نقول: هذا ينبني على قاعدة مرت في حديث أخرجه البخاري، «من أخذ الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» في هذا الحديث لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر عليه. فيستفاد منه: أنه إذا لم يطلب الغرماء الحجر، فإنه لا يحجر عليه، ولكن يتولى الإمام أو الحاكم بيع ماله وقسمه بين الغرماء بدون حجر.
الحجر:
830 - وعن ابن كعب بن مالك، عن أبيه رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه» رواه الدارقطني، وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود مرسلا ورجح إرساله.
كعب بن مالك رضي الله عنه هو أحد الثلاثة الذين خلفوا يعني: تخلفوا عن غزوة تبوك، وخلفوا في الحكم عليهم، لا أن المعنى خلفوا عن الغزوة، بل أنهم خلفوا، يعني: أرجئ أمرهم حتى يقضي الله فيهم كما هو مصرح به في حديث الثلاثة، وقوله: «حجر على معاذ» هو ابن جبل رضي الله عنه، وكان عليه دين وماله لا يفي بما عليه فحجر عليه، «ماله» يعني: أنه منعه من التصرف فيه؛ لأن الحجر بمعنى: المنع، «وباعه» أي: النبي صلى الله عليه وسلم «في دين كان عليه».
ففي هذا الحديث الحجر على الإنسان في ماله وبيعه بغير رضاه، ووجه الدلالة: أن ذلك وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن متى يكون الحجر؟ نقول: المدين له أربع حالات: إما أن يكون ماله أكثر من دينه، أو يكون دينه أكثر من مله، أو يتساوى دينه وماله أو لا يكون عنده مال أصلاً، إذا لم يكن عنده مال حرم التعرض له ولا يجوز طلبه ولا مطالبته، ولا حسبه بل يجب تركه، ودليل ذلك قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] إذا كان ماله أكثر من دينه فإن لا يحجر عليه أيضاً، ولكن «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» يعني: أننا نعاقبه حتى يوفي نأمر بالوفاء، فإن أبي حبسناه، فإن أبي ضربناه حتى يوفي، فإن أبي بالكلية أوفينا من ماله قهراً عليه بدون حجر، الحال الثالثة: أن يكون ماله ودينه سواء، فهذا أيضا لا يحجر عليه ولكن يؤمر أولاً بالوفاء فإن أبي حبس، فإن أبي ضرب، فإن أبي بيع، الحالة الرابعة: أن يكون دينه أكثر من ماله، يعني: عنده مال لكن الدين أكثر من المال، فماله عشرة ودينه عشرون، هذا لا يترك ولا يحبس ولا يضرب، ولكن يحجر عليه؛ أي: أننا نمنعه من التصرف في ماله، ويتولى الحاكم الشرعي بيع ماله ويفرقه على الغرماء كل بقدر دينه بالقسط، وفي هذه الحال بأي شيء نبدأ؟ نبدأ أولاً بالرهن، فإذا كان لأحد رهن في المال فهو أحق به، ثم بمن وجد عين ماله، وقال
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 114)
بعض أهل العلم: نبدأ بمن وجد عين ماله، فإن لك يكن أحد وجد عين ماله بدأنا بالرهن وحجة من قال بالأول- البدء بالرهن- قال؛ لأن هذا المفلس تصرف بالرهن على وجه صحيح؛ لأنه رهنها- هذه العين- قبل أن يحجر عليه، ولما رهنها تعلق بها حق الغير وهو المرتهن فصار مقدماً، وحجة من قال يبدأ بمن وجد عين ماله قالوا: لعموم الحديث: «من أدرك ماله بعين عند رجل قد أفلس فهو أحق به» ثم بعد ذلك بالغرماء، هل نقدم الأول أو الأخير؟ هم على حد سواء ونعطيهم بالقسط بالنسبة، وكيف النسبة؟ نحصي دينه، ثم نحصي ماله، ثم ننسب المال إلى الدين، ونعطي كل واحد من دينه بمثل هذه النسبة، فإذا قدرنا أن دينه عشرة وماله خمسة، كم نعطي كل واحد؟ نصف حقه، نصف دينه، فمن له درهمان نعطيه درهماً، ومن له ألفان نعطيه ألفاً، المهم أننا ننسب الموجود إلى المطلوب، ونعطي كل واحد مثل تلك النسبة.
هناك أيضاً بحث آخر هل يحجر عليه في ماله وذمته أو في ماله فقط؟ نقول: يحجر عليه في ماله فقط، فلا يتصرف في ماله لا في بيع ولا شراء ولا غير ذلك، أما في ذمته فلا يحجر عليه، فمثلاً هذا الرجل الذي وجدنا أن دينه عشرة وماله خمسة حجرنا عليه إذا باع شيئاً من ماله فالبيع غير صحيح، وأما إذا اشترى شيئاً في ذمته فالشراء صحيح؛ لأن ذمته قابلة للتحمل والتصرف بخلاف أعيان ماله، فإنه قد حجر عليه فيها، ولهذا حديث معاذ: «حجر عليه ماله»، أما ذمته فإنها طليقة يتصرف فيها إن شاء استأجر وإن شاء اقترض وإن شاء اشترى بثمن مؤجل.
ومن فوائد حديث معاذ: إثبات الحجر على من استحقه، وسبق لنا أن الحجر لا يكون إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كان الدين أكثر من المال ولا حجر في ثلاث صور: إذا كان المال أكثر من الدين، أو كان مساوياً، أو لم يكن له مال، الحجر إنما يكون فيمن عنده مال لكن دينه أكثر من ماله.
ومن فوائد حديث معاذ: جواز بيع الإنسان وإن لم يرض بالبيع إذا كان بحق لقوله: «وباعه في دين كان علي» وعلى هذا فقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} يستثنى منها هذه المسألة، فإن المحجور عليه يباع ماله قهراً لأن ذلك بحق.
ومن فوائد حديث معاذ: خطر الدين وعظم شأنه، وأنه قد يؤدي بصاحبه إلى أن يباع ماله.
ومن فوائده: أنه إذا كان يباع المال الموجود في قضاء الدين فما بالك بالشخص يشتري شيئاً ديناً عليه وهو ليس له حاجة فيه؛ لأن بعض الناس الآن يذهب يستدين من أجل أن يشتري الكماليات ليس بحاجة ولا بضرورة إليها، وهذا لا شك أنه من السفه من سفه الإنسان أن يذهب ويستدين من أجل مسائل كمالية، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرشد الذي أراد أن يزوجه وليس عنده شيء وقال: «التمس ولو خاتماً من حديد» قال: لا أجد، لم يرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 115)
يستدين مع أنه محتاج إلى الزواج، وإنما زوجه بما معه من القرآن، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر إذا قدمت له الجنازة عليها الدين ليس له وفاء لا يصلي عليها دل هذا على خطر الدين وأهميته، ولهذا ينبغي لكم أن تلاحظوا هذه المسألة لأنا وجدنا كثيراً من الناس يستدين لأجل أن يكون كالأغنياء في مأكله ومشربه وملبسه ومركوبه ومسكنه، وهذا لا شك أنه من السفه، يعني: رجل لا يملك من هذه الأشياء إلا بدين وآخر يملك أضعافها من عنده غني يريد الأول أن يكون مثل الثاني لا شك أنه سفه، وأن الإنسان ينبغي له أن يتحرز من الدين بقدر استطاعته.
