ثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، وحينئذ يكون البيع صحيحًا وللبائع المتلقى الخيار إذا وصل السوق، ويمكن أيضًا أن تنزل على القواعد، فيقال: إن النهي هنا لا يعود إلى معنى يتعلق بالمبيع، وإنما يعود إلى معنى يتعلق بالبائع، حيث إنه يخدع فيشترى منه برخص، والشارع جعل الأمر الذي يتعلق بالعاقد يملك فيه العاقد المغبون الخيار مع صحة البيع، بدليل أنه قال: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعده فهو بالخيار إن شاء أمسك وإن شاء ردّها وصاعًا من تمر"، إذن الجلب نقول: إنه إذا تلقى واشترى فالشراء صحيح، لكن للجالب الخيار إذا وصل السوق فإن كان مغبونًا رد البيع وإن كان غير مغبون فالخيار له.
من فوائد الحديث: تحريم بيع الحاضر للبادي لقوله: "لا يبع حاضر لباد".
ومن فوائده: أن ظاهر الحديث أنه لا يبيع له مطلقًا، سواء قصد الحاضر البادي أو قصد البادي الحاضر، أي: سواء ذهب صاحب البلد إلى القادم وقال: أبيع لك سلعتك، أو جاء القادم إلى البلد وجاء إلى الرجل وقال: خذ هذه السلعة بعها.
فإن ظاهر الحديث: أن كلتا الصورتين حرام لعموم قوله: "لا يبيع حاضر لباد"، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا قصده البادي فلا بأس أن يبيع له ولو على وجه السمسرة؛ وذلك لأن البادي لا يريد أن يبيعها بيع باد بدليل أنه هو الذي جاء إلى الحاضر، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله على أنه إذا قصده البادي فلا بأس أن يبيع له؛ لأن البادي لا يريد أن يبيع بيع البدوي ولكن أراد أن تباع بيع الحاضر.
ثانيا: ظاهر الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون البادي عالمًا بالسعر أو جاهلًا به، مع أنه إن كان عالمًا فإن المقصود يفوت؛ لأنه إذا كان عالمًا بالسعر فلن يبيعها إلا كما يبيع الناس، فظاهر الحديث أنه لا يبيع له سواء كان عالمًا بالسعر أو لم يعلم، والمشهور من مذهب الحنابلة أيضًا: أنه إذا كان يعلم بالسعر فلا حرج أن تبيع له؛ لأن المعنى الذي نهى الشارع من أجله عن بيع الحاضر للبادي مفقود في هذه الصورة، أي: فيما إذا كان البادي عالمًا بالسعر؛ لأنك سواء جئت إلى الحاضر أو لم تأت فلن يبيع إلا بالسعر، ويفوت على أهل البلد الربح والفائدة.
ثالثًا: ظاهر الحديث: أنه لا فرق بين أن تكون السلعة مما يحتاجه الناس كالأطعمة والألبسة، أو مما لا يحتاجه الناس كالأشياء الكمالية، فلو أن الجالب جلب طعامًا أو جلب أشياء ترفيهية لا يحتاج الناس إليها فالحكم سواء لكن فقهاء الحنابلة اشترطوا أن يكون بالناس حاجة إليها، فإن لم يكن بالناس حاجة إليها فلا حرج أن يبيع الحاضر للبادي، ولكن ينبغي أن نأخذ بظاهر الحديث إلا بدليل واضح يدل على التخصيص.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 579)
بقي مسألة وهي: لو أن الحاضر باع للبادي تبرعًا ونصحًا؛ لأنه علم أن البادي سوف يغبن إما لكونه يعلم أنه رجل ليس بذلك القوي في لبيع والشراء، أو يعلم بأن أهل البلد الذين يشترون من الجلب أناس يخدعون، فأراد أن ينصح لهذا القادم ويبيع له تبرعًا فهل هذا جائز؟ الجواب: على تفسير ابن عباس جائز، وعلى ظاهر الحديث ليس بجائز؛ لأن الحديث مطلق، والذي يبرئ ذمة الإنسان أن يأخذ بظاهر النص؛ لأن الله سيسأله يوم القيامة، ليس عن فهم فلان وفلان سيسأله عما أجاب به المرسلين، سيسأله عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فالواجب على الإنسان أن يأخذ بظاهر النصوص ما لم يعلم من النصوص الأخرى، أن هذا غير مراد، فإذا علم بأنه غير مراد، فهذا علم بأنه غير مراد فهذا حجته عند الله عز وجل.
في هذا الحديث أيضًا في الجملة الثانية منه هل يصح بيع الحاضر للبادي؟ المشهور من المذهب: أنه لا يصح إذا تمت الشروط بأن قصده الحاضر وكان البادي لا يعلم السعر وبالناس حاجة إليها، فإذا تمت الشروط فإن البيع لا يصح، وهذا هو ظاهر الحديث أن البيع لا يصح، ولكن لو أجاز المشتري ذلك وقال: أنا راضِ فينفي أن يصح؛ لأنه إنما نهى عن بيع الحاضر للبادي من أجل مصلحة المشتري، فإذا رضي بذلك فلا بأس.
775 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلقَّوا الجلب، فمن تلقِّي فاشتري منه، فإذا أتى سيِّده السُّوق فهو بالخيار". رواه مسلم.
قوله: "لا تلقوا الجلب" نقول فيها كما قلنا في "لا تلقوا الركبان"، لكن هنا الجلب فعل بمعنى مفعول أي: لا تلقوا المجلوب، "فمن تلقي فاشتري منه"، أي: من هذا المجلوب، "فإذا أتى سيده" أي: سيد المجلوب وهو مالكه الأول "فهو بالخيار" النهي هنا يراد به: النهي عن التلقي والشراء، أما مجرد تلقي الجلب من أجل أن يضيفهم أو يوجب بهم فإن النهي لا يرد على هذا.
وقوله: "فمن تلقي فاشتري منه فإذا أتى سيده" أي: سيد الجلب وهو المالك الأول؛ لأن السيد يطلق على المالك، وله إطلاقات كثيرة متعددة معروفة في اللغة، وقوله: "السُّوق"، يعني: سوق التجارة الذي يباع فيه ويشترى ف"أل" في قوله: "السوق" للعهد الذهني؛ لأن العهود ثلاثة: عهد ذكري، وعهد ذهني، وعهد حضوري، فالعهد الذكري: أن يكون مدخول "أل" سبق ذكره مثل قوله تعالى: } كما أرسلنا إلى فرعون رسولا {[المزمل: 15]. من الرسول المذكور؟ وأما العهد الحضوري فهو أن تكون "أل" بمنزلة اسم الإشارة مثل قوله تعالى: } اليوم أكملت لكم دينكم {[المائدة: 3]. فإن تقديره: هذا اليوم أكملت لكم دينكم، فتسير "أل" إلى شيء حاضر، أما العهد
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 580)
الذهني فهو أن يكون مدخول "أل" معلومًا بالذهن، يعني: مفهومًا عند الناس، كما لو قلت: ذهب فان وفلان إلى القاضي، من القاضي؟ معروف، ينصرف إلى القاضي في المحكمة، نقول: "أل" هنا للعهد الذهني، هنا "إذا أتى سيده السوق" "أل" للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر، ولم تكن "أل" بمعنى اسم الإشارة، فكانت للعهد الذهني، يعني: سوق التجارة الذي يباع فيه ويشترى، وقوله: "بالخيار" هذه اسم مصدر ل"اختار"؛ لأن مصدر اختار اختيار، واسم المصدر خيار، واسم المصدر هو: ما وافق المصدر في معناه وحروفه الأصلية دون الزوائد مثل: كلام من كلم، والمصدر تكليم، سلام من سلم والمصدر تسليم، هنا خيار من اختار والمصدر اختيار، إذن فهو بالاختيار أي: ينظر ما هو خير له من إمضاء البيع أو الفسخ.
والحكمة من النهي عن تلقي الجلب هو ما أشرنا إليه فيما سبق أن فيه إضرارًا بالبائع وإضرارًا بأهل السوق، أما البائع فلأن المتلقِّي غلبًا يغبن المتلقِّي ولو لم يغبنه ما ذهب يتكلف ويخرج، والثاني: الإضرار بأهل البلد حيث يحرمهم الربح المتوقع من هذا الجالب.
