطان في بيع" الشرطان في بيع إذا قلنا: إنهما ينزلان على ما إذا اجتمعا صار فيهما محظور شرعي، وإذا لم يجتمعا لو لم يكن فيهما محظور شرعي، ممكن أن ننزلهما على مسألة العينة، فأقول: بعتك هذا الشيء بمائة درهم مؤجلًا على أن تبيعينه بثمانين نقدًا، لو قلت:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 553)
بعتك إياه بمائة مؤجلة هذا شرط واحد فيجوز على أن تبيعني بثمانين نقدًا دخل الشرط الثاني أفسده، وعلى هذا حمل الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن المراد بذلك مسألة العينة، لأنها هي التي إذا اجتمع فيها شرطان أفسد العقد وشرط واحد لم يفسد العقد؛ لأنه - كما قلنا- لا ينطبق على الشروط التي هي شروط للعقد ولا على الشروط في العقد التي تثبت بدون شرط، ويكون الشرط فيها توكيدًا، ولا على شروط فيها منفعة لكن لا تؤدي إلى شرط محرم، هذه ثلاثة أشياء.
قلنا: المعنى الأول لا يدخل بالاتفاق، لأننا نجد عقد البيع يشتمل على شروط كثيرة، والمعنى الثاني كذلك لا يدخل بالاتفاق وإن قُدر فيه خلاف فهو ضعيف جدًا وهو الذي يقتضيه العقد سواء شرط أو لم يشترط، ويكون الشرط هنا مقيدًا للتوكيد فقط، الثالث الذي فيه مصلحة ولا يُوقع في محظور فيه خلاف، فمن العلماء من منعه وهو المشهور من مذهب أحمد، ومنهم من أجازه، والصحيح الجواز، وإن شيءت فقل- بما هو أعم -: كل شرطين لو انفرد أحدهما لم يؤثر وإن اجتمعا أثرًا فهما داخلان في الحديث، ويمكن أن تأتي صورة غير العينة.
إذا كان الانتفاع من الطرفين كما لو أقرضه على أن يزرع أرضًا، فقد قال ابن القيم رحمه الله: إن هذا لا بأس به إذا كان متساويًا فكل منهما انتفع، والربا ينتفع به جانب واحد، ومن ذلك ما يفعله الناس الآن يجتمع خمسة موظفون فيقولون: سنخصم من رايتنا كل شهر ألفًا نعطيه واحدًا منا وفي الشهر الثاني وهكذا، فهذا جائز لأنه ليس فيه منفعة للمقرض، فإن قدر أنه منفعة فهو للجميع.
ثم قال: "ولا ربح ما لم يضمن" هذا الثالث، يعني: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح الذي لم يُضمن، أي: لم يدخل في ضمان رابح، لماذا؟ لأنه إذا لم يدخل في ضمانه فربما الضامن الذي لم يسلمك الحق يمانع في تسليمه، وحينئذ يكون في ذلك ضرر، مثاله: باع الإنسان طعامًا اشتراه من زيد فباعه على عمرو قبل أن يستوفيه، فهنا لا يصح البيع؛ لأنه غير مضمون، إذ إن ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع لا يضمن ولا يدخل في ضمان المشتري إلا إذا حصل ذلك، نزيدها إيضاحًا: إذا اشتريت هذا البر الذي أمامنا كل صاغ بدرهم إن كلته فهو في ضماني وقبل أن أكيله في ضمان البائع، هذا البر هل هو لي أو البائع؟ هو لي، ولكن ما دمت لم آكله فهو في ضمان البائع، لو بعته بربح قبل الكيل لكان حرامًا، كما أن بيعه من الأصل حرام ويزداد حرمة إذا ربحت فيه، لماذا؟ لأنه ربما إذا علم البائع أني ربحت يمانع في تسليمه؛ لأن النفوس
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 554)
كتاب البيوع
مجبولة على الحسد وعلى الظلم، فإذا رأى أني قد ربحت يمنع، وحينئذ يكون بيع ما لم يقدر على تسليمه.
رجل في ذمته لي مائة صاغ بُرّ فبعتها على شخص آخر، هل يجوز هذا البيع؟ لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الدّين الذي في ذمة المدين لا يدخل في ضماني حتى أستوفيه منه.