831 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني» متفق عليه.
وفي رواية للبيهقي: «فلم يجزني، ولم يرني بلغت» وصححها ابن خزيمة.
أتى المؤلف بهذا الحديث؛ لأن الحجر يكون لحظ الإنسان المحجور عليه ولحظ غيره، ففي حديث معاذ كان الحجر لحظ الغير، وفي حديث ابن عمر الإشارة إلى الصغر، والصغير لا يعطي ماله كما قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5].
وقال: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6]
فاشترط الله تعالى لجواز دفع مال اليتيم إليه، اشترط شرطين: الأول البلوغ لقوله: {حتى إذا بلغوا النكاح} والثاني: الرشد لقوله: {فإن أنستم منهم رشداً} ومع ذلك لا تدفع إليهم هذا إلا بعد أن نبتليهم أي: نختبرهم، فيختبر قبل البلوغ بما يليق به، وينظر هل هو رشيد أو لا، فإذا كان رشيداً دفع إليه المال من حين أن يبلغ.
فهنا نقول: الحديث يدلنا على سن البلوغ، وأنه خمس عشرة فنبدأ أولاً بشرحه:
قال: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد» وأحد كانت في السنة الثالثة في شوال، وكان ابن عمر له أربع عشرة سنة، يعني: لم يبلغ خمس عشرة، قال: «وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة» وهذا فيه إشكال من حيث الظاهر؛ لأن عزوة الخندق كانت في السنة الخامسة وأحد كانت في السنة الثالثة، ومن له أربع عشرة في السنة الثالثة يكون له في السنة الخامسة ست عشرة، وهنا يقول: «وأنا ابن خمس عشرة» ففيه إشكال، حيث إن ظاهره التعارض، ولكن الجواب على ذلك من أحد وجهين:
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 116)
إما أن يقال: إن ابن عمر ألغى الكسر، فيقول: وأنا ابن أربع عشرة سنة أي: قريبا من تمامها وأنا ابن خمس عشرة يعني: في أولها، فإذا كان في أحد في أول الرابع عشر وفي الخندق في آخر الخامس عشر فيلتقي أول الرابع عشر وآخر الخامس عشر يلتقيان في شهر واحد فيصح، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن يكون معنى قوله: «وأنا ابن خمس عشرة» أي: قد بلغتها، فلا ينافي أني كون زائداً عنها وعلى هذا فلا إشكال، وقوله: «عرضت عليه وأنا ابن أربع عشرة» يعني: عرضت عليه لأكون مقاتلاً، فلم يجزه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يجوز أن يمكن من مل يبلغ من القتال لعدة أوجه:
منها: أن من لم يبلغ لا يتمكن من تحمل القتال، لأن حتى الآن لم يكن شيئاً بل يمكن من أول ما يهجم العدو يفر وفي هذا من الضرر ما فيه.
ومنها: أنه ربما يكون لقمة سائغة للعدو فيأسره ويكون أسيراً عندهم وربما ارتد عن الإسلام؛ لأن صغير، والصغير يتكيف حسب ما يوجه إليه.
ومنها أيضاً: أنه ليس فيه قوة على الهجوم لضعفه، وهذا ليس هو معنى الوجه الأول؛ لأن الوجه الأول يفر، وهذا لا يهجم، لأنه صغير، وإذا لم يستطع الهجوم، وصار حائلاً بين العدو وبين البالغين صار في هذا مفسدة، ولهذا نقول: إن ذهاب الصغر إلى القتال خطأ عظيم، المسألة ليست جمع رجال فقط بل المسألة جهاد، فإذا لم يكن أهلاً للجهاد فإن يجب منعه حتى وإن كان عاقلاً فاهماً، إذن يقول: «فلم يجزني» لأنه غير أهل للقتال، «وعرضت عليه يوم الخندق» وكانت في شوال سنة خمس وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، يعني: رخص لي في الغزو.
وهذا الحديث الذي في الصحيحين ليس فيه الإشارة إلى أن البلوغ يكو بخمس عشرة سنة، بل فيه دليل على أن الإنسان إذا بلغ خمس عشرة سنة صار أهلاً للقتال، وما دونها ليس بأهل، هذا ما يدل عليه الحديث، لكن رواية البيهقي تدل على أن سبب الرد أنه لم يبلغ، وسبب القبول أنه بلغ، وعلى هذا فتكون السن الخمس عشرة من علامات البلوغ.
من فوائد الحديث: أنه يجب على أمير الجيش أن يفتقد الغزاة، وألا يأخذ كل من هب ودب، ولذلك يمنع الصبيان، ويمنع من لا يصلح للقتال، ويمنع الخذل، ويمنع المرجئ المخذل الذي يخذل الناس، والمرجئ الذي يقول: عدوكم كثير ليس لكم به طاقة، فيجب على ولي الأمر في الغزو أن يمنع مثل هؤلاء ويجب عليه أن يتفقد الغزاة قبل الشروع في الغزو.
ومن فوائده: أنه يجب رد من لا يصلح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد عبد الله بن عمر رضي الله عنه في أحد مع أن الصحابة يحرصون على أن يجاهدوا، حتى جاء رجل أعرج يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 117)
الجهاد، فقال: «إن الله لم يجعل عليك حرجاً» قال: إني أحب أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم.
من فوائد الحديث: أن البلوغ يحصل بتمام خمس عشرة سنة لقوله: «فلم يجزني ولم يرني بلغت» يعني: وفي الثانية أجازني لأنني بلغت.
ومن فوائد الحديث: أن الخندق كانت في السنة الخامسة، لو قال قائل: إن الخندق في السنة الرابعة لكان أقرب، نقول: لا؛ لأن قريشاً واعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أحد بدراً في السنة الرابعة ولكنهم لم يحضروا، كما قال ابن القيم في زاد المعاد، في السنة الخامسة ألبوا عليه الأحزاب والقبائل وحضروا إلى المدينة.
يؤخذ من هذا الحديث- وإن كان على بعد-: زوال الحجر بالبلوغ، ولكنه لا يؤخذ من مجرد الحديث، يؤخذ بانضمامه إلى الآية: {حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء: 6]. فإن بلوغ النكاح يعني: البلوغ، فيؤخذ منه: أنه تم له خمس عشرة سنة فقد بلغ، فينظر إلى الشرط الثاني وهو الرشد.
ومن فوائد الحديث: الرد على من قال: إنه لا بلوغ بالسن، يؤخذ من قوله: «فلم يجزني ولم يرني بلغت» ولهذا اختلف العلماء: هي يحصل البلوغ بتمام خمس عشرة سنة أو بتمام ثماني عشرة سنة، فمذه أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا بلوغ قبل تمام الثماني عشرة والجمهور على خلافه، وقول الجمهور أصح لحديث ابن عمر هذا.
وللأثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان يعطي من تم له خمسة عشرة سنة بغرض له في العطاء فينزله منزلة البالغين.
832 - وعن عطية القرطبي رضي الله عنه قال: «عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي» رواه الخمسة وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: على شرط الشيخين.
