مثلاً عشرين ألفًا ويكون الباقي مؤجلاً، لو أن الناس سلكوا هذا الطريق لوجدوا بركة؛ لأنه لا شك أن هذا من التيسير.
ومن فوائد الحديث: جواز المقارضة وأنها من الصفقات المباركة لقوله هنا "والمقارضة".
ومن فوائده: جواز خلط الشعير بالبر للبيت وأن في ذلك بركة.
ومن فوائده: تجنب هذا الخلط فيما إذا كان للبيع؛ لأن ذلك يربك المشتري، فيتردد أيهما أكثر: حب الشعير أو حب البر، ولو جعل البر فوق الشعير فهذا لا يجوز.
قال المؤلف: "رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف"، ولكن يجب أن نعلم أن الإسناد قد يكون ضعيفًا ويكون المعنى صحيحًا وحينئذ لا نجزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله؛ لأن سنده ضعيف، لكن نقول: قواعد الشريعة تشهد له، وقد يكون السند صحيحًا والمتن ضعيفًا لمخالفته لما هو أرجح منه من السنة، وهذا ما يعرف عن أهل العلم بالشاذ فلا يكون صحيحًا.
866 - وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه: «أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضةً: ألا تجعل مالي في كبدٍ رطبةٍ، ولا تحمله في بحرٍ، ولا تنزل به في بطن مسبلٍ، فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد ضمنت مالي». رواه الدارقطني، ورجاله ثقات.
قوله: "كبد رطبة" يعني: الحيوان، يعني: لا تبيع ولا تشتري في الحيوان، لماذا؟ لسببين: أولاً: أنه عرضة للهلاك؛ لأن الحيوان بقاؤه على الخصب وكثرة الأمطار، وقد يتخلف ذلك، وإذا تخلف احتاج إلى نفقات باهظة، ثانيًا: أن الحيوان ذو روح يحتاج إلى رعاية وعناية، وربما يفعل الإنسان عنه في أيام الصيف فيموت عطشًا، وربما يغفل عنه في الشتاء فيموت بردًا، فالمهم أن مؤنة الحيوان أشد من مؤنة الجماد، والذمة مشغولة بالحيوان أكثر من مشغوليتها بالجماد.
قال: "ولا تحمله في بحر"، وهذا في وقته الحمل في البحر في وقته عرضة للهلاك لماذا؟ لأن السفن في ذلك الوقت سفن شراعية تمشي على الهواء ضعيفة لا تتحمل الأمواج ولا العواصف فيها خطورة، فيشترط عليه ألا يحمله في بحر.
"ولا تنزل به في بطن مسيل" يعني: في الوادي مجرى الماء، لماذا؟ لأنه إذا نزل في بطن مسيل ربما يبغته السيل فيجري في الماء أو يفسده فيشترط عليه ألا يجعل في بطن مسيل لاسيما المسيل الذي يكون بين الجبال؛ لأن المسيل قد يكون في أرض واسعة فسيحة هذا خطره أقل؛ لأن جريه سيكون بطيئًا ضعيفًا، لكن إذا كا بين جبال في مضايق هذا إذا جاء ينحدر من عال إلى مضيق فيكون عميقًا ويكون جريه قويًا.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 234)
"فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد ضمنت مالي"، حكيم بن حزام معروف بأنه صاحب بيع وشراء وتجارة؛ ولذلك كان الرسول يوصيه ويقول: "لا تتبع ما ليس عند" فهو صاحب تجارة، ومن جملة تجارته أنه يعطي ماله مقارضة، يعني: مضاربة يشترط عليه شروطًا أربعة ألا يجعله في حيوان، ولا يحمله في بحر، ولا ينزل به في بطن مسيل، فإن فعل فهو ضامن؛ إن هلك الحيوان ضمنه، إن غرق المال ضمنه، إن نزل به في بطن مسيل ضمنه.
فيستفاد من هذا الحديث: جواز شروط مثل هذا في المضاربة، فإن لم يشترط وحصل اختلاف وحمله في البحر أو في بطن مسيل أو جعله في كبد رطبة، فهل عليه الضمان؟ نقول: لا ضمان عليه، اللهم إلا في بطن المسيل إذا كان في وقت نزول المطر في ايم الشتاء، أما في الصيف فلا بأس، والقاعدة عندنا أنه إذا لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه، "كل يد أمينة إذا لم يحصل تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه"، وعلى هذا فالمضارب إذا لم يحصل منه تعد ولا تفريط فليس عليه ضمان، لكن كيف التعدي؟ التعدي: فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب، ففعل ما لا يجوز مثل: أن يلقي بالمال إلى التهلكة، وفعل ما لا يجوز: أن يستعمل المال في حاجته الخاصة.
