Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
كذلك تسويد شعر الجارية التي ابيض شعرها من الكبر، فيسوده ليظن الرائي أنها شابة وهي من القواعد اللاتي لا يرجون النكاح.
كذلك أيضًا إذا كانت السيارة مصدومة عدة صدمات فسمكرها وطلاها باللون الموافق للونها الأصلي، فيظن الرائي أنها جديدة فيزيد في قيمتها وهي قديمة مصدومة.
من ذلك أيضًا أن يلبس البيت عند بيعه ليظن الظان أنه جديد، المهم الضابط في هذا إظهار السلعة بصفة مرغوب فيها وهي خالية منها.
من ذلك أيضًا إذا أراد أن يبيع رقيقًا نثر على ثوبه حبرًا لماذا؟ ليظن أنه كاتب، ثم إن التدليس بعضه قريب وبعضه بعيد، يعني: كون هذا الرقيق على ثوبه حبرًا ليس من لازمه أن يكون كاتبًا، لكن قد يظن الظان أنه كاتب، وكذلك أيضًا تسويد اللحية إذا أراد أن يبيع رقيقًا فيظن أنه شاب، قصَّ لحيته من اليمين والشمال والأسفل ثم سوَّدها حتى يراه الرائي وكأنه شاب، على كل حال: الضابط عندنا هو أن يظهر السلعة بصفة مرغوب فيها، وهي خالية منها في الحقيقة.
وقوله: "فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين" أي: بما يرى أنه خير له إما الإمساك وإما الردّ.
وقوله: "بعد أن يحلبها" لم يذكر في هذه الرواية المدة التي تضرب له، لكنه في الرواية الأخرى التي في مسلم قال: "فهو بالخيار ثلاثة أيام" منذ حلبها، وتنظر هل هذا اللبن الموجود في ضرعها حين الشراء هو اللبن الحقيقي أو لا؟ وثلاثة الأيام تبين بها طبيعة هذه البهيمة هل لبن طبيعي أو لبنها محفل يعني مجموع، ولهذا قال: ضرب له ثلاثة أيام، قال: إن شاء أمسكها، وظاهره أنه يمسكها بلا أرش؛ لأن هذا ليس عيبًا، ولكنه فوات الصفة، وهناك فرق بين فوات الصفة وبين العيب؛ لأن العيب نقص، وفوات الصفة فوات كمال، والعيب قد علمنا أن المشتري يخير بين أن يردّ السلعة وأن يقوِّم له العيب، الذي يسمى الأرش؛ لأنه عيب ونقص، أما فوات الصفة الكمالية فإن المشتري يخير بين أن يفسخ أو يمسك مجانًا، ولهذا قال: إن شاء أمسكها، يعني: بدون أن يعطى أرش، وإن شاء ردّها وصاعًا من تمر ردها على البائع وصاعًا من تمر، وفي رواية البخاري المعلقة ووصلها مسلم: "صاعًا من طعام لا سمراء"، قال البخاري: "والتمر أكثر"، يعني: أكثر الروايات: "صاعًا من تمر"، والصاع هو مكيال معروف، وه يسع من البرّ الرزين ما زنته كيلوان وأربعون غرامًا، وقوله: "من تمر" أيضًا التمر معروف، وهذا الصاع عوض عن اللبن الذي كان في ضرعها حين العقد، وليس عوضًا عن اللبن الذي تدر بعد الشراء؛ لأن اللبن الذي تدرّ بعد الشراء يكون على ملك المشتري فلا يضمن، وأما اللبن الذي كان موجودًا في ضرعها حين البيع فهو ملك البائع، وقد استهلكه المشتري وحلبه، فقدر له النَّبيّ صلى الله عليه وسلم "صاعًا من تمر".

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 599)

وهنا أسئلة:
أولًا: لماذا قدر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم صاعًا من تمر دون غيره؟
قالوا: لأن التمر أشبه ما يكون بالحليب؛ لأنه طعام لا يحتاج إلى طبخ، وفي أنه حلو كالحليب فكان أشبه ما يكون بالحليب التمر.
والسؤال الثاني: لماذا قدره بصاع مع أن اللبن قد يكون كثيرًا يساوي أكثر من الصاع، وقد يكون قليلًا لا يساوي الصاع، وقد تكون قيمة اللبن مرتفعة أكثر من قيمة الصاع، وقد تكون نازلة دون قيمة الصاع؟
فنقول: إنما قدّره النَّبي صلى الله عليه وسلم بالصاع قطعًا للنزاع، لأنه لو قال: صاعًا من تمر مقابل للحليب لو قال ذلك لحصل نزاع بين البائع والمشتري، البائع يقول: إن اللبن أكثر من ذلك، والمشتري يقول: إن اللبن أقل، فإذا كان مقدرًا من قبل الشرع رضي الجميع ولم يحصل نزاع.
السؤال الثالث: لماذا لم يوجب النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ردّ اللبن الذي حلب لأول مرة؟
والجواب على ذلك نقول: أولًا: اللبن قد لا يبقى إلى ما بعد ثلاثة أيام، ثانيًا: أن اللبن من حين عقد البيع فإنه سيزداد؛ لأن المشتري ليس من اللازم أن يحلبها من حين أن يشتريها، قال: ربما تبقى ساعة أو ساعتين وفي هذه المدة تدرّ البهيمة لبنًا، فيختلط لبن المشتري مع لبن البائع، وإذا قلنا: يجب عليك أن ترد اللبن صار نزاع؛ لأن ردّه متعذر أو متعسر، فهذا أوجب النَّبيّ صلى الله عليه وسلم صاعًا من تمر.
782 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "من اشترى شاةً محفَّلةً، فردَّها، فليردَّ معها صاعًا". رواه البخاريُّ.
-وزاد الإسماعيليُّ: "من تمر".
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: تحريم تصرية الإبل والغنم للنهي في قوله: "لا تصروا".
فإذا قال قائل: ما الحكمة من ذلك؟
الجواب: أن الحكمة لذلك أمران: الأول: إيذاء الحيوان؛ لأن حبس اللبن يتأذى به الحيوان، الثاني: أنه غش للمشتري ظاهر، وقد ثبت عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من غشّ فليس منا".
ومن فوائد الحديث: أن المشتري للمصرَّاة يخيَّر بين ردها أو إمساكها لقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين".

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 600)