عطية القرظي هذا من بني قريظة وهم طائفة من اليهود، واليهود- كما نعلم- كانوا ثلاث قبائل في المدينة حين قدم إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قدموا إلى المدينة من أذرعاء من الشام؛ لأنهم قرأوا في كتبهم أنه سيبعث نبي ويكون مهاجره المدينة، فلما قرأوا هذا قدموا إلى المدينة؛ لأنهم كانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا يقولون: سيبعث نبي وننتصر عليكم، فتجمعوا في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 118)
المدينة ثلاث قبائل وهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم جرى بينه وبينهم عهد، ولكنهم نقضوا العهد وكان آخرهم بنو قريظة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينما رجع من الأحزاب وألقى عدة الحرب جاءه جبريل وأمره أن يخرج إلى غزو بني قريظة؛ لأنهم خانوا العهد حينما تمالئوا مع الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم وحاصرهم نحو خمس وعشرين ليلة، وطال الحصار، ثم طلبوا النزول على حكم سعد بن معاذ لأن سعد بن معاذ كان حليفاً لهم، فظنوا أنه سيفعل فيهم كما فعل عبد الله بن أبي ببني النضير؛ لأن عبد الله ابن أبي كان حليفاً لبني النضير وتوسط فيهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فظنوا أن سعد بن معاذ يفعل كفعله يكون شافعاً لهم؛ لأنه حليفهم، ولكنه رضي الله عنه كان قد أصيب في أكحله يوم الخندق، والأكحل عرق في الإبهام وينزف دم وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب رضي الله عنه؛ لأنه رجل فاضل هو سيد الأوس، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «لمناديل سعد في الجنة خير من هذا» في خرقة حرير، وقال: إنه لما مات اهتز له عرش الرحمن عز وجل في هذا يقول حسان بن ثابت: [الطويل].
(وما اهتز عرش الله من أجل هالك … سمعنا به إلا سعد أبي عمرو)
نزلوا على حكمه، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي به من المسجد، فجيء به على حمار، فلما أقبل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا لسيدكم» يقوله للأوس، فقاموا إليه وأنزلوه من الحمار ونزل، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم: أن بني قريظة جعلوه حكماً، فقال: يا رسول الله، حكمي نافذ على هؤلاء يشير إلى اليهود؟ قال: «نعم» و «على هؤلاء» ولكنه رضي الله عنه خجل أن يتجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: حكمي عليكم؛ يعني: لم يلتفت إجلالاً للرسول صلى الله عليه وسلم، لا يحب أن يكون حكمه هو على الرسول صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة» ثم نفذ هذا الحكم؛ وكان رضي الله عنه حينما أصيب في أكحله يوم الخندق قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة، فأقر عينه، وأي قرار عين من أن يكون هو الحكم فيهم، حكم فيهم هذا الحكم الموافق لحكم رب العالمين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلوا، وكانوا نحو سبعمائة نفر، فقتلوا كلهم وسبيت نساؤهم
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 119)
وذريتهم، ومن بين السبي صفية بنت حييي رضي الله عنهما زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وإحدى أمهات المؤمنين، لكن كيف يعرف المقاتل من غيره؟ كانوا يعرضونهم على الرسول صلى الله عليه وسلم المشتبه فيهم وإلا الواضح فواضح، فمن أنبت قتل ومن لم ينبت لم يقتل؛ لأن من أنبت صار من المقاتلة، ومن لم ينبت لم يقتل؛ لأنه صار من الذرية سبي، وهذا عطية رضي الله عنه كان من اليهود ومن الله عليه، فأسلم، كان ممن لم ينبت فخلي سبيله وأسلم.
من فوائد هذا الحديث: أولاً: أن الله عز وجل قد يمن على من يشاء من عباده فيهدي الضال كما جرى لعطية القرظي، وهل أحد من اليهود أسلم غير عطية؟ نعم، أسلموا وحسن إسلامهم، ومنهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه فإنه حبر من أحبارهم وسيد من أسيادهم.
ومن فوائد الحديث: جواز الكشف عن العورة عند الحاجة إليه لقول: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل»، ومعلوم أنه لا يعرف أنه أنبت أو لم ينبت إلا بالكشف عن مؤتزره، ولكن يجب أن يكون ذلك بقدر الحاجة فإذا كان يمكن أن نعرف أنه أنبت أو لم ينبت بدون أن نكشف عن السوءة لم يجز أن نكشف عن السوءة؛ وإذا كان لا يمكن إلا بالكشف عن السوءة كشفنا عن السوءة، المهم أن العورة ينظر إليها بقدر الحاجة فقط.
ومن فوائد الحديث/ جواز الحكم بقت المقاتلة كما فعل سعد بن معاذ وأقره النبي صلى الله عليه وسلم بل أقره الله.
ومن فوائد الحديث: فضيلة سعد بن معاذ رضي الله عنه؛ حيث وافق حكمه حكم الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الحديث: أن من لم ينبت فهو من الذرية فيكون سبياً وغنيمة للمسلمين لقوله: «ومن لم ينبت خلي سبيله».
ومن فوائد الحديث: أن من بلغ من الناس فإنه لا يكون في منزلة أبيه في الجنة، وإنما الذرية الذين يكونون مع آبائهم هم الذين لم يبلغوا؛ لأن قول سعد: «تسبي ذريتهم» ثم يكشف عن المؤتزر فمن أنبت قتل علم أن لفظ الذرية لا يكون إلا لمن لم يبلغ، ولأن من بلغ استقل بنفسه، فله منزلة؛ ولهذا قال الله تعالى: {والذين أمنوا وأتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور: 21].
فجعل الذي يلحق بأبيه المتبع الصغير الذي يكون إيمانه تبعاً لأبيه، ويدل لذلك أيضاً من حيث العقل أننا لو قلنا بأن المراد بالذرية ما يعم البالغين، لكان أهل الجنة كلهم في منزلة واحدة، وقال: أبناء الأبناء كذلك، وصار الناس كلهم في منزلة واحدة، فيقال: من بلغ لم يشمله حكم الذرية التابعة فيكون في منزلته التي يستحقها، ومن لم يكن بالغاً، فإنه في منزلة أبيه، وهذا هو السر، والله أعلم في التعبير بقوله: {وأتبعتهم ذريتهم بإيمان}
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 120)
ومن فوائد هذا الحديث: ما أراده المؤلف رحمه الله في إيراده في هذا الباب وهو أن البلوغ يحصل بإنبات شعر العانة، لكن أهل العلم قالوا: بشرط ألا يكون الإنبات عن طريق العلاج، كيف ذلك، يعني: ألا يضع دواء في موضع العانة من أجل أن تخرج وهذا يمكن أن يكون، إنسان يريد ماله عند وليه وهو يتيم لم يبلغ ووليه ماطل وهو يريد أن يأخذ ماله، فقال: إذن ما الحيلة؟ أقول: إني بلغت ست عشرة سنة، فيقول: كذبت، أنت الآن في أربع عشرة سنة، ولو قال: بلغت باحتلام يمكن أن يكذبه الولي إذ قال: إنه بلغ بالإثبات وهو أمر حسي يشاهد، فذهب يستعمل دواء من أجل أن ينبت فهل يكون بالغاً؟ قال العلماء: لا، لأن هذا أنبت بعلاج ومحاولة فيكون إثباته في غير وقته الطبيعي فلا يحكم ببلوغه.
تصرف المرأة المالي:
833 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بأذن زوجها».
وفي لفظ «لا يجوز للمرأة أمر في مالها، إذا ملك زوجها عصمتها» رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا الترمذي، وصححه الحاكم.
