الثاني: قال: «أو حرم حلالاً» يعني: باعه شيئاً وقال له: أبيعك هذا الشيء بشرط أن تمتنع من شيء أحله الله، فهذا أيضاً لا يجوز، ولكن كما قلت لكم قبل قليل: إن كل الشروط لابد فيها من إسقاط مباح حتى المصالحة فلابد أن يكون هناك شرط يحرم الحلال الذي أحله الله.
على كل حال: شرط الولاء للبائع هذا لا يجوز؛ لأنه بالنسبة للبائع أحل له حراماً، لماذا؟ لأن الولاء ليس له فأحل له الحرام، بالنسبة للمشتري حرم عليه الحلال؛ لأن الولاء من حقوقه، فإذا اشترط عليه للبائع ففيه تحريم الحلال.
- رواه الترمذي وصححه، وأنكروا عليه، لأن راوية كثير من عبد الله بن عمرو بن عوف ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه.
- وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال: «رواه الترمذي وصححه» أي قال: إنه صحيح، والصحيح حجة، لأنه لا يكون صحيحاً إلا باجتماع خمسة شروط وهي: أن يكون الراوي عدلاً تام الضبط، ويكون السند متصلاً وأن يكون غير معلل ولا شاذ، هذا هو الصحيح، فالترمذي رحمه الله صحح الحديث، لكن أنكروا عليه وهم أئمة المحدثين وقالوا: كيف يصح ورواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وهو ضعيف، ونحن نقول: من شروط الصحيح أن يكون الراوي عدلا تام الضبط، فإذا كان الراوي ضعيفا فإننا نحكم بضعفه، ولا نقول صحيحاً، وبناء على ذلك هل لك إذا رأيت الحديث بسند ضعيف تعرف أن أحد رواته ضعيف هل لك أن تقول: ضعيف؟ لا، لأنه ربما يروى بسند آخر لهذا الحديث: وإما أن تقيد، فتقول: هو ضعيف من هذا الوجه؛ لأنك إذا قلت: ضعيف من هذا الوجه خرجت من عهدته، لكن إذا قلت: ضعيف وحكمت عليه بالضعف الموجب رده وهو من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وهذه مسألة ليست هينة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يحكم على ضعف الحديث بمجرد أن يجده بسند ضعيف إلا إذا تتبع الطرف ولم يجده مروياً إلا من هذا الوجه فحينئذ يحكم بضعفه، وإلا فيجب عليه أن يقيد ويقول: هو ضعيف من هذا الوجه حتى يخرج من عهدته، وكما قرأنا في علم المصطلح أن الرجل قد يكون ضعيفاً باعتبار شيخ من المشاريخ، يعني: أن روايته عن هذا الشيخ ضعيفة وروايته عن المشايخ الآخرين صحيحة، عاصم بن أبي النجود أحد القراء الذين تلقي القرآن منهم ومع ذلك هو في الحديث ضعيف؛ لأن الرجل جعل همته كلها في القرآن والبحث عن طرق القراءات فاشتغل بتحقيق القرآن عن الأحاديث فلهذا صار من حيث السند في الأحاديث ضعيف لكن في القرآن حجة تلقته الأمة كلها بالقبول.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 134)
على كل حال: أنا أقول: حتى ولو كان الراوي ضعيفا فاعلم أنه قد يكون ضعيفاً بالنسبة لشخص، قويا بالنسبة لشخص آخر، فإذا روى هذا الرجل الحديث عن فلان قلنا: ضعيف وإذا روى عن فلان آخر قلنا: ضعيف، ولهذا تجدون في بعض الأحيان في تراجم الرواة: «فلان ضعيف في شيخه الفلاني» يعني: إذا روى عن هذا الشيخ صار ضعيفاً، فلان ضعيف في الشاميين، فلان ضعيف في المكيين، ولهذا علم الحديث من أشد العلوم حاجة إلى المواصلة والتعهد؛ لأنه دقيق، علم الفقه وغيره من المعلوم يستطيع الإنسان أن يحيط به بسهولة، لكن هذا لا يقدر، لأنه مشكل إن اعتمد على صحيح رواية هذا الرجل من طريق واحد وهو ضعيف في الطريق الآخر صار الجاهل كلما وجد هذا الرجل قال: إن الحديث صحيح؛ لأنه لا يعرف أنه يكون صحيحاً من وجه، وإن روى من وجه آخر فهو ضعيف، فعلم المصطلح علم مهم يحتاج إلى عناية.
الترمذي رحمه الله صحح الحديث لكنهم أنكروا عليه لهذا السبب، قال: وكأنه أعتبر هذا اعتذار عن الترمذي من ابن حجر، كأنه- يعني: الترمذي- اعتبر الحديث بكثرة طرقه، واستفدنا من هذا فائدة: أن الضعيف بكثرة الطرق يصحح، لكن هذا أيضاً فيه نظر، لأن الضعيف بكثرة الطرق يصل إلى درجة قبل الصحة وهي الحسن، لكن الترمذي أحياناً يريد بالصحيح الحسن، وهذا اصطلاح خاص بالترمذي، فيكون معنى تصحيحه إياه أنه حجة لا أنه معناه أنه بلغ الرتبة العليا لكن صحيح على أنه حجة مقبولة، ومعلوم أن الحديث الحسن عند العلماء حجة مقبولة، يعمل به، هذه نكت جيدة في علم المصطلح.
«وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه» يعني: إذن من طريق آخر، وحينئذ يكون هذا الحديث الذي صححه ابن حبان عن أبي هريرة شاهداً، لأنه جاء من حديث صحابي آخر، لكن لو جاء من حديث شيخ آخر والصحابي واحد يسمى متابعا.
نرجع لشرح الحديث، الصلح أنواع: صلح في الحقوق، وصلح في الأموال، وصلح في الحروب، وصلح في السلم، وذكرنا من صلح الحروب/ صلح الحديبية الواقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، الصلح في الحقوق كالصلح بين الزوجين، الصلح في الدماء كالصلح بين الطائفتين المقتتلين، الصلح في الأموال يدخل فيه هذا الحديث العام: «الصلح جائز بين المسلمين» قال العلماء: الصلح في الأموال إما على إقرار وإما على إنكار، الصلح على الإقرار مثل: أن يدعي شخص على آخر بشيء فيقر له ثم يصالحه على عوض عنه سواء كان المدعي به ديناً أو عيناًن وهذا لا شك في جوازه من الطرفين، مثال ذلك: ادعى شخص على آخر بألف
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 135)
ريال، فقال: نعم عندي لك ألف ريال، ولكن أريد أن أصالحك على هذا المسجل يعني: أعطيك هذا المسجل بدلاً عن ألف ريال فوافق، هذا يجوز، وسواء كان المسجل يساوي ألف ريال أو يساوي أقل أو يساوي أكثر، الصلح على عين، يعني: إذا كان المدعي به عينا.
قال شخص لآخر: أنا أدعي عليك بأن هذا المسجل لي، قال: نعم، أنا أقر بذلك لكن أريد أن أصالحك على أن تأخذ بدلاً عنه مسجلاً آخر هذا يجوز من الطرفين ولا إشكال فيه، وحقيقته أنه بيع، وإن سمي صلحاً فهو بيع، صالحته عن دين مؤجل ببعضه حالاً يعني: شخص يطلب من شخص مائة ريال مؤجلة إلى سنة فقال: أصالحك على ثمانين ريال نقداً حاضرا يجوز على القول الراجح، لأن هذا ليس من الربا في شيء، فإن صاحب الحق لم يأخذ زيادة وإنما تنازل أصلاً، فهو ضد الربا في الواقع، لكنه أنتفع بشيء وهو تعجيل حقه، فالطالب انتفع بالتأجيل والمطلوب انتفع بالإسقاط فلا ظلم لا في هذا ولا في هذا؟ .