ومن فوائد الحديث: أن له الخيار مدة ثلاثة أيام، والتعليق بالثلاثة ورد في نصوص كثيرة متعددة، حتى كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلَّم تكلّم ثلاثًا، إذا سَلّم سلّم ثلاثًا، إذا استأذن يستأذن ثلاثًا، والثلاث معتبرة شرعًا في مسائل كثيرة ومنها الحديث.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا اختار الرد فإنه يجب أن يرد معها صاعًا من تمر، فإن قال قائل: إذا لم يكن عنده تمر؟ فإنه يرد معها أقرب ما يكون سبهًا بالتمر من القوت؛ لأنه قد يكون في بلاد ليس عندهم نخيل ولا تمر فيرد أقرب ما يكون سبهًا بالتمر، وقيل: بل يرد نفس اللبن إن كان موجودًا أو مثله، إن كان قد شربه أو قيمته إن تعذر المثل، ولكن الصحيح أن يرده طعامًا أقرب ما يكون إلى التمر؛ لأن هذا هو الذي جعله الشارع بدلًا عن اللبن المفقود، ولو كان رد اللبن مقصودًا لقال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: فليرد اللبن فإن لم يمكن فصاعًا من تمر، ثم نقول أيضًا: إن ردّ اللبن مثله متعذر، لأن اللبن الذي وقع عليه العقد لبن في ضرع، واللبن في الضرع مستحيل ردّه وتقديره.
ومن فوائد الحديث: تحريم الظلم، ويؤخذ ذلك من تحريم التصرية، وهو كذلك، فإن الظلم محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: } إنه لا يحب الظالمين {[الشورى: 40]. وقال الله عز وجل: } إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم {[الشورى: 42]. وقال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا"، وقال الَّنبيّ صلى الله عليه وسلم: "الظلم ظلمات يوم القيامة"، والنصوص في هذه كثيرة، والعلماء مجمعون على تحريم الظلم.
ومن فوائد الحديث: حماية الشريعة لحقوق الإنسان، وجه ذلك: النهي عن التصرية وجعل من غبن بها مخيَّرًا بين الإمساك والرّد.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا أمسك بفوات صفة مطلوبة، فإنه يمسك بلا أرش سواء كانت هذه الصفة مشروطة لفظًا أو حالًا، المشروطة لفظًا أن يقول: إنها لبون في مسألتنا هذه، والمشروطة حالًا بالتصرية مصرَّاة فإن هذه التصرية تعطي المشتري شرطًا على أنها كثيرة اللبن، فإذا زال هذا المشروط، فإننا نقول للمشتري الآن، إما أن تمسكها على ما هي عليه وإما أن تردها بخلاف العيب، والفرق بينهما ما أشرنا إليه آنفًا من أن العيب نقص؛ لأن مقتضى العقد أن تكون السلعة خالية من العيب، وأما هذا فهو فوات كمال فهو زائد على أصل ما وقع عليه العقد وهو السلامة.
ومن فوائد الحديث: إثبات الخيار للإنسان؛ أي: أنه يفعل باختياره فيكون فيه رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله لا يختار شيئًا من الأشياء، بل هو كالريشة في الهواء.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 601)

ومن فوائد الحديث: حرص الشرع على قطع المنازعات والبعد عنها، من أين يؤخذ؟ من تقديره العوض بصاع من تمر، ونحن إذا تأملنا نصوص الكتاب والسنة وجدنا أن الشرع ينهى عن كل ما يحدث العداوة والبغضاء بين الناس؛ لأنه يريد من الأمة الإسلامية أن تكون أمة متآلفة متآخية كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، والبعد عما يوجب التنافر والبغضاء كما هو واجب على سائر المسلمين، فهو واجب على طلبة العلم بالذات أكثر من غيرهم؛ لأن طلبة العلم هم الذين يقتدى بهم وهم الذين يشار إليهم بالسوء أو بالحسنى، إن أساءوا صاروا مشمتة للناس وصارت سيئاتهم في عيون الناس أكبر من سيئات غيرهم، وإن أحسنوا صاروا قدوة للناس في الخير والعمل الصالح، وأحبهم الناس، ويؤسفنا كثيرًا أن نجد العداوة والبغضاء والخصومات والجدال والتعصب بالباطل بين كثير من طلبة العلم عند مسائل شرعية ينبغي أن تكون محل اجتماع اتفاق ووفاق، لا أن تكون محل عداوة وبغضاء وسب وشتم وتنفير، فإن هذا خلاف الشرع وخلاف ما أمر الله به وما أخبر اله به عن هذه الأمة: } وإن هذه أمتكم أمة وحدة {[المؤمنون: 52]. فإذا كان الشارع ينهى عن بعض المعاملات المؤداة إلى النزاع والعداوة والبغضاء فكيف بالمسائل الشرعية التي تكون هي السبب في العداوة والبغضاء هذا شيء يؤسف له، والواجب على كل مسلم وعلى طلبة العلم بالأخص أن يسعوا إلى كل ما فيه إصلاح القلوب وحصول المصلحة، أنا لست أقول: دعوا الناس يقولون فيخطئون أو يصيبون، لا، لكن يبين للناس بمناقشة هادئة هادفة، فإذا تبني الحق وجب على كل إنسان اتباعه، وإذا لم يتبين فكل إنسان معذور، والذي يحاسب الخلق هو اله عز وجل؛ لأنه قد يتبين لي ما لم يتبين لك والعكس، فلماذا نجعل مثل هذه المسائل سببًا للعداوة والبغضاء بين طلبة العلم حتى إن كل طائفة منهم حزب مستقل كأنهم ليسوا مسلمين والواجب خلاف ذلك، وعلى طلبة العلم أن يكون طالب العلم عند هذا العالم كالطالب عند العالم الآخر، كل منهم يبذل الخير، وكل منهم يريد أن يصل إلى الغاية المنشودة وهي إقامة شريعة الله بين عباد الله.
ومن فوائد الحديث: أن العدد الثلاثي معتبر في كثير من الأشياء، وبه تتبين الأشياء في الغالب في الثلاث، كما إذا استأذنت على رجل ثلاث مرات تبين أنه غير موجود، أو كاره للفتح وإما أنه نائم مستريح، أما الاستئذان الأول فقد لا يسمع، والاستئذان قد يسمع، ولكن لا يدري عن حقيقة الأول، وفي الثالثة الغالب أنه يتبين فإذا كان يريد أن يفتح لك الباب فتح وإلا تركك، وهكذا في مسائل كثيرة تعتبر فيها الثالث.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 602)

‌‌تحريم الغش في البيع:
783 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أنَّ رسول اله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صبرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطَّعام؟ قال: أصابته السَّماء يا رسول الله. فقال: أفلا جعلته فوق الطَّعام؛ كي يراه النَّاس؟ من غشَّ فليس منِّي". رواه مسلم.
"صبرة" أصل هذه المادة "الصاد والباء والراء" تدل على الحبس، ومنه الصبر، ومنه قُتل صبرًا، وأمثلتها كثيرة، فهذه المادة (ص ب ر) تدل على الحبس، والطعام المحبوس يعني: المجموع، فمعنى "صبرة" أي: مجموع من طعام، مرّ على هذه الكومة من الطعام فأدخل يده فيها، الفاعل هو النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، أدخل يده في هذه الصُّبرة فنالت أصابعه بللًا، يعني: أصابت بللًا، وإدخال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يده في هذه الصبرة يحتمل أنه للاستخبار والاستعلام، ويحتمل أنه شم فيها رائحة الرطوبة أو غير ذلك، المهم أننا نعلم أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يدخل يده إلا لسبب.
يقول: "فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ "، "ما" هنا استفهامية والمراد بالاستفهام الإنكار، ينكر عليه كأنه يقول: لماذا تصنع هذا الشيء، فقال: "أصابته السماء"، "السماء" يعني: المطر، والمطر يطلق عليه السماء في اللغة العربية، قال الشاعر: [الوافر]
إذا نزل السماء بغير قوم***رعيناه وإن كانوا غضابا
أي: المطر، فالمراد بالسماء: المطر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ "، الاستفهام للإرشاد يعني: أرشده إلى أن يجعله فوق الطعام، وعلل ذلك بقوله: "ليراه الناس" فيعرفوا أن فيه عيبًا، ثم قال: "من غش فليس مني".
الحديث واضح معناه لكن فيه فوائد كثيرة منها: جواز بيع الطعام صبرة -يعني: كومة- من غير معرفة لقدره كيلًا أو وزنًا؛ لأن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أقرّ ذلك، ولو كان حرامًا لم يقره، فهل يدخل في ذلك غيره من المرئيات؛ يعني: بحيث أن أبيع عليك قطيع هذا الغنم بدون معرفة لعّده وأن أشتري منك السلعة بهذه الرُّزمة من الدراهم بدون عدّ؟ ذهب بعض العلماء إلى الجواز وقال: إن هذا، وإن كان لا يعلم بالعدّ أو بالوزن يعني: لا يعلم بالتقدير فإنه: يعلم بالمشاهدة، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن الذي يعلم بالمشاهدة إما أن يكون الغرر فيه يسيرًا كالكومة من الطعام. والقطيع من الغنم والكيس من البرّ فالأمر في هذا قريب، وإنما الذي يكون فيه الغرر كثيرًا والخطر جسيمًا مثل الرزمة من الدراهم، وإذا قدرنا أنها من فئة خمسمائة كم يكون الفرق فيما نقص عن تقديرك ورقة أو ورقتان؟ الفرق كبير، فالصحيح في هذه المسألة أن الجزاف يجوز