يقول: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والجد المذكور عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يجوز لامرأة عطيته، يحتمل أن يراد بالجواز هنا النفوذ يعني: لا ينفذ، ويحتمل أن يكون المراد بالجواز: الحل ويكون معنى «لا يجوز» أي: لا يحل، فعلى الأولى يكون المعنى: أن المرأة وإن أعطت شيئاً من مالها فإنه لا ينفذ، وعلى الثاني: لا يحل لها العطاء، ولكن لا يلزم من هذا ألا ينفذ.
قال: «لا يجوز لامرأة عطية» «امرأة» نكرة في سياق النفي و «عطية» نكرة في سياق النفي، والعطية هنا هي التبرع بالمال سواء كان في حال الصحة أو حال المرض، أما عن الفقهاء فالعطية هي التبرع بالمال في مرض الموت المخوف، أما في لسان الشارع فالعطية هي التبرع بالمال سواء في مرض الموت المخوف، أو في الصحة، أو في المرض غير المخوف، كل التبرع يسمى عطية، وقوله: «عطية» يشمل القليل والكثير؛ يعني: يشمل الثلث وما زاد وما نقص، وقوله: «إلا بإذن زوجها» أي: برضاه وموافقته، ويكون هذا الحكم من حين أن يملك عصمتها، أي: من حين العقد.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 121)
يقول: وفي لفظ: «لا يجوز للمرأة» أمر في مالها وهذه أعم مما سبق؛ لأن أمر واحد الأمور وهو نكرة في سياق النفي، فيعم العطية والبيع والرهن والاستعمال وكل شيء، في مالها إذا ملك زوجها عصمتها لا يجوز أمر، أي: لا ينفذ، ولا يحل إذا ملك زوجها عصمتها، وملك العصمة يكون بالعقد، لأنه إذا عقد على المرأة صار هو المسئول عنها وصارت عصمتها بيده منها أكثر مما يملك أبوها، والحديث معناه واضح، يعني: فلا تتبرع ولا تبيع ولا تؤجر ولا تتصدق، بل ظاهره ولا تزكي إلا بإذن الزوج، لأنه ملك عصمتها، وقوله هنا في حديث «عطية» في اللفظ الأول والثاني: «أمر» قد يقول قائل: إن بينهما تعارضاً؛ لأن العطية أخص من الأمر، إذ أن الأمر يعم والعطية تخص فهل تقيد العموم بالخصوص؟ لا، لأن حكم الخاص لا يخالف العام وقد مرت علينا هذه القاعدة وهو أنه إذا ذكر الخاص بحكم يوافق العام فإن ذلك لا يقتضي التخصيص، ويسمونه مفهوم اللقب، لأنه نص على بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام فلا يقتضي التخصيص.
هذا الحديث يستفاد منه فوائد: أولاً: عظم حق الزواج على المرأة حتى إنها لا تتصرف إلا بإذن الزوج مع أن البنت إذا كانت رشيدة تتصرف بمالها وإن لم يأذن أبوها، وهذا يدل على عظم حق الزوج، ويدل لذلك أيضا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها».
ومن فوائد الحديث: أنه لا يصح تصرف المرأة في مالها إلا بإذن الزوج سواء كان ذلك بعطية أو بغير عطية، وإذن الزوج قد يكون بصريح القول، وقد يكون بالإقرار، فبصريح القول مثل: أن يقول لها: «تصدقي إن شئتي» وبالإقرار مثل: أن يراها تتصدق ولا يمنعها أو تتصرف ولا يمنعها.
ومن فوائد الحديث: أن للزوج أن يمنع زوجته من التصرف في مالها؛ لأنه إذا كان تصرفها بإذنه فهو بالخيار له أن يأذن وله ألا يأذن، ولكن ليس له أن يمنع من أداء الواجب في مالها كالزكاة، فإن منع فلها أن تعصيه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الممنوع منه إذا كان لحق العبد فإنه يزول المنع بإذن العبد بخلاف الممنوع لحق الله، فلا يزيل منعه إلا الله وهكذا جميع الحقوق- حقوق العباد- تسقط إذا وافقوا على إسقاطها.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 122)
هذا الحديث يفيد: منه المرأة من التصرف في مالها إلا بإذن الزوج، وقد اختلف العلماء- رحمهم الله في الحكم الدال على هذا الحديث؛ فمنهم من قال: إن هذا الحديث محكم وأنه لا يجوز للمرأة أن تتصرف بشيء من مالها إلا بإذن الزوج، ومنهم من قال: هذا الحديث محكم لكن عمومه بالنسبة للمال مخصوص بالثلث فأقل، يعني: أن لها أن تتصرف بالثلث فأقل وليس لها أن تتصرف فيما زاد، وهذا مذهب مالك، وقال: إنه إذا جاز للمريض مرض الموت المخوف والموصي له أن يتصرف بالثلث مع تعلق حق الورثة بالمال فهذه من باب أولى، ومنهم من قال: إن كلمة «امرأة» نكرة، لكن يراد بها الخاص عام يراد به الخاص، والمراد بها: المرأة السفيهة التي لا تحسن التصرف، ووجه قوله هذا بأن المرأة السفيهة إذا تزوجت فإن ولاية أبيها عليها تنتقل إلى ولاية الزوج، لأن الزوج مقدم على الأب؛ لأنها صارت معه في بيتها وهذا القول له وجهة نظر قوية، ومن العلماء من يقول: هذا الحديث منسوخ بالأحاديث الكثيرة الدالة على تصرف النساء في أموالهن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من غير أن يستأذن أزواجهن فها هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت لبريرة- وقد كوتبت بريرة على تسعة أواق من الفضة: «إن شاء أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت» بدون أن تستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم، والحديث متفق عليه أقوى من هذا سنداً وهاهن النساء حين وعظهن الرسول صلى الله عليه وسلم في عيد الفطر، خطبهن ووعظهن وقال: «يما معشر النساء تصدقن» فجعلن يلقين في ثوب بلال من الخواتم- الحلي- بدون إذن الأزواج، والحديث أيضاً في الصحيحين وهو أقوى سنداً من هذا، وعلى هذا فيكون هذا الحديث منسوخاً بالأحاديث الكثيرة الدالة على تصرف المرأة في مالها بدون إذن الزوج فصار الناس في هذا الحديث على هذه الطرق:
الأول: أنه محكم عام في المرأة والمال.
الثاني: أنه محكم مخصوص بالمال وهو ما دون الثلث، أي: من الثلث فأقل؛ يعني: لا تتصرف فيما زاد على الثلث، أما الثلث فأقل فلها ذلك.
والقول الثالث: أنه عام أريد به الخاص في المرأة السفيهة.