- وقال مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن جده: «أنه عمل في مالٍ لعثمان على أني الربح بينهما» وهو موقوف صحيح.
"موقوف" يعني: على عثمان، وهو أحد الخلفاء الراشدين لهم سنة متبعة، وهو معروف رضي الله عنه بأنه صاحب ثراء وغنى، فيعطي ماله مضاربة على أن الربح بينهما، فبناء على ذلك يجوز أن أعطي شخصًا مالاً على أن الربح بيني وبينه، ولكن قلنا: لابد أن يكون مشاعًا معلومًا، وبيني وبينه معلوم إذا كان لي ربعه وله ثلاثة أرباعٍ هل هو بيننا؟ بيننا، له عشرة ولي تسعة أعشاره أيضًا هو بيننا، إذن إذا قلت الربح وصار الربع والعشر والثلث كله بينية عاد إلى الجهالة، فيقال: نعم الأصل أن البينية فيها إبهام لكنها عند الإطلاق تقتضي المساواة، هذه أيضًا من القواعد الفقهية، البينية عند الإطلاق تقضي المساواة، ولهذا لو أعطيت فقراء عشرة طعامًا وقلت: هذا بينكم وجاء واحد منهم وأخذ نصفه وقال: نصفه لي ولكم الباقي، هل يملك هذا؟ لا، لماذا؟ لأن البينية تقتضي المساواة، فإذا قلت: هذا بينكم وهم عشرة فلكل واحد عشرة ولا يمكن أن يتعدى، إذن الذي جعل البينية هنا صحيحة لأنها عند الإطلاق، وعلى هذا فإذا قال: الربح بيننا فهو نصفان.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 235)
15 - باب المساقاة والإجارة
ليته قال: والمزارعة كان أحسن، وجعل للإجارة بابا مستقلاً؛ لأن بينهما فروقًا كثيرةن أي: أن بين المساقاة والمزارعة وبين الإجارة فروقًا كثيرة، لكن المساقاة والمزارعة هما المتشابهتان.
"المساقاة" في اللغة: مأخوذة من السقي؛ لأن حروفها الأصلية سين، وقاف، وباء، إذن هي من السقي، وهي معروف يعني: صب الماء على الأرض لتشربه، فهي من المساقاة وهي: دفع أرض وشجر لمن يقوم عليه بجزء مشاع معلوم من ثمره، مثال ذلك: رجل عنده بستان وتعب من العمل فيهن وجاء إلى شخص وقال: هذا بستاني خذه واعمل فيه ولك نصف ثمره، هذه المساقاة جائزة؛ لأن فيه مصلحتين: مصلحة لصاحب الأرض، ومصلحة للعامل، فصاحب الأرض يستريح ويكفيه هذه المؤنة والتعب، والآخر استفاد لأنه ليس عنده ما يشتري ثمرًا ولي عنده بستانًا فيعمل في هذا البستان ويحصل الثمر، ففيها مصلحة للطرفين؛ وهي تشبه تمامًا المضاربة.
"الإجارة": مأخوذة من الأجر وهو الثواب، أي: مكافأة العامل على عمله، ولهذا لو قلنا: فلان له أجر عند الله، يعني: ثوابًا مكافأة على عمله فهي في الأصل من الأجر وهو الثواب، أي: المكافأة على العمل، وأما في الاصطلاح فهي: دفع عين لمن ينتفع بها بعوض معلوم أو القيام بعوض معلوم أو القيام بعوض معلوم، فالبيت إذا أعطيته عاملاً ليخيطه لك فهذا دفع عين لمن ينتفع بها بعوض معلوم، والثوب إذا أعطيته عاملاً لخيطه لك فهذا دفع عين لمن يعمل فيها بعضو معلوم، والعامل إذا استأجرته ليعمل عندك فهذا عقد على عمل معلوم بعوض معلوم، فالإجارة قد تكون على عمل وعلى عمل في عين، وعلى نفع في عين، ولكها جائزة: {إن خير من استئجرت القوي الأمين} [القصص: 26].
حكم المساقاة:
867 - عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ». متفق عليه.
