عن هذا الإقرار؟ فيه تفصيل إن كان في حق المخلوق فإن رجوعه لا يقبل، وإن كان في حق الخالق ففيه خلاف
11 - باب العارية
ويقال: العارية بالتشديد، والعارية من الإحسان الذي أمر الله به في قوله: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195]. لأنها -أي العارية- إباحة نفع عين تبقى بعد استيفاءه، أي: استيفاء النفع وتأمل التعريف «إباحة النفع»، وليست تمليك بل إباحة نفع، يعني: أنني أنا المعير أبحت لك أن تنتفع بما أعرتك لم أملكك إياه بل هو ملكي، والنفع لي لكني أبحتك أن تنفع نفع عين، تبقى بعد استيفائه، فإذا أباحة العين فهذا ليس عاري، إذا أباحه نفع عين لا تبقى بعد استيفائه، مثال لك: إن قال: أعرتك هذه الخُبزة، ما هو نفع الخُبزة؟ الأكل، إذا أكلتها لم تبق بعد الاستيفاء، ولهذا إذا أضيفت العارية إلى عين لا تبقى بعد استيفاء المنفعة فإنها لا تصح، لكن هل تنزل على المعنى الذي تصح عليه وهو الهبة، أو يُقال: لم تصح العارية مُطلقًا، وأن هذا المستعير إذا أكل الخبزة الني أعير فإنه يضمن قيمتها؛ لأن العارية لم تصح، أو يقال: إنها تصح على الوجه الذي يمكن أن تنزل عليه من وجوه الانتفاع.
وقولنا: إباحة نفع وليس بتمليك يُستفاد منه: أن المستعير لو أراد أن يؤجر العين التي استعارها فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟ لأن المنفعة ليست ملكًا له لكن أبيحت له إباحة، لو أراد أن يُعيرها مثل: أن يستعير شخص كتابًا من زميله ثم يطلبه زميل آخر فيعيره إياه فهل يملك؟ لا؛ لأنه لم يملك النفع، وإنما أبيح له أن ينتفع، ونظير ذلك من بعض الوجوه: أن الإنسان لو مرّ ينخل عليه تمر وليس عليه حائط ولا حوله ناظر فله أن يقف تحت التمر ويأكل حتى يملأ بطنه لكن لو قال: أنا أملأ بطني: كيلو وآخذ كيلو أبيعه فلا يملك هذا؛ لأنه إنما أبيح له الأكل فقط لا أن يحمل أو يمتلك، كذلك العارية إنما أبيح له أن ينتفع فقط وليس مالكًا للنفع.
حكم العارية:
حكم العارية ذكرت أنها سنة؛ لأنها داخلة في عموم قول الله تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195]. لكنها قد تجب أحيانًا، إذا رأيت شخصًا يحتاج إلى ثوب في الشتاء لشدة البرد وأنت معك ثياب فهنا يجب عليك أن تعيره ثوبك كي يدفع به شدة البرد، وجدت شخصًا عطشان، ولكن ليس معه إناء يستقي به من البئر ومعك دلو يمكن أن يستقي به من البئر فحكم العارية واجبة؛ لأن فيها إنقاذ لمعصوم، إنما الأصل فيها أن مستحبة، جاءك شخص يستعير منك سلاحًا لينحر به ناقة فلان ليأكلها هذا حرام؛ لأنها إعانة على محرم، إذن فالأصل أنها سنة وقد تحرم وقد تجب.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 194)
وجوب العناية بالعارية وردّها على المُعير:
851 - عن سمرة بن جندب رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». رواه أحمد، والأربعة، وصححه الحاكم.
«على اليد ما أخذت» عني: على اليد ضمان ما أخذت ورعاية ما أخذت من الأعيان حتى تؤديه إلى صاحبه.
وعموم هذا الحديث يتناول عدة مسائل، أولًا: ما أخذ على سبيل العارية، يعني لو أخذت منك شيئًا عارية فعلي رعايته وصيانته وحمايته مما يُتلفه ورده إليك، ومنها: ما أخذ على سبيل الإجارة، كما لو استأجر شخص مني ساعة يستيقظ بها من النوم. فإن عليه حماية هذه الساعة وصيانتها وحفظها وردها إلي، آخذ مي المرتهن رهنًا في دين علي فعليه ما أخذ حتى يؤديه، المهم كل من أخذ شيئًا فإن عليه حماية هذا الشيء والقيام بمصالحه ما دام عنده وأداؤه على صاحبه.
«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ومن ذلك العارية، فإذا استعار شخص مني كتابًا مثلًا فعليه حماية هذا الكتاب ورده عليّ، لكن ما تقولون في رجل استعار كتابًا من أخيه وملأه من الحواشي يخط رديء -لا يُقرأ- مداخل لأسطر الكتاب، وفي النهاية جعله كراريس بدلًا ما كان محبوكًا هل يجوز؟ إذا قال هذا المستعير: أنا فعلت كذلك لأجل أن يكون هناك حواش كثرة تنفعك لكن حواشيه غلط بدل أن يكتب الفاعل مرفوعًا يكتب الفاعل منصوبًا والمفعول مجرورًا بالكسرة، نقول: هذا حرام عليه، بل لو وضع حاشية مفيدة صحيحة كان حرامًا عليه حتى يأذن صاحبه، أما تفكيك الكتاب حتى يجعله كراريس ويدعي أن ذلك من مصلحة القارئ لأن حمل الإنسان عشرة ورقات أحسن من حمله ستمائة صفحة، فهذا أيضًا حرام لا، إذا استعار المِنشفة التي تُعلّق بالجدار وتنشف به بعد الغسل، من المعلوم أنك إذا تنشفت بها سوف يزول خملها، فهل نقول: لا تتنشف، لأنك إن فعلت زال الخمل الذي فيها؟ لا، لا نقول هذا، لماذا؟ لأن هذا من لازم الانتفاع بها أن يزول هذا، كذلك إنسان أعارني رِشاء -شيء يُربط به الدلو وينزل في البئر ويُستقى به- فاستعار مني الرشاء لكن بدأ يستخرج الماء بالرشاء، فالرشاء لا شك أنه سيضعف، فهل نقول له: إن عليك الضمان؛ لأن على اليد ما أخذت حتى تُؤديه؟ لا، لماذا؟ لأن هذا من لازم الانتفاع به.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 195)
استعرت منه سيارة لأسافر بها إلى الرياض وأرجع، من المعلوم أن السيارة إذا مشت على الإزفلت سوف تتآكل عجلاتها فهل نقول لا تمش فيها لأنك لو مشيت لتآكلت العجلات فتؤديها لصاحبها على غير ما أخذت عليه؟ لا، لماذا؟ لأن هذا من لازم الانتفاع، إذن يُخصص من عموم هذا الحديث أنه متى نقصت العارية بالانتفاع المأذون فيه فإنه ليس على المستعير ضمانها.
يؤخذ من هذا الحدث فوائد: أولًا: حرص الإسلام على أداء الأمانة؛ لقوله: «حتى تؤديه»، فلو استعرت من سيارة سافرت عليها ورجعت وانتهت الاستعارة فقلت: تعال خذ سيارتك، قال: لا، أحضرها أنت، من الصواب معه؟ مع صاحب السيارة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «حتى تؤديه».