في الحديث فوائد منها: أولًا: عموم الشريعة الإسلامية، وأنها كما جاءت في إصلاح الخلق في العبادات، وهي معاملتهم فيما بينهم وبين الله جاءت أيضًا بإصلاح الخلق في العقود وهي المعاملة فيما بين الناس، الرد على من زعم أن الدين الإسلامي ينظم العبادة فقط، وهي المعاملة مع الله، فإن الدين الإسلامي ينظم العبادة والمعاملة، ولا غرابة فإن أطول آية في كتاب الله آية الدَّين، وكلها في معاملة الخلق، ويكون هذا حجرًا يقذف في فم من قال: إن الدين الإسلامي لا ينظم إلا العبادة، نقول: الدين الإسلامي ينظم العبادات والمعاملات جميعًا.
ومن فوائد الحديث: حماية حقوق الناس؛ لأننا ذكرنا أن العلة في النهي عن تلقي الجلب هو دفع الضرر الحاصل على البائع وعلى أهل البلد.
ومن فوائد الحديث: أن من تلقى فاشتراه فشراؤه صحيح، لكن للمشتري الخيار.
إذا قال قائل: بم استدللتم على الصحة؟
نقول: بإثبات الخيار للبائع؛ لأن إثبات الخيار فرد عن الصحة.
ومن فوائد الحديث: إثبات خيار الغبن؛ لأن الشرع إنما جعل الخيار للمشتري منه المتلقي لأنه غالبًا يغبن، ووجه ذلك: أن هذا الذي اشترى منه إذا أتى السوق ووجد أن القيمة مناسبة فلا يختار الفسخ، إنما يختار الفسخ إذا وجد نفسه قد غبن، إذن فعلة ثبوت الخيار له هي الغبن، وعلى هذا فيكون في الحديث دليل على ثبوت خيار الغبن، ولكن هل الغبن ثابت في كل عقد يحصل به الغبن أم في صور معينة؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه خاص في صور معينة، وهي ما يحصل بالنَّجش أو بالاسترسال أو بتلقي الجلب، ومن العلماء
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 581)
من يقول: إنه ثابت في كل غبن حتى لو غبن من يحسن المماكسة ويعرف كيف يبيع ويشري، لكن غبن لغفلة منه أو لجهله بالسعر لكون الأسعار هبطت بسرعة، فإن له الخيار سواء كان بائعًا أو مشتريًا، وعلى هذا فلو أرسلت صبيك ليشتري لك خبزًا ماذا نقول؟ الخبز الأربعة بريال، فقالوا للصبي: الأربعة بريالين وأخذ الأربعة وأنت أعطيته الريالين وتنتظر أن يأتي بثمان، فلك الخيار؛ لأن الصبي لا يحسن أن يماكس وهو جاهل بالقيمة.
مثال آخر: قدم مسافر إلى بلد ووقف على صاحب بقالة وقال: أطلب منك خبزّا بريال فأعطاه خبزتين، وأطلب منك مربى طماطم لأجل أن يكون إدامًا للخبز، فأعطاه القوت هذا بريالين، إذن أعطاه خبزتين بريال وكوب طماطم بريالين هو مسافر وجيد في البيع والشراء لكن لا يعرف السعر في هذا البلد، فالصحيح: أن له الخيار، ويرى بعض العلماء أنه لا خيار له؛ لأنه يعرف يماكس، ويرون أن المسترسل هو الذي يجهل القيمة ولا يحسن المماكسة، والصحيح: أن كل من جهل القيمة فإن له الخيار، فهؤلاء الجلب الذين تلقوا قد يكونوا من أشد الناس معرفة بالقيم ولكن يجهلون القيمة فلهذا غبنوا.
ومن فوائد الحديث: إطلاق لفظ السيد على المالك وهو كذلك؛ لأن أصل السيادة من الشرف، ومعلوم أن للمالك شرفًا على المملوك، ولهذا سمينا مالك العبد سيدًا، ونسمي مالك البهائم ومالك الطعام أيضًا سيدًا، ولذلك قال: "إذا أتى سيده السوق … إلخ".
ومن فوائد الحديث: أن التلقي هو ما كان قبل وصول الجلب إلى السوق ولو من داخل المدينة، وقال بعض أهل العلم: إن التلقي لا يكون إلا من خارج المدينة؛ لأن التلقي عادة يكون خارج المدن، ولهذا يقال: تلقّى المسافر أي: خرج لاستقباله.
وهذه المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من يقول: إن التلقي يصدق باستقبال الجلب قبل دخولهم السوق ولو في المدينة، واستدلوا لذلك بقوله: "فإذا أتى سيده السوق"، ولم يقل: فإذا دخل البلد، فعليه لو كانت البلدة واحدة والسوق في وسطها في قصبة البلد، واستقبلهم أناس في أطراف البلد واشترى منهم، فإنه يكون داخلًا في الحديث؛ أي: فاعلًا للنهى وللجالب الخيار وهذا أقرب إلى المعنى؛ لأنه لا فرق بين أن يتلقاهم في المدينة وأن يتلقاهم في داخلها قبل أن يصلوا إلى السوق.
فإن قال قائل: فما تقولون في جلب مرُّوا بالمدينة ولا يريدون دخولها فاشترى منهم شخص وهم سائرون إلى مدينة أخرى، هل يجوز؟ يعني: مثلًا جاءوا من جدّة ومروا ببلدنا ويريدون الرياض ومعهم سلع؟ الظاهر: أنه يجوز، لأنهم لم يقصدوا هذا البلد هم في سفر كما
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 582)
يجوز أن تشتري من المسافر، ولذلك يبعد أن يبيعوا على هذا المتلقي؛ لأنهم سيقولون: إن سفرنا إلى الرياض اللهم إلا إذا احتاجوا إلى دراهم في طريقهم، فإنه في هذه الحال قد يبيعون.
ما تقولون في رجل خرج يتمشى خارج البلد وإذا هو بقوم معهم جلب هل يجوز أن يشتري منهم؟ لا يجوز، لأن أصل النهي عن الشراء والتلقي وسيلة.
بيع الرجل على بيع أخيه المسلم:
776 - وعنه رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرَّجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة أختها لتكفأ ما في إنائها". متَّفق عليه.
-ولمسلم: "لا يسوم المسلم على سوم المسلم".
قوله: "حاضر لباد" سبق الكلام عليه، وقوله: "ولا تناجشوا" أيضًا سبق الكلام عليه، قوله: "ولا يبيع الرجل على بيع أخيه"، كلمة "الرجل" لم تذكر للتقييد ولكن ذكرت للغالب، وإذا كان الشيء ذكر للغالب فإنه لا مفهوم له، كل قيد ذكر بناء على الغالب فإنه ليس له مفهوم.
وقوله: "لا يبيع الرجل" روي بوجهين: "لا يبع الرجل"، والثاني: "لا يبيع الرجل"، أما "لا يبع الرجل" فلا إشكال فيه؛ لأن "لا" ناهية، و"يبع" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، ولكنه حرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين، وأما "لا يبيع الرجل" بالرفع ففيه إشكال وهو أن "لا" نافية فهل النفي يفيد النهي؟ الجواب: نعم، قد يكون نفيًا ويراد به النهي فتكون الجملة خبية إنشائية، خبرية باعتبار اللفظ إنشائية باعتبار المعنى؛ لأنها خبر يراد به النهي؛ قال أهل العلم: وكما يجئ الخبر في موضع النهي يجئ الطلب في موضع الخبر، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: } وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطبكم {[العنكبوت: 12]. فإن اللام للأمر، ولكن المراد: الخبر؛ لأن المعنى: ونحن نحمل خطاياكم، الكلام على أن "يبيع" فيها وجهان: "لا يبع" و"لا يبيع"، "الرجل" قيد بالرجولة بناء على الأغلب.
"على بيع أخيه"، أخيه في النسب؟ لا أخيه في الإنسانية؟ لا أخيه في الدين؟ نعم؛ لأن الأخوة الإنسانية غير مفصودة شرعًا، وليس بين الناس أخوة إنسانية، ولكن بينهم جنسية إنسانية؛ يعني: أن الكافر من جنس المسلم في الإنسانية، لكن ليس أخاه، ألم تروا إلى نوح قال: } فقال رب إنَّ ابني منَّ أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين {، فقال تعالى: } قال ينوح إنه ليس من أهلك {[هود: 45، 46]. مع أنه ابنه، ومن زعم أن هناك أخوة إنسانية بين البشر فقد أبعد النَّعجة؛ لأن الأخوة إما دينية كما في قوله: } فإخوانكم في الدين {[التوبة: 11].