"عاملهم" أي: أعطاهم الأرض على أن يعملوا فيها، "بشطر ما يخرج منها"، شطر يعني: نصف من ثمر هذا باعتبار الشجر، أو زرع باعتبار البقول، الزروع يعني: على النصف من الثمر في الأشجار والزرع في البقول، وقوله: "عامل أهل خيبر" وهم اليهود، خيبر حصون ومزارع تبعد عن المدينة نحو مائة ميل من الشمال الغربي، فتحها النبي صلى الله عليه وسلم، ولما فتحها إذ الناس لا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 236)
يستطيعون القيام عن العمل بها لاشتغالهم وهي مزارع، فطلب اليهود من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعملوا فيها على النصف، ولهذا قال:
- وفي رواية لهما: «فسألوه أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها، حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه».
إذن هم الذين طلبوا البقاء فيها يكفونهم المؤنة، يعني: العمل على هذه الأشجار والأرض ولهم نصف الثمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نقركم بها على ذلك ما شئنا»، فقروا حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه، "نقركم على ذلك ما شئنا" يعني: لكم نصف الثمر، لكن ما شئنا حسب مشيئتنا، وإذا رأينا ما يقتضي أن نخرجكم منها أخرجناكم، فوافقوا على هذا الشرط، فبقوا آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم يعني: أربع سنوات قبل أن يموت، وبقوا خلافة أبي بكر كلها وبقوا في خلافة عمر حتى أجلاهم عنها، وكان إجلاؤه إياهم عنها في سنة عشرين من الهجرة، أجلاهم إلى فدك، إذن بقوا بعد الفتح أربع عشرة سنة، وكان سبب إجلائهم أربعة أمور: منها ما ثبت في الصحيح، ومنها ما ثبت في غيره، فالذي ثبت في الصحيحين أنهم فدعوا عبد الله بن عمر كان عندهم فألقوه من ظهر بيت ففدعوه، والفدع: انسلاخ الكف من الذراع أو القدم من الكعب، ويسمى عندنا الفك يعني: أنفكت قدمه، فأجلاهم عمر؛ لأن ابن عمر رضي الله عنه نزل هناك في ليلة من الليالي فحصل منهم ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: ليس لنا عدو هنالك إلا اليهود، وإني سأجليهم؛ لأنه رأى أن اعتداءهم على ابن الخليفة يعنيك اعتداءهم على الإسلام وتحديًا للمسلمين فرأى رضي الله عنه أن يجليهم، فجاءه زعيمهم وقال: كيف تجلينا وقد أقرنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال أتظن أني نسيت ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف بك إذا خرجت بك قلوصك تخطو بك يومًا فيومًا"، يعني: من خيبر، قال: يا عمر، قالها محمد هزيلة، يعني: يضحك - هزل ليس جد - قال: كذبت يا عدو الله، فأخرجهم هذا في البخاري وغيره.
السبب الثاني: أنه لما ثبت عند عمر أنه لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، واليهود في خيبر يقيمون دينهم، قال: لا يمكن ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قاله: «لا يجتمع دينان» سأجليهم، فأجلاهم عمر لهذا السبب.
السبب الثالث: أن رجلاً من الأنصار قدم من الشام إلى المدينة فنزل في خيبر ومعه علوج،
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 237)
يعني: عبيد من الشام، فاتصل اليهود بهؤلاء العلوج وقالوا: اقتلوا صاحبكم تحرروا منه، فقتلوه فصار في هذا غدر من اليهود، فكان من أسباب إجلائهم.
السبب الرابع: أن المسلمين كانوا قلة وهم في حاجة إلى عمل أهم، فلما كثر المسلمون واستغنوا عن عمل اليهود في خيبر أجلاهم عمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعطهم عقدًا مؤبدًا بل قال: «نقركم على ذلك ما شئنا» حسب ما تقتضيه المصلحة.
لكن هذه الأسباب ليست في الصحيحين، فقد تكون صحيحة وقد تكون ضعيفة، لكنها لها وجه إلا أن كون سبب ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» فيه إشكال؛ لأن هذا الدين كان موجودًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف يقرهم وهذا الدين باقٍ، وقد يجاب عنه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت كان محتاجًا إليهم، ولهذا لم يأمر بإخراج اليهود والنصارى في جزيرة العرب إلا في آخر حياته، حتى قال: «لئن بقيت - أظنه قال: - إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب»، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم في الأول متساهلاً في هذا ثم بعد ذلك لما رأى من خطرهم على الجزيرة أمر بإخراجهم، حتى قال في مرض موته صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، وهو عام شامل للمشركين الذين يعبدون الأصنام، وكذلك لكل من كان كافرًا بالله العظيم.
على كل حال: نحن نقول: إن صحت هذه الأسباب الأربعة فهي أسباب، وإن لم تصح فيكفي السبب الأول الثابت في الصحيح وهو فدع عبد الله بن عمر، فكان في ذلك إذلال للمسلمين عمومًا، فأجلاهم عمر.