استعرت منه مُسجلًا أسجل به قراءة وانتهيت من التسجيل فقلت: تعالى خذ المسجل، فقال: ائت بالمسجل أنت، فقلت: كيف؟ المسجل لك متى شئت خذه، هل أنا ظالم؟ نعم، المستعير ظالم، كيف يحسن إلي وأقول: أنت الذي تأخذ مالك: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» مرّ علينا قبل مدة أن الواجب على من أطارت الريح ثوب جاره إلى بيته أن يعلمه به أو يسلمه له، فلماذا تقول يكفي الإعلام؟ لأني لم آخذه لمصلحة، لم يكن في بيتي لمصلحة حتى أؤديه، إنما أطارته الريح على بيتي وأنا لست مُلزمًا بأن أحمله إليه، وربما يكون الشيء ثقيلًا يحتاج إلى مؤنه قد تحمل الريح من على سطح جاري شيئًا ثقيلًا حينئذ لا يلزمني حمله بل يكفي الإعلام.
ومن فوائد الحديث: وجوب العناية بالعارية وحفظها عن التلف؛ لأنه لا يمكن أداؤها كما أخذها الإنسان إلا بذلك.
ويترتب على هذه الفائدة: أنه لو تعدى أو فرّط فهو ضامن؛ لأنه ترك ما يجب عليه، ومن ترك ما يجب عليه لم تكن يده يد أمانه، وكل يد ليست يد أمانه فإنها ضامنة، أما حديث أبي هريرة:
2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، صححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي، وأخرجه جماعة من الحُفّاظ وهو شامل للعارية.
«أدِّ» الخطاب لواحد، لكن المراد به كل يتأتى خطابه، وعلى هذا فيشمل جميع الأمة أد.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 196)
أيها المُخاطب الذي تعقل الخطاب، «أد الأمانة»، يعني ما ائتُمنت عليه، «إلى من ائتمنك» فأدها كاملة دون تعد ولا تفريط ولا نقص، «ولا تخن من خانك»، الخيانة هي الغدر في موضع الائتمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخن من خانك»، وإنما قال ذلك؛ لأن من خان الإنسان قد تأمره نفسه أن يخونه كما خانه أولاً فيُجازى بمثله.
هذا الحديث يستفاد منه فوائد منها: وجوب أداء الأمانة ومن بينها العارية، وهذا وجه استشهاد المؤلف بهذا الحديث.
ومن فوائد الحدث أيضًا: أن الإنسان لا يرد الأمانة إلا لمن ائتمنه، فلا يردها إلى شخص آخر إلا أن تقوم بينه أو قرينة فليفعل، بيّنة مثل أن يأتي شخص ببينة بأن أمره صاحب الأمانة بان يقبضها، فهنا يتعين أن ترد إليه بالبينة، أو قرينة مثل أن يردها على من يحفظ ماله عادة كرجل استعار من شخص إناء ثم عاد فقرع بينه فسأل عنه، قالوا: إنه في السوق فأعطى الإناء أهل البيت فهل يبرأ بذلك؟ نعم يبرأ؛ لأن هذا هو ما جرت به العادة، ولا يلزمه أن يذهب ويتطلب هذا الرجل.
من فوائد الحديث: تحريم الخيانة مطلقًا لقوله: «لا تخن من خانك»، أما تحريم الخيانة لمن خانك فهو منطوق الحديث، وأما تحريم الخيانة مما لم يخن؛ فلأن هذا من باب أولى، وما كان من باب أولى فقد اختلف العلماء هل هو داخل في المنطوق دخولًا لفظيًا، ويكون ذكر الأدنى تنبيهًا على ما فوقه أو هو داخل بالقياس، فيكون اللفظ لا يتناوله لكن تناوله من حيث المعنى؛ لأن القياس الجلي الذي يكون فيه المقيس أولى بالحكم من المقيس عليه لا شك أنه داخل في ضمن اللفظ من حيث المعنى.
على كل حال: إذا كان الحديث يدل على تحريم الخيانة لمن خانك فإنه يدل على تحريم الخيانة، من العلماء من أخذ بظاهر الآية وأعلّ الحديث وقال: إن الحديث ضعيف ولم يأخذ به، ولكن هذا ليس بسديد، والجمع بينهما أن نقول: إن العدوان ليس فيه ائتمان المعتدي الذي اعتدى عليك عدوانًا ظاهرًا لكن الذي ائتمنك لا يجوز أن تعتدي عليه في مقابل أنه خانك، لأن مقتضى الأمانة دفع الخيانة، وأنت أمين فليس هذا من باب {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة 194].
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا الحديث وبين حديث هند بنت عتبة حين شكت زوجها أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: «خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 197)
فالجواب على ذلك أن نقول: هذا ليس فيه ائتمان، فأبو سفيان لم يأتمنها على ماله، لكنها أخذت قدر حقها الواجب عليه من ماله بدون ائتمان، وهناك فرق بين رجل يأخذ ما يجب له بدون ائتمان وشخص ائتمنه غيره فخان الأمانة.
يبقى النظر إذا قال قائل: إذا قلتم بهذا فكل من كان له على شخص دين وقدر على شيء من ماله فله أن يأخذ بمقدار دينه، لأن المدين لم يأتمنه فهو يأخذ من ماله بقدر دينه، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لهند أن تأخذ من مال زوجها بدون علمه؟
فالجواب: أن هذه المسألة يُعبّر عنها عند أهل العلم بمسألة الظفر، يعني: الذي يظفر بماله، شخص له عليه حق هل يأخذ بقدر حقه، وهذه المسألة فيها أربعة أقوال للعلماء:
القول الأول: المنع مطلقًا، واستدلوا عليه بهذا الحديث.
القول الثاني: الجواز مطلقًا، واستدلوا عليه بالآية: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليك} [البقرة: 194]. حتى إن ابن حزم قال: يجب أن تأخذ من ماله بمقدار مالك؛ لأن الله أمر قال: {فاعتدوا} لكن هذا ليس على سبيل الوجوب؛ لأن قوله: {فاعتدوا} على سبيل الإذن والإباحة، ولهذا لو أسقطت حقك وسمحت كان هذا جائزًا بالاتفاق على كل حال: هذا قول.
القول الثالث: إن كان ما أخذته من جنس ما هو لك فلا بأس مثل أن يكون في ذمته لك مائة صاع من بُرّ فتأخذ من ماله مائة صاع من بُرّ، وأما إذا كان من غير الجنس فإنه لا يجوز؛ لأنه إذا كان من غير الجنس صار مبادلة ومعاوضة فيكون عقد بيع، وعقد البيع لا يجوز إلا برضاً من البائع، وعلى هذا فلا يجوز.
لو كان في ذمته لك مائة صاع من البر ولم تجد عنده إلا رزًا فهل تأخذ؟ الجواب على هذا القول: لا؛ لأنه ليس من جنس مالك.