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 583)
ومثلها الأخوة الإيمانية كما في قوله: } إنما المؤمنون إخوة {[الحجرات: 10]. وإما أخوة في النسب كقوله تعالى: } وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذَّكر مثل حظ الأنثيين {[النساء: 176]. وقوله: } وإلى مدين أخاهم شعيبًا {[الأعراف: 85]. وأما قوله: } كذب أصحب لئيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب {[الشعراء: 176، 177]. ولم يقل: أخوهم؛ لأن أصحاب الأيكة غير مدين، بل هم قوم آخرين، إما تابعون لهم أو مستقلون، المهم أن شعيبا ليس منهم؛ ولهذا لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، بل قال: } إذا قال لهم شعيب {. إذن "على بيع أخيه" يعني: في الدين والإيمان، صورة ذلك: أن يشتري شخص من إنسان سلعة بعشرة ثم يأتيه آخر، ويقول: أعطيك مثلها بتسعة هذه بيع على بيع، أو يقول: أعطيك أحسن منها بعشرة هذا بيع على بيع، ما نقص الثمن، لكن أفضل منها، اختلفت صفة المبيع، هذا بيع على بيع فهذا حرام، وإذا فعل فالبيع باطل لورود النهي عنه بعينه، وكل عقد أو عبادة ورد النهي عنها بعينها فهي باطلة ولا يمكن تصحيحها؛ لأن تصحيحها جمع بين الضدين.
هل البيع حرام سواء كان ذلك في مدة الخيار أو بعد انتهاء مدة الخيار؟ في ذلك خلاف؛ فبعض العلماء يقول: إن النهي خاص فيما إذا كان ذلك في زمن الخيارين: خيار المجلس أو خيار الشرط، ومن العلماء من قال: إنه عام فمن قال بالأول قال: إن علة النهي: لئلا يفسخ البيع ويعقد مع الثاني، فيكون في ذلك حسد على البائع الأول، مثاله: باع زيد على عمرو بيتًا بمائة ألف ريال واشترط الخيار لمدة أسبوع فعلم بكر بالعقد فذهب إلى عمرو وقال: اشتريت بيت فلان بمائة ألف، وقال بكر: لك عندي بيت أحسن منه بثمانين ألف، فذهب فرأى بيته أحسن والثمن أقل، فذهب عمرو إلى زيد وقال: إني رجعت، هل له ذلك؟
له ذلك؛ لأنه في زمن الخيار، زمن خيار المجلس، مثاله: باع زيد على عمرو بيته بمائة ألف ريال وهما جالسان فسمع شخص بذلك فجاء إليهم وهم جلوس وقال: يا فلان، أنا أعطيك بيتي بثمانين ألف ريال، وهي أحسن من فلَّة فلان، قال: إذن رجعت، هذا في زمن خيار المجلس، والأول في زمن خيار الشرط، سيكون بين زيد وبين هذا الداخل عداوة، وسب وشتم، لماذا تفعل أنت مثل الشيطان أنت حسود، ويمكن تصل إلى الضرب، أو تصل إلى السلاح؛ ولهذا نهى الشارع عنه، إذا كان بغرر من الخيارين يعني: بعد أن اشترى الرجل من عمرو البيت وتفرقا ولزم البيع جاء شخص آخر وقال: أنا أبيع عليك بيتًا أحسن منه بثمانين ألفًا فلان غالطك هل يمكن أن يرجع ويفسخ البيع؟ لا، لماذا؟ لأنه انتهى زمن الخيار، ولكن سيكون في قلب المشتري ندم وحسرة ويقول: يا ليتني ما تعجلت، وسيكون في قلبه أيضًا حقد وغل على البائع خدعني غلبني.
والقول الثاني في المسألة يقول: حتى بعد زمن الخيارين، ويرون أن العلة في ذلك هو إيقاع الندم في قلب المشتري، والثاني إلقاء العداوة بينه وبين البائع، ثالثًا: ربما يتحيل فيبحث عن سبب
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 584)
يبيح له الرد والفسخ، أيهما إذن أرجح القول بالعموم أو تقيد ذلك بزمن الخيارين؟ القول بالعموم كما هو ظاهر الحديث: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه".
هل يقاس على البيع الشراء؟ لا يشتر على شراء أخيه؟ نعم، نقول: وكذلك الشراء لا يجوز أن يشتري على شراء أخيه، وصورة الشراء: أن يقول لمن باع انتبهوا للمثال لأجل أن يقرب لكم الموضوع- في صورة البيع أن نقول لمن اشترى، وفي صورة الشراء نقول لمن باع هذا يسهل عليك التصوير، علمت أن زيدًا باع على عمرو بيته بمائة ألف فذهبت إلى من؟ إلى زيد، وقلت: يا فلان، أنت بعت بيتك على عمرو بمائة ألف، أنا أعطيك مائة وعشرين ألفًا، إن كانا في زمن الخيارين المجلس أو الشرط فهو حرام على كلا القولين، وإن كانا بعد انتهاء زمن الخيار فهو حرام على أحد القولين، والصحيح: أن الشراء على شرائه في زمن الخيارين وبعد انتهاء زمن الخيارين سواء.
فإذا قال قائل: لم أدخلتم صورة الشراء والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا بيع"؟
فالجواب من عدة أوجه: أولًا: أن الشراء قد يطلق عليه البيع، ثانيًا: أن الشراء في معنى البيع والشارع لا يفرق بين متماثلين، فإذا حرّم البيع على بيعه حرّم الشراء على شرائه من باب أولى. ثالثًا: أن في رواية مسلم: "ولا يسم على سومه"، والشراء على شرائه أبلغ من السوم على سومه كما سيأتي في شرح السوم.
فإذا قال قائل: هل تلحقون في البيع ما سواه كالإجارة؟
فالجواب: نعم، وذلك من وجهين: إما أن نقول: إن الإجارة بيع المنافع فتدخل في البيع، وإما أن يقال: لا تدخل في البيع، لكن المعنى الذي في البيع موجود في الإجارة، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يؤجِّر على إجارة أخيه، ولا أن يستأجر على استئجار أخيه، أن يؤجر على إجارة أخيه مثل: أن يسمع أن زيدًا آجر عمرًا بألف ريال في السنة فذهب إلى عمرو وقال: أنا أعطيك منزلًا أحسن من هذا بثمانمائة ريال في السنة، هذا إجارة على إجارة، أو يذهب إلى زيد فيقول: أنا أعطيك أجرة ألف ومائتين، هذا استئجار على استئجاره، فصار الآن البيع على البيع والشراء على الشراء والإجارة على الإجارة، والاستئجار على الاستئجار، والسوم على السَّوم كل ذلك محرم، وهل يصح العقد؟ الجواب: لا يصح لا في البيع على بيعه ولا في الشراء على شرائه ولا في الإجارة على إجارته ولا في الاستئجار على استئجاره، ووجه ذلك: أن النهي عائد إلى العقد بنفسه، ولا يمكن أن يرد نهي على مأذون، فيه فإذا ورد نهي عن شيء بعينه صار ذلك الشيء باطلًا لا يصح.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: "ولا يخطب على خطبة أخيه"، "ولا يخطب" يعني: الرجل "على خطبة أخيه" يعني: إذا خطب شخص امرأة فإنه لا يحلّ لرجل آخر أن يذهب ويخطبها من أهلها؛ لأن ذلك عدوان على حق أخيه، والله سبحانه وتعالى يقول: } ولا تعاونوا على الإثم والعدوان {[المائدة: 2].
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 585)
ويقول: } ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين {[البقرة: 190]. وقوله: "لا يخطب على خطبة أخيه" فنقول: فيها مثل ما قلنا في قوله: "على بيع أخيه"، فلو خطب رجل امرأة فلا يجوز للمسلم أن يخطبها، ولو خطب نصراني نصرانية فلا يجوز للمسلم أن يخطبها على خطبته من باب أولى، وقوله: "على خطبة أخيه" بناء على الغالب، وقوله: "لا يخطب على خطبة أخيه" أي: الرجل على خطبة أخيه.
لو كانت المرأة هي الخاطبة على خطبة أختها فهل يجوز؟ لا يجوز، فلو علمت امرأة أن فلانًا خطب فلانة وكانت تريد أن تتزوج، وقالت: أريد أن أفسخ عليه، فهذا لا يجوز، لأن عدوان على حق الغير.