- ولمسلم: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع عن يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم، ولهم شطر ثمرها».
النخل معروف، والأرض لأجل الزراعة، فالأرض يزرع عليها والنخل ليقتسم ثمرها، وقوله: «أن يعتملوها» يعني: هم الذين يدفعون أجرة العمل على ثمر النخل وهم الذين يدفعون الحب الذي يزرع، «ولهم شطر ثمرها». يعني: ثمرها وزرعها كما جاء في الرواية التي قبل، يعني: لهم النص من الزرع والنصف من الثمر.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 238)
ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز معاملة اليهود، وهذا أمر مشهور مستفيض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل اليهود بيعًا وشراء ومساقاة ومزارعة، وكان عليه الصلاة والسلام عند موته رهن درعه عند رجل من اليهود بطعام اشتراه لأهله، وكذلك يقاس على اليهود من سواهم من الكفار كالنصارى والوثنيين وغيرهم، إلا أن أهل العلم يقولون: إنه لا ينبغي أن يوليهم ولاية مطلقة؛ لأنهم ربما يتجرون بالخمر وهو لا يعلم، أو يتجرون بالربا وهو لا يعلم، أو يتجرون بالأشياء الممنوعة وهو لا يعلم، فأما الشيء الذي يؤتمنون فيه أو الشيء الذي يكون هو رقيبًا عليهم فإن هذا لا بأس به.
وفيه دليل على جواز ائتمان الكافر ما لم تتبين خيانته، ووجه ذلك: أن هؤلاء مؤتمنون على الثمر وبإمكانهم أن يجزوا شيئًا من التمر أو يأخذوا شيئًا من الزرع والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم، فإذا كان الكافر مؤتمنًا فلا بأس من ائتمانهم، أما إذا كان غير مؤتمن فإنه لا يؤمن، لاسيما فيما يتعلق بأمور المسلمين العاملة كمثل هذه المسألة، ومثل كتابة دواوين وغيرها.
هل يؤخذ من هذا الحديث بقول الكافر إذا كان أمينًا؟ قد نقول: إنه يؤخذ، وقد نقول: إنه لا يؤخذ، لكن هناك أدلة تدل على جواز الأخذ بقول الكافر إذا كان أمينًا، مثل: استرشاد النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط الديلي الذي استأجره النبي صلى الله عليه وسلم ليدله على الطريق في سفره إلى المدينة في الهجرة فإن هذا كان مشركًا، ولكنه كان أمينًا فاستأمنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى على راحلته وراحلة أبي بكر، وقال له: موعدك بعد ثلاث ليال غار ثور، فذهب الرجل بالراحلتين، وأتى بعد ثلاث ليال إلى الغار مع أن المقام خطير جدًا وهو أن قريشًا كانت تطلب الرسول صلى الله عليه وسلم وقد جعلت لمن يدلها عليه وعلى أبي بكر مئاتي بعير، وكانت فرصة لهذا المشرك أن يدل قريشًا على النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لما ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم أدى الأمانة.
فإذن نقول: إن دل هذا الحديث على قبول قولهم والأخذ بقولهم فذاك، وإن لم يدل فهناك أدلة أخرى تدل على أنه يجوز الأخذ بقول الكافر، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى جواز فطر المريض إذا قال له الطبيب الكافر: إن الصوم يضرك، وكذلك جواز الصلاة قاعدًا إذا قال الطبيب: إنه يضرك القيام، وكذلك الإيماء بالركوع والسجود إذا قال له الطبيب: يضرك السجود، المهم: أنه متى وجدت الثقة فإنه لا بأس بالأخذ بقول الكافر.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 239)
ومن فوائد الحديث: جواز المساقاة لقوله: «عامل أهل خيبر»، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة.
ومن فوائده: أنه إذا شرط سهم لأحد المتعاملين للآخر، فمثلاً إذا قيل في عقد المساقاة: لرب الشجر الثلث وسكت عن سهم العامل فإن هذا صحيح؛ لأنه إذا تعين سهم أحدهما كان للثاني الباقي، أي: لا يشترط أن أقول في المساقاة: لرب الشجر الثلث وللعامل الثلثان؛ لأنك إذا عينت سهمًا لأحدهما كان الباقي للآخر.