القول الرابع: أنه إذا كان سبب الحق ظاهرًا فلك أن تأخذ بمقدار حقك، وإن كان باطلًا فليس لك أن تأخذ، واستدلوا لذلك بما إذا كان ظاهرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أذِن لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها؛ لأن سبب وجوب النفقة ظاهر، وهو الزوجية، فهي زوجته فلو أخذت منه ثم عثر عليها ثم طالبها لم يقل الناس: إنها خائنة؛ لأن الناس يعرفون أنها زوجته، ولها حق النفقة، وكذلك أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن نزلوا على قوم ضيوفًا ولم يعطوهم حق ضيافتهم أن يأخذوا من أموالهم بمقدار ما لهم من الضيافة، لماذا؟ لأن الحق سببه ظاهر وهو الضيافة، هذا القول هو
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 198)
الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد على أنه إذا كان سبب الحق ظاهرًا فلك أن تأخذ بغير علم من له الحق، وإن لم يكن ظاهرًا فليس لك أن تأخذ، واستدلوا لذلك بأن الأصل احترام مال المسلم: «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا»، هذا عام خُص منه ما دلّ الدليل على جوازه، وهو أخذ المرأة من المال زوجها كحديث هند، وأخذ الضيوف مِن مال من استضافوه ولم يضيفهم، هل مثل ذلك الأب لو قصّر لابنه في النفقة، أو الأخ لو قصر أخوه في النفقة الواجبة ولا؟ نعم مثله، وعلى هذا فنقول: الأصل في الأموال التحريم، فلا يحل لأحد أن يأخذ من مال أخيه شيئًا إلى بدليل شرعي، ووقد دل الدليل على جواز أخذ من له النفقة ومن له الضيافة فتقتصر على ما دلّ عليه الدليل، وأما قوله سبحانه: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا} فقد بينا أن هذا في العدوان الظاهر إنسان ضربك اضربه، إنسان نهب منك مالاً انهب المال الذي معه، وما أشبه ذلك، أما الأشياء الخفية فلا، ولأنه لو أجيز الأخذ بما سببه خفي لكان في ذلك فوضى بين الناس؛ لأن كل واحد يقول: أخذت من ماله لأني أطلبه، فيكون هناك فوضى، هات بينة، وقد يعثر استرجاع الحق به، وأما الحديث الذي معنا: «ولا تخن من خانك» فهو بمعزل عن هذا كله؛ لأن الذي ائتمنك جعلك أمينًا والأمين لا يجوز أن يكون خائنًا؛ لأن ذلك ينافي متضى العقد فلا تخن من خانك، وقوله شامل للعارية؛ أي: في قوله: «أدَّ الأمانة إلى من ائتمنك».
أنواع العارية:
853 - وعن يعلى ابن أمية رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتتك رسلي فأعطيهم ثلاثين درعًا، قلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أو عاري مؤداه؟ قال: بل عارية مؤداه». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان.
قوله: «إذا أتتك رسلي»، يعني: الذين أرسلهم إليك، «فأعطهم ثلاثين درعًا» ولم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم منه علامة كما قال ذلك فيمن أرسله إلى وكيله في خيبر يقول: «فقلت يا رسول الله، أعارية مضمونة أم عارية مؤداه؟ » قال: «بل عارية مؤداه»، الفرق بينهما أن العارية المؤداة هي التي ترد بعينها إن بقيت، فإن تلفت فليس على المستعير ضمان، والعارية المضمونة هي التي لو تلفت لضمنها المستعيد.
وهذا الحديث فيه فوائد: أولاً: جواز استعارة الدروع وهي عبارة عن قمص من حديد
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 199)
مُحلق مربوطة كل خلقة في الأخرى حتى يصير كأنما نسج من حديد يتخذه الناس عند القتال ليتقوا به رءوس السهام؛ لأن السهم إذا ضرب الحديد ما ينفذ وجُعل ليسهل التحرك فيه، وهو موجود أظنه عند بعض الناس هنا لمن أراد أن يطلع عليه، وفيه دليل على أن العارية حسب شرط المعير على المستعير، إن كانت مؤداه فهي مؤداه، وإن كانت مضمونة فهي مضمونة، ولا إشكال في أنه إذا وجد الشرط فالحكم على حسب الشرط، لكن إذا فقد الشرط فهل هي مؤداه أو مضمونة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: إنها مؤداه، ومعنى مؤداه: أنه لا ضمان على المستعير إلا بتعدٍّ أو تفريط لقوله صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك»، وهذه أمانة، ومنهم من قال: إنها ليست مضمونه إلا أن يشترط، فإن اشترط، فإن اشترط فهي مضمونة سواء تعدي أو فرط، واستدلوا بهذا الحديث وبالذي بعده وبعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا»، وعلى هذا فتكون مضمونه إن شرط أنها مضمونة، وإن لم يشترط فلا ضمان ما لم تعد أو يفرط.
القول الثالث: أنها مضمونة ما لم يشترط عدم الضمان، فإن اشترط عدم الضمان فلا ضمان وإلا فهي مضمونة، والفرق بينه وبين الأول: أن الأول يقول: هي مضمونة لكل حال سواء فرّط أو لم يفرط تعدي أو لم يتعدّ، والقول الصحيح في هذا أنها ليست مضمونة إلا بالشرط، وذلك لأنها أمانة داخلة في عموم الأمانات التي ليس فيها ضمان إلا بتعد أو تفريط، فإن شرط ضمانها فعلى ما شرط؛ لأنه هو الذي ضيق على نفسه، مثال ذلك: استعار منك شخص كتابًا فقلت له: عليك ضمانه فالتزم، فهنا يضمن الكتاب سواء تعدّى أو فرّط أم لم يتعدّ ولم يفرط؛ لأنه شرط عليه فإن شرط عدم الضمان فلا ضمان، وإن سكت ففيه خلاف: هل تضمن أو لا تضمن؟ والصحيح: أنه لا ضمان، ويستثنى من ذلك ما مر علينا، فمثلًا: إذا تلفت العارية فيما استعيرت له، مثل المنشفة إذا أصابها خمل فإنه لا ضمان عليك، وكذلك الكتاب لا شك أنه مع الاستعمال يضعف تجهيزه فليس عليك ضمان، لأنه تلف فيما استعمل له فليس فيه ضمان.
854 - وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه دروعًا يوم حنين. فقال: أغصب يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة». رواه أبو داوود، وأحمد، والنسائي، وصححه الحاكم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 200)
- وأخرج له شاهدًا ضعيفًا عن ابن عباس.
استعار منه النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن يسلم صفوان، وقوله: "أغصب"، يعني: أهي غصب؟ وقوله: «عارية مضمونة»؛ يعني: علينا ضمانها لو تلفت، في الأول قال الرسول: «بل عارية مؤداة» وهنا قال: «عارية مضمونة»؛ لأن هذا كافر لم يسلم بعد، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطمئن قلبه بأنها مضمونة فأعاره، ولما أسلم وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يردها عليه تسامح فيها وقال: "يا رسول الله إني أسلمت" يعني: وإني أريدها لله عز وجل فصار ذلك خيرًا له.
ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز استعارة أدوات الحرب من الكافر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعار هذه الدروع من صفوان قبل أن يسلم، ويقاس على الدروع كل عتاد الحرب، لكن بشرط أن نأمن من غشه أما إذا لم نأمن فإنه لا يجوز أن نشتريه منه؛ وذلك لأنه - أي: الكافر - عدو للمسلمين بكل حال كما ذكر الله تعالى في عدة آيات: {يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1]. {يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء … } [المائدة: 51]. فهم يخشى منهم، فإذا أعطونا عتادًا حربيا من سلاح أو دروع أو وقاية من أشياء مهلكة أو ما أشبه ذلك، فإنه لا بأس به بشرط أن نكون في ضرورة إلى ذلك، فإذا كان هناك ضرورة إلى الاستعانة بهم، وأمنا من شرهم فلا بأس لأجل الضرورة، وليس هذا من توليهم، الذي يكون من توليهم هو أن نذهب إليهم لنعينهم على عدوهم مثل أن يقاتلهم عدو لهم فنذهب معهم نقاتل نعينهم على عدوهم فهذا من ولايتهم ولاشك، فإن كان عدوهم مسلمًا فإنه يخشى على من أعانهم أن يكون كافرًا؛ لأنه أعان كافرًا على مسلم، وإن كان عدوهم كافرًا فإن هذا حرام ولا يجوز بلا شك، ويمكن أن يلتحق المعين بالكافرين في هذه الحال إذا تولى هؤلاء وناصرهم محبة لهم، وأما إذا أعانوك هم على عدوك فليس هذا من باب الولاية، ولكن من باب دفع الضرورة إن اضطررت إليهم وأمنت من سوء عاقبتهم فلا حرج، وهذا هو القول الوسط في هذه المسألة، فإن من العلماء من قال: لا يجوز مطلقًا ومنهم من قال: يجوز ولو أدنى حاجة، ومنهم من قال: يجوز للضرورة وهذا هو الأقرب أنه إذا دعت الضرورة القصوى فلا بأس، أما مجرد الحاجة فلا، ولكن على كل حال ليس هذا من جنس الاستعانة بهم في أدوات الحرب وعتاد الحرب؛ لأن أدوات الحرب وعتاد الحرب الذي يستعمله المسلمون اليوم أغلبها من بلاد الكفار، لكنه يجب أن نأمن من أن يكون هذا العتاد عتادًا فاسدًا أو ضارًا بحيث أننا نضيع أموالنا في مثله ويخوننا عند الحاجة إليه؛ لأنهم لا يؤمنون أعداء بلا شك.
ومن فوائد الحديث: أن العارية إذا شرط المستعير ضمانها فهي مضمونة، وإن لم يشترط فليست بمضمونة؛ لأن يد المستعير يد أمانة، والأصل في يد الأمانة أنه لا ضمان عليها إلا بتعد أو تفريط.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 201)
وقوله: «أخرج له شاهد ضعيفًا عن ابن عباس»، من الذي أخرج؟ الحاكم؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، والعلماء يقولون - في المصطلح -: هنا ثلاثة أشياء: أولاً: شاهد، والثاني: متابع، والثالث: اعتبار الشاهد، هو أن يروي حديثًا بمعناه من طريق آخر فهنا الحديث الأول عن صفوان، والثاني عن ابن عباس، إذن نقول: هذا شاهد، والمتابع أن يتابع الضعيف راو آخر في الأخذ عن شيخه مثل أن يكون هذا الحديث روي من طريق أحد رجاله ضعيف لكن جاء من طريق آخر يوافق هذا الضعيف في شيخه، فهنا نقول: هذا الضعيف وجد له متابع في شيخه فيقوى الحديث هنا؛ لأن جانب الضعيف قوي بالمتابع الذي تابعه في الأخذ عن الشيخ، أما الاعتبار فهو أن يتبع الإنسان طرق الحديث إذا كان فيه راوٍ ضعيف يتبع طرقه لعله يجد متابعًا أو يتبع جميع المسانيد لعله يجد شاهدًا، واعلم أننا لا نحتاج إلى المتابع ولا إلى الشاهد فيما إذا كان السند صحيحًا؛ لأن المتابعات والشواهد إنما نحتاج إليها لتقوية الضعيف، فإذا استغنينا عنه فلا حاجة إلى طلب المتابع والشاهد، وحينئذٍ لا حاجة إلى التتبع لأنه مضيعة وقت، ولكن يجب أن نعلم أن الشاهد إذا كان الضعيفان على وجه لا ينجبر بالشاهد - يعني: كل م الحديثين المرويين من طريقين ضعيف للغاية - مثل: أن يكون كل من الراويين عن هذا الشيخ معروفين بالكذب، الضعف هنا شديد هذا لو يأتي ألف واحد يتابعون في هذا الشيخ الثقة فإننا لا نقبل، لماذا؟ لأن الضعف شديد وإذا كان الضعف شديدًا فإن الحديث لا يتقوى بالمتابع ولا بالشاهد، لكن إذا كان الضعف يسيرًا فإنه يقوى حتى يصل إلى درجة الحسن لكن الحسن لغيره.
****
12 - باب الغصب
"الغصب" مصدر: غصب يغصب، وهو أخذ الشيء قهرًا، وفي الاصطلاح: الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، فخرج بقولنا: "الاستيلاء على مال الغير" ما لو استولى الإنسان على ماله من غيره قهرًا مثل أن يجد المسروق منه ماله عند السارق فيأخذه منه قهرًا، فهذا ليس بغصب؛ لأنه استولى على ملكه لا على ملك غيره، وخرج بقولنا: "قهرًا" السرقة، فإن السرقة يستولي السارق فيها على مال الغير خلسة بدون أن يشعر، وخرج بقولنا: "بغير حق" ما لو استولى على مال غيره بحق كالاستيلاء على المرهون فيباع من أجل مصلحة الغريم، فهنا يستولي القاضي على هذا المال المرهون لبيعه قهرًا على صاحبه لكن هذا بحق فلا يسمى عصبا.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 202)
حكم الغصب:
والغصب محرم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقد قال الله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم بالبطل إلا أن تكون تجرةً عن تراضٍ} [النساء: 29]. فقال: {لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل}، وكل مال أخذ بغير حق فهو باطل، فيدخل في هذا النهي.
وأما في السنة فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترًا معنويًا على تحريم مال المسلم، ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن يوم عرفة في أكبر مجمع للمسلمين فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، وكذلك في يوم النحر في منى أكد ذلك: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا».
وأما الإجماع فقد انعقد على تحريم الاستيلاء على مال الغير بغير حق، والمغصوب إما أن يكون عقارًا، وإما أن يكون منقولاً، فالعقار مثل الأرض والأشجار وشبهها، والمنقول كالذي ينقل من مكان إلى مكان كالدراهم، والدنانير، والثياب، والسيارات، والأواني، والأمتعة وكلها يدخل فيها الغصب أعني العقار والمنقول ويحرم فيها الاستيلاء على حق الغير بغير حق، ثم ذكر المؤلف حديث سعيد بن زيد.
855 - عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين». متفق عليه.
"اقتطع" يعني: أخذ قطعة من الأرض ظلمًا، "الشبر": هو ما بين رأس الخنصر والإبهام عند مد الأصابع، وكان هو المقياس منذ عهد بعيد؛ لأنه في الحقيقة متر لازم للإنسان دائم كل إنسان معه متر إذا اعتبرنا الشبر وكذلك إذا اعتبرنا الذراع، وهو ما بين رأس المرفق إلى رأس الأصبع الوسطى وهو مقياس، وكذلك "الباع" ما بين الخطوتين عند مد الرجل هذا أيضًا مقياس، ثم ظهرت المقاييس الأخيرة وهي المتر وفوعه، لكن أدنى شيء يقدر به في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في الغالب الشبر، وإن كان قد يقاس بالأنملة كما في قص المرأة رأسها عند النسك.
وفي رواية للبخاري: «من اقتطع شيئًا»، فيشمل الشبر فما دونه وما فوقه.