الصلح على إنكار أن يدعي شخص على آخر بألف ريال فيقول المدعي عليه: لا ما عندي لك شيء ثم يخشى أن يحاكمه فيقول: أنا أصالحك على ألف ريال بثمانمائة ريال ودعنا من الخصومة والنزاع، هذا جائز في حق المظلوم، حرام في حق الظالم، أيهما الظالم؟ يحتمل إذا كان المدعي كاذبا، فالمظلوم المدعي عليه، لكنه افتدى بثمانمائة عن ألف خوفاً من المحاكمة إذن المنكر هو الكاذب، والمدعي صادق له، في ذمة هذا الرجل ألف ريال والمنكر كاذب فهنا الظالم المدعى عليه، الصلح هذا جائز ونافذ ظاهراً يعني: في ظاهر الحكم، في الظاهر للناس نافذ لكن في الباطن- أي: ما في بين الإنسان وبين ربه- لا ينفذ في حق الظالم ولا يبرأ منه يوم القيامة؛ لأنه ظالم إما معتد في الدعوى أو معتد في الأنكار، إن كان الكاذب المدعي فهو معتد في الدعوى، وإن كان الكاذب المنكر فهو معتد في الإنكار، إن كان الكاذب المدعي فهو معتد في الدعوى، وإن الكاذب المنكر فهو معتد في الإنكار، المهم أن هذا الصلح صحيح ظاهراً فاسد باطناً، فلو كان المصالح عليه عينا لم يحل للظالم الانتفاع بها، يعني: مثلا ادعى عليه بألف ريال قال: ما عندي لك شيء، فلما رأى أنه سيحاكمه قال: أصالحك عن هذا بهذا المسجل، فأخذه المدعي وهو كاذب فاستعماله لهذا المسجل حرام: كل مرة يستعمله فهو آثم، لأنه ظالم معتد فصار الصلح الآن نوعين على إقرار وعلى إنكار، والذي على إقرار إما على دين، وإما عن عين وكلاهما جائز صحيح، لأنه يفيد الطرفين، وليس فيه كذب ولا إنكار، والنوع الثاني: صلح على إنكار فهذا حكمه أنه جائز صحيح في حق المظلوم حرام فاسد في حق الظالم، سواء كان هو المنكر أو هو المدعي، الشروط الأصل فيها الحل إلى ما أحل حراماً أو حرم حلالاً، والشروط يجب الوفاء بها لقول الله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود}.
والأمر بالوفاء بالعقد شامل للوفاء بأصل العقد وبوصفه، ووصف العقد هي الشروط المشروطة فيه، الأصل فيها الحل بناء على القاعدة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 136)
(والأصل في الأشياء حل وامنع … عبادة إلا بإذن الشارع)
هذا بيت مفيد جداً، كل الأشياء الأصل فيها الحل، والأصل في العبادات الحظر إلا بإذن الشارع، والأصل في غير العبادات من الأعيان، والمنافع والشروط وغيرها الحل، ويدل لذلك أيضا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو بالطل» فأما ما في كتاب الله حله فهو صحيح نافذ إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، ادعى على رجل بمائة ألف صالح المدعي بولده هل يجوز؟ لا يجوز، لأنه أحل حراماً وهو استرقاق الحر وهو محرم، يقول عز وجل في الحديث القدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» هؤلاء خصمهم الله عز وجل، ومن كان الله خصمه فهو مخصوم مغلوب.
رجل باع على شخص أمة، واشترط البائع على المشتري أن يطأها البائع لمدة سنة، ما تقولون؟ لا يجوز.
رجل اشتري أمة واشترط المشتري أن يطأها دائماً فهذا يجوز، لأنها ملكه.
نعود مرة أخرى للفوائد، وقبل الفوائد ننبه على أن تصحيح الترمذي للحديث واعتذار ابن حجر عنه هذا يعتبر من ابن حجر من الأخلاق الفاضلة، أن الإنسان يلتمس العذر لأخيه ما وجد له محملاً لاسيما إذا كان الإنسان المعتذر عنه معروفاً بالاستقامة والنصح، فإنه لا ينبغي للإنسان أن يتتبع هفواته وزلاته بل يعتذر عنه ما أمكن، احمل الكلام على أحسنه ما وجدت له محملاً، أما من اتبع هفوات الناس فإن يدخل في الحديث: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في حجر أمه» لكن الإنسان الفاضل هو الذي يلتمس غيره له العذر، لكن في الواقع أن ابن حجر رحمه الله قال: إنه ضعيف والعلماء تكلموا فيه كلاماً شديداً، في الحاشية عندي قال الشافعي وأبو داود: هو ركن من أركان الكذب- الذي هو كثير- ولكن الحديث من حيث المعنى صحيح لا شك فيه وتشهد له الأدلة الشرعية، ولعل الترمذي أيضا صححه لا باعتبار السند ولكن باعتبار المتن.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 137)
على كل حال في هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز الصلح بين المسلمين لقوله: «الصلح جائز» وقد ذكرنا أن كلمة «جائز» تشمل الجواز التكليفي، والجواز الوضعي، فنقول في الجواز التكليفي: جائز. وليس بحرام، ونقول في الجواز الوضعي: نافذ وليس بفاسد.
فإن قال قائل: منطوق الحديث جواز الصلح بين المسلمين، مفهومه عدم جواز الصلح بين المسمين والكافرين أو بين الكافرين؟
فيقال: هذا القيد أغلي «بين المسلمين» والقيد الأغلبي لا يكون مفهومه مخالفاً لمنطوقه، ولهذا جرى الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وهو صلح بين مسلمين وكافرين، وكذلك لو تصالح كافران واحتكما إلينا، وجب علينا أن ننفذ الصلح إذا لم يكن مخالفاً للشرع، إذن هذا القيد أغليي.
ومن فوائد الحديث: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا يغيره حكم المخلوق لقوله: «إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراماً» فكل شيء يجري بين الناس مخالفا للشرع فإنه لا ينفذ، لأن حكم الله هو الحكم الأحسن: {من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50].
ومن فوائد الحديث: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا يغيره حكم المخلوق لقوله: «إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حرامأً» فكل شيء يجري بين الناس مخالفا للشرع فإنه لا ينفذ، لأن حكم الله هو الحكم الأحسن {من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50]
ومن فوائد الحديث: جواز الشروط بين الناس لقوله: «والمسلمون على شروطهم» وكذلك نقول في المسلمون على شروطهم إنه قيد أغلبي فإذا وجدت الشروط بين المسلم والكافر في عقد من العقود فهي نافذة، وكذلك لو وجد شروط بين الكافرين في عقد من العقود فهي نافذة.
ومن فوائد الجملة الأخيرة: أن الشرط المخالف للشرع باطل غير نافذ لقوله: «إل شرطاً حرم حلالا أو أحل حراماً»
ومن فوائده: أن حكم الشرع فوق حكم المخلوق، ولهذا إذا خالف شرط المخلوق شرط الخالق وجب إبطاله.
ومن فوائد الحديث: من عمومه: بطلان جميع الأنظمة المخالفة للشرع، لأن الأمر المخالف للشرع [عبارة عن] شروط توضح وضعها البشر، فكل القوانين المخالفة للشرع مهما كان واضعها فهي فاسدة لا يجوز تنفيذها بل يجب إبطالها، وقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم الشرط الفاسد حتى بعد أن اشترط في قصة بريرة.
836 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنع جار جاره ن يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمي نبها بين أكتافكم» متفق عليه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 138)
يجوز في «يمنع» وجهان: الوجه الأول: لا يمنع، والوجه الثاني: لا يمنع، فعلى الوجه الأول تكون «لا» نافية والفعل بعدها مرفوع؛ لأن «لا» النافية لا تغير الفعل، وعلى الوجه الثاني: تكون «لا» ناهية والفعل بعدها مجزوم.