والرابع: أنه منسوخ، الذين قالوا بالأول قالوا: هذا مقتضي الحديث، والأصل بقاء الحديث على عمومه في المال وصاحب المال، ولأن المال مقصود للزوج، قد لا يتزوج المرأة إلا من أجل مالها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها» فإذا كان المال من مخصوصات العقد، فكما أن المرأة لا تفوت على زوجها منفعة بدنها فلا تفوت منفعة مالها؛ لأنه مقصود للزوج.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 123)
وقالوا أيضا: الزوج يتبسط بمال زوجته كما جرت العادة، ولو سمح لها بأن تتصرف كما شاءت لفقد هذا التبسط، من أين يتبسط لو تصدقت لا يبقى له شيء يتبسط به، قالوا: وأيضا إذا كان عندها مال هان عليه البذل في النفقة؛ لأنها إذا كان عندها مال لا تلح عليه في الإنفاق تقول: أعطني كذا، فإن تيسر وإلا أنفقت من مالها فلا تلح عليه، لكن إذا بذلت مالها وبقيت صفر اليدين لا يمكن أن تجعله يطمئن، كلما دخل البيت: أعطنة لكذا، وإذا جلس يتغذى: أعطني لكذا، يتعشى: أعطني لكذا، عند المنام: أعطني لكذا، لماذا؟ لأنها معدمة، لكن إذا كان عندها مال فإنها تنفق إن تيسر أعطاها وإلا أخذت من مالها فلهذا كان لها الحق في السيطرة على مالها، وألا تتصرف إلا بإذنه، لو قال قائل: ألا يمكن حمل الحديث على وجه خامس، بأن نقول: المراد بالمال المال الخاص، أي: المال الذي تتعلق به رغبة الزوج كالحلي والثياب الجميلة وما أشبهها بخلاف المال الذي لا تتعلق به رغبة الزوج وليس للزوج فيه مدخل فيكون المال عاماً أريد به الخاص، لأن هذا تتعلق به رغبة الزوج إذا أصبح الزوج بل إذا أمسى الزوج وإذا الحلي الذي كانت في يد امرأته مملوءة به لا يوجد منه شيء لا شك أن هذا سيقلل الرغبة بالنسبة للزوج ويفوت به شيء من المتعة، حتى لو كان عندها مال تصرفت في الحلي قد يقول اشترى بدله، وتقول: إن شاء الله، ويأتي يوم، ثم أسبوع، ثم شهر، ثم سنة، وهي تقول: أشتري ولكن لا تشتري، أقول: إن كان أحد قال بهذا الوجه فهو جيد، فصار أحسن ما يقال في هذه الأقوال، هذا أن يحمل الحديث على المرأة السفيهة ويكون المراد بالمرأة المراد بهذا العموم المخصوص أو يحمل المال على المال الذي تتعلق به متعة الزوج وهو الحلي وما تتجمل به لزوجها ويكون المراد بمال أيضا عاماً أريد به الخاص ولا عجب أن يوجد عام يراد به الخاص، لأن هذا كثير في القرآن والسنة: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم} [آل عمران: 173]
ومن الناس؟ نعيم بن مسعود الأشجعي واحد، إن الناس من؟ أبو سفيان أو أشراف قريش، لكن ليسوا كل الناس قد جمعوا لهم، إذن عام أريد به الخاص، فلا غزو أن يوجد عام يراد به الخاص، فأوجه ما أرى في هذا الحديث أحد هذين الأمرين: إما أن يكون المراد بالمرأة: المرأة السفيهة ويعني هذا: أن ولاية أبيها تنتقل إلى الزوج، أو أن المراد بالمال: ما تتعلق به رغبة الزوج، وليتم به متاعه، ويكون هذا في الحلي وشبهه؛ لأن ذلك يفوت على الزوج شيئاً من المتعة وحينئذ يبقى الحديث ليس فيه إشكال.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 124)
834 - وعن قبيضة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة؛ فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتي يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة» رواه مسلم.
هذا الحديث في حل المسألة، وجعله المؤلف في باب التفليس والحجر؛ لأن المناسبة فيه ظاهرة، فإن الإنسان إذا أصيب بجائحة صار مفلساً وحينئذ يكون هذا الحديث له ارتباط وثيق في باب الحجر.
يقول صلى الله عليه وسلم: «إن المسألة لا تحل … إلخ» «المسألة» يعني: سؤال الناس العطاء، لا تحل «إلا لأحد ثلاثة» ثم بينهم، وقوله: «إلا لأحد ثلاثة» هذا مجمل بينه فيما بعد، والإجمال أولاً ثم التبيين ثانياً من أساليب اللغة العربية، وهو من مقتضى البلاغة، وذلك أن الشيء إذا جاء مجملاً فإن النفس تتطلع إلى بيان هذا المجمل، فإذا جاء التفصيل ورد على نفس متشوفة لتفصيل هذا المجمل، ومعلوم أن الشيء إذا ورد على نفس متشوقة صار أسرع في فهمه، وأرسخ في بقائه، فلهذا كان من أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجمل أولاً ثم يفصل ثانياً.
وقوله في الحديث: «رجل تحمل» «رجل» بالجر على أنه بدل بعض من كل، والبدل- كما تعرفون- أقسامه خمسة، وبعضهم يجعله ستة، لكن من أقسامه: البعض من الكل، ف «أحد ثلاثة» هذه كل «رجل» هذا بعض من هذا الكل، «رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك» «تحمل» يعني: التزم في أمر عام ومصلحة عامة حمالة، فهذا له أن يسال حتى يصيبها ثم يمسك ولو كان غنياً.
والثاني قال: «ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش» «أصابته جائحة» ما يجتاح الشيء، أي: يتلفه مثل الحريق أو غرق أو هدم، اجتاحت ماله كرجل صاحب غنم أتاه الوادي فاجتاح الغنم وتلفت عليه، فهذا رجل أصابته جائحة، «تحل له المسألة حتى يصيب قواماً» أي: ما يقوم به وهو ما تنحل به الضرورة فقط، ثم بعد ذلك يمسك.
الثالث: «رجل أصابته فاقة» شدة الفقر، «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة» فهذا تحل له المسألة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 125)
هؤلاء الثلاثة هم الذين تحل لهم المسألة ومن عداهم لا تحل له المسألة، هذا الحديث يبين خطر المسألة وأنها لا تحل إلا في حال الضرورة، وذلك لأن المسألة ذل للسائل وإحراج للمسئول ففيها مفسدتان مفسدة للسائل، يقول: أعطني، ومفسدة للمسئول فيه إحراج، قد يكون المسئول ليس عنده شيء، وقد يكون غير متقاد لإعطاء هذا السائل وقد يكون هناك أسباب كثيرة لا يمكن أن يعطي وإذا سئل فأكثر الناس يخجل أن يمنع إذا سئل فلهذا حرم النبي صلى الله عليه وسلم المسألة إلا في حال الضرورة، وذلك كما قلت أنها ذل للسائل وإحراج للمسئول لكن في حال الضرورة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ثلاثة أمثلة: الأول: «رجل تحمل حمالة» أي: تحمل حمالة لمصلحة عامة فهذا يسأل وإن كان غنياً، لماذا؟ لأنه قام بمهمة ومصلحة عامة فيشجع على ذلك ويعطي ما غرم، وهذا ما يعرف عند أهل العلم في باب الزكاة بالغارم لغيره، فهذا يعطي من أجل ما قام به من المصلحة، ومن أجل تشجيعه وغيره على القيام بمثل هذا الأمر، وهذا ليس في الحقيقة ضرورة، لأن الرجل غني لكن من أجل مراعاة المصلحة العامة حتى لا يسند باب التحمل والإحسان إلى الناس.