وقوله: «شبرًا» هذا تقدير بالأقل للمبالغة، وما كان تقديرًا للمبالغة فليس له مفهوم لا قلة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 203)
ولا كثرة، ففي قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره} [الزلزلة: 7 - 8]. فإن عمل دون ذلك يراه أيضًا، وكذلك ما ورد في الأكثر مثل: {إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80]. فلو استغفر أكثر لم يغفر لهم، المهم أن ما قصد به المبالغة قلة أو كثرة فإنه لا مفهوم له.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ظلما» هذه متعلق بقوله: «اقتطع» يعني: الذي عمل فيها كلمة اقتطع، فيحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال، أي: من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، ويحتمل أن تكون صفة لمصدر محذوف تقديره: من اقتطع اقتطع اقتطاعًا ظلمًا، ويحتمل إعرابًا ثالثًا وهي أن تكون مفعولا من أجله، أي: من اقتطع شبرًا من الأرض من أجل الظلم، يعني: الذي حمله عليه الظلم فجزاؤه كذا وكذا، هذه ثلاثة أوجه أقربها - والله أعلم - أن تكون مصدرًا في موضع الحال ظالمًا، والظالم هو المعتدي الذي لا وجه لاقتطاعه.
"طوقه الله إياه يوم القيامة"، الضمير في "إياه" يعود على هذا الشبر الذي اقتطعه، ومعنى "طوقه" أي: جعله طوقًا في عنقه كالطوق الذي تلبسه المرأة للزينة، وقوله: "يوم القيامة" يعني: يوم الجزاء والحساب، وهذا اليوم له أسماء كثيرة: اليوم الآخر، ويوم الحساب، ويوم الحشر، ويوم المعاد، وأسماء كثيرة، وذلك لأنه يتضمن هذه الأوصاف التي سمي بها، ويوم القيامة سمي بهذا الاسم، لأنه يقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين، كما قال تعالى: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليومٍ عظيمٍ يوم يقوم الناس لرب العلمين} [المطففين: 4 - 6]. ولأنه يقوم فيه الأشهاد كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهد} [غافر: 51]. ويقام فيه العدل كما قال تعالى: {ونضع الموزين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئًا} [الأنبياء: 47]. إذن سمي يوم القيامة لهذه الوجوه الثلاثة.
"من سبع أراضين" متعلق بـ"طوق"، يعني: يطوقه الله إياه من سبع أرضين، وذلك لأن الإنسان إذا ملك شيئًا من الأرض ملكه وما تحته إلى الأرض السابعة، فإذا ظلم أحد شبرًا من الأرض العليا صار كأنه ظالم من كل أرض مقدار شبر.
هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من اقتطع شبرًا من الأرض أو أكثر أو أقل.
وفيه أيضًا: أن من اقتطع شبرًا من الأرض بحق فليس عليه شيء؛ لأن مفهوم قوله: "ظلمًا" أنه إذا لم يكن ظلمًا فليس فيه وعيد، مثل: لو أن رجلاً له جار في الأرض فجاء هذا الجار فأدخل جزءًا من أرض جاره على أرضه، فجاء الآخر الذي قد أخذ من أرضه ما أخذ فأدخل الذي أخد منه إلى أرضه، فهذا لا شك أنه اقتطع شبرًا من الأرض أو أكثر لكن بحق؛ لأن الأرض أرضه، فلا يلحقه هذا الوعيد، وفيه أن هذا العمل من كبائر الذنوب، وجهه: أن فيه وعيدًا في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 204)
الآخرة، وكل شيء فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو نفي إيمان أو ترتيب غضب أو تبرؤ منه أو ما أشبه ذلك فإنه من كبائر الذنوب، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: كل شيء رتب عليه عقوبة خاصة في الدنيا أو في الآخرة فإنه من كبائر الذنوب، وذلك لأن المحرمات نوعان: نوع يذكر أن هذا الشيء محرم أو ينهي عنه مثلاً، ولكن لا يذكر فيه وعيد فهذا يكون من الصغائر، ونوع آخر يذكر فيه وعيد، يعني: يرتب عليه عقوبة خاصة به ففي هذا يكون هذا الشيء من كبائر الذنوب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وذلك أن هذا الرجل لما تحمل هذا الإثم بالنسبة للأرض جوزي بأن يتحمل العقوبة بمثلها يوم القيامة.
وفيه: إثبات يوم القيامة، وهذا شيء دل عليه السمع والعقل، أما السمع ففي القرآن آيات كثيرة تدل على ثبوت هذا اليوم، والسنة كذلك، كما قال النبي صلى الله عليه والسلام: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً»، وأما العقل فلأن العقل يحيل أن يخلق هذه الخليفة العظيمة ويرسل إليها الرسل، وينزل عليها الكتب، ثم تكون النتيجة أن تموت هذه الخليفة ولا يترتب على ذلك شيء، فإن هذا بلا شك ينافي حكمة الله تعالى، كما قال الله تعالى: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} [القصص: 85]. فيبن الله عز وجل أن الذي أنزل عليه الكتاب لابد أن يرده إلى معاد يجازي فيه الناس على هذا القرآن.
ومن فوائد الحديث: أن الأرضين سبع لقوله: "من سبع" وثبوت كونها سبعًا بهذا العدد المعين ليس مذكورًا في القرآن لكنه مشار إليه في قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12]. فإن المثلية هنا في العدد؛ لأنها ليست مثلهن في الكيف؛ لأن السماء أعظم من الأرض وأوسع، فلا يمكن أن تكون مثلها في الكيفية، إذن هي مثلها في العدد، لكن هذا ليس بصريح، أما السنة فإنها صريحة في ذلك.
ومن فوائد الحديث: أن هذه الأرضين متطابقة، هذا هو الظهار؛ يعني: ليس بينها فاصل؛ لأنه لو كان بينها فاصل ما جوزي الإنسان بالعقوبة إلا على الأرض العليا فقط دون الأرض السفلى، وما بينهما مع أنه يحتمل أن نقول: إن هذا ليس بصريح في أنها متطابقة، لأنه إذا كانت الأرضون السفلى ليس فيها سكان يعمرونها فإنه يكون لمن في الأرض العليا الحق في هذه الأرضين.
ومن فوائد الحديث: ما ذكره الفقهاء رحمهم الله أن القرار تابع لما فوقه، كما أن الهواء
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 205)
تابع لما تحته، فالإنسان يملك ما تحت أرضه إلى الأرض السابعة، ويملك ما فوق أرضه إلى السماء، فلو أن أحدًا أراد أن يحفر سربًا تحت أرضه فله أن يمنعه، ولو أراد أن يخرج جناحًا من بنائه على هواء جاره فله أن يمنعه من ذلك؛ لأن الإنسان يملك ما تحت أرضه إلى الأرض السفلى، وما فوق أرضه إلى السماء الدنيا.