إذا اشتريت ثمرًا على نخل فالثمر من ضمان البائع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئًا بما تأخذ مال أخيك بغير حق"، فهل يجوز أن أبيعه بفائدة؟ نقول: ظاهر الحديث لا، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز بيع الثمرة على رءوس النخل بربح، أما بغير ربح فيجوز؛ لأن قبض الثمرة تخلية، فإذا خلى البائع بيني وبينها فهذا قبض، لكن الشارع جعلها من ضمان البائع، فإذا بعتها بربح فقد ربحت فيما لم أضمن فيكون ذلك حرامًا، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
مثال آخر: استأجرت من شخص بيتًا لمدة سنة بألف ريال فهل يجوز أن أؤجره بربح: بألف ومائة؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، لأن هذا غير مضمون؛ لأنه لو سلف في العين لانفسخت الإجازة، ولهذا كان القول الثاني في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز للمستأجر أن يؤجر بأكثر مما أستأجر، لأنه إذا فعل ذلك فقد ربح فيما لم يضمن هكذا ذكر شيخ الإسلام صلى الله عليه وسلم في رسالته "وضع الجوانح" على أنه لا يجوز الربح فيما استأجرته، ولا يجوز الربح في بيع الثمرة على رءوس النخل؛ لأنها في غير ضمانه، أما المذهب في المسألتين فيجوز الربح، لأنه كان من ضمان البائع، أعني: الثمرة كانت من ضمان البائع ولم تدخل في ضمان المشتري لسبب وهو أن المشتري لا يكمل الانتفاع بها إلا بأخذها، ففي القبض شيء من النقص، وأما في مسألة الإجارة فيقولون: إن الأصل بقاء العين، والأصل أن المنفعة باقية للمستأجر، وإذا قدر أنها تلفت فإنه سوف يضمن للمستأجر بقية الأجرة، فهي داخلة في ضمانه إما باستيفاء منفعة وإما برد الأجرة، ولنفرض أنها تهدمت في نصف السنة، فهنا لا يمكنك أن تطالب المؤجر وتقول له: أبحث لي عن بيت أسكن فيه، لأنه سيقول لك المؤجر: أنا لم أؤجرك إلا هذا البيت وهذا البيت تلف جاءه المطر وهدمه، لكن له ما بقي من الأجرة، له قسط، فإذا انهدم في نصف السنة يستحق نصف الأجرة، إذن الواقع أنه وإن لم يكن في ضمانه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 555)
من حيث استيفاء المنفعة فهو في ضمانه من حيث ردّ باقي الأجرة، ولهذا نقول: إن القول الراجح في المسألتين جواز الربح، لأنه لا ينطبق عليه الحديث فهو مضمون بكل حال، الثمرة إذا ضمنها البائع فسوف يرد لي قيمة الثمرة، فهي وإن لم تكن في ضماني بل في ضمان البائع، لكن إذا فاتتني الثمرة سيأتي ثمنها، فهي في الحقيقة داخلة في ضمانه.
على كل حال: المشهور من المذهب أنه يجوز بيع الثمرة على رءوس النخل بأكثر مما استأجرها به وإن لم تكن داخلة في ضمانه، لأن ضمانها على المؤجر.
قال: "ولا بيع ما ليس عندك" بيع ما ليس عندك أيضًا لا يجوز، والمراد إذا كان معينًا، أما إذا كان موصوفًا فلا بأس كما سنذكره، بيع ما ليس عندي يشمل أمرين: الأول: أن أبيع ملك زيد لأذهب فأشتريه فهذا لا يجوز.
مثال ذلك: جاءني رجل فقال: وجدت لفلان سيارة من أحسن ما يكون من السيارات فقلت له: أنا أبيع عليك هذه السيارة- سيارة فلان-قال: نعم، كم الثمن؟ قلت: أبيعها عليك بأربعين ألفًا، قال: قيلت، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن صاحب السيارة قد يبيع وقد لا يبيع، فتقع في مشكلة مع الذي اشتراها منك، فلا يجوز أن تبيع ما ليس عندك هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يكون الشيء ملكًا لك، لكن لا تقدر عليه مثل أن يكون قد استولى عليه ظالم لا تقدر على تخليصه منه، أو يكون جملًا شاردًا أو عبدًا آبقًا فهذا لا يجوز بيعه ولا بيع ما ليس عندك.