وقد يقول قائل: هناك فرق بين خطبة الرجل وخطبة المرأة؛ لأنه لا يلزم من خطبة الثانية فسخ الأولى؛ لأن بإمكانه أن يجمع بينهما بخلاف الرجل؟
قلنا: نعم، هذا ممكن، لكن من الذي قال: إن هذا الرجل يمكنه أن يأخذ اثنتين فيكون في هذا عدوان.
وقوله: "على خطبة أخيه" يدل على أنه ما دامت الخطبة غير قائمة فله أن يخطب، وكيف تكون غير قائمة؟ إذا ردَّ الخاطب، خطب فلان من جماعة وردوه فهل يجوز أن يخطب الثاني؟ نعم.
لو قال قائل: لا يجوز لاحتمال أن يرجع مرة أخرى؛ لأن بعض الناس إذا خطب وردوه يصبر شهرًا أو شهرين، ثم يعود ما دام له رغبة في المرأة فما تقولون؟
نقول: هذا وارد، لكن ما دام ردَّ في الأصل، فالأصل عدم القبول ما دام ردوه أول مرة لا يقبلوه مرة ثانية، فيجوز أن يخطب الثاني هذه المرأة.
ويستفاد من قوله: "على خطبة أخيه" لو جاءنا فلان الخاطب الأول بأن سمع زيد بأن عمرًا خطب فلانة فذهب إليه وقال: يا فلان، الخطبة هذه أنا راغب فيها، فقال: إذن أنا متنازل، هل يجوز؟ نعم يجوز؛ لماذا؟ لأن الخطبة الآن صارت غير قائمة.
لو أن الرجل خطب المرأة وهي مخطوبة لكنه لم يعلم فهل يجوز؟ يجوز؛ لأن لا يعلم ولأن الحديث: "لا يخطب على خطبة أخيه"، وهذا ما خطب على خطبة أخيه؛ لأنه لا يعلم أن أخاه قد خطب، فإن علم أنه خطب، لكن لا يعلم هل ردوه أم قبلوه فهل له أن يخطب؟ ليس له أن يخطب، وهذا هو الصحيح، خلافًا لمن قال: إن هذا خاص فيما إذا قبلوه، وأما إذا لم يعلم فله أن يخطب، والحاصل أن خطبة الرجل الأول إما أن يقبل أو يرد أو لا يدرى حاله، فإن قبل فلا إشكال فيه وإن رد فالخطبة جائزة، ولا إشكال فيه وإن لم يعلم هل ردوه أو قبلوه فقد اختلف على قولين، والصحيح أنه لا يخطب؛ لأن الخطبة قائمة، وقد يكون في إرادتهم أنهم سيوافقون لولا خطبة الثاني، فالصحيح إذا كان لا يدرى حاله فلا يجوز أن يخطب عليه، فإن أذن فإنه جائز؛ لأن الحق له وقد أذن فيه، وإن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 586)
جهل الثاني خطبة الأول جائز أيضًا، وعلى هذا يحمل خطبة أسامة وأبو جهم ومعاوية، ثلاثة خطبوا امرأة واحدة [على عدم العلم] المهم أن نقول مع العلم لا يصح، ولكن إذا أذن هل يجب عليه أن يسحب الخطبة أو له أن يبقى، أو تقول: إن هذا الرجل خطب على وجه مباح فا يلزمه؟ [نقول: اسحب الخطبة وابحث لك على بيت آخر].
ثم قال: "ولا تسأل المرأة" لما ذكر حق الرجل على الرجل، ذكر حق المرأة على المرأة، فقال: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها" يعني: أختها؛ أي: في الدَّين.
يؤخذ من هذا الحديث من قوله: "ولا يبع": أن الرسول نهى عن هذا، والمراد بالأخت: الأخت في الدّين.
فهل نقول: إن هذه لو سألت طلاق امرأة نصرانية تزوجها مسلم هل هو جائز؟ نقول: لا؛ لأن هذا بناء على الغالب.
قال وفي رواية لمسلم: "ولا يسم"، "لا" هذه ناهية، لأنها جزمت الفعل، "ولا يسم المسلم على سوم أخيه"، السَّوم: تقدير الثمن من المشتري وهو معروف، ولكن السوم على نوعين: سوم يزاد فيه، وسوم يطمئن إليه البائع، أما الأول الذي فيه زيادة كل من البائع والمشتري يتساومان، هذا يقول: بعشرة، والثاني يقول: بإحدى عشر، وهكذا، لكن إذا استقر البائع والمشتري، ولم يبق إلا موجب العقد، فإنه لا يجوز لأحد أن يتقدم إلى البائع، لأن البائع قد رضي، أما لو قال البائع: من يزيد، أو بعد أن ركن إليه سمع أن فلانًا يزيد السلعة فذهب فطلب زيادة فهذا لا بأس به.
في هذا الحديث فوائد: أولًا: تحريم بيع الحاضر على البادي لقوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لبادٍ"، والأصل في النهي التحريم، لكن الفقهاء رحمهم الله كما عرفتم جعلوا لذلك شروطًا، ومنها ما ذكره ابن عباس رضي الله عن: "ألَّا يكون له سمسارًا".
ثانيًا: أنه لو باع حاضر لباد فلا يصح، لماذا؟ لأن النهي عائد إليه، وما عاد النهي إليه فلن يكون صحيحًا، لكن بعض أهل العلم صحح البيع وقال: إن النهي هنا لا يعود إلى معنى يختص بالبيع، وإنما يعود إلى حق البائع أو البيع، ولكن الصحيح أن البيع لا يجوز؛ لأنه قد ورد النهي عنه، وما ورد النهي عنه فلن يكون مقبولًا لقول صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
ومن فوائد الحديث: تحريم النَّجش لقوله: "ولا تناجشوا"، فإذا وقع النَّجش ثم بيع على من نجش عليه فهل البيع صحيح؟ الجواب: نعم، إذ أن النهي ليس عن البيع بل عن النَّجش، لكن للمنجوش إذا غرَّر به أن يرجع يعني: له الخيار، يعني لما رأى هذا الرجل يزيد في السلعة،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 587)
وهو رجل له خبرة ظن أن السلعة لا تقل عن هذا الثمن، فلما تبين له بعد ذلك أنه نجش يثبت له الخيار لأنه قد غرر به.
ومن فوائد الحديث: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه لقوله: "ولا يبع الرجل على بيع أخيه"، وعرفتم في الشرح هل يدخل فيه لقوله: "أخيه" الذمي، أو لا يدخل، فيه خلاف، والصحيح أنه لا يدخل.
هل يلحق بالبيع الشراء؟ نعم، لأننا إن قلنا بأن البيع يكون مشتركًا بين البيع والشراء فالأمر واضح، وإن قلنا بأن البيع خاص بالبيع، والشراء له معنى مستقل فإنه يكون خاص بالبيع، وهل يقاس على البيع الإجارة؟ نعم، وجميع العقود، لأن العلة واحدة وهي العدوان على حق الغير.
ومن فوائد الحديث: تحريم الخطبة على خطبة المسلم لقوله: "ولا يخطب على خطبة أخيه"، ونقول: في الذّميّ ما قلنا في البيع.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا ردّ الخاطب أو أذن أو كان الخاطب الثاني جاهلًا، فلا تحريم؛ لأن الخطبة تكون غير قائمة، ونقول في الخطبة على خطبة الذّميّ ما قلنا في البيع على بيعه، والصحيح أنه لا يجوز؛ لأنه عدوان، والذمي له حق، وهل يقاس على ذلك خطبة المرأة على خطبة المرأة؟ نعم؛ لأنه عدوان.
ومن فوائد الحديث: تحريم سؤال المرأة طلاق أختها لقوله: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها"، ولكن هل هذا التحريم خاص بما إذا أرادت قطع رزقها لقوله: "لتكفأ ما في إنائها"؟ الجواب: نعم، إن قلنا: اللام للتعليل فهو مختص بها، وإن قلنا: اللام للعاقبة لم يكن مختصًا بها، ومن تأمل عموم النصوص تبين له أن اللام للعاقبة، وأنه حتى وإن لم تطلب قطع رزقها فإنما قصدت الإضرار بها، فإن سؤال الطلاق حرام.