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 603)

إلا فيما فيه خطر مثل النقود، لو جئتك بصرة من ذهب وقلت: اشتريت منك هذا البيت بهذه الصُّرة، يرى بعض العلماء: أن هذا جائز مع أنك لا تدري ما في هذه الصرة من الذهب، ولا شك أن هذا ليس بجائز للخطر والجهالة العظيمة بخلاف قطيع الغنم وكيس البرّ فالخطر فيه قليل والتقدير فيه ممكن حقيقة أو تقريبًا، أما مثل الدراهم فلا يجوز، لو قلت: اشتريت منك هذا البيت بوزن هذه السِّنجة ذهبًا فلا يجوز؛ لأنه مجهول، أما لو كانت معلومة فلا بأس -السنجة هي الحديدة التي يوزن بها.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستعلام عن المبيع، ولاسيما مع القرينة لإدخال النَّبي صلى الله عليه وسلم يده في الطعام، ولا يقال: إن هذا سوء ظن بالبائع؛ لأننا نقول: وهذا احتياطًا للمشتري، ولاسيما إن وجدت قرينة لظاهر هذا الحديث.
ومن فوائد الحديث: وجوب إنكار المنكر؛ لأن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أنكر على هذا الرجل، لكن هل ينكر علنًا أو سرًا؟ إن كان فاعل المنكر مظهرًا له فإنه ينكر عليه علنًا، وإن كان مخفيًا له فإنه ينكر عليه سرًا هذا هو الأصل، مع أن المصلحة قد تقتضي الإنكار حتى فيما يعلم إنما الأصل أن من أظهر المنكر أنكر عليه ظاهرًا ومن أخفاه أنكر عليه سرًا.
ومن فوائد الحديث: أن من كان مجهول الاسم فإنه يدعى بمهنته لقوله: "يا صاحب الطعام"، فإذا كنت لا تعرف هذا الرجل فادعه بمهنته، مثلًا وقفت على بناء لا تعرف اسمه ماذا تقول؟ يا بناء، سقط من شخص طوق من الدراهم، تقول: يا صاحب الطوق … وهكذا، كما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذا في عدة مواضع يدعو بالمهنة.
ومن فوائد الحديث: إطلاق لفظ السماء على المطر لقوله: "أصابته السماء" ولم ينكر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عليه، ولو كان ذلك غير جائز لأنكر عليه؛ لأنه كذب، فإن السماء لم تصبه وإنما الذي أصابه المطر النازل من السماء.
ومن فوائد الحديث: وجوب إظهار العيب، والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أرشد إلى إظهاره بالفعل، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام"، ويجوز بالقول، بأن أقول مثلًا في هذه الصرة من الطعام إن أسفلها قد أصابه الماء ولكن أيهما أبين؟ الإظهار بالفعل أبين؛ لأن المشتري قد لا يحيط بوصفك.
هل نقول في هذا الحديث: وجوب جعل الأردأ هو الأعلى وأنه تتعين هذه الصورة، أو نقول: إن المراد البيان بأي صورة كانت؟ الثاني، وأن للإنسان الذي عنده طعام معين طريقتين، الطريقة الأولى: أن يجعل العيب أعلى وهذا قد يكون فيه ضرر عليه؛ لأنه إذا جعل العيب أعلى

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 604)

فقد يظن الرائي أن العيب كثير ويخفى عليه السلم، الطريقة الثانية: أن يجعل المعيب وحده والسليم وحده بحيث يكون للمعيب ثمنه وللسليم ثمنه، ولا شك أن الثاني هذا عدل للبائع وللمشتري.
فإذا قال قائل: لماذا لم يرشد النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إليه؟
فالجواب: لوضوحه، ولعل النَّبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الرجل ليس عنده إناءان يبحث يجعل الردئ وحده والجيد وحده.
ومن فوائد الحديث: تحريم الغش لقوله: "من غشّ فليس منا".
بل من فوائده: أن الغشّ من كبائر الذنوب، وجهه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من فاعله، والبراءة من فاعله تقتضي أن يكون كبيرة؛ لأن علامات الكبيرة أن يتبرأ النَّبي صلى الله عليه وسلم من فاعل هذا العمل.
ومن فوائد الحديث: أن الغش في كل شيء من كبائر الذنوب لعموم قوله: "من غش فليس مني".
ومن فوائده أيضًا: أن الغش كبيرة سواء كانت المعاملة مع مسلم أو مع كافر لقوله: "من غش" أطلق.
وهناك رواية أخرى: "من غشنا فليس مني" فبأيهما نأخذ؟ نأخذ بالأعم: "من غش" فيشمل الغش في معاملة أي إنسان، فإن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قد تبرأ منه.
إذا قال قائل: لم يبين النَّبي صلى الله عليه وسلم حكم المغشوش فيما لو اشترى هذا الطعام.
والجواب: أنه لم يحصل بيع لهذا الطعام؛ لأن صاحبه لم يزل عارضًا له، ولا يمكن أن يتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال عن أمر لم يقع، ثم إنه إذا علم هذا الرجل أن هذا الشيء حرام، فسوف يغيره وسوف يجعل الردئ فوق، كما أرشد النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الشيء إذا لم يكن أمام الإنسان فلا يلزم الإنسان السؤال عنه، ولذلك لما جاء ماعز إلى الرسول وأخبره أنه زنى فإنه من المعلوم أنه لم يزن إلا بامرأة ولم يسأل النَّبي صلى الله عليه وسلم المرأة، ولما جاءه الرجل الذي قال: جامعت زوجتي في رمضان لم يسأله عن المرأة وحكمها، ولما جاءته هند تشكو أبا سفيان لم يسأل عنه ولم يطلبه؛ لأن مثل هذه المسائل تتعلق بالفعل الشاهد، وأما الغائب فحكمه يعلم إذا وجد أو أدلى هذا الغائب بحجته حينئذ ننظر فيها.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 605)

784 - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حبس العنب أيَّام القطاف، حتَّى يبيعه ممَّن يتَّخذه خمرًا، فقد تقحَّم النَّار على بصيرة". رواه الطَّبرانيُّ في الأوسط بإسنادٍ حسنٍ.
"حبس" أي: منع بيعه وأبقاه في أصوله، و"أيام القطاف" أي: أيام قطاف العنب؛ لأن العنب -كما نعلم- له أيام يقطف فيها ويباع فيؤكل طريَّا كما يقطف الرطب من النخل وأحيانًا يحبس حتى ييبس فيكون زبيبًا، هذا الزبيب يستعمله الناس غذاء كما يأكلون التمر، يأكلونه أو يضعونه على الأطعمة، ومن الناس من يجعله عصيرًا ليتخمّر، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرًا"، "ممن" أي: على من يتخذه خمره، أي: يصنعه خمرًا، "فقد تقحَّم" أي: دخلها بانزعاج، "على بصيرة" أي: على علم بالسبب الذي يوجب تقحّمها، والمراد بالجملة: أن من فعل ذلك فقد أدخل نفسه في النار بسبب يعلم أنه سبب لدخول النار؛ وذلك لأنه أعان على شرب الخمر، والمعين على الإثم آثم، إثم الفاعل كالحاضر، كما قال الله تعالى: } وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم {[النساء: 140]. عيد علي عمر
من فوائد الحديث: أنه يحرم حبس العنب ليباع على من يتَّخذه خمرًا.
ومن فوائد الحديث: أن ذلك من كبائر الذنوب؛ وجهه: أنه توعد عليه بالنار.
ومن فوائد الحديث: عظم شرب الخمر والإعانة على شربها؛ حيث جعل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك من أسباب دخول النار، والخمر كل ما خامر العقل، أي: غطّاه على سبيل اللذة والطرب، فإن السكران -والعياذ بالله- يزول عقله كأنما الدنيا عنده قطعة ورقة، ويجد لذة، ويجد نفسه في مقام الملوك والرؤساء فينسى همومه وغمومه، لكن إذا زال السَّكر تراكمت عليه الهموم والغموم؛ لأنه كالماء إذا حبسه وقف، لكن عندما تزول الحابس يندفع بقوة، هكذا الهموم والغموم تقف عند السَّكر، لكن إذا زال السكر اندفعت اندفاعًا مؤلمًا مؤذيًا، لا يمكن أن يقرَّ له قرار حتى يعود إلى شرب الخمر، ولهذا قلّ لمن شرب الخمر أن ينزع عنه -والعياذ بالله- إلا بإيمان قوي أو رادع قوي.
ومن فوائد الحديث: أن للوسائل أحكام المقاصد، وجه ذلك: أن هذا حبس العنب