الثاني: الرجل الذي أصابته جائحة اجتاحت ماله فهذا تحل له المسألة، لأنه أصابه ذل بعد عز وانكسار بعد جور ولو لم تحل له المسألة لحصل له نكسة نفسية؛ لأنه كان بالاول على جانب كبير من العز من المال الذي يعتز به ثم بعد يصاب بهذه الجائحة، فمن أجل جبره رخص له الشارع أن يسأله وإلا لكان الأصل ألا يسأل الثالث: رجل أصابته فاقة وإن لم يكن باجتياح ماله قد تكون جائحة لكن خسارة من وراء خسارة حتى ينفد المال، هذا تحل له المسألة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترط لإعطائه شرطاً وهو أن يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه، الحجى يعني: العقل والتمييز والخبرة لقد أصابت فلاناً فاقة فهذا يعطي.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: تحريم مسألة الغير لقوله: «لا تحل المسألة» وإذا انتفى الحل ثبت التحريم لأنه ضده.
ومن فوائد هذا الحديث: حماية الشارع لعزة الإنسان وشرفه؛ وذلك لأن السؤال- كما قلت- ذل، فحرم عليه أن يسأل ليبقى عزيز النفس قد حفظ ماء وجهه ولم يحتج لأحد من الناس.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل ولا غير المال؛ لأن المعنى الحاصل بسؤال المال حاصل في غيره، وإن كان لا يساوي الذل الحاصل بسؤال المال، ومن ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الإنسان إذا سأل غيره أن يدعو له فهو من المسألة المذمومة إلا إذا قصد بذلك مصلحة الغير، كيف ذلك؟ يعني: يقصد بذلك أن هذا الغير إذا دعا لك بظهر
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 126)
الغيب انتفع هو؛ لأن الملك يقول: آمين ولك بمثله، وهذا مصلحة له، فإذا قصد بذلك مصلحة غيره من هذه الناحية فإنه لا يدخل في المسألة المذمومة؛ لأنك لا تريد مصلحتك الخاصة، إنما تريد مصلحتك مع مصلحة هذا الرجل، كذلك أيضا يلاحظ مصلحة الغير بحصول الأجر له؛ لأنه إذا دعا لك فقد أحسن إليك، وإذا أحسن إليك ناله من الأجر بقدر إحسانه، فيكون هذا أيضا ملحوظاً يفيد ذم المسألة، أما إذا قصد مصلحته الخاصة كما هو المتبادر لكل إنسان طلب من غيره أن يدعو له فهذا يقول فيه شيخ الإسلام أنه من المسألة المذمومة.
ولكن قد يقول قائل: أليس قد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات أن يدعو للغير؟
فنقول: بلى فقد سألته المرأة التي كانت تصرع أن يدعو الله لها فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك» قال: أصبر ولكن ادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها، أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وكذلك الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال: هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، ولما حدث أن من أمته سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، والأمثلة في هذا كثيرة، فهل نقول: إن مثل هذه الأدلة ترد على شيخ الإسلام ابن تيمية، أو نقول: إن هناك فرقاً بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين غيره؟ الظاهر الثاني.
وأما مسألة طلب الدعاء للمصلحة العامة فهذا لا يدخل في كلام شيخ الإسلام؛ لأن الإنسان لم يسأل لنفسه؛ فلو جاء رجل إلى الخطيب يوم الجمعة وقال: «ادع الله أن يغيث المسلمين» فهذا ليس من السؤال المذموم؛ لأنه ليس خاصاً، بل هو لمصلحة الغير كما لو قلت لشخص: تصدق على فلان فإنه فقير فإنه لا يدخل في المسألة المذمومة.
ومن فوائد الحديث: جواز السؤال لمن تحمل حمالة لكن بشرط أن يكون بقدر ما تحمل لقوله صلى الله عليه وسلم «تحمل حمالة حتى يصيبها ثم يمسك».
ومن فوائد الحديث: أن من أخذ لسبب يقتضي الأخذ فإنه يقتصر على ذلك السبب فقط، وجهه أنه قال: «حتى يصيبها ثم يمسك» وبناء على ذلك لو أن رجلاً مديناً أخذ الزكاة لقضاء دينه فإنه لا يصرفها في غير قضاء الدين؛ لأنه أخذها لهذا الغرض، وقد مر علينا هذا وأخذناه من قوله تعالى: {والغارمين} عطفاً على قوله: {وفي الرقاب} وأن صرف الزكاة للغارم صرف إلى جهة لا يملكها الغارم، فإذا أعطي للغرم فإنه لا يصرفه في غيره؛ لأنه أعطي لجهة معينة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 127)
ومن فوائد الحديث: أن للضرورات أحكاماً تخالف حال الاختيار؛ وذلك لأن المسألة حرام إلا في هذه الأحوال التي هي ضرورة.
ومن فوائد الحديث: تشوف الشارع إلى المصالح العامة والإصلاح بين الناس وذلك بإباحة المسألة لمن تحمل حمالة لهذا الغرض، مع أن الأصل في المسألة التحريم.
ومن فوائد الحديث: أن من اجتاحت ماله جائحة فإنه لا يحل له أن يأخذ بقدر الجائحة بل يأخذ ما يقوم به العيش فقط، فلو فرض أن ماله الذي أصابته الجائحة يساوي مائة ألف وهو يكفيه لقوام العيش مائة ريال فقط فإنه لا يأخذ أكثر من مائة ريال، لأن المقصود بهذه المسألة هو رفع الضرورة عنه لا أن يرد عليه ما أصيب به من الجوائح.
ومن فوائد الحديث: أن الجائحة التي تصيب الثمار تكون على المستوى ولا يتحملها البائع لعموم قوله: «اجتاحت ماله فحلت له المسألة» وبذلك أخذ بعض أهل العلم وقال: إن حديث وضع الجوائح الذي مر علينا منسوخ بهذا الحديث، ولكن الصحيح خلاف ذلك، لأن الحديث عام وذلك خاص، [وصورة المسألة]: إذا اشترى شخص تمراً من إنسان على رؤوس النخل وأصيب هذا الثمر بجائحة، فقد مر علينا أن الجائحة تكون على البائع، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق» وهذا الحديث لو أخذنا به لكان يقتضي أن تكون الجائحة على المشتري؛ لأن الثمر ماله بعد الشراء، ولكن يقال: هذا عام، وحديث وضع الجوائح خاص، والمعروف عند أهل العلم أن الخاص يقتضي على العام.
ومن فوائد الحديث: أن من أصيب بفقر بعد غنى فإنه لا يحل له الأخذ أو لا يعطي من الزكاة إلا إذا شهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه بأنه فلاناً أصابته فاقة.
ومن فوائد الحديث: اعتبار العقل والخبرة في الشاهد لقوله: «من ذوي الحجى من قومه» فقوله: «ذوي الحجى» هذا العقل و «من قومه» هذه الخبرة؛ لأن قومه أخبر به من غيره، فلابد من اعتبار هذين الأمرين في الشهادة: العقل؛ وأن تكون الإنسان ذا خبرة بما شهد به.