ومن فوائد الحديث: بيان ضعف قول من قال من أهل العلم: إن المرأة إذا تزوجت بشرط أن يطلق الزوج زوجته الأولى، فالشرط باطل خلافًا للمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله لأنهم يقولون بجواز ذلك مع أنه قول مخالف للنص، وإذا فرض أن هذا الشرط باطل وتزوجت على هذا الشرط، ولكنه بعد أن تزوج قال: هذا الشرط باطل ولم أطلق الأولى، فهل للزوجة الثانية الجديدة فسخ النكاح؟ فيه تفصيل: إن كانت لا تعلم حكم الشرع فلها الفسخ ولا يمكن أن نعاقبها بأمر لم تعلم به، وإذا أخبرت أن هذا حرام فإنه ليس لها الفراق، ولكن هل لنا أن نعزِّره؟ فيه تفصيل: إذا كان يعلم بالحديث فإنه يؤدِّب؛ لأنه غرر.
سألت المرأة طلاق أختها لمصلحتها بأن تكون المرأة قد سئمت من زوجها، وجاءت المرأة الأخرى وقالت: أنا أطلب لها الطلاق فهل يجوز؟ جائز بل قد يكون محمودًا؛ لأن فيه إنقاذًا لها مما هي عليه من سوء العشرة.
لو سألت طلاق أختها لمصلحة الزوج وليس لمصلحة الزوجة؟ ينظر هذه امرأة تزوجت رجلًا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 588)
فأخذت تطلب منه كل يوم نوع من الأرز نوع من الخبز نوع من اللباس، والزوج هذا كالشاة مع الراعي، فأرادت الأخرى أن تنقذ الزوج من هذه المرأة، فذهبت تطلب الطلاق هل يجوز؟ هو جائز، بل قد يكون محمودًا؛ لأن فيه إنقاذًا لهذا الرجل المغلوب على أمره.
إذن نقول: إذا سألت المرأة طلاق أختها فلا يكون إلا في ثلاث حالات: الأولى: أن يكون لمصلحة الزوج أو لمصلحة المرأة وهذا جائز، أن يكون بقطع رزق المرأة هذا لا يجوز، بل حرام؛ لأنه إضرار بالمرأة إذا سأل الرجل طلاق المرأة من زوجها كرجل سأل زوجًا أن يطلق زوجته؟ إذا كان لمصلحة الزوج فجائز، أما إذا كان لمصلحة الزوجة فلا يجوز، أو لقطع رزق المرأة فلا يجوز، إذا كان لغرض السائل هو نفسه يريدها فهذا حرام، وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله من سأل من رجل خلعه امرأته ليتزوج منها، إذا كان الشارع نهى عن خطبة المرأة فكيف يكون ذلك؟
وقوله: "لا يسم المسلم"، "يسم" هذا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين؛ لأنه لا يمكن أن يحذف حرف من وسط الكلمة من أجل الجزم؛ أي: لا يمكن أن يكون عامل الجزم هو الذي حذفها إنما يحذف الحرف للجزم من آخر الكلمة، فالعلة هنا لالتقاء الساكنين؛ لأنه إذا جزم الفعل صار آخره ساكنًا فلا يستقيم آخر ساكن مع الواو -حرف علة- فتحذف، المهم "لا يسم على سومه" يعني: أنه إذا سام المسلم شيئًا وركن البائع إليه فإنه لا يجوز لشخص آخر أن يأتي ويزيد عليه؛ لأن البائع قد ركن إليه، أما إذا كانت المسألة من باب المزايدة فإن هذا جائز بإجماع المسلمين، وليس فيه حرج، يعني: رجل يعرض سلعة ويقول: من يسوم، من يسوم، فقام آخر وقال: أنا أسومها بعشرة، فهل يجوز أن أزيد عليه وأقول: بإحدى عشر؟ نعم يجوز ذلك، وكذلك لو أن البائع هو الذي عرضها، فإنه لا بأس أن أزيد على من سامها أولًا، أما إذا رأيت أن البائع قد اطمأن ولم يبق عليه إلا أن يوجب البيع، فإنه لا يجوز لي أن أسوم على سومه، لما في ذلك من العدوان على حقه؛ ولأن هذا يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين.
وهل مثل ذلك السوم على السوم في البيع؟ يعني بأن يجد شخصًا يريد أن يشتري شيئًا، وقد ركن إلى قول البائع، ولم يب عليه إلا أن يوجب البيع، فيأتي إنسان آخر فيقول: أنا أعطيك مثله أو أكثر منه؟ فالجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة، وهي العدوان على حق الغير، ولكن في مسألة السوم لو أنه عقد البيع مع الذي سام على سوم أخيه فهل يصح؟ الجواب: نعم؛ لأن النهي عن السوم، وأما في البيع على بيعه أو الشراء على شرائه فإنه لا يصلح البيع؛ لأن النهي وارد على نفس العقد، وقد سبق لنا قاعدة مهمة في هذا الباب وهو أن النهي إذا عاد إلى ذات الشيء فإنه لا يمكن أن يقع صحيحًا من أجل التضاد، وأما إذا عاد النهي إلى أمر خارج فإنه يأثم ولكن يصح العقد.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 589)
حكم التفريق بين ذوي الرحم في البيع:
777 - وعن أبي أيُّوب الأنصاريِّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من فرَّق بين والدة وولدها، فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة". رواه أحمد، وصحَّحه التِّرمذيُّ والحاكم، ولكن في إسناده مقال وله شاهد.
778 - وعن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما، ففرَّقت بينهما، فذكرت ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: أدركهما، فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعًا". رواه أحمد، ورجاله ثقات، وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبَّان، والحاكم، والطَّبرانيُّ، وابن القطَّان.
هذان الحديثان موضوعهما واحد وهو: التفريق بين ذوي الرحم في البيع أيجوز أم لا، وهذا الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من فرَّق بين والدة وولدها … إلخ" وهذا ضعيف، والوعيد يدل على التحريم، وأن هذا من كبائر الذنوب، مثاله: رجل عنده أنة مملوكة ولها ولد مملوك، وكيف يمكن أن يكون ولده مملوكًا؟ بأن يزوجها من عبد أو من حر يعلم أنها مملوكة، فإذا زوجها من عبد فأولادها مماليك لسيد الأمة، وإذا زوجها من حر وأخبره بأنها أمة فكذلك يكونون أولادها مماليك لسيدها، المهم أن عنده والدة وولدها كلاهما رقيق له فباع الوالدة دون الولد، فإن ذلك لا يجوز، والبيع حرام بل من كبائر الذنوب، ولكن هل يقع البيع صحيحًا؟ الجواب: لا، بل يقع البيع فاسدًا أو يجب عليه أن يرده كما يدل على ذلك حديث عليّ وهو مقتضى القاعدة التي ذكرناها آنفًا، وهو إذا عاد النهي إلى نفس العقد أو نفس العبادة فإنه لا يمكن أن يكون صحيحًا للتضاد؛ لأن النهي يقتضي الفساد فكيف يصح المنهي عنه مع نهي الشارع عنه؟
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 590)
من فوائد الحديثين: تحريم التفريق بين ذوي الرحم في البيع وهو من كبائر الذنوب لوجود الوعيد على ذلك، وكبائر الذنوب كل ما فيه وعيد خاص سواء كان هذا الوعيد بالنار أو الغضب أو اللعنة أو البراءة منه أو نقي الإيمان أو نفي الإسلام أو غير ذلك، وكذلك كل ما فيه عقوبة خاصة من قبل الشرع في الدنيا فإنه من كبائر الذنوب، مثل الزنا واللواط وغيرها، وما ليس كذلك وإنما فيه النهي أو التحريم أو نفي الحل فإن ذلك ليس من كبائر الذنوب.
هل يقاس على الوالدة العمة والخالة؟ إذا نظرنا إلى حديث عليّ قلنا: إنها تقاس العمة والخالة؛ لأن في حديث على تحريم التفريق بين الأخوين، وأخذ العلماء من هذا والذي قبله قاعدة، وقالوا: لا يجوز التفريق بين ذوي الرحم في البيع، وإذا قلنا: ما هو الضابط؟ فالضابط أنه لو قدر أن أحدهما ذكر لم يحل أن يتزوج الآخر لقرابته منه فإنه لا يجوز التفريق بينهما، فالعمة وابن أخيها لا يجوز التفريق بينهما؛ لأنه لا يحل التناكح بينهما وابن العم وابن عمه يجوز التفريق بينهما، لماذا؟ لأنه لو كان أحدهما أنثى لجاز أن يتزوجه الآخر، أمُّ وابنتها من رضاع يجوز؛ لأن العلة ليست الرحم ولكن الرضاع.