فإن قال قائل: هي ناهية واضحة أن الرسول بنهى، لكن إذا كانت نافية.
فنقول: هذا النفي بمعنى النهي، ويأتي النفي بمعنى النهي تأكيداً، يعني: كأنه لا يمكن أن يمنع جار جاره، فيكون هذا أبلغ من النهي، ولهذا قال العلماء: قد يأتي الخبر بمعنى الأمر وقد يأتي النفي بمعنى النهي فقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] هذا خبر بمعنى الأمر، وهذا الحديث بمعنى الأمر، «لا يمنع جار جاره» نفي بمعنى النهي، قوله: «جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» «خشبة» فهذا عام، وصيغة العموم أنه جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، وعلى رواية الإفراد «خشبة» نقول: هو نكرة في سياق النهي فيكون عاماً أي خشبة تكون، على هذا فمؤدى اللفظين واحد.
قوله صلى الله عليه وسلم «لا يمنع جار جاره» المراد بالجار هنا: الجار الملاصق، لأن خشبة الجار لا توضع على الجدار إلا إذا كان الجار ملاصقاً، أما الجار الذي ليس بملاصق وإن كان له حق لكن لا يدخل في هذا الحديث.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «أن يغرز خشبة» «يغرز» يعني: يغرس، يحفر لها حفرة ويضعها فيها، أو أن يضعها على ظهر الجدار، فالغرز هنا ليس بشرط، معنى الغرز: أن يفتح مكاناً للخشبة ويدخلها فيه ويضعها على ظهر الجدار واضح، وإذا كان الرسول نهى أن يمنع جار جاره من غرز الخشبة فنهيه عن منع جاره من وضع الخشبة على ظهر الجدار من باب أولى؛ لأن الغرز أشد
وقوله: «في جداره»: جدار الجار أو جدار المانع؟ جدار المانع؟ لأن جدار الجار الواضع لا يمكن أن ينهى عنه الرسول، لأنه ملكه، لكن الكلام على جدار المانع.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: بيان حقوق الجار، وأن للجار أن ينتفع بملك جاره بما لا ضرر عليه فيه، ومن ذلك وضع الخشبة وهل يلحق بوضع الخشبة ما يساويها؟
الجواب: نعم، وذلك لأن الخشبة إذا وضعها الجار على الجدار استفاد الجار الواضع والجار صاحب الجدار، كيف ذلك؟ أما صاحب الخشبة فاستفادته واضحة؛ لأنه بدلاً من أن يقيم أعمدة أو جداراً آخر ملاصقا لجدار جاره يضع هذه، وأما استفاده الجار صاحب الجدار فلأن وضع الخشب على الجدار تثبيت له وتقيه السيول، وهذا ينتفع به الجدار، لاسيما فيما سبق لما كان الجدار من الطين صار الانتفاع بذلك واضحاً، وهذا الحديث ظاهره يمنع صاحب
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 139)
الخشبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» ومعلوم أنه لا يحل لك أن تضر غيرك بمنفعة نفسك.
إذا قال قائل: ما رأيكم فيما لو أراد أن يجري الماء على أرضه إلى أرضه التي وراءها يعني: أراد صاحب الماء أن يجري الماء على أرض جاره إلى أرض له وراء أرض جاره فمنع الجار.
نقول: هذا لا يجوز لصاحب الأرض أن يمنع صاحب الماء من إجرائه على الأرض إلا أن يكون في ذلك ضرر، فإن لم يكن في ذلك ضرر فإنه لا يجوز أن يمنع، ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما أراد أن يمنع محمد بن سلمة من جريان الماء لجاره فقال عمر: «والله لتمرن به ولو على بطنك» يعني: لو فرضنا أننا أجريناه على بطنك لا يمكن تمنع، لماذا؟ لأن فيه منفعة لصاحب الأرض وفيه منفعة لصاحب الماء، أما صاحب الماء، فلأن الماء يصل إلى أرضه الأخرى، وأما صاحب الأرض؛ فلأنه يمكن أن يغرس على الماء، وكذلك الزرع حول الماء ينتفع لكن لو قال صاحب الأرض: أنا سابني على الأرض بناء فهل له أن يمنع؟ نعم، له أن يمنع، لأن الماء لو مشى من تحت البناء أضر به.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب على المسلم ألا يمنع أخاه حق الانتفاع بملكه إذا لم يكن عليه ضرر، وجهه: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وعلى هذا فلو أن رجلا مر برجال جالسين تحت جداره مستظلين به من الشمس، فقال: قوموا هذا ظلال جداري، هذا له الحق أو لا؟ لا، ليس له الحق، لكن لو دخلوا البيت واستظلوا بظل الجدار، معلوم له الحق ليس من أن يخرجهم من الظل ولكن يخرجهم من بيته، ولما جاءت امرأة إلى الإمام أحمد رحمه الله تسأله قالت: يا أبا عبد الله إن السلطان إذا مر بنا في الليل ونحن نغزل ازداد غزلنا بواسطة الأنوار التي يمر بها فهل يحل لنا ذلك- أي: هذه الزيادة/ لأن أنوار السلاطين في ذلك الوقت ليست نزيهة من كل وجهن فقال الإمام أحمد: نعم يحل هذا، ولما أدبرت سأل من بجنبه قال: كيف هذه تسأل هذا السؤال الدقيق؟ قال: هذه أخت إبراهيم بن أدهم، فدعا بها فقال: لا يحل لكم، كيف؟
قال: نعم من بيتكم خرج الورع، انظر كيف اختلفت الفتوى.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 140)
على كل حال: أقول: إن مثل هذه المنافع العامة لا يجوز لأحد أن يمنع منها من ينتفع بها.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا غرز الجار الخشبة لم يلزم بما يسمونه المباناة عندنا، يعني: أن الجار إذا بني وأحاط بيته بجدار، ثم بني جاره وأراد أن يغرس خشبة على الجدار قال: لا يمكن حتى تسلم نصف قيمة الجدار وتسمى المباناة. ولكن ظاهر الحديث أنه ليس للجار أن يطلب هذه القيمة؛ لأن الجدار لمن؟ الجدار له، ولهذا قال: «على جداره» فهو ملكه كيف تطالبني أن أحمل عنك بعض نفقة ملكي؟ فإذا قال: نعم تحمل بعض نفقة ملكي لأنك انفقت به، فالجواب: أن هذا النفع قد جعله الشارع لي ونهاك أن يمنعني، لكن الواقع أن الأمر عندنا على خلاف ذلك، والحكام يحكمون بوجوب دفع نصف النفقة ولعلهم يلاحظون في هذا قطع النزاع؛ لأنهم يخشون أن يتأخر الجار في البناء من اجل أن يقيم جاره الجدار وربما يتكلف عشرة آلاف أو أكثر؛ فإذا بني شرع هذا في البناء فيكون هذا حيلة فلذلك كان القضاة عندنا يحكمون بدفع المباناة يعني: دفع نصف التكاليف على هذا الجدار؛ إذا دفع نصف التكاليف يكون الجدار الآن مشتركاً بين الطرفين لو آل للسقوط ألزم الطرفان ببنائه، وعلى عدم تحميل نصف التكاليف يكون الجدار للأول، ولا يلزم إذا مال الجدار للسقوط ببنائه.