ومن فوائد الحديث: أن يوم القيامة لا يقاس بأيام الدنيا؛ لأن تطويق الشخص من سبع أراضين بمقدار ما غصب من الأرض العليا أمر يبدو مستحيلاً في الدنيا، ولنفرض أنه اقتطع أميالاً ظلمًا فإنه يطوق إياه يوم القيامة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يمكن في الدنيا أن يتحمله الإنسان، ولكن يقال: إن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا، بل هي تختلف اختلافًا عظيمًا، ولهذا تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق بمقدار ميل، ولا يحترقون مع أنها لو دنت إلى الأرض الآن بمقدار أنملة لفسدت الأرض واحترقت، كذلك أيضًا يحرق الناس يوم القيامة، فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ إلى حقويه ومنهم يلجمه العرق وهم في مكان واحد، كذلك أيضًا يوم القيامة، نور المؤمنين يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وغير المؤمنين في ظلمة، وهذا أيضًا لا يمكن أن يكون في الدنيا، إذن فأحوال الآخرة لا يمكن أن تقاس بأحوال الدنيا أبدًا لوجود الفارق العظيم، والأبدان يوم القيامة تعطي طاقة عظيمة أكثر من طاقتها؛ لأنها تنشأ للبقاء لا للفناء، أما في الدنيا فإنها تنشأ للفناء، ولكن في الآخرة تنشأ للبقاء، فتكون الطاقات في ذلك اليوم غير الطاقات في هذا اليوم، يتفرع على هذه القاعدة: أننا لا نورد على أنفسنا ولا على غيرنا كيف يكون كذلك، لماذا؟ لوجود الفارق العظيم بين هذا وهذا، ويتفرع على هذا أيضًا: أنه إذا كان الاختلاف بين الخلق لاختلاف الدارين فما بالك بالاختلاف بين الخلق والخالق، وعلى هذا فلا يمكن أن تقول في شيء من صفات الله يستحيل أن يوجد في صفات المخلوقين لا يمكن أن نقول: كيف ولم فمثلاً علو الله عز وجل فوق المخلوقات كلها أمر ثابت ونزوله إلى السماء الدنيا نفسه أمر ثابت أيضًا، وهذا يبدو بالنسبة للمخلوق أمرًا مستحيلاً لكنه بالنسبة للخالق ليس بمستحيل، أي: ليس بمستحيل أن يكون الله فوق كل شيء وهو نازل إلى السماء الدنيا؛ لأن الله لا يقاس بخلقه، وهذه قاعدة ينبغي لكم أن تفهموها: أنه لا يمكن أن يقاس الغائب بالشاهد، فإذا صح النقل عن صفة من صفات الغائب وجب قبوله ولا نفسه بالشاهد.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 206)
856 - وعن أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعةٍ فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، ودفع القصعة الصحيحة للرسول، وحبس المكسورة". رواه البخاري، والترمذي، وسمى الضاربة عائشة، وزاد: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «طعام بطعامٍ، وإناء بإناءٍ» وصححه.
أدخل المؤلف رحمه الله هذا الحديث في باب الغضب؛ لأنه داخل في معنى الغصب، وهو الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، لكن هذا الحديث ليس غصبًا واضحًا؛ لأنه إنما فيه اعتداء لا غصب، هذه القصة كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه وهي عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها، وكانت أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه، وكانت رضي الله عنها أشد نساء النبي صلى الله عليه وسلم غيرة فيه لشدة محبتها له، وكانت أصغر نسائه، فاجتمع في حقها ثلاثة أسباب: شدة الغيرة، وصغر السن، وشدة المحبة، فيجري منها هذا، أرسلت إحدى نساء الرسول - وهي زينب بنت جحش - إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا وهو في بيت عائشة، وهذا شيء عظيم عند الضرة أن ترسل إليها ضرتها بطعام وهو عندها؛ لأن هذا يثيرها، كيف ترسل طعامًا إليه وهو عندي، هل أنا ناقصة، هل أنا لا أجد ما أعطيه؟ هذه مضادة، فلما جاء بها الرسول يقول: ضربت بيدها فكسرت القصعة، يعني: ضربت القصعة حتى وقعت على الأرض وانكسرت، وهذا الفعل قد يدل أيضًا على قوة الغيرة، والغيرة مثل الغضب قد يفقد الإنسان فيها تصرفه، ولا يستطيع أن يملك نفسه، فلم يعنفها ولم يوبخها بل ضم القصعة هكذا وجعل الطعام فيها، والظاهر - والله أعلم - أن هذا الطعام لا يتأثر إذا وقع على الأرض، ولعله كان تمرًا، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: "كلوا" ودفع القصعة الصحيحة - قصعة عائشة - للرسول وحبس المكسورة لعائشة وقال: "طعام بطعام، وإناء بإناء"، وكأن الطعام الذي هيأته عائشة كأنه دفعه مع قصعتها، وقال: "طعام بطعام، وإناء بإناء"، هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون الطعام الذي جاء فسد لوقوعه على الأرض وأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وجعله في القصعة المكسورة، وقال: "كلوا" وحينئذ يكون طعامًا بطعام وإناء بإناء؛ لأن الطعام الذي بعثت به زينب جعل النبي صلى الله عليه وسلم طعام عائشة في قصعة زينب حتى يكون طعام عائشة كأنه طعام زينب، وحينئذ يكون النبي صلى الله عليه وسلم أكل طعام زينب لا طعام عائشة، فيكون طعامًا بطعام، أما الإناء فإن الرسول قد أعطى إناء عائشة لزينب وقال: "إناء بإناء".
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 207)
هذا الحديث فيه فوائد منها: أن إبهام صاحب القصة لا حرج فيه، ولا يعد ذلك من كتمان العلم إذا كان لا يتعلق بتعيينه فائدة، دليل ذلك قوله: "كان عند بعض نسائه"، فأما إذا كان يتعلق بتعيينه فائدة فإنه لا ينبغي إبهامه.
ومن فوائد هذا الحديث: اعتناء السلف بالمعنى والقصة دون من وقعت منه إلا إذا كان في تعيينه فائدة لقوله: "كان عند بعض نسائه".
ومن فوائد الحديث: إثبات الأمومة لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمؤمنين لقوله: "أرسلت إحدى أمهات المؤمنين"، وهذا ثابت في كتاب الله، قال الله تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6].
ومن فوائد الحديث: جواز استخدام الخادم؛ لقوله: "مع خادم له بقصعة"، وهذا هو الأصل، إلا إذا كان في ذلك محظور، فإنه إذا كان في ذلك محظور يمنع، كما لو خشيت الفتنة أو الانغماس في الترف كما يوجد عند بعض الناس خدم أكثر من أفراد عائلتهم، يذكر أن بعض الناس لا يكون في البيت إلا هو وزوجته ومع ذلك عنده ثلاث خادمات هذا إسراف.
ومن فوائد الحديث: جواز إهداء الطعام.
ومن فوائده: حل الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآل البيت من قوله: «فيها طعام»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «كلوا»، أما الصدقة فلا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم وآله، أما النبي صلى الله عليه وسلم فلا تحل له صدقة التطوع ولا الزكاة، وأما آله فتحل لهم صدقة التطوع أيضًا، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة لا تحل لآل محمد»، ولكن هذا العموم يخصصه التعليل لقوله: «إنما هي أوساخ الناس»، والأوساخ لا تكون إلا في الزكاة؛ لأنها هي التي تطهر المال.
ومن فوائد الحديث: أن ما فعل على سبيل الغيرة فإن الإنسان لا يلام عليه، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلم الزوجة التي كسرت القصعة، ولكن لا يرفع ذلك الضمان؛ يعني: ما فعل على سبيل الغيرة لا يرفع الضمان إن كان فيه ضمان، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة وأرسل القصعة الصحيحة ولكنه لم يقتد بضرب اليد.