نعود إلى القاعدة فنقول: كل مملوكين لو قدر أن أحدهما ذكر لم يحلّ للآخر أن يتزوجه للقرابة فإنه لا يجوز التفريق بينهما، فإن وقع التفريق فالواجب ردّ البيع، كما يدل عليه حديث عليّ بن أبي طالب.
يستفاد من الحديثين: رحمة الله عز وجل بعباده؛ حيث حرّم التفريق بين ذوي الرحم؛ لأنه لا شك أنه يلحق ذوي الرحم بهذا التفريق من التعب والمشقة، ولاسيما بين الأم وولدها ما لا يحتمل أحيانًا، فمن رحمة الله أن حرّم التفريق بينهما.
ويستفاد من حديث عليّ: وجوب رد البيع إذا كان باطلًا لقوله: "أدركهما فارتجعهما"، وهكذا كل عقد باطل، فإنه يجب أن يردّ، وكل فسخ باطل فيجب أن يرد، العقود كثيرة والفسوخ مثل: الطلاق في الحيض، فإن الطلاق أحلّ قيد النكاح، فإذا وقع في الحيض وجب رده وإبطاله وعدم احتسابه، وإذا بقيت المرأة ولم ترد فإنها باقية في عصمة الزوج الذي طلقها؛ لأن الطلاق في الحيض على القول الراجح غير واقع؛ لأنه على خلاف أمر الله ورسوله.
إذا قال قائل: إلى متى يكون هذا الحكم، هل نقول: إن هذا الحكم يمتد إلى أن يملك أحدهما نفسه، يعني: إلى أن يكبر الصبي أو الصبية أو إلى ما لا نهاية له؟ فيه خلاف؛ فمنهم من أخذ بظاهر الحديثين، وهو أنه لا فرق بين الصغير والكبير، ومنهم من قال: إنه يفرق بين الصغير والكبير، وأن حد ذلك أن ينفصل الصغير عن الكبير، بحيث لا يحتاج إليه، فإن الغلامين اللذين في حديث علي صغيران بلا شك، لأن الكبير لا يقال له "غلام" إلا من باب التجوز كأن يكون مملوكًا،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 591)
فيقال: غلام وأمة أو عبد وأمة، والأقرب التقييد، لأنهما إذا انفصلا بعضهما عن بعض، واستغنى بعضهما عن بعض، فإن الرِّقة والرحمة التي تكون بينهما -في الغالب- تزول، ولهذا لا تجد الرقة والحنان والرأفة الذي في قلب الأم لولدها في حال صغره مساوية لذلك فيما إذا كبر، فنقول: متى كان هذا الغلام محتاجًا إلى الأم لولدها في حال صغره مساوية لذلك فيما إذا كبر؟ فمتى كان هذا الغلام محتاجًا إلى أمه أو إلى أخيه أو إلى عمه والرأفة والحنان باق، فإنه لا يجوز التفريق وأما بعد البلوغ واستقلال كل واحد منهما بنفسه، فإنه لا يحرم التفريق.
وهذا التفريق في البيع خاصة أو حتى في العتق؟ الجواب: في البيع خاصة، أما في العتق فيجوز أن يعتق الأم ويدع الولد، أو يعتق الولد ويدع الأم، لأنه لا ضرر في هذا؛ إذا إن الحر يملك نفسه، فإذا أعتقه فبإمكانه أن يرجع إلى أمه ويبقى معها؛ لأنه ليس ملكًا لأحد.
وهل يشمل الحديث التفريق بين الوالدة وولدها من البهائم؟ قال بعض العلماء بالعموم، وأنه لا يجوز أن يبيع السخلة دون أمها ولا أم السلخة دون السخلة، ولكن هذا فيه نظر؛ إذ هل نقول: لا تذبح الأم دون السخلة ولا السخلة دون الأم وهذا لا شك أنه خلاف ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والصواب: أن هذا خاص في بني آدم فقط، وأما البهائم فا بأس، لكن يمنع من أن يذبحها أمام أمها.
حكم التسعيرة:
779 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "غلا السِّعر بالمدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النَّاس: يا رسول الله، غلا السِّعر، فسعِّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ الله هو المسعِّر، القابض، الباسط، الرَّازق، وإنِّي لأرجو أن القى الله تعالى، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال". رواه الخمسة إلا النَّسائيَّ، وصحَّحه ابن حبَّان.
قوله: "غلا السعر" أي: ارتفع وزاد، يقال: غلا يغلو وكل هذه المادة الام والغين والألف أو الواو كلها فيها نوع من الزيادة: } كالمهل يغلى في البطون (45) كغلى الحميم {[الدخان: 46]. والغليان فيه ارتفاع وزيادة، "غلا السّعر" يعني: ارتفع وزاد فيه أيضًا زيادة، و"السعر": قيمة الأشياء، يعني مثلًا صاع البر بكذا، وصاع التمر بكذا، وصاع الأقط بكذا؛ لأنه إذا سعر فلن يزيد أحد على تسعيره، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال أن ذلك ليس إليه؛ لأن من بيده ملكوت السموات
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 592)
والأرض هو الله عز وجل فقال: "إن الله هو المسعّر" يعني: هو الذي بيده الأمر إن شاء عز وجل أغلى السِّعر وإن شاء أرخص السعر، كيف ذلك؛ لأن سبب الغلاء إما زيادة في نمو الناس، وإما نقص في المحصول، وإما جشع وطمع، وكل ذلك بيد الله عز وجل الزيادة في النمو بيد الله، وكذلك أيضًا النقص في المحصول والزيادة فيه بيد الله، ومعلوم أنه إذا نقص المحصول زاد السعر، أو يكون من باب الطمع والجشع، وهذا أيضًا بيد الله؛ لأن الطمع والجشع من فعل الإنسان، والله تعالى خالق للإنسان وخالق لفعله، ولهذا قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو المسعر"؛ لأنه هو الذي يفعل أسباب الزيادة وأسباب النقص، القابض الباسط، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: } يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر {[الروم: 37]. فهو "القابض": الذي يقبض الشيء ويقلله، وهو "الباسط" الذي يبسطه ويوسعه ويكثره، وهذا من جملة أفعاله عز وجل: } والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون {[البقرة: 245]. قال: "الرازق" يعني: المعطي، والرازق في الأصل العطاء، كما قال الله تعالى: } فارزقوهم منه {[النساء: 8].} وارزقوهم فيها {[النساء: 5]. أي: أعطوهم، ورزق الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: رزق مادة الحياة الجسدية، ورزق مادة الحياة الروحية، فالأول يكون بالطعام والشراب والكسوة والسكن، والثاني يكون بالعلم والإيمان.
وعلى هذا فنقول: من ليس له كسب إلا المحرم كالمرابي هل الله رازقه؟ الجواب: نعم، رازقه بالمعنى الأول، أما بالمعنى الثاني فلا شك أنه ناقص الإيمان؛ لأنه لو كان إيمانه كاملًا ما انتهك محارم الله عز وجل في الربا.
الكافر مرزوق بأي المعنيين؟ بالمعنى الأول؛ لأن الله رزقه ما يقوم به جسده، أما ما يقوم به قلبه من العلم والإيمان فإنه مفقود؛ لأن علمه إن كان عنده علم ينتفع به وإيمانه معدوم.
يقول: "وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال"، الرجاء: هو الطلب النفسي مع وجود أسباب حصول المطلوب، إذن فهو في الأمور الميسورة، والتمني في الأمور المتعذرة، أو المتعسرة، لكنه طلب كالرجاء، لكن الرجاء يكون في الأمور القريبة، والتمني في الأمور البعيدة، وقوله: "إني لأرجو أن ألقى الله تعالى"، ومعنى "تعالى" أي: ترفّع، وتعاليه عز وجل معنوي وحسِّي، أما تعاليه المعنوي فهو أنه سبحانه وتعالى متعال عن كل نقص، وأما الحسي فهو متعالٍ على جميع الخلق كما قال تعالى: } الكبير المتعال {[الرعد: 9].