ومن فوائد الحديث: أنه كلما كان الشيء أشد امتناعاً كان ثبوته أكثر، يعني: كان طلب ثبوته أكثر وأشد تحرياً، فهذه المسألة لابد فيها من شهود ثلاثة، يعني: لا يصلح أن يأتي رجلان ويقولان: نحن نشهد بأن هذا الرجل كان غنياً ثم افتقر لا يكفي بل لابد من ثلاثة لماذا؟ لأن هذا الذي ادعى الفقر بعد الغنى تعلق بدعواه حق الغير لأنه إذا أخذ من الزكاة فسوف يزاحم غيره، فتكون الشهادة الآن على استحقاقه، وعلى مزاحمة غيره على استحقاقه بكونه افتقر، وعلى مزاحمة غيره؛ لأنه إذا أعطي من الزكاة حجز ما أعطيه عن غيره، ولذلك كانت البينة فيه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 128)
مركزة من ثلاثة شروط، والشهادة بالمال يكفي فيها رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، لكن هنا لما كانت الشهادة هذه تضمن ثبوت استحقاقه ومزاحمة غيره جعل الشرع لها ثلاثة شهود، وتكميلاً لهذا البحث نقول: إن البينات في الشرع قد تكون أربعة رجال، وقد تكون ثلاثة، وقد تكون رجلين وقد تكون رجلين، أو رجلاً وامرأتين، أو رجلاً ويمين المدعي، وقد تكون رجلاً واحداً، وقد تكون امرأة واحدة، هذه ستة أنواع، أربعة رجال هذا في الزنا واللواط لا يقبل فيه إلا شهادة أربعة رجال؛ لقول الله تعالى: {لولا جاء وعليه بأربعة شهداء} [النور: 13] ولقوله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] ثلاثة رجال هذه المسألة إذا ادعى الفاقة بعد الغنى فلابد من ثلاثة رجال، لقوله «حتى يشهد ثلاثة»، «ثلاثة» عدد مؤنث، والعدد المؤنث يكون فيه المعدود مذكراً، رجلان في الحدود والقصاص لابد من رجلين، فلو شهد على شخص أنه سرق رجل وامرأتان لم تقبل الشهادة، لو أربع نساء لم تقبل الشهادة لماذا؟ لأنه لابد من رجلين فجميع الحدود ما عدا الزنا- لأنه لابد فيه من أربعة: رجال- لابد فيها من رجلين، والرابعة رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، وهذه في المال وما يقصد به المال، قال الله تعالى {واستشهد شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضي بالشاهد مع اليمين فالمال وما يقصد به المال ببناته ثلاثة، رجل وامرأتان، رجل ويمين المدعي، الخامس رجل واحد وذلك عند الضرورة تقبل شهادة رجل واحد إذا حصلت قضية ليس في المكان إلا رجل واحد فهذه تقبل، وكذلك السادس امرأة واحدة، وذلك فيما لا يطلع عليه إلا النساء في الغالب كالرضاع واستهلال الجنين إذا سقط من بطن أمه حياً وما أشبه ذلك، وإذا قبلت المرأة فالرجل من باب أولى. هذه أقسام البينات، أما القرائن فهي كثيرة لا حصر لها.
ومن فوائد الحديث: أن من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله، فالرجل الذي تحمل حمالة يعني: أصلح بين جماعة وتحمل مالاً للإصلاح بينهم، هذا يباح له أن يأخذ بدل هذه الحمالة التي تحملها ويجوز له أن يسأله ويجوز أن يأخذ إذا أعطي وأن يسأل إذا لم يعط.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 129)
7 - باب الصلح
الصلح: هو قطع الخصومة، والنزاع بين المتخاصمين والمتنازعين، ويكون في مواضع كثيرة، منها: الإصلاح بين الزوجين، كمال قال تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128]
ولقوله تعالى: {وإذا خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها أن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} [النساء: 35]. ويكون كذلك بين الطوائف التي بينها عداوة، كما يحصل من العداوة بين القبائل، فيصلح بينهما، ومن ذلك قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] ويكون أيضا من المسلمين والكفار في الحال التي لا يستطيع المسلمين أن يقاتلوا الكفار، فإنه يجرى الصلح بينهم كما جرى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش في صلح الحديبية، ولكن هل يصح الصلح إلى الأبد يعني: غير مؤجل أو لا يصح إلا مؤجلاً لاحتمال قوة المسلمين؟ الذي يظهر أنه لا يجوز الصلح إلا مؤجلاً؛ لأن المسلمين قد تتغير حالهم ويكون عندهم قدرة على قتال الكفار، ولأن الصلح غير المؤجل يستلزم سقوط جهاد الكفار؛ لأنه لا يمكن إذا صالح المسلمون أحدا من الكفار، إلا إذا نقص الكفار العهد، ولهذا قال الله عز وجل {إلا الذين عاهدتهم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظهروا عليكم أحد فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} [التوبة: 4]
وقال فيما إذا خفنا منهم خيانة: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58]. يعني: لا تغدرهم إذا خفت بيننا وبينكم، أما إذا نقضوا العهد فإنهم يقاتلون كما قال الله تعالى: {أل تقتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة} [التوبة: 13] فالصلح بين الكفار والمسلمين حائز عند الحاجة إليه ثم مقام المسلمين مع هذا العدو المصالح على ثلاث درجات الأولى: إذا لم يكن من هؤلاء نقض للعهد، فالواجب إتمام العهد.
الثاني: إذا خيف نقض العهد ولم ينقض العهد، فالواجب نبذ العهد، يعني: أن نخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينكم، لا نباغتهم وننقض العهد، بل نخبرهم.
الثالث: إذا نقضوا العهد فإنه يسقط عهدهم وحينئذ نقاتلهم، وكل هذا موجود في كتاب الله عز وجل.
يكون الصلح أيضا بين المتخاصمين في المال، وهذا يقع كثيراً في المعاملات كالبيع والإجارة والرهن وغيره ذلك، وكل هذه الأمور الأصل فيها الجواز، ولكن قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة وإلا فلا أحد يمنع من الصلح بين المتخاصمين والمتنازعين أبداً، فالأصل الجواز.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 130)
835 - عن عمرو بن *** المزني رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحة *** حلالا أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراماً».
قوله: «جائز» يعني بذلك: الجواز التكليفي والجواز الوضعي كيف ذلك.
الجواز التكليفي ضد المحرم، فمعنى جائز أي: ليس بحرام، الجواز الوضعي بمعنى: النافذ ليس بفاسد، فضد الجائز من هذا الوجه ضده الفاسد الذي لا ينفذ، إذن الصلح جائز من حيث التكليف الشرعي، وجائز من حيث الوضع، يعني: أنه نافذ ولا يجوز إبطاله بل يجب إتمامه.
وقوله: «بين المسلمين» هذا لا مفهوم له؛ لأنه قيد أغلبي، فإن الصلح بين المسلمين والكافرين جائز بالسنة الفعلية كما صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشا في الحديبية.
قال: «إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراماً» فالصلح الذي حرم الحلال ويحلل الحرام هذا ليس بجائز؛ وذلك لأنه مضاد لله عز وجل في حكمة، تصالح شخصا على شيء محمر هذا لا يجوز، تصالحه على شيء تحرمه عليه عليه وهو حلال له بالشرع- هذا لا يجوز 0 مثال الأول: رجل حصل بينه وبين زوجته نزاع فاصطلحا على أن يطلق زوجته الأخرى، هذا الصلح لا يجوز، لماذا؟ لأنه أحل حراماً، ما هو الحرام؟ الاعتداء على حق الزوجة الأخرى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها» فهذا صلح محرم غير نافذ.