الصورة الثالثة: أن يبيع الديون في ذمم الناس، يقول: أطلب فلانًا مائة صاغ بُرّ أبيعها عليك هذا لا يجوز، أولًا: لأنها لم تدخل في ضمانه، والثاني: أن هذا المشتري لم يشترها بمائة درهم فيشتريها مثلًا بتسعين درهمًا، وحينئذ فإن قدر على أخذها من المدين فهو غانم، لأنه أخذ ما يساوي مائة بتسعين وإن عجز فهو غارم، لأنه بذل تسعين درهمًا وقد تذهب عليه، إذن الصور الآن ثلاث: أن يبيع ملك غيره المعين، أن يبيع ما ليس عنده وهو ملكه لكن لا يقدر عليه، الثالث: أن يبيع الديون في ذمم الناس، لأن هذه ليست عنده.
فإن قال قائل: أتجيزون أن يبيع الإنسان الدَّين على من هو عليه؟
فالجواب: نعم، لكن بشرط إلا بربح، فإن ربح دخل في الجملة الأولى من الحديث، وهي: "ربح ما لم يضمن"، دليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير والدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 556)
تتفرقا وبينكما شيء" فإذا جاء المدين وقال: أنا عندي لك مائة صاغ بُرّ والآن ما عندي شيء من البر لكن سأعوضك عنه قال: نعم عوضني عنه، قال: أعطيك مائة درهم، لأن الصاع بدرهم، فقال الدائن: لا، أعطني مائة وعشرة هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ربح بما لم يضمن لم يدخل في ضمانك حتى الآن، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها" إذا قال: أعطيك عنها مائة فيجوز؛ لأنه ما ربح، إذا قال: أعطيك عنها تسعين يجوز؛ لأنه إذا جاز بنفس القيمة فمن باب أولى أن يجوز بأقل كما لو قال: أعطني بدل المائة صاع تسعين صاعًا أليس يجوز؟ نعم، إذن يكون قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا بأس أن تأخذها بسعر يومها"، المراد: نفي الزيادة لا نفي النقص، فلو أخذها بأنقص جزاء الله خيرًا أو أخذها بالمثل فهو عدل، أو أخذها بالزيادة فهو حرام، وهل يُشترط في هذه الحال ألا يتفرقا وبينهما شيء؟ هو في ذمته مائة صاع بُرّ ولم يكن عنده شيء فاشتراها بمائة درهم، هل يُشترط ألا نتصرف حتى أستلم مائة الدرهم أو لا يُشترط؟ الذين يقولون: يشترط. سيستدلون بحديث ابن عمر: "ما لم يتفرقا وبينهما شيء"، فنقول: كأنكم تقولون: لا يصح الاستدلال بحديث ابن عمر على اشتراط القبض، لأن حديث ابن عمر إنما هو في بيع دراهم بدنانير، وبيع الدراهم بالدنانير يشترط فيه التقابض، لكن بيع دراهم ببُرّ لا يشترط فيه التقابض، وعلى هذا فلو قال بعتك مائة الصاع بمائة درهم لم يشترط القبض الذي يشترط أن يكون بسعر يومه حتى لا يربح فيما لم يضمن، وأما القبض فليس بشرط، وحينئذ نحول البُرّ إلى دراهم، لو قال: أنا ليس عندي بُرّ لكن عندي شعير، أنا رجل مزارع أعطيك بدل البُرّ شعيرًا، هنا يُشترط الشرطان اللذان في حديث ابن عمر وهما أن يكون بسعر اليوم والتقابض، فيقال مثلًا: إذا كان السعر أن صاعًا من البُرّ بصاعين من الشعير فأعطه بدل مائة صاع مائتين ولا تأخذ أكثر من مائتين ولم تتفرقا وبينكما شيء، لا يبيع البًرّ بالشعير يُشترط فيه التقابض، هذه أربعة أنواع من البيوع.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في النهي عنها، لأننا نعلم أن الأصل في المعاملات الحل، فكل من ادعى تحريم معاملة طولب بالدليل، فهنا نقول: ما هي الحكمة لنعرف سمو هذه الشريعة وأنها لا تضيق على معتنقيها؟