قال: «ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ » يعني: أي شيء لي «أراكم عنها» أيك عن هذه السنة التي حدثتكم بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «معرضين» يعني: لا تعملون بها، «والله لأرمين بها» أي: بالسنة، «بين أكتافكم حتى تنزل عليكم من فوق فترهقكم عملاً» وقيل: «والله لأرمين بها» أي: بالخشبة، أي: لا جعلنها على أكتافكم إن منعتم من وضعها على الجدار، فعلى الوجه الأول يكون الضمي في قوله: «بها» عائداً على السنة، وعلى الثاني يكون عائداً على الخشبة، ولكن أيهما أنسب؟ قال بعض العلماء: الأنسب الثاني، ويؤيد ذلك أمران الأول: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال ذلك حين كان والياً على المدينة لمروان فهو أمير والأمير له سلطة التنفيذ ولو بالقوة، والثاني: أنه يبعد أن يقول أبو هريرة عن السنة: لأرمي نبها بين أكتافكم؛ لأن السنة الأليف أن يقال فيها: لألقينها بين أيديكم ولا توصف بالرمي بين الأكتاف حتى تكون وراء الظهور، بل تلقى بين الأيدي حتى يقتدي بها الناس، ثم هناك وجه ثالث يرجح أن ما بين الأكتاف هو موضع الحمل عادة، فكان أنسب أن يكون المراد بها الخشبة، ونظير هذا قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: «والله ليمرن به ولو على بطنك» يعني: الساقي للماء الذي يمر في ملك الجار.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 141)
ومن فوائد الحديث: أن المنافع المتحمضة التي ليس فيها ضرر لا يجوز الامتناع؛ وذلك لأن وضع الخشب فيه مصلحة للطرفين؛ أما صاحب الجدار؛ فلأن وضع الخشب عليه يقيه من الشمس والأمطار ويزيده شدة وقوة، لأن البناء يشد بعضه بعضا، وأما صاحب الخشب فالمنفعة له ظاهرة، وظاهر هذا الحديث أنه لا يشترط الضرورة، يعني: لا تشترط للنهي عن منعه أن يكون صاحب الخشب مضطراً إلى ذلك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يشترط أن يكون مضطراً إلى ذلك بحيث لا يمكنه التسقيف إلا على جدار جاره، فإن كان يمكنه التسقيف على الجهة الأخرى فإنه يجوز للجار أن يمنعه، وكذلك يمكنه التسقيف بإقامة أعمدة وجسر على الأعمدة توضع عليه الخشب فلا ينهي الجار عن منعه من وضع الخشب على الجدار، ولكن ظاهر الحديث أولى بالتقديم، وهو أنه لا تشترط الضرورة، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يتضرر الجدار بذلك أو لا يتضرر، ولكن هذا الظاهر غير مراد، ما الذي يخرجه عن الإرادة؟ الأحاديث العامة الأخرى الدالة على أنه «لا ضرر ولا ضرار» ومعلوم أن هذا فيه الضرر وإذا كان الجار قد أراد الضرر صار إضراراً أيضا.
ومن فوائد الحديث: تعظيم حق الجار على جاره؛ ولهذا أضافه قال: «جار جاره» من باب التحنن والتعطف على الجار، ولا شك أن للجار حقاً عظيما على جاره، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وقال النبي صلى الله عليه وسلم «والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» فالجار له حق على جاره، ومن حقوق ألا يمنعه هذا الحق.
ومن فوائد الحديث: أنه لو كان الجدار مشتركاً فإنه لا يمنعه من وضع الخشب على جداره، يقال: إنه منع، أو إذا نهى عن منعه من وضع الخشب على الجدار الخاص بالجار فمن باب أولى إذا كان الجدار مشتركاً؛ لأن الجار له حق فيه.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للأمير ومن ولاه الله على شيء أن يكون قوياً في إمرته لقوله: «ما لي أراكم عنها معرضين … إلخ» واللين له موضع، والشدة لها موضع، فإن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم استعمال اللين فهو خال من الحكمة، فأنتم قد مر عليكم مسائل كثيرة استعمل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 142)
فيها الرسول صلى الله عليه وسلم اللين، وأخرى استعمل فيها الشدة، الرجل الذي كان لابسا خاتم ذهب فنزعه النبي صلى الله عليه وسلم من يده ورماه به، وهذا نوع من الشدة، والذين اشترطوا الولاء في قصة بريرة قام صلى الله عليه وسلم وخطب خطاباً توبيخياً عظيماً، فالمهم أن الإنسان ينبغي له أن يستعمل الشدة في موضعها واللين في موضعه، ولهذا قال المتنبي وهو شاعر حكيم في الحقيقة: [الطويل]
(ووضع الندار في موضع السيف بالعلا … مضر كوضع السيف في موضع الندا)
وهذا صحيح إذا وضعت الندا يعني: الكرم والعطاء في موضع السيف فهذا مهانة وذل، بالعلا كوضع السيف في موضع الندا، يعني: في موضع الكرم لا تضع السيف، وفي موضع السيف لا تضع الكرم، بل كن حكيما في هذا وهذا.
ومن فوائد الحديث: استعمال المبالغة في الوعيد لقوله: «والله لأرمي نبها بين أكتافكم» لأن الظاهر أن أبا هريرة لم يقصد بهذا أن توضع الخشب على الأكتاف، لأن هذا أمر لا يطاق، فيكون هذا من باب المبالغة في الوعيد مع أنه أقسم رضي الله عنه.
837 - وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه» رواه ابن حبان، والحاكم في صحيحهما.
قوله: «لا يحل لامرئ» هذه من أسماء الأجناس للرجال، ويقال في النساء امرأة، ولكن تعليق الحكم بالرجال في قوله: «لامرئ» من باب التغليب وليس من باب التقيد.
وقوله: «أن يأخذ عصا أخيه» أي: في الدين، وإن اجتمع الدين والنسب صار تأكيداً على تأكيد، وقوله: «بغير طيب نفس» أي: بغير رضا منه، لأن الإنسان إذا رضي طابت نفسه، وإذا لم يرضي لشحت نفسه بالشيء.
ففي هذا الحديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يأخذ الإنسان عصا أخيه بغير نفس منه، لأنه عدوان، وقد أشارت الآية الكريمة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {يا أيها الذين امنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29]
وعلى هذا أساس كل معاملة، كل معاملة لابد فيها من رضا وطيب نفس إلا ما استثنى فإن الإكراه قد يكون بحق، وإذا كان بحق صار كالرضا، لأن من لم يرض بالشرع ألزم بالرضا به.
ومن فوائد الحديث: تحريم أخذ مال الغير بغير حق.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 143)
فإذا قال قائل: أنت تقول: «مال» والحديث «عصا» ومال أعم من عصا، فكيف تستدل بالأخص على الأعم، لأن القاعدة أن يستدل بالأعم على الأخص؛ لأن العام يدل على جميع أفراده، لا أن يستدل بالأخص على الأعم، يعني: أن الدليل لا يكون أخص من المدلول.