ومن فوائد الحديث: جواز المشاركة إذا تساوى الشريكان في المغنم والمغرم؛ لقوله: "بشطر ما يخرج منها". مع أن العامل ربما يعمل ويتعب في ماله وبدنه ثم تفسد الثمرة فيكون غير رابح، لكن كما أنه غير رابح فكذلك صاحب الشجر هو أيضًا غير رابح؛ لأنه كان يؤمل أن شجره يثمر ولم يثمر، فإذا تساوى الشريكان في المغنم والمغرم فإن الشركة جائزة، المحظور هو أن يختلف الشريكان بأن يكون أحدها غارمًا بكل حال والآخر تحت الخطر.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط أن يكون الغراس في المغارسة والبذر في المزارعة من رب الأرض، مثال ذلك: أعطيت شخصًا أرضًا بيضاء ليغرسها وله نصف الشجر، هذه مغارسة هذا يجوز حتى لو كان هو الذي يشتري الشجر، كذلك أعطيته هذه الأرض البيضاء ليزرعها بنصف الزرع والحب على المزارع هذا أيضًا لا بأس به، هذا ما دل عليه حديث ابن عمر في قصة المساقاة والمزارعة لأهل خيبر، من أين يؤخذ؟ يؤخذ من وجهين: أولاً: في اللفظ المتفق عليه بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولم يذكر أن البذر على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الأرض، ثانيًا: في رواية مسلم قال: «على أن يعتملوها من أموالهم»، وهذا صريح في أن المال على المزارع، وهذا القول الذي دل عليه الحديث هو القول الراجح وهو الذي عليه العمل من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على أنه لا يشترط في المزارعة وكذلك في المغارسة أن يكون البذر والغراس من رب الأرض، وذهب بعض العلماء إلى اشتراط أن يكون البدر والغراس من رب الأرض، وعلى هذا فلو أعطيت رجلاً أرضًا بيضاء ليزرعها بالنصف من الزرع وجب علي أن يكون البذر مني، وكذلك الغراس من المغارسة، لماذا؟ قالوا: قياسًا على المضاربة؛ لأن المضاربة يكون المال من صاحب المال المضارب وليس على المضارب إلا العمل، قالوا: فقياس ذلك في المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض، ولكن هذا القياس قياس فاسد الاعتبار، لماذا؟ لأنه مصادم للنص، والقياس المصادم للنص فاسد الاعتبار لا عبرة به، ثم هو قياس مع الفارق؛ لأن نظير المال في المضاربة الأرض وقد دفعها، أما مسألة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 240)
الزرع فهي من جنس ما يلزم في المضاربة من سقي الحيوان، لو أشترى المضارب حيوانًا فإنه سوف يسقيه ويروضه وما أشبه ذلك، فالبذر يكون تابعًا لعمل المزارع والمغارس، أما نظير المال فهو الأرض المدفوعة، وبهذا تبين أن هذا القياس فاسد، أولاً: لمصادمته للنص، وكل قياس في مصادمة النص فإنه مرفوض، وثانيًا: أنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن المال الذي يقال: إنه يدفعه المضارب نظيره الأرض التي يدفعها من تعامل من تعامل مع شخص في الزراعة.
ومن فوائد الحديث: جواز كون المساقاة غير معلومة الأجل، يعني: جواز الأجل المجهول في المزارعة والمساقاة؛ لقوله: "نقركم ما شئنا"، ومعلوم أن مشيئته مجهولة فعليه يجوز عقد المساقاة والمزارعة إلى أجل مجهور، وهذا أحد الأقوال في تخريج هذا الحديث.
القول الثاني: أن هذا الحديث يدل على أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، وبناء على ذلك لا يشترط لها ذكر الأجل ولكل واحد منهما - أي: من المساقي والمساقى - أن يفسخ متى شاء.
الوجه الثالث في تخريج الحديث: أنه من باب الخيار لأحد المتعاقدين؛ لأن لو كان ذلك من العقود الجائزة ما احتاج أن يقول: "نقركم ما شئنا"؛ لأن العقد الجائز نفسه للمتعاقدين فيه المشيئة متى شاءا فسخا.