يقول: "وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة"، يعني: يكون له عندي مظلمة ويجوز مظلمة، "في دم ولا مال"، "في دم" كالاعتداء على الناس، "ولا مال" كالاعتداء على المال، هذا الحديث القصة فيه واضحة وهي أن الصحابة لما غلا السعر ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم -باعتباره ذا السلطة والإمامة- أن يسعَّر لهم، فامتنع النِّبي صلى الله عليه وسلم وبيَّن أن الأمر بيد الله عز وجل، وأن التسعير على الناس نوع من الظلم، ورجا الله عز وجل أن يلقاه وما أحد منهم يطلبه بمظلمة في دم ولا مال.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 593)
فيستفاد منه فوائد: أولًا: أن غلاء السعر سبب للقلق؛ أي: قلق الناس واضطرابهم، وهو كذلك لما فيه من ضيق القوت.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن رخص الأسعار فيه توسعة للناس وانبساط، ولكن اعلم أن رخص الأسعار قد يكون أحيانًا ضررًا على آخرين ولكن العبرة بالعموم، فرخص الأسعار مثلًا في المنتوجات قد يتضرر به المنتجون، لكن عامة الناس ينتفعون به، والمصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، ألا ترى إلى المطر يعتبر من رحمة الله ويفرح الناس به وقد يكون ضررًا على بعض الناس كالمزارع لا يحب المطر؛ لأنه قد أسقى زرعه آخر تسقية، وإذا أسقاه آخر، فربما يتضرر الزرع بما يأتي بعد ذلك من الماء، أو يكون شخص قد بنى بنيانًا ولم ييبس، فإذا جاء المطر ضره وهدم بنيانه .... إلى غير ذلك من المسائل التي يكون فيها المطر ضررًا، لكنه ضرر مغتفر؛ لأن قليل في جانب النفع العام.
ومن فوائد الحديث: أن الصحابة رضي الله عنهم يشكون الأمور التي تقلقهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم رجاء أن يعالجها بنفسه أو بدعاء الله سبحانه وتعالى الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعوا الله أن يغيثنا، هذا طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم علاج هذا الموقف بدعاء الله، وهنا الصحابة طلبوا علاج الموقف بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول تبرأ من ذلك.
ومن فوائد الحديث: إثبات أن الله عز وجل هو الذي بيده الأمور دون غيره؛ لقوله: "القابض، الباسط، الرازق"، وهذا يقوله النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو أحق الناس بأن يكون له شيء من التكبر لو كان لأحد من المخلوقين شيء من التكبر، فإذا انتفى هذا الأمر بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فانتفاؤه بالنسبة لغيره من باب أولى، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يعلَّق قلبه بأحد إلا بالله.
ومن فوائد الحديث: وصف الله بأنه مسعّر؛ لأن التسعير نوع من أنواع فعله سبحانه، فهو الذي يسعر الأشياء، ويقدر قيمتها بما يقدره من الأسباب، وقد ذكرنا أسباب الغلاء قبل قليل بأنها ثلاثة: زيادة النمو، قلة المحصول، الجشع والطمع.
ومن فوائد الحديث: وصف الله عز وجل بالقابض والباسط لقوله: "القابض، الباسط".
ومن فوائد الحديث: وصفه بالرازق، فهل هذه أوصاف وصف الله بها؛ لأنها من أنواع أفعاله أو هي أسماء؟ يحتمل أن تكون أسماء من أسماء الله؛ لأنها دخل عليها "أل"، ويحتمل أن تكون أوصافًا؛ لأنا أنواع من الفعل، فهي كالضحك والغضب والسخط والرضا، فهي أنواع من الفعل فلا تكون من أسماء الله؛ ولهذا لم يأت شيء منها في القرآن إلا بلفظ الفعل:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 594)
} يقبض {، } ويبصط {، أما الرازق فجاءت في قوله تعالى: } والله خير الرزقين {[الجمعة: 11]. لكن الرزاق هنا غير الرزاق لأنه قال: } خير الرزقين {، والمفضل غير المفضل عليه، لكن جاءت في القرآن اسمًا بلفظ: "الرزاق"، وفرق بين الرازق والرزاق؛ لأن الرزاق نسبة وصيغة مبالغة بخلاف الرازق.
ومن فوائد الحديث: تحريم التسعير لقوله: "وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة"، وهذا يدل على أن التسعير ظلم؛ لأن فيه احتكار للسلعة، فإذا سعَّر ولي الأمر، وقال: لا يباع إلا بكذا، هذا لا شك أن فيه احتكار؛ لأن الأشياء قد ترتفع مؤنتها، ويحتاج البائعون إلى زيادة الثمن، وهذا كله بيد الله، ولكن في هذا تفصيل، فإن كان سبب الغلاء احتكار الناس وطمعهم فإن الواجب على ولي الأمر أن يسعر، وإن كان سبب الغلاء زيادة النمو أو قلة المحصول فهذا ليس بفعل الإنسان فلا يجوز لولي الأمر أن يسعر، وإنما عليه أن يوفر ما يحتاجه الناس إذا أمكنه ذلك.
إذ قال قائل: ما دليلكم على أنه إذا كان سبب الغلاء احتكار الناس فإنه يجوز التسعير؟
قلنا: دليلنا الحديث الذي بعده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحتكر إلا خاطئ"، وإذا كان لا يحتكر إلا خاطئ دلّ هذا على أن الاحتكار حرام، لأن الخاطئ مرتكب الإثم عن عمد، والمخطئ مرتكب الإثم عن غير عمد؛ ولهذا يعفى عن المخطئ ويعاقب الخاطئ، قال الله تعالى في سورة العلق: } ناصية كذبة خاطئة {[العلق: 16]. وقال تعالى: } ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا {[البقرة: 286]. واسم الفاعل من} أخطأنا {: مخطئ؛ لأنه رباعي، واسم الفاعل من خطئ: خاطئ، فالخاطئ آثم، والمخطئ غير آثم، إذن المحتكر خاطئ آثم، وإذا كان آثمًا وجب أن ترفع هذا الربح، فإذا كان سبب الغلاء احتكار الأغنياء وجب أن يسعّر عليهم ولا يجوز أن تطلق لهم الحرية في الاحتكار، إذن التسعير فيه تفصيل إذا كان سببه احتكار الأغنياء وجب التسعير، وإذا كان سببه كثرة النماء أو قلة المحصول فإنه يحرم التسعير؛ لأن هذا ليس بفعل أحد بل هو بفعل الله عز وجل.
الاحتكار:
780 - وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحتكر إلا خاطئ". رواه مسلم.
"الاحتكار" بمعنى: حبس الشيء وإمساكه، والمراد "لا يحتكر" يعني: لا يحوز الشيء ويمنعه عن البيع "إلا خاطئ" والاحتكار نوعان: احتكار بمعنى الحبس حبسًا مطلقًا بحيث لا يبيع كل من
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 595)
جاءه يطلب منه السلعة أبى أن يبيع، والثاني: احتكار مقيد؛ أي: أنه يحتكر السلع إلا بثمن يرضاه هو وإن كان فوق ثمن العادة، وكلاهما خطأ.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ" و "الخاطئ" هو مرتكب الخطأ عمدًا وقصدًا، وعكسه المخطئ فإنه مرتكب الخطأ من غير عمدٍ؛ إذن المحتكر خاطئ؛ أي: مرتكب للخطأ عن عمد، وإذا كان خاطئا، فإن الواجب ردّه إلى الصواب، وذلك بأن يسَّر عليه، فإن كان منع بالكلية أجبر على البيع، وإن كان قد منع من أجل السِّعر الذي يرضاه هو أجبر على البيع بسعر المثل، ثم إنَّ ظاهر الحديث عموم الاحتكار في كل شيء، وقيّده بعض أهل العلم بالأشياء التي تكون ضرورية يضر الناس احتكارها، أما الأشياء التي ليست ضرورية فإن للإنسان أن يحتكرها كالأمور الكمالية، والصواب: العموم، لأن الكماليات والضروريات أمرها نسبي، فقد يكون هذا الشيء كماليًا عند قوم، ضروريًا عن آخرين، ولا يمكن انضباط هذا الشيء.
فنقول: كل شيء يحتكره الإنسان مما يباع في الأسواق، فإنه يعتبر خاطئًا: "لا يحتكر إلا خاطئ" ثم إن ظاهر الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون المحتكر واحدًا يشتري كل ما في السوق، ثم يحتكره أو جماعة تحتكر هذا الشيء وتتفق على أنها لا تبيعه إلا بسعر معين وهو لا يوجد عند غيرهم. كالخبازين والجزارين، قال الخبازون: سنتفق على أن نبيع الخبز ثلاثًا بالريال، ولكنهم يربحون إذا باعوا أربعًا بالريال، قال الجزارون: سنتفق على أن نبيع الكيلو بعشرين ريالًا، وهم يربحون إذا باعوا بخمسة عشر ريالًا، هؤلاء محتكرين يجب على ولي الأمر أن يجبرهم على البيع كما يبيع الناس.