فالجواب: أن ذكر العصا تنبيه على ما هو أعظم منه، وعلى هذا فيكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم العموم، ونظير هذا من بعض الوجوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرام: الغراب، والحدأ، والفارة، والعقرب، والكلب العقور» فهذه الخمس لا يقال: إن غيرها لا يقتل في الحرم، بل ما كان مثلها في الأذى كان مثلها في الحكم، وما كان أعظم منها كان أولى منها بالحكم، فالذئب مثلا يقل في الحرم؛ لأنه أشد من الكلب العقور، والحية تقتل؛ لأنها كالعقرب أو أشد، الجرد يقتل؛ لأنه كالفارة وعلى هذا فقس.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا أخذ الإنسان مال أخيه بطيب نفس منه فلا بأس بذلك، ولكن هذا الإطلاق يقيد بالنصوص الأخرى الدالة على أنه لابد أن يكون المعامل جائز التصرف إن كان تصرفاً، وجائز التبرع إن كان تبرعاً، أيهما أوسع: التصرف أو التبرع؟ التصرف أوسع، ولهذا نقول: من جاز تبرعه جاز تصرفه، ولا نقول: من جاز تصرفه جاز تبرعه، فولي اليتيم يجوز أن يتصرف في مال اليتيم، ولكن لا يجوز أن يتبرع منه، الوكيل يجوز أن يتصرف فيما وكل به، ولكن لا يجوز أن يتبرع به، الذي عنده دين مستغرق لماله يجوز أن يتصرف في ماله ولا يجوز أن يتبرع فيه فالتبرع أضيق، وظاهر الحديث أنه لو طابت نفسه بعد التصرف جاز ذلك، وعليه فيكون فيه دليل على جواز تصرف الفضولي، وهو أن يتصرف الإنسان بمال غيره بغير ولاية ثم يأذن الغير في هذا التصرف، يسمى تصرف فضولي؛ لأنه متوقف على إذن الغير، فهذا التصرف فيه خلاف بين العلماء، والراجح أنه ينفذ في كل مسألة أجازها من له الحق، فلو بعت ملكك بدون توكيل منك ثم بعد ذلك أذنت لي وأجزت التصرف فيه خلاف بين العلماء، والراجح أنه ينفذ في كل مسألة أجازها من له الحق، فلو بعت ملكك بدون توكيل منك ثم بعد ذلك أذنت لي وأجزت التصرف فالصحيح الجواز، قال: ثم هنالك أن الإنسان يتردد فيما إذا كان الأمر يحتاج إلى نية، كما لو أديت الزكاة عنك ثم أجزتني بعد ذلك هل نقول: بأن الزكاة أجزأتك؟ أما على قول من يقول: إن تصرف الفضولي لا ينفذ إلا في مسائل معينة، فظاهره أن الزكاة لا تجزئ، وأما على القول بأن الأصل في تصرف الفضولي الصحة إذا أجيز، فإن الزكاة عندي فيها نظر، وذلك لاشتراط النية ممن تجب عليه عند الدفع، فقد يقال: إنها لا تجزئ؛ لأن المالك حين الدفع لم ينو، وقد يقال: إنها تجزئ؛ لأن الدافع فقد يقال: إنها لا تجزئ؛ لأن المالك حين الدف لم ينو؛ وقد يقال: إنها تجزئ؛ لأن الدافع نواها زكاة عن صاحبها وإذا كان نواها زكاة أجزأت، وربما يقوي هذا الاحتمال ما جرى من أبي هريرة مع الشيطان، أبو هريرة كان وكيلاً على زكاة الفطر في رمضان وقد جمع تمراً كثيراً،
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 144)
وفي ذات ليلة جاءه شخص في صورة فقير فأخذ من التمر فأمسك به أبو هريرة وقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا فقير وذو عيال، فرق له أبو هريرة وأطلقه، فلما أصبح أبو هريرة غدا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما فعل أسيرك البارحة» أخبره الله من طريق الوحي، فقال: يا رسول الله، إنه ادعى أنه ذو حاجة وذو عيال فأطلقته، قال: «كذبك وسيعود».
يقول: فعلمت أنه سيعود لقول النبي صلى الله عليه وسلم سيعود، فجاء فأخذ من التمر، فقلت: لأرفعنك إلى الرسول، فادعى الفقر فأطلقه، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما فعل أسيرك البارحة؟ » قال: يا رسول الله، ادعى الفقر فأطلقته، قال: «كذبك وسيعود» فجاء فأخذ من التمر فأمسكته، فقلت: لن أتركك أبداً إلا عند الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: سأخبرك بآية من كتاب الله إذا قرأتها لم يزل عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، آية الكرسي: فلما أصبح غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يضمن أبا هريرة الزكاة التي دفعها إلى هذا الشخص مع أنه لم يوكل في الدفع، إنما وكل في الحفظ فقط، فنقول: إن الحديث الذي معنا يدل على جواز تصرف الفضولي، لأنه بطيب نفس من صاحبه.
إذا قال قائل: لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث عقيب حديث أبي هريرة؟
قال الشارح: ليتبين أن قوله: «لا يمنع جار جاره» على سبيل الأولوية، وذلك لأننا لو مكنا الجار من وضع الخشب على جدار الجار لكان اعتدى على مال أخيه ووضع الخشب على جداره، فكأن المؤلف يقول: إن حديث أبي هريرة ليس للتحريم ولكن من باب الأولى، لكن هذا ليس بصحيح، ما أظن أن المؤلف أراد هذا، وذلك لأن حديث أبي هريرة لا يتنافى مع هذا الحديث، حديث أبي هريرة من حقوق الجار على الجار وليس فيه أخذ للمال الجدار يبقى على ملك صاحبه ولم يتضرر الجدار بذلك، ثم إن الحديث «لا يحل لامرئ … إلخ» ليس على عمومه، فإنه يخصص منه أشياء كثيرة منها: الرهن مثلاً، الرهن يباع بغير طيب نفس من صاحبه؛ يعني: مثلا أن تطلب من زيد ألف ريال فرهنك زيد مالاً وقال: خذ هذا المال رهنا عندك إذا حل الأجل ولم يوفك فبعه وخذ حقك رضي راهنه أم لم يرض، كذلك تؤخذ النفقة ممن تجنب عليه رضي أم لم يرض، فالحديث ليس على عمومه، يعني: خصص بأدلة أخرى تدل على أن الإنسان إذا امتنع من حق واجب عليه أخذ منه قهراً رضي أم لم يرض.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 145)
8 - باب الحوالة والضمان
هذه الترجمة تضمنت بابين: الباب الأول: «الحوالة» وهي نقل الحق من ذمة إلى ذمة، و «الضمان» التزام ما على غيره من الحقوق، وجمع المؤلف بينهما لما بينهما من التشابه؛ لأن الضامن ينقل الحق على الذي عليه الحق إلى ذمته، والمحيل ينقل الحق من ذمته إلى ذمة غيره ففيهما تشابه، الحوالة: نقل حق من ذمة إلى أخرى، مثاله: زيد يطلب من عمرو مائة ريال وعمرو يطلب من خالد مائة ريال فجاء زيد على عمرو وقال: أعطني حقي، فقال: إن لي حقاً عند خالد هو مائة ريال وقد أحلتلك عليه، هذه حوالة تحول الحق من ذمة عمرو إلى ذمة خالد، فانتقل من ذمة إلى ذمة عمرو في هذه الحال هل يكون مطالباً بشيء؟ لا لأن الحق تحول من ذمته إلى ذمة خالد.
أركان الحوالة لابد فيها من خمسة: محيل ومحال ومحال به ومحال عليه وصيغة المحيل: من عليه الحق، والمحال: من له الحق، والمحال به: من الدين الذي على المحيل، والمحال عليه: الدين الذي على المحال عليه، وصيغة يعني: لفظ يحصل به التحول، فالأركان إذن خمسة، لأننا لو نقول: لزيد على عمرو مائة ريال جمعت هذه ثلاثة ولعمرو على خالد مائة ريال هذه أربعة، بعد ذلك الصيغة قال عمرو لزيد: أحلتك على خالد، هذه الصيغة هي الخامسة، وهي في الحقيقة من عقود الإرفاق، لأن فيها إرفاقاً بالطالب والمطلوب والمحال عليه، وأركانها خمسة: محال ومحيل، ومحال عليه، أم الضمان: فهو التزام الشخص مع ما وجب أو يجب على غيره من الحقوق التي يصح ضمانها، وهو أيضا من عقود الإرفاق، وهو مشتق من الضمن، لأن ذمة المضمون تكون ضمن ذمة الضامن؛ لأنها تدخل ذمة المضمون في ذمة الضامن، وذمة الضامن في ذمة المضمون، وهي من عقود الإرفاق لما فيها من التيسير على كل من الطالب والمطلوب، مثال التزام ما وجب: أن ترى شخصاً ممسكاً بشخص يريد أن يحاكمه ويخاصمه ويرفعه إلى ولاة الأمور فتأتي أنت وتحسن، وتقول لهذا الطالب: أنا ضامن ما على فلان، هذا ضمن ما وجب، ومثال ضمان ما يجب: أن يقول لك شخص: إني أريد أن أشترى من فلان سيارة وهو لا يعرفه فأريد أن تضمنني في قيمتها، فتكتب له وثيقة بأنني ضامن ما يجب على فلان من قيمة السيارة التي يشتريها من المعرض الفلاني، فهذا ضمان ما يجب؛ لأن الحق لم يجب بعد لكنه سوف يجب فالضمان إذن له صورتان، وهو من عقود الإرفاق والإحسان، لأنه فيه إرفاقاً بالمضمون عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 146)
حكم الحوالة وشروطها:
838 - عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» متفق عليه.