فإذن الاستدلال بهذا الحديث على أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة غير صحيح، إذ لو كانتا من العقود الجائزة لم يحتج إلى ذكر المشيئة، فإن العقد الجائز لكل من المتعاقدين فسخه ولو لم يشترطا المشيئة، فأقرب ما يقال في ذلك هو أن هذا من باب الخيار، وأنه إذا اشترطا، أو أحدهما الخيار فلا بأس، وبناء على هذا نقول: إن المساقاة والمزارعة من العقود اللازمة، ولابد من تقدير الأجل فيها سنة أو سنتين أو ثلاثًا أو أكثر، لابد من هذا، ولكل من المتعاقدين شرط الخيار إما لهما جميعًا، وإما لأحدهما، والحديث هذا من باب اشتراط الخيار لأحدهما لقوله: "ما شئنا"، ولم يقل: وما شئتم، واستدل به بعض العلماء على جواز الإجارة المجهولة، وأنه يجوز أن تقول للشخص: أستأجر منك هذا البيت حتى أجد بيتًا أشتريه، وإلى هذا ذهب ابن القيم في زاد المعاد، وأنه يجوز الأجرة المجهولة المعلقة بشرط مجهول، قال: لأن هذا ليس فيه شيء، فمثلاً هذا رجل يبحث عن بيتٍ فجاء إلى شخص وقال: أجرني بيتك حتى أجد بيتًا فأجره كل سنة بمائة ريال حتى يجد بيتًا، فوجد بيتًا في نصف السنة، قله أن يفسخ ويعطيه خمسين ريالاً، وهذا القول الذي اختاره ابن القيم وجيه؛ لأن الأصل في العقود الحل في أصلها وشروطها حتى يتبين دليل التحريم، فما دام الأصل الحل وهذا لا يترتب عليه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 241)
أي مفسدة، لاسيما إذا حدد أكثر المد بأن قال: تؤجرني مدة لا تزيد على سنة حتى أجد البيت، فإن هذا أقرب إلى العلم بتحديد أكثر المدة مع أن الصحيح الجواز حتى وإن لم يحدد أكثر المدة.
ومن فوائد الحديث: قوة عمر في الحق لقوله: "حتى أجلاهم عمر".
فإن قال قائل: كيف يجليهم عمر وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشأ أن يجليهم، والشرط الذي اتفقوا فيه مع الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يقرهم على ما شاء؟
فالجواب عن ذلك يسير جدًا أن يقال: إن قوله: "على ما شئنا" إنما قاله باعتبار أنه هو الولي الأعلى للأمة فخليفته يقوم مقامه، فهذا عقد لعموم المسلمين للمصالح العامة، والخليفة الذي يأتي بعد الخليفة الأول يكون نائبًا عنه، وعلى هذا فلا يكون في فعل عمر مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: "نقركم على ما شئنا".
ومن فوائد هذا الحديث: التصريح بأنه يجوز أن يكون البذر من العامل؛ لقوله في رواية مسلم: "على أن يعتملوها من أموالهم".
إجارة الأرض:
868 - وعن حنظلة بن قيس رضي الله عنه قال: «سألت رافع بن خديج رضي الله عنه عن كراء الأرض بالذهب والفضة؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات، وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به». رواه مسلم.
- وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض.
رافع بن خديج كان من الأنصار، وكانت الأنصار رضي الله عنهم أكثر الناس زرعًا لهم زروع كثيرة، وكانوا يتعاملون بالمزارعة؛ لأن من له حقول كثيرة لابد أن يعلم.
قال: «سألت عن كراء الأرض بالذهب والفضة» يعني: أنه جائز، مثل: آجرتك هذه الأرض كل سنة مائة درهم على أن تزرعها، الزرع لمن؟ الزرع للمستأجر، ولرب الأرض الأجرة، وليس هذا من باب المشاركة؛ لأن عقد الأجرة مستقل، وعلى هذا فلا يرد علينا أنه ربما يزرع الأرض ولا يحصل مقدار الأجرة وربما يزرع الأرض ويحصل له أضعاف أضعاف الأجرة، لا يقال: إن هذا غرر؛ لأنها ليست من باب المشاركة بل هي من باب الأجرة وأنا أجرتك كل سنة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 242)
بمائة درهم، زرعتها أو لم تزرعها لا دخل لي، أنا لي أجرة معينة عقد مستقل سواء خسرت أو ربحت، ولهذا أجاب رافع قال: "لا بأس به" أي: أنه جائز، والبأس هنا بمعنى: الحرج يعني: ليس فيه حرج ولا ضيق، إنما هو جائز، إنما قال: "وإنما كان … إلخ"؛ لأن من العلماء في عهد رافع من منع أجرة الأرض، وقال: لا يجوز أن يؤجر الإنسان أرضه، بل إن كان به قدرة على زرعها زرعها وإلا أعطاها أخاه المسلم يزرعها، وليس لصاحب الأرض شيء، ولا يجوز أن يأخذ عليها أجرة، كما سيأتي في حديث لم يذكره المؤلف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من كان عنده أرض أن يزرعها أو يمنحها لأخيه، ومنع من الإجارة والمزارعة، فرافع رضي الله عنه قال: إن هذا لا بأس به، ثم استدل قال: "إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم … الخ".