فإذا قال قائل: لا يوجد أحد يبيع هذه السلع إلا هؤلاء الناس؟
قلنا: حينئذ يقدِّر ولي الأمر رأس المال ويقدر الربح ويقدر المؤنة والنفقة التي تترتب على إصلاح هذا الشيء، ثم يضيف إليها نسبة معينة تكفي في الربح غالبًا، مثلًا يقول: نقدِّر قيمة الدقيق، قيمة العمال، قيمة الوقود، قيمة أجرة المكان، ثم نقدر نسبة أخرى تضاعف إلى هذه القيمة تكون مقاربة، ويجبر الناس على البيع، على هذه الصفة من ذلك الآن ما يوجد بالصيدليات حيث قدِّرت قيمة الأدوية صار الناس لا يتلاعبون، ولهذا نجد الشيء الذي لم تقدر قيمته نجد فيه تلاعبًا كثيرًا، تدخل على صاحب المحل وتقول: بكم هذه السلعة؟ فيقول: بمائة، وتدخل على جاره تقول: بكم السلع هذه؟ يقول: بخمسين إلى هذا الحد، يعني: الفرق النصف والسلع واحدة، والسوق واحد ..... كل هذا بسبب الاحتكار، وغالب المشترين لا يعرفون الأسعار، فيشترون كيفما استقر، بل إنه من العّجب العجاب أن بعض الناس يشتري السلعة بثمن زهيد، ثم يعرضها للبيع ويقول: إن ذكرت ثمنها وربحها معتادًا، قال الناس: هذه سلعة بائرة، وإن رفعته وقلت: سعر الثمن كذا وكذا، قالوا: هذه سلعة جيدة، يقولون: إنهم يشترون هذه السلعة من البلد الآخر بعشرة ويبيعونها في هذا السوق
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 596)
بخمسين، بل بثمانين لماذا؟ قالوا: لأني لو أقول: هذه السلعة بخمسة عشر قالوا: هذه السلعة بائرة، فهل يجوز لهذا الرجل أن يفعل هذا الفعل؟ نقول: إن في هذا ضررًا على الناس، والواجب على أهل الحسبة في الأسواق أن ينظروا، فإذا كانت القيمة خمسة عشر مشوا إلى البائعين الآخرين، وإذا كانوا قد رفعوا القيمة عن هذا المعتاد أجبروهم على أن ينزلوا القيمة، حتى يعرف الناس أن كل الذي في السوق على حدّ سواء، وغالب الناس بما يصنعون أو يشاهدون -كما يقول العامة: هذا عقله في عيونه- إذا سمع أن الثمن كثير، قال: هذه السلعة جيدة وإذا كان الثمن قليلًا -حتى لو كانت السلعة جيدة- قال: هذه بائرة ليست بشيء.
هذا الحديث أتى به المؤلف رحمه الله بعد حديث أنس ليستدل به على أنه إذا كان سبب الغلاء احتكار الناس، أي: الناس الذين احتكروا ويجب أن يسعر عليهم، وأن يبيعوا بربح مناسب.
من فوائد الحديث: تحريم الاحتكار لقوله: "لا يحتكر إلا خاطئ".
ومن فوائده أيضًا: عموم تحريم الاحتكار في أي شيء؛ لأن الحديث مطلق لم يقيّد.
ومن فوائده أيضًا: وجوب النُّصح للمسلمين؛ لأن الاحتكار على خلاف النصيحة، والواجب على المؤمن أن ينصح لإخوانه المؤمنين، وألا يحتكر عليهم السلع التي يريدونها.
ومن فوائد الحديث: أن الذي يبيع كما يبيع الناس ويسهِّل للناس فإنه مصيب، وأخذ هذا من إثبات الخطأ للمحتكر، فيكون من وسّع على الناس وبذل الشيء مصيبًا ليس بخاطئ.
بيع الإبل والغنم المصرَّاة:
781 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النَّظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها وصاعًا من تمرٍ". متَّفق عليه.
-ولمسلم: "فهو بالخيار ثلاثة أيَّام".
-وفي روايةٍ له علَّقها البخاريُّ: "وردَّ معها صاعًا من طعام لا سمراء"، قال البخاريُّ: والتَّمر أكثر.
"لا تصرُّوا" "لا" ناهية، و"تصرُّوا" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، وهي مروية بوجهين: "تَصرُّوا"، و"تُصرُّوا" والأرجح الأخير، مأخوذة من التَّصرية وهي الجمع.
وقوله: "الإبل والغنم" أي: لبن الإبل والغنم، وكانوا يجمعون لبنها في ضروعها ليظن من رآها
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 597)
أنها كثيرة اللبن، فيشتريها بزيادة، فنهاهم النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأن ذلك غش وخديعة وخيانة، وهو عند الفقهاء من باب التدليس، وهو إظهار الردئ بصفة أجود مما هو عليه في الواقع، وقوله: "الإبل، والغنم"، "الإبل" اسم جامع لا واحد له من لفظه، لكن له واحد من معناه، واحده بعير، والغنم واحده الغنمة، وتشمل الضّأن والمعز.
قال: "فمن ابتاعها بعد" أي: فمن اشتراها، "بعد" أي: بعد التّصرية وبنيت "بعد" على الضم؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوى معناه، وقد مرّ بنا أن "بعد"، و"قبل" وأخواتها لها أحوال، فتارة تبنى على الضم، وتارة تعرب بالتنوين، وتارة تعرب بلا تنوين، متى تعرب بلا تنوين؟ إذا أضيفت لفظًا أو تقديرًا، وتعرب بتنوين إذا قطعت عن الإضافة لفظًا وتقديرًا، وتبنى على الضم إذا قطعت عن الإضافة لفظًا لا تقديرًا؛ يعني: من أنه يحذف المضاف إليه وينوى معناه.
وقوله: "فهو بخبر النظرين" يعني: فهو بما يرى أنه خير له من أي شيء، قال: "إن شاء أمسكها وإن شاء ردَّها"، "وصاعًا من تمر"، وقوله: "بعد أن يحملها"، لم يذكر أمر الخيار في هذه الرواية، لكن قال: ولمسلم: "فهو بالخيار ثلاثة أيام"، وفي رواية علّقها البخاري ورد معها: "صاعًا من طعام لا سمراء"، قال البخاري: "والتمر أكثر".
في الحديث: "نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم، النهي يقتضي التحريم، فيستفاد من ذلك: تحريم تصرية الإبل والغنم؛ أي: جمع اللبن في ضروعها.
وهل يلحق بالإبل والغنم ما سواهما؟ الجواب: نعم، مثل البقر والجاموس وغيره.
وهل يلحق بمباح الأكل محرم الأكل كالأتان يعني الحمارة؟ قال بعض أهل العلم: يلحق لأن كثرة اللبن في الحمارة مقصود، وإن كان الإنسان لا يشربه لكن يشربه ولدها وولد غيرها، فهو مقصود، وقال بعض العلماء: بل إن الأتان لا حكم لتصريته؛ لأن لبنها لا عوض له، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل لهذا اللبن المصرَّى عوضًا، وهو صاع من تمر، والراجح الأول أنه خاص بمباح اللبن، اللهم إلا إذا كان ذلك عيب في الأتان، فإن للمشتري الفسخ من أجل العيب.
من فوائد الحديث: تحريم التدليس بالقياس، نقول: لما حرم الشارع تصرية الإبل والغنم من أجل التدليس على المشتري نقيس عليه كل ما فيه تدليس، ومن ذلك ما ذكره الفقهاء رحمهم الله جمع ماء الرّحى وإرساله عند عرضها، الرَّحى معروفة وهي التي يطحن بها الحبوب وكيفية جمع ماء هذه الرحى هي: أنهم كانوا يجعلون الرّحى على الجروة ويجعلون لها ريشًا كالمروحة إذا مر بها الماء حرك هذه الريشة واستدارت وهنا كسير متصل بالرّحى، إذا استدارت هذه المروحة استدارت الرّحى، فإذا كانت الجروة قوية صار دوران المروحة قويُّا فيكثر دوران الرّحى وقوي الطحن، هذا تدليس بأن يجمعوا ماء الرحى يحبسونه، فإذا أرادوا أن يعرضوها للبيع فتحوا عليها الماء، فيأتي الماء مندفعًا بشدة، فيظن المشتري أن هذا دأب هذه الرّحى فيزيد في ثمنها.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 598)