وفي رواية أحمد: «ومن أحيل فليحتل»
قوله: «مطل الغني ظلم» «المطل» هو المنع، يعني: منع ما يجب على الإنسان دفعه من دين يسمى مطلاً، والغني هنا هو القادر على الوفاء، وإن كان قد يسمى فقيرا في عرف الناس كرجل عليه مائة درهم وهو لا يملك إلا مائة درهم، فهذا في عرف الناس في وقتنا الحاضر فقير، ولكنه باعتبار قدرته على الوفاء غني فمطل هذا ظلم، يعني: منعه من وفاء الحق الذي عليه ظلم، والظلم في الأصل في اللغة العربية بمعنى: النقص، ومنه قوله تعالى: {كلتا الجنتين أتت أملها ولم تظلم منه شيئا} [الكهف: 33] أي: لم تنقص منه شيئا، وقال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 76] أي: ما نقصناهم مما يجب لهم أو مما هو من حقوقهم، ولكن هم الظالمون، ثم إن الظلم وإن كان بمعنى النقص فإنه أن كان في ترك ما يجب فهو ظلم في واجب، وإن كان في فعل محرم فهو ظلم في محرم … إذن الظلم نقص، والنقص هنا نقص واجب أو فعلي محرم مطل الغنى ظلم نقص واجب لأن الواجب على الغنى أن يبادر بالوفاء فإن لم يفعل فقد نقص ما يجب عليه فكان ظالماً صورة المسألة رجل مدين لشخص بألف درهم، وهذا الشخص يطلبه: أعطني حقي والآخر يماطله يقول: غدا بعد غد بعد غد، نقول: هذا الرجل المطلوب يعتبر ظالماً، لأنه مطل في الحق الذي عليه، أي منعه مع قدرته على القيام به. ق ال: «وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» «أتبع» فسرته رواية الإمام أحمد رحمه الله وهي قوله: «من أحيل» ومعنى «أتبع» أي: طلب منه أن يتبع غيره؛ أي: أحيل، يقول صلى الله عليه وسلم: «من أحيل مليء» المليء مأخوذ من الملاءة أي: على قادر على الوفاء بماله وبدنه وحاله، معناه: أن نقدر على الاستيفاء منه بماله وبدنه وحاله.
أما المال فهو أن يكون واجداً للمال الذي أحيل به عليه، فإن كان فقيراً معدماً ليس عنده مال فليس بمليء.
«قادراً ببدنه» أي: يمكن أن يحضر لمجلس الحكم عند المحاكمة فيما لو امتنع من الوفاء فإن لم يكن إحضاره لسلطته أو قرابته فليس بملئ لأنه لا يمكن استيفاء الحق منه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 147)
الثالث: بحاله، يعني: ألا يكون مماطلاً فإن كان غنياً يمكن إحضاره لمجلس الحكم لكنه مما طل لا يوفي فإنه ليس بمليء، إذن فالمليء من يمكن استيفاء الحق منه بماله وبدنه وحاله، فإن كان فقيرا فإنه لا يجب التحول عليه مثل أن يحيلك شخص على آخر بدراهم تطلبه إياها لكن هذا المحال عليه فقير ليس عنده مال فإنه لا يلزمك أن تتحول، لأن في ذلك إضرار عليك. ببدنه: فلو أحالك على أبيك قال: أنت تطلبني مائة ريال وأن أطلب أباك مائة ريال فأنا حولتك على أبيك فإنه لا يلزمك أن تتحول لماذا
لأنه لا يمكن أن تحاكم أباك وتحضره إلى مجلس الحكم، لو أحالك على سلطان فإنه لا يلزمك أن تتحول، لماذا؟ لأنه لا يمكن مطالبته وإحضاره لمجلس الحكم رجل أمير في القرية أو شيخ القبيلة مثلا لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم فلا يلزمك أن تتحول، فلو أحالك على شخص معروف بالمماطلة لا يمكن أن يوفي بل يلعب على الناس فإنه لا يلزمك أن تتحول، لأن في ذلك إضراراً بك؛ إذ يستحيل عليك أن تستوفي مالك.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فليتبع» اللام هنا للأمر ولام الأمر مكسورة إلا إذا وقعت بعد حرف من حروف العطف وهي الواو والفاء وثم فإنها تكون ساكنة قال الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق: 7] مكسورة هنا، {من قدر عليه رزقه فلينفق} ولم يقل: فلينفق، لماذا؟ لأنها أتت بعد الفاء، وقال تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] ولم يقل: ثم ليقضوا لأنها وقعت بعد {ثم} و [ليوفوا] ولم يقل: وليوفوا؛ لأنها وقعت بعد الواو هنا «فليتبع» بسكون اللام، لأنها وقعت بعد الفاء ومعنى «فليتبع» أي: فليحتل كما تفسره رواية أحمد، وهذا اللام قلنا: إنها للأمر، ولكن هل الأمر للوجوب أو الأمر للاستحباب والإرشاد؟ اختلف في هذا أهل العلم، فمنهم من قال: إن الأمر للاستحباب وليس للوجوب؛ لأن صاحب الدين الذي أحيل يقول: أنا لا أقبل إلا من لي عليه الدين، والآخر ليس لي عليه دين ولا سبيل فلا يلزمني أن أتحول، وقال بعض العلماء: بل الأمر للوجوب؛ لأنه ذكر بعد قوله: «مطل الغني ظلم» حيث إنه قال: وتحول المحال على المليء عدل، والعدل واجب، وهذا القول الثاني هو المشهور من مذهب الإمام أحمد على أنه يجب أن يتحول إذا أحيل على مليء ولكن جمهور أهل العلم يرون أن التحول ليس بواجب، وأنه من باب حسن الاقتضاء، فإن فعله الإنسان وتحول كان ذلك خيراًن وإن لم يفعل فهو حر؛ لأنه لا يلزمه أن يستوفى دينه من غير مطلوبة، مثال ذلك: زيد يطلب من عمرو مائة ريال وعمرو يطلب من بكر مائة ريال، فقال عمرو لزيد: أحلتك بالمائة التي لك على المائة التي لي عند بكر وكان بكر مليئاً فهل يلزم زيدا أن يتحول؟ على قول من قال: إن اللام في قوله: «فليتبع» للوجوب يجب على زيد أن يتحول، وعلى القول
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 148)
الثاني لا يجب، ولكنه إذا تحول فله أجر؛ لأن هذا من حسن الاقتضاء، وربما تناله الرحمة التي دعا بها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «رحم الله امرأ سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتض».