"الماذيانات" هي ما على مسايل الماء، يعني: الذي يكون على البركة، أو على الساقية، أو على النهر، يقول: ما على أطرافه فهو لك والباقي لي، هذا لا يجوز؛ لأنه قد يكون الذي على الماذيانات كثيرًا والآخر قليلاً، أو يكون العكس، هذا غرر لا يجوز؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لم يشترك صاحب الأرض والمزارع في المغنم والمغرم.
وقوله: "أقبال الجداول" يعني: السواقي التي تتفرع من الماذيانات، وهي معروفة من شاهد المزراع عرفها، و"أقبال" يعني: مقدم وأوائل الجداول، يقول: لك أول هذا السقي ولي آخره، أو العكس، وأشياء من الزرع يعينها، فيقول: أعطيتك الأرض تزرعها لي الجانب الشرقي ولك الجانب الغربي، أو لي الجانب الشمالي ولك الجانب الجنوبي، أو لي الشعير ولك الحنطة، أو لي السكري في النخل ولك الشقر، أو ما أشبه ذلك في أشياء من الزرع، هذا أيضًا لا يجوز، ولهذا قال: «فيهلك هذا ويسلم هذا، ويهلك هذا ويسلم هذا» يعني: يسلم ما عين لمالك الأرض ويهلك ما عين للمزارع أو العكس.
قال: "فلذلك" اللام: للتعليل، أي: فلأجل هذا الغرس والجهالة زجر عنه، أيكنهى بشدة، والزاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: "على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فالضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم زجر عنه الناس لما فيه من الغرر، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به، يعني: فأما إذا ذكر شيء معلوم مضمون فلا بأس به، ما هو المعلوم المضمون؟ الأجرة؛ لأنه سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة، وكراء الأرض بالذهب والفضة شيء مضمون معلوم للجميع، مضمون لصاحب الأرض؛ لأنه أعطاه الأرض بمائة درهم مضمون فهذا جائز.
وقوله: «وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض»، يعني: أنه ثبت
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 243)
في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض، فحمل هذا على أن المراد بذلك: الكراء الذي يؤدي إلى الجهالة، أما الكراء المعلوم فإنه لا بأس؛ لأن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الشرع على تحريمه.
في هذا الحديث فوائد منها: حرص السلف على السؤال عن العلم، وسؤال السلف عن العلم إنما يصدون به العمل لا يقصدون به أن يعلموا ما عند الإنسان من علم، خلافًا لما يفعله كثير من الناس اليوم، تجده يسأل العالم لينظر ما يجد ما عنده من العلم، ثم يسأل عالمًا آخر وهكذا، أما السلف فإنهم يسألون عن العلم من أجل أن يعملوا به، وهذا فرق بين بين السؤالين.
ومن فوائد الحديث: جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، يعني: أن أستأجر منك أرضك لأزرع فيها بدراهم أو دنانير، الدراهم الفضة، الدنانير بالذهب، فجوز أن أستأجر منك أرضك لمدة سنتين أو ثلاث كل سنة بكذا من الدراهم، أو من الدنانير وأزرع فيها وأنا وحظي قد أكسب من الزرع أضعاف أضعاف الأجرة، وقد أخسر، لكن صاحب الأرض ليس له أجرة معينة.
وهل يقاس على ذلك ما لو استأجرتها بمائة كيلو من التمر أو مائة كيلو من البر أستأجرها بمنقول غير الطعام كأن أستأجرها بسيارة أو قطعة أرض أو ما أشبه ذلك؟
الجواب أن يقال: نعم لا بأس به، وعلى هذا فيجوز أن أكري الأرض بأصواع معلومة من البر لمن يزرعها من البرد بشرط ألا أقول: إنها مائة صاع مما تزرع؛ لأني لو قلت: مائة ضاع مما تزرع لكان في ذلك غرر؛ لأنه يكون حينئذ مزارعة، والمزارعة لا يجوز فيها اشتراط شيء معين لأحدهما، مثلاً استأجرت منك هذه الأرض بمائة صاع من البر لأزرعها برًا هذا جائز ويثبت في ذمة المستأجر مائة صاع بر سواء زرع أم لم يزرع، اتفقت معك على أن أزارعك هذه الأرض ولي من الزرع الذي يخرج مها مائة صاع، والباقي لك هذا لا يجوز؛ لأن هذه شركة والمشاركة لابد أن تكون مبنية على العدل، وهو الاشتراك في المغنم والمغرم، وأنا إذا اشترطت مائة صاع مما يخرج منها من البر فأنا غانم وأنت قد تكون غانمًا وقد تكون غارمًا؛ لأن الزرع قد يحصل منه شيء كثير مئات الأصواع، وقد لا يحصل منه إلا مائة وقد لا يحصل منه إلا أقل، وقد لا يحصل منه شيء إطلاقًا فهذه المشاركة لم يتساو فيها الشريكان في المغنم والمغرم وإذا لم يتساو فيها الشريكان كانت ميسرًا وغررًا وحرامًا، إذن لو آجرتك إياها بثلث ما يخرج منها هل يجوز؟
نعم يجوز، فصارت الأجرة تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول: أن تكون الأجرة بشيء مما يخرج من الأرض آصع معلومة مما يخرج من الأرض فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ميسر فهو مزارعة لكن مبنية على ميسر.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 244)
الثاني: أن يكون بشيء معلوم من جنسه لا منه هذا جائز.