ومن فوائد الحديث: أنه لا قصاص في اللطمة والضرب على الظهر والضر على اليد وما أشبه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتص من المرأة التي ضربت يد الخادم، هكذا استدل بعض أهل العلم على انتفاء القصاص في الضربة واللطمة ونحوها، وقال بعض العلماء: بل القصاص ثابت
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 208)
في الضربة واللطمة ونحوهما؛ لعموم قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194]. وقوله: {وجزؤا سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40]. ولكن بشرط أن يؤمن التعدي في الاستيفاء بحيث يكون القصاص على يد شخص نعلم أنه لا يزيد؛ لأن هناك فرقًا بين الضرب الخفيف والضرب الثقيل، وهذا القول هو الصحيح أن القصاص ثابت في الضرة واللطمة وشق الثوب لعموم الأدلة الدالة على جواز ذلك؛
فإذا قال قائل: لماذا لم يقتص النبي صلى الله عليه وسلم إذا قلتم بثبوت القصاص في اللطمة ونحوها فلماذا لم يقتص النبي صلى الله عليه وسلم للخادم؟
فالجواب: إما أن يقال: إنه لما كان هذا الفعل صادرًا عن قوة الغيرة والإنسان لا يملك نفسه عند قوة الغيرة عفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن يقال: إن الخادم لم يطالب بحقه، وإما أن يقال: هذه قضية عين يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم استسمح الخادم، ويحتمل أنه أعلمه وسامح هو بنفسه، ويحتمل احتمالات أخرى، وقضايا الأعيان لا تقضي على عمومات الكتاب والسنة.
ومن فوائد الحديث: سعة حلم النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث لم يوبخ هذه الفاعلة على ما فعلت وجعل يضم القصعة المكسورة ويضع الطعام فيها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيء المثلي يضمن بمثله سواء كان مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا أو مذروعًا أو مصنوعًا أو غير ذلك، وجهه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حبس المكسورة، وأرسل الصحيحة، وهذه القاعدة، أي: أن الشيء المثلي يضمن بمثله والمتقوم يضمن بقيمته، قاعدة متفق عليها في الجملة، ولكن ما هو المثلي وما هو المتقوم؟ قال بعض العلماء: المثلي كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة يصح السلم فيه، "كل مكيل أو موزون" هذا الجنس، "ليس فيه صناعة مباحة"، هذا النوع "يصح السلم فيه" هذا أيضًا للنوع، مثل البر هذا مكيل، مثل اللحم، سكر هذا موزون، ليس فيه صناعة مباحة، فإن كان فيه صناعة مباحة خرج عن كونه مثليًا بسبب الصناعة كالحديد فإنه - قبل الصناعة - موزون، لكن إذا صنع منه الأواني خرج عن المثلية وصار متقومًا فإن كانت الصناعة حرامًا كما لو صنع من الذهب فإن هذه الصناعة حرام لم يخرج عن كونه مثليًا؛ وذلك لأن هذه الصناعة لا قيمة لها فلا تخرجه عن أصله، "يصح السلم فيه"، احترازا مما لا يصح السلم فيه مثل المكيلات المختلفة كبر اختلط في شعير وما أشبه ذلك مما لا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 209)
يصح السلم فيه فإنه لا يكون مثليًا، وهذا التعريف هو الذي مشى عليه فقهاء الحنابلة رحمهم الله ولكن القول الصحيح: أن المثلي ما له مثيل ونظير، سواء كان مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا أو مذروعًا أو حيوانًا أو غير ذلك، كل شيء له مثيل ونظير فهو مثلي حتى وإن كان مصنوعًا، ويدل لهذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل القصعة السليمة مكان القصعة التي كسرت، ولو كان هذا من باب المقومات لأرسل النبي صلى الله عليه وسلم القيمة دون القصعة.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعتق شقصًا له في عبد وله شريك لم يعتق فإن العتق يسري إلى العبد بقيمته - بقيمة الشقص المشترك - ومعلوم أن العبد له مثيل؟
الجواب أن نقول: بلى قد يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن شقص العبد ليس مثليًا لأنه ليس له مثل، مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في عبد، فأعتق زيد نصيبه من هذا العبد، حينئذ يسري العتق إلى نصيب شريكه فيعتق العبد كله جبرًا بدون اختيار، ويضمن زيد الذي أعتق نصيبه لشريكه عمرو قيمة نصف العبد، فهنا أوجب النبي صلى الله عليه وسلم القيمة مع أن العبد له، مثل عبد بعيد، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: أنه هنا ليس عبدًا كاملاً ولكنه نصف عبد، ونصف العبد لا يوجد، لاسيما إذا قلنا: إن العبد إذا أعتق نصفه صار العتق إلى بقيته، إذن فوجود المثل في هذه المسألة متعذر فيكون فيها دليل على أنه إذا تعذر المثل رجعنا إلى القيمة، هذا هو الصحيح ويدل عليه هذا الحديث. لو أن رجلاً أتلف لرجل شاة فبماذا يضمنها؟ شاة على القول الراجح، وعلى قول من يقول: إن المثلي المكيل والموزون بالشروط المعروفة فإنه يضمنها بالقيمة.
فإذا قال قائل: هل يلزم أن تكون الشاة البديلة مماثلة للشاة المضمونة أو لا؟
نقول: أما شرعًا فلا يجوز أن يضمن هزيلة بشاة سمينة أو شاة سمينة بشاة هزيلة، وأما عند المخاصمة والمشاحة فإنه لابد أن تكون البديلة مثل المضمونة، فمثلاً رجل أتلف لشخص شاة هزيلة تساوي عشرة ريالات، وعند المتلف شاة سمينة تساوي عشرين، فقال المتلف لصاحب الشاة المتلفة: خذ شاتي بدلاً عن شاتك، يجوز هذا ما دام برضاه يجوز، وكذلك العكس لو كانت الشاة المتلفة السمينة تساوي عشرين درهمًا ليس عند المتلف شاة إلا هزيلة لا تساوي إلا عشرة ورضي صاحب الشاة المتلفة: خذ شاتي بدلاً عن شاتك، يجوز هذا ما دام برضاه يجوز، وكذلك العكس لو كانت الشاة المتلفة السمينة تساوي عشرين درهمًا ليس عند المتلف شاة إلا هزيلة لا تساوي إلا عشرة ورضي صاحب الشاة المتلفة بالشاة الهزيلة، يجوز، لأن الحق له، ومعلوم أن الإنسان يجوز أن يستوفي حقه بأقل من ماله وبأكثر إذا رضي الطرف الآخر، إذن هذه القصعة الصحيحة هل هي تساوي الأخرى أو مثلها أو أحسن منها؟ محتمل، ليس في الحديث ما يدل على هذا، وإذا كان محتملاً وجب الرجوع إلى القواعد العامة، وهو أن الواجب أن يضمن الشيء بمثله، ولكن إذا اختار أحد الطرفين أن يأخذ أقل من حقه أو أكثر فلا بأس.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 210)
حكم الزرع في الأرض المغصوبة:
857 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته». رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعفه.
هذا أيضًا من الغصب، رجل غصب أرضًا وزرع فيها ثم خرج الزرع ونما، فلمن يكون الزرع؟ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس له من الزرع شيء» أي: لصاحب الزرع الذي زرع في أرض غيره ليس له شيء؛ لأن الأرض ليست له بل مغصوبة، ولكن له نفقته، ما هي نفقته؟ أجرة الحرث وقيمة الحب، أما نماء الزرع فهو لصاحب الأرض؛ لأنه نما من أرضه ومائه، فليس لهذا الغاصب إلا ما أنفق على هذا الزرع فيعطى قيمة الحب وأجرة الحرث: {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95].