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 606)

لغرض سيئ يريد هذا الشيء، وهذه القاعدة قاعدة متفق عليها، وهي أصولية فقهية من أجزائها أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب إليه وما كان سببًا للحرام فهو حرام، وما كان سببًا للمكروه فهو مكروه، وكل هذه الأجزاء داخلة في القاعدة العامة، وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
ومن فوائد الحديث: عقوبة من أعان على فعل محرم وإن لم يفعله؛ لأن هذا الذي احتبسه ليبيعه لمن يتخذه خمرًا لم يفعله؛ لكنه أعان، فالمعين على الإثم آثم.
ومن فوائده: أنه إذا كان هذا فيمن أعان على من يتخذ العنب خمرًا فما بالك بمن يشرب الخمر؟ لا شك يكون أعظم؛ ولهذا كان شارب الخمر ملعونًا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، محرومًا من شربها في الآخرة، إما لأنه لا يتنعم بها في الجنة، وإما أنها تؤدي إلى الكفر المانع من دخول الجنة، ولهذا سميت الخمر أم الخبائث ومفتاح كل شر.
ومن فوائد الحديث: أن من باع شيئًا لغرض المعصية فإن بيعه حرام، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهل يصح -أي البيع- أو لا؟ لا يصح البيع؛ لأنه منهي عنه لذاته، فالنهي متسلط على نفس البيع، فإذا باع شيئا لمن يتخذه لمحرم كان البيع حرامًا، وإن باعه لمن لم يتخذه لمحرم كان البيع حلالًا، ولهذا لو بعت العنب لمن يأكله فالبيع حلال، أما لمن يتخذه خمرًا فالبيع حرام، بعت البيض لمن يأكله فالبيع حلال، لمن يقامر به حرام، من الصور التي يستعمل فيها للقمار ما يفعله بعض الناس يقول: خذ هذه البيضة اكسرها طولًا، فإن فعلت ذلك فلك مائة ريال، وإن لم تفعل فعليك مائة ريال، هذا من جملة القمار التي تتخذ له البيض، بيع الدخان داخل في هذا الحديث، لكن الدخان لا ينقسم إلى حلال وحرام، بل كله حرام، لكن قصدنا أن الشيء قد يكون مباحًا في حال فيصح بيعه، محرمًا في حال فلا يصح بيعه، السلاح إذا بعته لمن يقتل به المسلمين كان هذا البيع حرامًا، أما لمن يقتل به الكفار كان بيعه حلالًا، بل قد يكون مندوبًا.
ومن فوائد الحديث: أن المباح لذاته قد يكون محرمًا لغيره، فأصل البيع حلال لذاته

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 607)

لكن إذا قصد به المحرم صار حرامًا لغيره، كما أن المباح يكون واجبًا لغيره، مثل لو يم يكن عندك ماء وحضرت الصلاة، وأردت الوضوء ووجدت الماء يباع في الأسواق كان واجبًا عليك أن تشتري الماء لتتوضأ به مع أنه لولا هذا لم يجب عليك أن تشتري الماء، وقد يكون الشيء مسنونًا وهو في الأصل مباح كما لو اشترى الإنسان مسواكًا فأصل الشراء مباح وإذا اشترى مسواكًا ليتسوك به صار سنة، أو طيبًا يتطيَّب به كان سُّنة، وعلى هذا فقس، المهم أن كل مباح ممكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب النية والقصد، إن قصدته لأمر حرام صار حرامًا؛ لأمر واجب صار واجبًا، لأمر مستحب صار كذلك، لأمر مباح فهو مباح.
785 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضَّمان". رواه الخمسة، وضعَّفه البخاريُّ وأبو داود، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبَّان، والحاكم، وابن القطَّان.
والحديث صحيح، يقول صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان"، فما هو الخراج؟ الخراج هو الغنم والكسب والربح وما أشبه ذلك، قال الله تعالى: } أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرزقين {[المؤمنون: 72]. فخراج الشيء يعني: غنمه ونماؤه وما أشبه ذلك، فخراج الدابة مثلًا لبنها وصوفها وولدها، وخراج النخلة ثمرتها وعسيبها وفسيلها، وهلم جرَّا، خراج العبد: كسبه ومنفعته، وعلى هذا يطَّرد هذا الباب، ف"الخراج" الغلة والنماء والكسب، "بالضمان" الباء للبدلية أو للسببية، ومعنى "بالضمان" أي: أنه بدل عنه وسبب له، والمعنى: أن كل من له خراج شيء فعليه ضمانه وليس كل من عليه ضمان شيء فله خراجه؛ لأن الغاصب عليه الضمان وليس له خراج، لكن من له الخراج فعليه الضمان ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان"؛ ولذا قلنا: الضمان بالخراج لا يصح، فكل من له خراج شيء فعليه ضمانه.
إذ قال قائل: مثل لنا؟ نقول: المشتري عليه ضمان المبيع من حين العقد فيكون له خراجه من حين العقد، هذا رجل اشترى عبدًا بعشرة آلاف ريال وبقي عنده أسبوعًا كل يوم يدخَّل له مائة ريال، كم دخل في الأسبوع؟ سبعمائة ريالًا لما انتهى الأسبوع تبين أن في العبد عيبًا، وأنه يسرق، والسرقة في العبد عيب، فأراد أن يردَّه، فردَّه على البائع، هل يردّ معه سبعمائة ريال؟ لا، السبعمائة نسميها خراجًا فلا يردها، لماذا؟ لأن العبد لو تلف في هذه المدة -السبعة الأيام- لم

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 608)