في هذا الحديث فوائد كثيرة: أولاً: تحريم مطل الغني لقوله: «مطل الغني ظلم» والظلم حرام لقول الله تعالى: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم} [الشورى: 42] ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة»
ومن فوائده: أن مطل غير الغني ليس بظلم، يؤخذ من قوله: «مطل الغني» وهذا وصف مناسب للحكم وهو كن المطل ظلماً فإذا كان مناسباً للحكم كان قيداً فيه فإذا مطل الإنسان الفقير فليس بظالم، بل الظالم من يطالبه لقوله الله تعالى: {إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280]
ومن فوائد الحديث: أنه إذا لم يطالب صاحب الحق بحقه فإن تأخير وفائه ليس بظلم، كشخص أقرض شخصاً مائة ريال، ولم يقيده بأجل، ولم يطالبه به، فنقول: ما دام المقرض لم يطالبك فلست بظالم، لماذا؟ لأنك لست بمماطل وهو كذلك، لكن إن علم من قرينة الحال مثل أن نعلم أن هذا الطالب فقير لكنه رجل كريم خجول لا يطالب أحداً فمطله حينئذ ظلم، لأننا نعلم أن الأمر لو عاد إليه لطالب لكنه رجل خجول وكريم، ولا يحب أن يقول لأحد: أعطني حقي، فإذا منعته حقه فإنك مماطل فتكون ظالماً، أما لسان المقال فمثل أن يؤجل الحق إلى أجل، فإن الحق إذا أجل إلى أجل كان ذلك دليلاً على أن صاحبه يريد وفاؤه إذا جاء ذلك الأجل، مثل أن يقول بعتك هذا الشيء بمائة ريال تحل على رأس المحرم في أول يوم منه، فإذا جاء أول يوم من محرم وجب على المشتري أن يسدد؛ لأن تأجيله هذا الأجل المعين، يعني: أنه إذا جاء هذا الأجل وجب على المطلوب أن يوفي الطالب،
ومن فوائد الحديث: إثبات القصاص بين الناس، لأن الظلم لابد أن يقتص منه صاحبه، أي: المظلوم كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من تعدون المفلس فيكم؟ » قالوا: من لا درهم عنده ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع، فقال: المفلس من يأتي بحسنات أمثال الجبال فيأتي وقد ضرب هذا وشتم هذان وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار.
ومن فوائد الحديث أن لصاحب الحق أن يطالب من عليه حقه ووجه الدلالة: أنه جعل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 149)
مطل الغني ظلم، فإذ كان ظلما كان لصاحب الحق أن يطالبه لأنه صاحب حق، على هذا فلا يجوز أن نلوم صاحب الحق إذا طالب بحقه من له مطالبته، وما يجري على ألسنة بعض الناس من كونهم إذا رأوا الشخص يطالب غيره بحقه لاموه، وقالوا: عندك حلال كثير، لماذا تطالب؟ فنقول: ما دام الحق له فهو غير ملوم، ولهذا جعل الله تعالى من استعمل حقه غير ملوم فقال: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] فلا يجوز أن يلام شخص يطالب بحقه.
ومن فوائد الحديث: جواز الدعاء على المماطل الغني، وأن دعوة من مطله حرية بالإجابة، لأنه إذا ثبت أن مطل الغني ظلم كان الممطول مظلوماً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
ومن فوائد الحديث في قوله: «وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» جواز الحوالة وأنها ليست من الربا؛ لأنها عقد إرفاق فهي كالقرض ولو كانت عقد معاوضة لم تصح، لأنها بيع دين بدين، ولأنها ربا إذا كانت في أموال ربوية، ولكن لما كان المقصود بها الإرفاق صارت جائزة، مثلا أنا أطلب شخصاً مائة ريال وآخر يطلبني مائة ريال، فإذا أحلت الطالب لي على الذي أنا أطلبه جاز ذلك مع أنني لو بعت عليه ما في ذمة المطلوب لي كان البيع حراماً وفاسداً، لأنني بعت دينا بدين على غير من هو عليه، حرام كما سبق، ولأني بعت بدراهم بدراهم بدون قبض فلا يجوز، لكن الحوالة تجوز مع أن حقيقتها أنني بادلتك بالدين الذي لي بالدين الذي علي، وهذا هو البيع، ولكن لما كان المقصود بها الإرفاق صارت جائزة كالقرض، أرأيت لو أعطيتك قرضا مائة ريال ثم أوفيتني بعد شهر أليس هذا جائزاً؟ نعم، ولو اشتريت منك مائة ريال بمائة ريال إلى أجل لكان هذا حراماً، والفرق بينهما لأنني في الأول قصدت لإرفاق، وفي الثاني قصدت المعاوضة والاكتساب، والحوالة نفس الشيء لما كان المقصود بها الإرفاق صارت جائزة، ولو كان المقصود بها المعاوضة صارت حراماً، ولهذا لو أحلت بفضة على ذهب كان ذلك حراماً، لأن هذه معاوضة اختلف الجنس، ولو أحلتك ببر على شعير كان ذلك أيضا حراماً؛ لأنه معاوضة بيع، ولو أحلتك بمائة على مائتين كان ذلك حراماً لأنه صار معاوضة، مثال: أن تطلب مني مائة وأنا أطلب شخصا مائتين فقلت: أحلتك بالمائة التي تطلبني على المائتين التي أطلب هذا الشخص، كان ذلك حراماً لماذا؟ من أجل الزيادة صارت معاوضة تحولت من إرفاق إلى اكتساب والعكس لو أحلتك بمائة على ثمانين الصحيح جوازها؛ لأن هذا إرفاق وزيادة وليس فيه ربا، المسألة الأولى: إذا أحلتك مائة على مائتين فيها ربا لكن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 150)
أحلتك بمائة على ثمانين وقيلت هذا في الحقيقة إرفاق وزيادة إرفاق، لأنك قبلت التحول بحقك من ذمتي إلى ذمة فلان وزيادة؛ لأنك أبرأتني وأسقطت عني، فإذا كان يجوز أن أحيلك بمائة على مائة فجواز أن أحيلك بمائة على ثمانين من باب أولى، لأنه إرفاق بلا شك كما لو كان في ذمتي مائة وطلبت مني ثمانين وأسقطت الباقي فإن الصحيح جوازه فهذا مثلها، وإن أحلتك بثمانين على ثمانين من المائة التي أطلب شخصا مائة وأنت تطلبني ثمانين فأحلتك بثمانين على ثمانين من المائة التي أطلب هذا الشخص، هذا يجوز قولا واحداً؛ لأنني ما نقصت حقك ولا زدته، ولكنني أحلتك أن تستوفي بعض حقي الذي في ذمة هذا الشخص، إذن الحوالة لابد فيه من اتفاق الدينين حنساً، نأخذها من أن جوازها إنما هو للإرفاق فإذا اختلف الجنس صارت معاوضة، فصارت ربا ليست إرفاقا ولو أحلتك بمائة على مائة وعشرين من جنسها كان حراماً لأنه ربا، وعلى هذا فيشترط أيضا اتفاق الدينين قدراً، فلا يصح أن يحال بناقص على زائد، يعني: يحال بمائة على مائة وعشرين لا يصح، فإن أحيل بمائة وعشرين على مائة فهذا فيه خلاف، والصحيح أنه جائز؛ لأنه لم يخرج عن الإرفاق، بل فيه إرفاق وزيادة، إذن يشترط اتفاق الدينين قدرا ولكن هل يجوز أن يحال بناقص على زائد أو بزائد على ناقص أو بعبارة أخرى يشترط إنفاق الدين قدراً فلا يحال بناقص على زائد ولا بزائد على ناقص، بناء على اشتراط هذا الشرط، إلا أن القول الراجح أنه يجوز الإحالة بزائد على ناقص لماذا؟ لأن هذا إرفاق وزيادة، والرجل المحال لم يقصد المعاوضة ولا التكسب، لو قصد التكسب أو المعاوضة ما أخذ ثمانين عن مائة، وهل يشترط اتفاق الدينين أجلا فلا يحل حال على مؤجل ولا مؤجل على حال؟ ننظر إذا كان كل من الدينين المحال به والمحال عليه حالا مع اتفاق الجنس والقدر فالحوالة جائزة، وليس فيه إشكال، وإذا كان المحال به حالا والمحال عليه مؤجلا فقد أحلنا بحاضر على مؤجل، أيهما أنقص؟ المؤجل، يعني: إذن أحلنا بزائد على ناقص، الإحالة بالزائد على الناقص جائزة، وعلى هذا فإذا أحلنا بحال على مؤجل لكنه غير زائد، بعني: بمائة حالة على مائة مؤجلة فالحوالة جائزة لماذا؟ لأنها اشتملت على الإرفاق وزيادة، وهذا الرجل المحال لم يقصد المعاوضة؛ لأنه لو قصد المعاوضة ما أخذ مؤجلاً بحال؛ إذ لا يعقل أن يأخذ مؤجلا بحال، بالعكس لو أحلنا بمؤجل على حال؟ هناك ناقص على زائد لكنه ليس زائداً قدراً بل هو زائد وصفا؛ زيادة الوصف هذه لمن؟ للمحيل، فإذا أسقطها فإنه لا بأس بذلك؛ يعني مثلا: لو أحال بمؤجل على حال الآن المؤجل حق للمحيل؛ لأنه هو الذي يتوسع إلى صاحب الحق المؤجل عليه، فإذا رضي بإسقاطه فهو كما أوفاه قبل الأجل، ومعلوم أنه إذا أوفاه قبل الأجل بدون نقص فإنه جائز قولا واحدا، فهنا إذا قال أن الحق لي أن يبقي الدين مؤجلا على لكن أنا مسقط هذا الحق وأنا أحيلك على فلان وديني
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 151)
عليه، حال فإن هذا لا بأس فيه، وإن كان في الحقيقة إحالة بناقص على زائد لما كان القدر لا يختلف، وإنما الاختلاف في الوصف حق لمن أسقطه كان ذلك جائزاً، هذا هو القول الصحيح، ومن العلماء من يرى أنه لا يصح، ويرى أنه لابد أن يتساوى الدينان جنساً ووصفا وقدراً، لو أحاله برديء على جيد أو بجيد على رديء فهنا إذا أحاله بجيد على رديء فقد أحاله بزائد على ناقص فيجوز، لأن المحال أسقط بعض حقه والحق له، وبالعكس لو أحاله برديء على جيد فهنا ننظر هل الزيادة هنا في القدر أو بالوصف، هنا بالوصف، فعلى القاعدة التي أصلنا وأن الاختلاف في الوصف لا يضر، نقول: هذا لا بأس به، ولاسيما إذا أحيل بجيد على رديء هذا لا شك أنه من الإرفاق وأنه إسقاط لبعض حقه، أما إذا أحيل برديء على جيد فهنا قد نتوقف في جواز ذلك لماذا؟ لأن المحال أخذ أكثر من حقه، ولأن الغالب أن المحيل لا يحيل برديء على جيد إلا من أجل إحراج وضغط فربما يكون الطالب المحال قد أحرج المطلوب المحيل وضغط عليه فأراد أن يتخلص منه، فقال: أنا أطلب فلان مائة صاع من البر وأنت تطلبني مائة صاع فأحلتك عليه، فهنا ربنا نتوقف فيما إذا أحال برديء على جيد، أما العكس فلا شك في جوازه.
وقوله: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» من فوائده: أنه إذا أحيل على غير مليء فإنه لا يلزمه الإتباع لماذا؟ لأنه علق الحكم على وصف مناسب له، فإذا انتفى هذا الوصف الذي علق عليه الحكم وهو مناسب له انتفى الحكم ضرورة أن المعول يتبع العلة، والحكم تابع للعلة وجودا وعدماً، فإذا أحيل على غير مليء فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل لأن الحق له.
ومن فوائد الحديث: أنه لو كان المحال متصرفا لغيره فهل يجوز أن يحتال مع كون المحال عليه غير مليء أو لا يجوز؟ يعني: إنسان يتصرف لغيره كولي اليتيم، وكيل لشخص أحيل على غير مليء فهل يجوز أن يحتال أو لا؟ لا يجوز؛ وذلك لأن المتصرف لغيره لا يجوز أن يتصرف إلا بالتي هي أحسن لقول الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء: 34] ومن المعلوم أنه إذا أحاله الغني على شخص غير مليء فليس هذا بأحسن بل هو إضرار.
وعلى هذا فنقول: لو أحيل الوكيل بالدين على شخص غير مليء فإنه لا يجوز له أن يقبل، مثاله: وكلت شخصاً ليبيع لك سيارة فباعها على إنسان غني، فقال الغني الذي اشترى السيارة: أنا أحيلك على فلان يقول للوكيل، وكان فلان غير مليء فهل يجوز للوكيل في هذه الحال أن يقبل ويتحول؟ لا: لأنه يتصرف لغيره، والمتصرف لغيره يجب أن يكون تصرفه بما هو أحسن ولا يجوز أن يتصرف بما فيه الضررر، لو كان هذا الذي باع السيارة باعها لنفسه فهل يجوز أن يتحول على غير مليء؟ نعم يجوز،
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 152)
في هذا الحديث: دليل على مراعاة الحقوق، وأن هذه الشريعة الإسلامية كاملة في مراعاة الحقوق فالأول: في القضاء الجملة الأولى: «مطل الغني ظلم» الثانية: في الاقتضاء منع حيلة، ففي الأولى مراعاة جانب القضاء وأنه يجب على الإنسان أن يقض الدين ولا يماطل، وفي الثانية مراعاة جانب الاقتضاء، وأنه ينبغي للإنسان أن يكون سهلا فيقتضي حقه إما ممن عليه الحق وإما ممن أحيل عليه، فالشريعة الإسلامية لكمالها تراعي الجانبين جانب القضاء وجانب الاقتضاء.
ومن فوائد الحديث: أنه لابد من رضا المحيل المطلوب فلا يجبر على الإحالة، يؤخذ من قوله: «وإذا أتبع» وهذا يدل على أن الأمر موكل إلى المتبع وهو المحيل، وهل يشترط رضا المحال عليه؟ الجواب: لا، فلو أحال زيد عمرا على بكر، وقال بكر لزيد: أنا لا أقبل حوالة عمرو، لأن عمراً رجل صعب لا يمهل ولا يمهل، وأريد أن يكون صاحبي أنت يقول: المحال عليه للمحيل فهل يلزم المحيل قبول ذلك، أو نقول: لا يلزم؟ نقول: لا يلزم، فرضا المحال عليه ليس بشرط، ووجهه أن لصاحب الحق أن يستوفى الحق بنفسه وبمن يقوم مقامه، والمحال قائم مقام المحيل، فالمحيل يقول للمحال عليه، أد حقي وأنا لي أن أستوفي حقي بنفسي أو بمن يقوم مقامي، فهمنا الآن رضا المحيل لابد منه، أما رضا المحال عليه ليس بشرط بقينا برض المحتال إن كان المحال عليه معسراً غير مليئ اشترط رضاه؛ يعني: فقيراً أو مما طلاً
فإنه يشترط رضا المحتال وإن كان مليئاً، فإن قلنا: إن لام الأمر في قوله: «فليحتل» للوجوب فإنه لا يشترط رضاه، وإن قلنا للاستحباب فإنه يشترط، فصار رض المحيل شرطاً لكل حال، رضا المحتال عليه إن كان على غير مليء اشترط رضاه، وإن كان على مليء إن كان الأمر في قوله: «فليحتل» للوجوب فلا يشترط رضاه، وإن قلنا: إنه للاستحباب اشترط رضاه.
ضمان دين الميت:
839 - وعن جابر رضي الله عنه قال: «توفي رجل منن فغسلناه وحنطناه، وكفناه ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: تصلي عليه؟ فخطا خطأ، ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال أبو قتادة: الديناران علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق الغريم وبريء منهما الميت؟ قال: نعم، فصلى عليه» رواه أحمد وأبو داود، والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم.
قوله: «منا» يعني: من الأنصار، وقوله: «غسلناه» يعني: تغسيل الميت وصفته أن يغسل فرج الميت، ثم يغسل رأسه برغوة السد، وهو الورق المعروف يدق ويجعل في الماء، ويضرب
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 153)