لماذا لا تقولون: إن الزرع له وعليه الأجرة لصاحب الأرض؟ قلنا: قد قال بذلك من قال من أهل العلم، وعلى هذا نقول: الزرع لك وأنفق عليه حتى يخلص ولصاحب الأرض عليك أجرة المثل، أو سهم المثل، ولكن هذا القول يخالف ظاهر الحديث ويؤدي إلى أن يعتدي الناس بعضهم على بعض، فكل من أراد أن يزرع لذهب إلى أرض فلان وفلان وزرع فيها، فإذا طالبه قال: أعطيك أجرة المثل، أو سهم المثل، فإذا قلنا له: ليس لك شيء والنفقة التي أنفقت نعطيك إياها، حينئذ لا أحد يتجرأ؛ لأنه إذا كان لا يأخذ إلا النفقة صار عمله وحبس نفسه على هذا الزرع ذهب هباء، وحينئذ لا أحد يقدم على هذا العمل. هناك قول ثالث: أنه ليس له شيء إطلاقًا؛ أي: لصاحب الزرع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق ظالم حق»، وهذا القول فيه شيء من الضعف، ولو قيل بأن هذا الزارع يعطي قيمة الزرع فقط؛ لأن الزرع ملكه، وأما الحرث والحبس فليس له شيء؛ لأن الحرث انتفاع بأرض غيره فلا يعطى عنه عوضًا، وأما الحب لما كان ملكه فإننا نعطيه، لو قيل بهذا لكان قولاً جيدًا، ويمكن أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: «وله نفقته» أي: عوض ما اشترى من الحب، وأما ما عمل في الأرض فالأرض أرض غيره، وهذا القول قول قوي، فصارت الأقوال ثلاثة مع احتمال القول الرابع. وقولنا: أجرة المثل أو سهم المثل الفرق بينهما: أن الأجرة ما لها دخل في الزرع، يعني: لو فرض أن الزرع تلف نسلم الأجرة وإذا قلنا بسهم المثل فإنه يعطي مثلا إذا كانت مثل هذه الأرض تزرع بالنصف يعطى بالنصف قل أو
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 211)
كثر، والاحتمال الرابع يحصل به العدل من جهة أننا رددنا إلى الزراع عين ملكه ويحصل به منع الظلم من حيث إن الزارع لم يحصل على كسب بل حصل على خسارة.
858 - وعن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، غرس أحدهما فيها نخلاً، والأرض للآخر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله. وقال: ليس لعرقٍ ظالم حق». رواه أبو داود، وإسناده حسن.
هذا أيضًا فيه غصب يقول: "قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، وهذا فيه إشكال من جهة أن هذا الراوي مجهول، ومعلوم أن جهالة الراوي توجب الطعن في الحديث، فإن أسباب الطعن كما في نخبة الفكر، عشرة منها جهالة الراوي، فيكون هذا الحديث ضعيفا لجهالة رواية؟
والجواب عن ذلك أن نقول: إن جهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وأصل التعليل بجهالة الراوي من أجل أننا لا نعلم عدالته، فإذا كان الصحابة رضي الله عنه كلهم عدول فإنه لا يضر أن تجهل عين الراوي من الصحابة.
فإن قال قائل: قولكم: إن الصحابة كلهم عدول منقوض بالقرآن؛ لأن الله قال: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن له شهداء … } [النور: 6]. وقد وقعت هذه القصة مع الصحابة، فإن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء وكلاهما صحابيان، وقال الله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6]. وهذا إثبات بالفسق فيمن جاء بالنبأ، فكيف تقولون: أن الأصل في الصحابة العدالة وأن جهالتهم لا تضر؟
فالجواب: عن ذلك أن نقول: هذه القضايا المعينة المحصورة بعدد ضعيف لا تمنع من الحكم بالجملة على العدالة في جميعهم؛ لأن الأصل هو العدالة، ثم إن هذا الذي يقع منهم إذا وقع في شخص معين لا يقتضي أن يكون قدحًا في الجميع، ثم إنه إذا وقع من هذا الشخص المعين فإن له من الصحبة وتقدم الإسلام والغزوات مع الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من المقامات الفاضلة ما ينتفي به القدح فيهم رضي الله عنهم ولهذا كان جهالة الصحابي لا تضر وإن كان يقع من بعضهم ما يقع، فهو قيل النذر لا من حيث عمل الفاعل ولا من حيث عدد الصحابة مغمور في جانب ما لهم من الفضائل العظيمة الكثيرة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 212)
قال: «رجلين اختصما»، و"رجلين" مبهم، وهذا يوجب القدح في الحديث أو لا؟ لا يوجب إطلاقًا؛ لأن معرفة صاحب القضية ليس شرطًا في الصحة.
يقول: "اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، "إلى" هنا للغاية وللانتهاء، أي: أن خصومتها بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاختصام افتعال، من خصمه إذا غلبه في الحجة، فمعنى "اختصما" أي: كل واحد منهما طلب أن يكون هو الغالب في الحجة، محل الخصومة أرض لواحد والنخل لواحد، يعني: أن أحدهما غرس في أرض الآخر. يقول: "فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض لصاحبها" "قضى": أي: حكم بأن الأرض لصاحبها، وهل صاحب النخل الذي غرس؟ أقر بأنها مملوكة لغيره؟ قطعًا، وإلا فكل واحد منهما مقر بأن ملك صاحبه لصاحبه، فصاحب النخل يقر بأن الأرض ليست له، وصاحب الأرض يقر بأن النخل ليس له، "وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله"، يعني: يقتلعه من الأرض من أجل أن يخلي الأرض لصاحبها، ولكن هذا قد يكون فيه ضياع للمال ومفسدة؛ لماذا؟ لأن ربما هذا النخل يموت، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ليس لعرق ظالم حق»، فهذه العروق عروق النخل ليس لها حق؛ لأنها وضعت بغير رضا صاحب الأرض.
فوائد الحديث الذي قبله، أولاً: تحريم الزرع في أرض قوم بلا إذنهم، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الزرع لصاحب الأرض ولو كان بحق، ولو كان جائزًا لكان الزرع لصاحبه؛ أي: للزارع.
ومنها: أن ما حرم لحق العباد جاز إذا أسقطوا حقهم لقوله: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم»، فعلم من هذا أنهم لو أذنوا فلا حرج.
وهل يمكن. أن يؤخذ من عمومه أنهم لو أذنوا ولو بعد خروج الزرع؟ إن صح أن تؤخذ هذه الفائدة صار في ذلك دليل على جواز تصرف الفضولي ونفوذه إذا أجيز.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا وقعت مثل هذه الصورة فإن الزرع يكون لصاحب الأرض وللزارع نفقته.
أما الحديث الثاني: ففيه دليل على وقوع المخاصمة بين الصحابة رضي الله عنهم وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اختصام الرجلين في هذه المسألة. وفيه دليل على أن الأختصام لا ينافي العدالة إذ لو نافي العدالة لكان في هذا الاختصام قدح في الصحابيين المختصمين إلا إذا كان الاختصام في باطل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان".
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 213)