يضمنه البائع، بل يكون ضمانه على المشتري، أي: يهلك على نصيب المشتري، إلا إذا ثبت أن البائع خادع له وكاتم للعيب فضمانه حينئذٍ على البائع، لأنه معتد ظالم.
والمستأجر المنفعة له وعليه الأجرة، كل المنافع التي تفوت في زمن الإجارة لمن؟ للمستأجر؛ يعني: لو أنه استأجر البيت لمدة سنة، ولكنه ما سكنه بل سافر ولم يسكنه حتى تمت السنة، وقال صاحب البيت: أعطني الأجرة، فقال: لا ما أعطيك شيئًا لأني ما سكنت البيت، ماذا نقول؟ نقول: إن المنافع فاتت على المستأجر؛ أي: أن المستأجر يدفع الأجرة كاملة؛ لأن المؤجر يقول له: هل منعتك، المفتاح معك وأنت الذي فوّت المنفعة على نفسك فأنت ضامن؛ لأن الخراج لك، المنفعة لك وليست لي، وأنت الذي فوتها على نفسك، فعليك ضمانها.
رجل وجد شاة وصار ينشد عنها سنة كاملة وفي هذه السنة ولدت الشاة، يعني: نشأ بها ولد حمل وولدت، وبعد السنة نشأ فيها ولد حمل فولدت، فلمن يكون الولد الأول، ولمن يكون الولد الثاني؟ الولد الأول لصاحبها، والثاني للمنشد، يعني: لواجد اللقطة؛ لأن الأول وجد في حال ليس فيها الملتقط ضامنًا؛ لأنها تفوت على ملك صاحبها بعد السنة يملكها، فيكون نماؤها للملتقط، ومثل ذلك إناء، وجد إناء وصار ينشد عنه لمدة سنة كاملة فلم يجد صاحبه لما تمت السنة صار ملكًا للواجد، أجّره بعد السنة فلمن تكون الأجرة؟
تكون له؛ لأنه لو تلف تلف على ملكه فصار خراجه بضمانه، وهذا الحديث بنى عليه العلماء فروعًا كثيرة، وجعلوه قاعدة فقهية، فقالوا: من كان له الغنم فعليه الغرم، وأحيانًا يعللون بنفس الحديث فيقولون: لأن الخراج بالضمان.
ساق المؤلف هذا الحديث في باب البيع ليتبين به أن الملك مدّة الخيارين بل مدة الخيار مطلقًا للمشتري حتى لو ردّه بخياره، فإن الملك مدة الخيارين له النماء وله الكسب.
مرّ علينا في الشفعة أن النماء المتصل إذا أخذ الشفيع بالشفعة يكون لمن؟ على المذهب يكون للشفيع، ورجّحنا أنه للمشتري، هذا الحديث يدل على الراجح، لأن المشتري له الخراج فعليه الضمان، المشتري لو أنه تلف في هذه الحال من يضمنه؟ يكون على ملكه، وإذا فات عليه فله غنمه، فالقول الراجح كما سبق أنه، -أي: النماء المتصل - يكون للمشتري كالنماء المنفصل.

‌‌جواز التوكيل في البيع والشراء:
- وعن عروة البارقيِّ رضي الله عنه: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا ليشتري به أضحيةً أو شاةً، فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينارٍ، فأتاه بشاةٍ ودينارٍ، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه". رواه الخمسة إلا النَّسائيَّ.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 609)

-وقد أخرجه البخاريُّ في ضمن حديثٍ، ولم يسق لفظه.
يقول: "ليشتري به أضحية أو شاة"، لا منافاة بين اللفظين؛ فإنه أعطاه ليشتري به شاة لأضحية، فيكون بعض الرواة اقتصر على أحد اللفظين، فاشترى رضي الله عنه شاتين بالدينار الواحد، ثم باع إحداهما بدينار، فرجع بشاة ودينار، فربح النبي صلى الله عليه وسلم شاة ولم يخسر شيئًا فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في بيعه مكافأة له على إحسانه؛ لأن هذا الرجل أحسن التصرف، اشترى شاتين بدينار وباع شاة واحدة بدينار، فدعا له بالبركة مكافأة له على إحسانه، فقبل الله دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، "فكان -هذا الرجل- لو اشترى ترابًا لربح فيه"، وقوله: "ترابًا"، يعني: لو اشترى شيئًا لا قيمة له، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر المؤلف هذا الحديث في كتاب البيع؛ لأنه يتضمن بيعًا وتوكيلًا في البيع، ويتضمن أشياء عديدة من البيوع تذكر في الفوائد إن شاء الله، وأظن هذا الحديث واضح المعنى، ولكن فيه فوائد، الأولى: جواز التوكيل في البيع والشراء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكَّل عروة البارقي، ويتفرع على هذه الفائدة: أن التوكيل لا ينافي الإخلاص ولا التوحيد مع أن الموكل في قلبه نوع من الاعتماد على الوكيل، لكن هذا الاعتماد ليس اعتماد افتقار، وإنما هو اعتماد سلطة، إذا كان الوكيل يتوكل بالأجرة لأن المعروف والفضل فيما إذا كان الوكيل يتوكل بالأجرة للموكل على الوكيل، فهو يرى أنه معه ذو سلطة لا يرى أنه يعتمد عليه اعتماد افتقار، وإن كان محسنًا -أعني: الوكيل- متبرعًا فإن الموكِّل لا يعتمد عليه اعتماد افتقار ولا اعتماد سبب مستقل، وحينئذ لا ينافي التوكل على الله، ولا يمكن أن ينافي التوكل، وقد وقع من النبي صلى الله عليه وسلم سيد المخلصين عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في شراء الأضحية، من أين يؤخذ؟ من أنه وكله لشراء أضحية، وهل يجوز التوكيل في ذبح الأضحية؟ الجواب: نعم، يجوز أن يوكِّل شخصًا ليذبح الأضحية كما وكل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يذبح له هديه.
ومن فوائد الحديث: جواز تصرف الوكيل فيما فيه نفع للموكل.
فإذا قال قائل: هل هاتان الشاتان في مقابلة الشاة لأنهما ضعيفتان؟ الجواب: هذا بعيد، والظاهر أن عروة رضي الله عنه يسَّر الله له شخصًا محتاجًا فباع عليه هاتين الشاتين مع أن كل واحدة

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 610)

منهما تساوي دينارًا بدليل أنه باع واحدة بدينار هذا هو الأقرب، وليس في هذا غبنًا حتى يقال: إن في ذلك دليلًا على جواز غبن الإنسان بنفس القيمة أو أكثر؛ لأن الظاهر أنه اشتراها من شخص يحب أن يمشي وأن يبيع بأي ثمن.
ومن فوائد الحديث: جواز تصرف الفضولي، فما هو تصرف الفضولي؟ تصرف الإنسان في ملك غيره بدون إذنه فإذا أجازه صحّ التصرف، يؤخذ: من أن عروة تصرف واشترى شاتين وباع واحدة، فخالف في الشراء وخالف في البيع، إنما كان عليه في الشراء أن يشتري شاة واحدة بنصف دينار ما دام وجد شاتين بدينار، إذ الواحدة تساوي نصف دينار، فلو تقيد بالوكالة لاشترى واحدة بنصف دينار، لكنه رضي الله عنه ترخصهما ورآهما رخيصتين فاشترى شاتين، فالظاهر أن من نيته أن يبيع إحدى الشاتين، إذن فيه تصرف الفضولي، وأنه نافذ إذا أجير، ومعنى أجيز يعني: وافق من تصرف له على هذا التصرف، فإن لم يوافق لم يصح، فلو أن شخصًا باع سيارة شخص على آخر اعتبارًا بالمصلحة وانتهازًا للفرصة، ثم أخبر صاحب السيارة بأنه باع سيارته فقال: جزاك الله خيرًا أنا موافق، فالبيع صحيح، ودليله هذا الحديث، فإن قال: لا آذن ولا أرضى، فالبيع غير صحيح وترد السيارة ويأخذ المشتري ثمنها، فإذا أدعى المشتري أن صاحب السيارة قد وكَّل البائع، فإننا نقول له: أقم بينة، وإلا فالأصل أنه لم يأذن له وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم أن تصرف الفضولي نافذ إذا أجيز، فإن لم يجز فسد، وقال بعض العلماء: إن تصرف الفضولي فاسد لا يصح حتى لو أجيز: لأن العبرة بالعقد وهو حين العقد ليس وكيلًا ولا مأذونًا له، فإذا لم يكن وكيلًا ولا مأذونًا له فقد وقع التصرف من غير أهله؛ لأنه ليس من مالك ولا من يقوم مقام المالك، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ولا يجيزون تصرف الفضولي إلا في بعض الأحوال للضرورة، كالتصرف في مال المفقود فيتبين بعد ذلك أنه حي، ولكن أيهما أولى أن نقدم الأثر أو نقدم النظر؟
الأثر؛ لأن الأثر حاكم على النظر ولا عكس، على أنه يمكن أن نقول: إن النظر يؤيد الأثر، كيف ذلك؟ لأن منع الإنسان من التصرف في مال غيره إنما هو حماية لحقوق الغير ومنعًا للفوضى، فإذا أذن فقد زالت هذه العلة، وحينئذ يكون النظر مطابقًا للأثر، وهذا هو المعلوم في جميع الأحكام الشرعية أنها موافقة، للنظر لكن للنظر الصحيح المبني على التروي والتأني دون النظر السطحي، فإن النظر السطحي قد يتوهم الإنسان به مخالفة الحكم الشرعي للمعقول ولهذا روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 611)