صار بين شخص وآخر خصومة ونزاع فصالحه على أن يبيح له فرج أمته لمدة أسبوع هذا حكمه حرام، لماذا؟ لأنه أحل حراما إذ لا تجوز استباحة الفرج إلا بنكاح أو ملك، وهذا ليس نكاحاً ولا ملكاً، مثال تحريم الحلال: صالحه على ألا يأكل الخبز لمدة ثلاثة أيام هذا ينظر إذا كان فيه مصلحة فإن جميع المصالحات لابد فيها أن يحرم الإنسان من الحلال الذي أحله الله له، لأن الصلح لابد فيه من أن يتنازل الإنسان عن شيء من حقه، وهذا التنازل يقتضي تحريم الحلال باعتبار الصلح. شخص آخر قال لشخص بينهما معاملة قال: أنا لا أقر لك إلا إذا أسقطت عني نصف الدين هذا حرام، لماذا؟ لأنه يحرم الحلال، والحلال هو أن صاحب الدين له
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 131)
المطالبة بجميع حقه، فإذا صالحته على أن يسقط عنك نصف الدين فقد حرمت عليه الحلال، ما هو الحلال؟ بقية دينه، وهذا لا يجوز، فإن أقر له، وتوسط أناس بينهما على أن يسقط عنه بعض الدين بعد الإقرار يجوز؛ لأن هذا ليس بصلح إذ إن الحق قد ثبت الآن، ولكن هذا من باب الشفاعة على إسقاط بعض الحق وهذا جائز «اشفعوا تؤجروا».
هناك فرق بين أن أقول: لا أصالحك إلا بكذا وبين شخص تم الإقرار وثبت له الحق ثم شفع إليه شخص آخر على أن يسقط منه، فهذا لا بأس به وهو جائز، ولا يعد هذا من باب الصلح الذي أحل حراما أو حرم حلالاً بل هو من باب الشفاعة التي أسقط بها الإنسان بعض حقه.
رجل عنده دين لشخص يحل بعد سنة فاصطلحا على أن يعجل الدين، ويسقط بعضه، وأقر له، قال: نعم، عندي لك ألف ريال لكن لو تحب أن أعطيك ثمانمائة الآن نقداً وتسمح عن المائتين، قال: ليس عندي مانع، هذا جائز على القول الراجح، لأنه ليس فيه ربا، هذا فيه مصلحة للطرفين ليس فيه ربا لأن صاحب الحق لم يأخذ أكثر من حقه بل أخذ أقل من حقه واستفاد المطلوب بسقوط بعض ما عليه واستفاد الطالب بالتعجيل ففيه مصلحة والربا على العكس من ذلك، الربا فيه ظلم لأحد الطرفين وذهب بعض العلماء بأن هذا لا يجوز، قال: لأن هذا شراء مؤجل بمعجل وأنت لو اشتريت ألف ريال بثمانمائة نقداً لكان هذا ربا لا يجوز، قال: هذا مثله، وأنك أخذت الآن ثمانمائة عن ألف، لكن هذا القول قول ضعيف، لأن هذا ليس من باب المعاوضة، هذا من باب الإسقاط، صحيح أنك لو جئت إلى رجل ثالث وقلت: أنا طلب من فلان ألف ريال الألف ريال التي في ذمته بثمانمائة أعطني ثمانمائة وأنا أحيلك عليه هذا لا يجوز، أما رجل أبرأته من بعض دينه فليس في هذا ربا ولا بيع وشراء أيضا بل هذا يسمى إسقاطا وإبراء.
والحاصل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطانا قاعدة أصلها لنا: «الصلح جائز إلا صلحاً أحل حراماً او حرم حلالا» وهذا يشمل كل شيء، هل يشمل المصالحة على الدية فيمن يثبت عليه القصاص؟ يعني: رجل قتل رجلا عمداً عدوانا محضا، فطالب أولياء المقتول بالقصاص، فثبت القصاص: فصالح المحكوم عليه أولياء المقتول على أن يسقطوا عنه القصاص بمال جائز، ولكن هل يجوز المصالحة بأكثر من الدية، يعني: الدية عندنا الآن مائة ألف قال أولياء.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 132)
المقتول: لا نسقط القصاص عنك إلا إذا أعطيتنا مليونا هل يجوز؟ هذا فيه خلاف، فمن العلماء من يقول: لا يجوز أن يصالح بأكثر من الدية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل له قتيل فهو يخبر النظرين إما أن يقتل وإما أن يودي» ولم يذكر شيئاً ثالثا ومن العلماء من قال: إنه يجوز؛ لأن هذا هو الذي ورد عن الصحابة، ولأن هذا حق لأولياء المقتول فلهم ألا يسقطوه إلا بعوض يريدونه.
على كل حال: إذا قلنا بالمصالحة بمقدار الدية فالأمر فيه ظاهر، وإذا قلنا بالمصالحة فهل يدخل تحت الحديث: «الصلح جائز بين المسلمين» أو نقول: يدخل تحت الحديث في قوله: «إلا صلحاً أحل حراماً» لأن هذا الصلح أحل حراما ًوهو الأخذ من مال القاتل أكثر من الدية؟ الظاهر الأول أنه داخل في الصلح، لأن أخذنا من مال القاتل هنا باختياره وليس مكرهاً على ذلك، ولأنه هو الذي تسبب في استباحة دمه، فإذا كان هو الذي تسبب في استباحة دنه فإننه هو السبب الأول والأخير.
ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراماً» يعني: أنهم إذا اشترطوا فإن هذه الشروط لازمة، ودليل هذا من القرآن قوله تعالى: {يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود} فإن الوفاء بالعقد يتضمن الوفاء بأصله ووصفه، والشروط من أوصاف العقود، ولقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} والذي اشترط على نفسه شرطاً قد تعهد به فيكون داخلا في ذلك، إذن المسلمون على شروطهم، متى يثبت الشروط بين المتعاقدين وجب الوفاء بها إلا أن يسقطها من هي له فإن أسقطها من هي له فهي حقه، يعني: لو قال الذي شرط له هذا الشرط: أنا أسقطته فله ذلك مثاله باع شخص على آخر بيتا واشترط البائع سكني البيت لمدة سنة فوافق المشتري على هذا، هل يلزمه الوفاء به؟ يلزم يعني: معناه انه لا يجوز للمشتري أن يمنع البائع من سكناه هذه المدة فإن قال البائع: أنا أسقطت شرطي ولا أريد السكني لأن الله يسر لي بيتي هل له ذلك؟ له ذلك، لأنه أسقط حق نفسه، ولا مانع من أن يسقط الإنسان حق نفسه لأنه له، قال: «إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً» «حرم حلالاً» بأنه إذا فعل ذلك صار مضاداً لحكم الله عز وجل «أو أحل حراماً» فهو مضادة لحكم الله، مثال الأول «أحل حراما» إذا قال: بعتك مائة ريال بمائة ريال إلى أجل هذا بيع مشترط فيه الأجل هل يصح اشتراط هذا الأجل؟ لا، لماذا؟ لأنه ربا أحل حراماً إذ إن بيع الفضة بالفضة لابد فيه من التقابض ببذل العقد، قال: بعتك مائة درهم بتسعين درهماً نقداً يعني: بشرط ألا تسعين درهماً هذا لا يجوز؛ لأنه أحل حراماً؛ إذ ن بيع الفضة بالفضة لابد فيه من التقابض ببذل العقد، قال: بعتك مائة ردهم بتسعين درهما نقداً يعني: بشرط ألا أعطيك إلا تسعين درهماً هذا لا يجوز، لأنه أحل حراما، بعتك هذه الناقة بشرط أن يتبعني ما في بطن ناقتك لا يجوز؛ لأن الشرط مجهول، بعتك هذا الست بشرط أن ترهنني ولدك لا يجوز، لأن رهن الولد حرام.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 133)