قلنا: لأنها تشتمل على مفاسد، أما الأول: السلف والبيع، فإنها تشتمل على ربًا إما تحقيقًا وإما ظنًا، ومعلوم أن الربا محرم، وثانيًا: لأنها تخرج العقود عن مقصودها الشرعي، فالمقصود بالسلف الإرفاق والإحسان، وإذا انتقل إلى مُعارضة خرج عن موضوع الشرع، ولذلك لو بعت عليك درهمًا بدرهم إلى أجل لا تعطينيه إلى بعد يومين أو ثلاثة هل يجوز؟ لا يجوز، أما لو أقرضتك درهمًا ولم توفني إلا بعد يومين فهذا يجوز، لماذا؟ لأن المقصود الإرفاق ليس المعاوضة:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 557)
"شرطان في بيع" العلة في ذلك انه يؤدي إلى التنازع والفوضى، أو الربا إن تضمن الوقوع في الربا بواسطة الشرطين: "بيع ما لم يضمن" كذلك يؤدي إلى النزاع وعدم التمكين من التسليم، وربما يؤدي إلى الحسد والبغضاء إذا رآك البائع قد ربحت ولم يدخل في ضمانك بل هو في ضمانه، وربما يكون في قلبه حسد والحسد كالتار إذا ولعت أحرقت ما ولعت به إذا صار في قلبك حسد ولو على مسألة صغيرة فإن هذا - والعياذ بالله- ينمو، قد تحسد إنسان في بيع من البيوع يتطور هذا إلى أن تحسده في كل شيء، تحسده على عافيته، على صحته، على أولاده، على أهله، على بيته، على علمه، على ماله، فالمهم أن هذا لما كان يؤدي إلى العداوة والبغضاء وعدم التمكين من التسليم والحسد منعه الشرع.
"بيع ما ليس عندك" معناه ظاهر، لأنه يتضمن الغرر والجهالة، وكل شيء يتضمن الغرر والجهالة فإنه ميسر الذي يريد به الشيطان أن يوقع بيننا العداوة والبغضاء كما قال تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون} [المائدة: 91]. ونأخذ من عموم العلة هذا أن الشرع يريد منا الاتزان في البيع والشراء حتى نبيع بيعًا هادئًا ليس فيه جشع ولا طمع ولا عداوة ولا بغضاء، وهذا لا شك أنه من محاسن الشريعة، الموصوف، مثل أن أبيع عليك مائة صاع بُرّ صفته كذا وكذا بمائة ريال هذا لا بأس به، وهذا لا يكون من بيع ما ليس عندي إنما هو من بيع شيء موصوف في الذمة لم تعينه، المعين أن نقول مثلًا: الجمل الفلاني، الطير الفلاني، ملكي الذي غصبه فلان هذا معين، أما الموصوف فلا، لأن الموصوف يثبت في الذمة، ودليل ذلك السلم كان الصحابة-رضي الله عنهم-يسلفون في الثمار السنة والسنتين يأتي إلى الفلاح ويقول: أريد أن تبيع علي تمرًا مائة صاع كل صاع بدرهمين، صفة الثمر كذا وكذا، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، لم يقل: فلا يسلف، فهذا هو الفرق بين العمين وبين الموصوف في الذمة، أيضًا في شيء موصوف معين، كما لو بعت عليك سيارتي التي عندي في الجراج صفتها كذا وكذا هذا معين موصوف ومعين يقول: ماذا ترى لو بعت عليك هذه السيارة تشاهدها، فالمعين موصوف ومعين مشاهد مرئي، والثالث: موصوف لا مرئي ولا معين، موصوف في الذمة فيتعلق بالذمة.
أيضًا نقول في: "نهى عن بيع وشرط" المراد به: الشرط الذي يتضمن محظورًا شرعيًا كقضية بربرة، اشترط أهلها أن يكون الولاء لهم مع أن الولاء للمعتق وليس المراد: النهي عن كل بيع يتضمن شرطًا، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من جابر جمله واشترط جابر أن يحمله إلى المدينة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 558)