أعلاه، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخفين، كيف؟ لأن بادئ الرأي ذا بدء أن يكون الأسفل أولى من التطهير من الأعلى، لأن الأسفل هو الذي يلاقي النجاسة والأوساخ، ولكن نحن نقول إن الرأي الصحيح المبني على التأني موافق للحكم الشرعي ويدل على صحة الحكم الشرعي، ويشهد له بالاعتبار، كيف ذلك؟ لأن هذا المسح لا يعطي تنظيفًا، وإنما هو مجرد تعبد لله عز وجل ولو أننا مسحنا أسفل الخف لزدناه تلويثًا بهذا المسح؛ لأنه لن يتطهر به وتلوثت اليد، وبهذا نعرف أن الدين موافق للرأي، لكن الرأي الصحيح المبني على التأني، وحينئذٍ نقول: إن تنفيذ تصرف الفضولي عند الإجازة جائز موافق للنظر الصحيح والقياس، وقول هؤلاء: إن التصرف وقع من غير أهله لأنه ليس بمالك ولا قائم مقام مالك، نقول: نعم، هو كذلك، لكن المالك أجازه، والأصل في منع صحة التصرف من غير مالك أو من يقوم مقامه، أن ذلك لحماية أموال الناس، وعدم الاعتداء عليهم، فإذا وافق صاحب المال فما المانع؟ إذن هذا الحديث يدل على تصرف الفضولي وهو الصحيح.
ومن فوائد الحديث: جواز بيع الأضحية بعد التعيين، هكذا الذي ذكره بعض العلماء، ولكن هل فيه دليل؟ ليس فيه دليل؛ لأن عروة رضي الله عنه إن كان عالمًا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريدها أضحية فليس له حق التعيين.
ثم نقول: إن عروة لم يعيِّن تلك الشاتين؛ لماذا؟ لأنه يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يضحي بواحدة، فلا يمكن أن يعيِّن تلك الشاتين بل هو عيَّن واحدة قطعًا إن كان قد عيّن، هو لم يعيّن، وإن فرض أنه عيَّن فلن يعيِّن أكثر من واحدة، ومن المعلوم أنه إذا عين واحدة من هاتين الشاتين لتكون أضحية واختارها، فلن يبيع الذي عيِّن وسيبيع غير المعينة، وحينئذ لا يكون في هذا الحديث دليل على جواز بيع الأضحية المعينة؛ إذن نفهم أن الأضحية المعينة لا يجوز بيعها وهو كذلك، فإذا قال: هذه أضحية عني وعن أهل بيتي صارت كالمنذور ويجب ذبحها ولا يجوز أن يبيعها، وهل يجوز أن يبدلها بخير منها؟ الصحيح: أنه يجوز أن يبدلها بخير منها، ودليل ذلك: أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي ركعتين في بيت المقدس فقال: صلِّ هاهنا، فأعاد عليه فقال: صل هاهنا، فأعاد عليه فقال: شأنك إذن، فأباح له الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدع المعيَّن بالنّذر إلى ما هو أفضل منه، فدلّ ذلك على أن نقل الإنسان الشيء الذي أخرجه لله إلى ما هو أنفع وأفضل

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 612)

جائز، وينبني على هذا ما ذكرناه من إبدال الشاة المعينة أضحية بخير منها، وكذلك أيضًا ينبني عليه جواز إبدال الوقف الشيء الموقوف بخير منه، فلو أني وقفت مسجدًا وصلى الناس فيه أذن المؤذن وأقاموا وصلى الناس، ثم إننا رأينا موقعًا أحسن منه وأنفع للحي فنقلناه إليه، فهل يجوز؟ نعم يجوز المسجد الأول، ماذا يكون بعد نقله؟ يصير ملكًا لنا يجوز أن نقطعه حجرًا نسكن فيه أو دكاكين نؤجِّرها أو نهدمه ونجعله مواقف؛ لأنه الآن لما أبدل بغيره انتقل الحكم من هذا المكان الجديد.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان مكافأة من أحسن إليه، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهذا الرجل أن يبارك الله له في بيعه، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه"، وهذا كما أنه من أوامر الشرع فهو من الأخلاق النبيلة الفاضلة، كثير من الناس تحسن إليه ولا تجد منهم مكافأة ولا بطلاقة الوجه، بل يمكن أن يعبس في وجهك لا تسمعه يقول: جزاك الله خيرًا ولا ينشرح صدره لإحسانك، والإنسان المحسن -وإن كان مخلصًا لله- لا يريد منهم جزاء ولا شكورًا، لكن لا شك أن من الأدب أن تكافئ من صنع إليك معروفًا، لو أن رجلًا تصدق على فقير جاءه ويقول: أنا عليّ دين كثر فأعطاه مائة ريال، قال: لا تعطني غير مائة، الله لا يكثر خيرك، ثم اكفهر في وجهه وألقى بالمائة، هل هذا موافق للشرع أم مخالف؟ مخالف، كان الذي ينبغي له أن يقول جزاك الله خيرًا ويأخذ المائة ينتفع بها إن كان عليه عشرة ملايين ريال الآن صار عليه عشرة إلا مائة إذا كان صادقًا، والعامة يقولون: القطر مع القطر يأتي غدير، والشاعر يقول:
لا تحقرنَّ صغيرة***إنَّ الجبال من الحصى
لكن أقول: إن بعض الناس حرم هذا الأدب، والخلق النبيل الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله، "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه" هذا قوله، وكونه دعا لعروة هذا فعله.
ومن فوائد الحديث: حدوث آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي إجابة الدعاء، حتى إن هذا الرجل لو اشترى ترابًا لربح فيه، ومواضع إجابة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة، وكلها تأييد لرسالته صلى الله عليه وسلم، وإذا وقع مثل هذا لمتبع الرسول صلى الله عليه وسلم سميناه كرامة لمن وقع له، ومعجزة أو آية للرسول صلى الله عليه وسلم وهو المتبوع؛ لأن إظهار هذه الكرامة لمتبع الرسول صلى الله عليه وسلم شهادة من الله أن هذا على حق، فيكون متبوعة أيضًا على حق.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 613)

ومن فوائد الحديث: أن المكافأة تكون من جنس المكافأ عليه، من أين يؤخذ؟ دعا له بالبركة في بيعه؛ لأن الذي وقع منه إسداء معروف في بيعه، فينبغي أن تكون المكافأة من جنس الإحسان، إلا إذا رأى الإنسان أنه لا يليق أن يعطيه من جنس إحسانه أو أن يخشى أو خشي أن يظن الفاعل المعروف أن هذا ردُّ لمعروفه، فهنا ينبغي أن يكافئه من جنس آخر، مثال ذلك: رجل أهدى إلي بمناسبة ظهور أول الرطب فصل من الرُّطب فأهديت أنت إليه كافأته بفصل من الرطب مثل رطبه هذا أشبه أن يكون ردَّا، لكن أهدى عليه مثلًا فصلًا من العنب، المهم: ينبغي للإنسان في مثل هذه الأحوال أن يحرص غاية الحرص على ألَّا يخدش المحسن إليه بحيث يشعر أن هذا ردٌّ لجميله.
ومن فوائد الحديث: أن الربح لا يحدد، فيجوز للإنسان أن يربح الربع أو الخمس أو العشر أو الأكثر، لكن بشرط ألا يكون في ذلك غبن، فإن كان عن طريق الغبن، فإنه يحرم ما زاد على العادة، وأما إذا كان عن طريق الكسب؛ أي: أن السوق زادت قيمة السلع فيه أو أن البائع الأول قد حاباه، أو أن المشتري الثاني قد حاباه فإن هذا لا بأس به وقد يكون البائع الأول يعرف أن هذه السلعة تساوي عشرين، فباع عليك بعشرة، إذا بعت بثمن المثل فبكم تبيعها؟ بعشرين أو أكثر هذا لا يضر؛ لأن الأول حاباك، أو أن يكون المشتري الثاني يعلم أن قيمتها عشرة لكن أراد أن ينفعك فاشتراه بعشرين، هذا لا بأس به، وإن كانت السلع في الأسواق لم يحصل منها زيادة.
الحاصل لنا: أن في هذا الحديث دليلًا على أنه لا تحديد للربح.
فإذا قال قائل: إذن لو اتفق أهل السوق على أن يجعلوا ما يساوي مائة بثلاثمائة.
قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه احتكار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ".
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لو أعطاك مالًا تشتري به حاجة معينة واشتريتها بأقل مما أعطاك وجب عليك أن ترد الباقي، ولو قال: خذ هذه السلعة بعها بمائة فبعتها بمائة وعشرين فهل يجب عليك أن تعطيه مائة وعشرين، أو تقول: هو قال: بعها بمائة والعشرين لي؟ الأول؛ لماذا؟ لأنه قد يكون البائع يحدد الثمن ظنًا من أنها لن تزيد عليه فيكون السوق قد أخلف، أو يأتي إنسان محتاج ولا يهمه أن يزيد عليه الثمن، ولكن لو قال: بع هذه بمائة وما زاد فلك؛ فهذا جائز، ولا يقال: إن هذا مجهول، نقول: لأن المالك قد علم الثمن الذي قدره فلا يريد أكثر من ذلك.
وقوله: وأورد التِّرمذيُّ له شاهدًا من حديث حكيم بن حزام.
"الشاهد" هو ما يدل على معنى الحديث، وللعلماء حول هذا الموضوع ثلاثة أشياء: اعتبار

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 614)

وشاهد ومتابع، كلها تتعلق في تقوية الأحاديث بعضها ببعض، فأما الشاهد: فهو ما روي من حديث آخر يؤيده في المعنى هذا يسمى شاهدًا، وأما المتابعة: فهو أن يتابع الرجل الضعيف رجلًا آخر في الأخذ عن شيخه هذا يسمى متابع ثم إما أن تكون قاصرة إن كانت فيمن فوق الشيخ، وقد تكون تامة إذا كانت في الشيخ، وأما الاعتبار فهو تتبع طرق الحديث لينظر هل لهذا الحديث شاهد أو لهذا الراوي متابع، مثال لذلك: روى زيد عن عمرو حديثًا وزيد من الضعفاء، فروى بكر عن عمرو هذا الحديث تسمى هذه متابعة، لأن بكرًا تابع زيدًا في الأخذ عن عمرو، وهذا يقوي، أما الشاهد فهو أن يروي حديثًا يوافقه في المعنى، لكن من طريق آخر، هذا هو الشاهد وسميناه شاهدًا؛ لأنه أجنبي من هذا الحديث، وتتبع الطرق لهذا الشيء يسمى اعتبارًا؛ لأن العلماء إذا رأوا الحديث الضعيف ذهبوا يبحثون في كتب الحديث لعلهم يجدون له شاهدًا، أو يجدون لراوية متابعًا من أجل أن يتقوى؛ لأننا مأمورون بحفظ السنة، فإذا رأينا حديثًا ضعيف السند ولا يخالف الأحاديث الصحيحة، فلنبحث عنه لننظر هل نرى له شاهدًا، أو لراويه الضعيف متابع أما إذا كان حديث شاذ المتن فأمره هيّن؛ لأننا لو تعبنا ووجدنا له طرق صحيحة وهو شاذ المتن لم يكن صحيحًا، يعني: لا تتعب نفسك فيما إذا رأيت هذا الحديث مخالفًا للأحاديث الصحيحة، لأنك لو رأيت فالحديث الشاذ ليس بصحيح، لكن أحيانًا يكون الضعف من حيث السند، والحديث لا يعارض الأحاديث الصحيحة أو ربما تؤيده الأحاديث الصحيحة بمعناها العام فإنه ينبغي بل يجب أن تتبع الطرق من أجل أن تحصل على ما يقويه من شاهد أو متابع.

‌‌بيع الغرر:
787 - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتَّى تضع، وعن بيع ما في ضروعها، وعن شراء العبد وهو آبقٌ، وعن شراء المغانم حتَّى تقسم، وعن شراء الصَّدقات حتَّى تقبض، وعن ضربة الغائص". رواه ابن ماجه، والبزَّار، والدَّارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ.
قوله: "ما في ضروعها" يعني: من اللبن، و"العبد" أي: المملوك، و"آبق" بمعنى: شارد عن سيده هارب منه، و"المغانم" جمع مغنم، وهو ما يغنمه المسلمون من الكفار من الأموال عند القتال وما ألحق به، و"الصدقات" يعني: الزكوات، يعني: يقال لشخص: ما لك عندنا صدقة

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 615)

زكاة فلا يبيعها حتى يقبض، وقوله: "الغائص" أي: الذي يغوص في البحر لاستخراج الدِّرر منه فيقول: أضرب الآن، يعني: أغوص فما أخرجته فهو لك بكذا، كم هذه من نوع؟ ستة أنواع يجمعها معنى واحد وهو الغرر.
وقد صحّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
الفرق بين بيع الحصاة والرحى:
حدثني في المدينة هذه الأيام يقول سمع شيخًا من أئمة المساجد يقول إن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وهؤلاء الله يهديهم يبيعون الرَّحى، فهو آخذ بظاهر اللفظ، وظن أن الحصاة هي الرحى، فمثل هذا جهله يسمى جهلًا مركبًا، المهم أن هذه الأنواع الستة يجمعها الغرر في كلِّ منها، وقد ثبت النهي عن الغرر كما ذكرنا، وهذه تعتبر قاعدة من قواعد الشرع في البيوع، فأولًا نهى عن شراء ما في بطون الأنعام، وهي جمع نعم وهي: الإبل والبقر والغنم، ويقاس عليها ما سواها، وإنما نهى عن بيعها؛ لأنها غرر عظيم، فالذي في بطون الأنعام قد يكون متعددًا وقد يكون واحدًا، وقد يكون ذكرًا وقد يكون أنثى، وقد يخرج حيًا وقد يخرج ميتًا، وقد يكون مشوَّها، وقد يكون سليمًا، المهم: أن كثيرًا من احتمالات الغرر ترد على ما في بطون الأنعام، إذن متى يصح بيعها؟ قال: "حتى تضع"، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يسد الأبواب كلها من كل وجه فقال: "حتى تضع" بدل ما تبيعها اليوم بعها غدًا إذا وضعت، ويستفاد من هذه الجملة: تحريم بيع ما في بطون الأنعام وفساد البيع أيضًا؛ لأنه قد تقرر في علم الأصول أن ما نهي عنه فهو فاسد، سواء من العبادات أو من المعاملات، ووجه ذلك: أن ما نهي عنه فإنَّ النهي يستلزم البعد عنه وعدم تنفيذه فإذا نفِّذ وصحَّح فقد ضاد الإنسان أمر الله عز وجل.
فيستفاد من هذا الحديث: جواز بيع الحامل وما في بطنها؛ لأن النهي إنما ورد عن بيع ما في بطونها لا عن الحوامل، وعلى هذا فإذا باع الإنسان أنثى حاملًا من بهيمة الأنعام أو من غيرها فالبيع صحيح.
ويستفاد من هذا الحديث: ما أشار إليه ابن رجب في قواعده، من أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، ويغتفر في التابع ما لا يسوّع في المتبوع، ثاميًا: قال: "وعن بيع ما في ضروعها" يعني: حتى يحلب، فينهى عن بيع ما في ضروع بهيمة الأنعام؛ لأنه مجهول؛ ولأنه غير مقدور على تسليمه؛ أما الجهالة فظاهر حتى لو رأيت حجم الضرع فقد يكون اللحم الذي في داخل الضرع كثيرًا وقد يكون قليلًا، فإذا كثر قلّ اللبن وإذا قلّ كثر اللبن، إذن اللبن مجهول، ثانيًا: أنه

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 616)

غير مقدور على تسليمه لماذا؟ لأن البهيمة قد تعاكس، فإذا كان غير مقدور على تسليمه ولا معلوم فلا يصح لأنه غرر.
الثالث: وعن شراء العبد وهو آبق، نرجع إلى الجملة الأولى: "شراء ما في ضروعها حتى تجلب"، فإذا حلبت صح بيع الحليب؛ لأنه من الشيء المباح، هل يقاس على ذلك ما في وعائه من الثمار كأن يقال لا يصح بيع الرمان في قشرة؟ لا، لماذا؟ لأن هذا لا يمكن بيعه إلا على هذا الوجه؛ إذ لو أ/رنا البائع بأن يفتحه لكان ذلك عرضة لفساده، وهو مما جرى بين المسلمين بيعه في قشرة بيع السنبل في حبه أجازه الشارع فنهى عن بيع الحب حتى يشتد، فإذا اشتد جاز بيعه ولو في سنبله مع أنه في سنبله فيه شيء من الجهالة لكن لما كان لا يمكن بيعه إلا على هذا الوجه اغتفرت فيه الجهالة.
هل يقاس على ذلك بيع الفجل في الأرض والثوم والبصل وشبهها؟ أيضًا قاسه بعض العلماء على هذا، وقال: لا يصح بيع البصل والثوم والفجل وما مأكوله في باطن الأرض؛ لأنه مجهول لا يعلم، ولكن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله تعالى- جواز بيع ذلك، قالا: لأنه مما جرت به العادة؛ ولأنه مغروس بأصل الخلقة فيكون كالرمان والبطيخ وليس كاللبن في الضرع من كل وجه؛ لأن اللبن في الضرع فيه بالإضافة إلى الجهالة أنه غير مقدور على تسليمه وأيضًا أنه ينمو فكلما حلبت نزل اللبن بخلاف هذا، والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام وابن القيم من جواز بيعه، وهو أيضًا معلوم عند أهل الخبرة يعرفون أن البصل كبير ولو كان في باطن الأرض مما يظهر من سوقه وأوراقه.
قال: "وعن شراء العبد وهو آبق" من العبد؟ الرقيق، يعني: المملوك وقد أطلق الله على المملوك اسم العبد فقال: {والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 22]، وقوله "وهو آبق" أي: هارب من سيده، إلى متى؟ الجملة هذه حال، "وهو آبق" أي: في حال إباقه، أما إذا رجع فإنه يصح شراءه، ولكن لو اشتراه الإنسان دون أن يخبره بائعه بأنه قد أبق، فهل له الخيار في رده؟ نعم، لماذا؟ لأن الإباق عيب، ومن أبق عند سيده الأول فلا يضمن أن يأبق عند الثاني، ويستفاد من هذه الجملة من الحديث: جواز بيع وشراء العبد.
فإذا قال قائل: إن في هذا ظلمًا لهم كيف تجعله كالبهيمة يباع ويشترى؟ قلنا إنهم لم يظلموا، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم؛ لأن سبب الرق هو الكفر، فإذا كانوا هم الذين ظلموا أنفسهم فإننا لم نظلمهم، وقد جاءت النصوص الكثيرة بالحث على مواساتهم وعلى الرأفة بهم والرحمة وعلى العتق حتى جعل له الشارع أسبابًا كثيرة من المعاصي التي تكفر بالعتق، وهل

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 617)

هذا النهي عن شراء العبد وهو آبق على إطلاقه، أو نقول: إنه إذا قدر الإنسان المشتري على رد هذا العبد الآبق جاز الشراء، من نظر إلى ظاهر اللفظ قال: إن النهي عام، وقد تظن أنك قادر على رده ولكن لا تستطيع، ومن نظر إلى المعنى قال: إنه إذا كان الإنسان قادرًا على رده فلا بأس، لأن الحكم يدور مع علته؛ فإذا كان هذا عنده من وسائل الطلب ما يستطيع به أن يرد هذا الآبق كرجل مثلاً عنده سيارة جيب تجوب الرمال والجبال حتى يجد هذا الرجل، فلا بأس بشرائه الآبق: وأما إذا لم يكن عنده ولكنه خاطر فإن هذا لا يجوز.
ومن فوائد الحديث: "وعن شراء المغانم حتى تقسم" النهي عن شراء المغانم حتى تقسم، وكما في الجملة الأولى أن النهي يقتضي الفساد، وفي هذه الجملة دليل على أن المغانم تملك لقوله: "حتى تقسم"، وهو كذلك، فإن الغنائم أحلت لهذه الأمة ولم تحل لأمة قبلها، أحلت لهم ليستعينوا بها على الجهاد في سبيل الله، وعلى حوائجهم الأخرى، أما الأمم السابقة فإن الغنائم لا تحل لهم، وقد ذكروا أنها كانت تجمع في مكان وتنزل عليها نار من السماء فتحرقها.
ومن فوائد هذه الجملة: أن المغانم مشتركة لقوله: "حتى تقسم"، والقسم يكون بعد الاشتراك، ولكن بين من؟ قال العلماء: الغنيمة لمن شهد الوقعة من أهل القتال، وأما من ليس من أهل القتال فليس لهم سهم، ولكن يعطى منها شيئًا لا يبلغ حد سهم المقاتل.
ومن فوائد الحديث: في قوله: "وعن شراء الصدقات حتى تقبض" أي: أن شراء الصدقات لا يجوز ممن استحقها حتى يقبضها، والعلة في ذلك أولاً: عدم الملك، وهذا فيما إذا لم يعين نصيبه في شيء من الصدقة، فإن عين نصيبه في شيء من الصدقة فإن العلة عدم تمام الملك؛ لأنه لا يتم ملكه حتى يقبضها، فلو قال الساعي الذي يجبي الزكاة لخمسة فقراء لكم كذا وكذا من الزكاة صار الآن مشتركًا معينًا مملوكًا، لكنه لا يتم ملكه حتى يقبضه أصحابه، فإذا قبضوه جاز بيعه، وعلم من هذا الحديث أنه إذا قبضت جاز بيعها وإن لم تقسم؛ ولهذا صرح في المغنم قال: "حتى تقسم" وفي الصدقات قال: "حتى تقسم" فإذا قال الساعي لجماعة من الفقراء خمسة: هذا لكم، فإذا قبضوه وحازوه جاز لأحدهم أن يبيع نصيبه منه، فإذا كانوا خمسة كم لكل واحد؟ الخمس، وجاز أن يبيعوه جميعًا وإن لم يقسم؛ لأنه كسائر الأملاك المشتركة.
ويستفاد من هذا الحديث: من قوله: "وعن ضربة الغائص" جواز الغوص في البحر لطلب الدُّرر وغيره مما هو موجود في البحر، وهذا مقيَّد بما إذا كان الغالب السلامة، فإن كان الغالب الهلاك فالغوص حرام؛ لقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا} [النساء: 29]. وإن تساوى الأمران فالاحتياط التحريم؛ لأن من القواعد المقررة: "أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غلّب

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 618)