الثالث: أن يكون بجزء مشاع كنصف وثلث وربع هذا أيضًا جائز، وهو في الحقيقة مزارعة.
الرابع: أن يكون بذهب وفضة أو غيرهما مما يجوز أجرة فهذا أيضًا جائز ولا بأس به ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز المؤاجرة بشيء معلوم لأحدهما من الخارج من الأرض مثل الماذيانات وأقبال الجداول، وما على البركة من النخل وما أشبه ذلك، هذا لا يجوز؛ لأنه غرر، والمشاركة مبنية على التساوي في المغنم والمغرم.
ومن فوائد الحديث: كمال الشريعة الإسلامية؛ وذلك بتحريم المعاملات المتضمنة للغرر لما في هذه المعاملات من إلقاء العداوة والبغضاء؛ لأنها إذا كانت غير مبنية على العدل، فإن من يتصور نفسه مغلوبًا فسوف يكون في نفسه شيء على الغالب فتقع العداوة بين المسلمين.
ومن فوائد الحديث: حرص الشرع على إبعاد الناس عن كل ما يلقي العداوة والبغضاء بينهم لأننا نعلم أن الحكمة في منع معاملات المغالبات هي اتقاء ما يحصل بها من العداوة والبغضاء، ودليل ذلك قوله تعالى: {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219]. وبين الله تعالى أن إثمهما أكبر من نفعهما، وقال: {يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه لعلمكم تفلحون إنما يريد الشطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم} [المائدة: 90، 91]. الخمر واضح أنه يلقي بالعداوة؛ لأنه ربما يجترئ السكران على من عنده بالأذى والضرر، وربما بالقتل، والميسر كذلك؛ لأن المغلوب سوف يكون في قلبه شيء على الغالب وربما يقول: إنك لم تغلبني، ويحصل نزاع وعداوة.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمسئول إذا سئل عن شيء أن يبين الجائز والممنوع إذا كان يحتاج إلى تفصيل، بل قد يجب عليه؛ لأن رافع بين خديج بين ما هو جائز وما هو ممنوع.
ومن فوائد الحديث: أن الدين الإسلامي أصلح المعاملات الجارية بين الناس في الجاهلية كما أصلح العبادات؛ لأنهم في الجاهلية يؤاجرون على هذا الوجه الذي فيه الغرر، فأصلحه الشرع، مثل: المضاربة، فإن المضاربة كانت معروفة في الجاهلية فأقرها الشرع، ومنها ما منع الشرع ما كان محرمًا مائة وأبقى ما كان جائزًا كالربا مثلاً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس في عرفة، قال: ربا الجاهلية موضوع وأبقى رأس المال، فقال: «وأول ربًا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»، فهنا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أصل رأس المال ومنع الزيادة، القسم الثالث: ما عدله يعني: معناه أنه كان يتعامل به الناس على وجه غير مرضي
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 245)
فعدله، مثل هذا الحديث، فإن الناس كانوا يؤاجرون الأرض في المزارعة، لكن على وجه مجهول منوع فعدله النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: ما أشار إليه المؤلف أنه يبين ما أجمل من النهي عن كراء الأرض، وينبني على هذه الفائدة أن النصوص الشرعية يبين بعضها بعضًا وهو كذلك، فالقرآن يبين بالنسبة، والسنة يبين بعضها ببعض، والقرآن يبين بعضه ببعض أيضًا.
المزارعة:
869 - وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة». رواه مسلم أيضًا.
"النهي": طلب الكف على وجه الاستعلاء، فإذا قال لك شخص: لا تفعل فقد طلب منك الكف عن هذا الفعل على وجه الاستعلاء، ويزاد في التعريف: "بصيغة المضارع المقرون بلا الناهية"، وإنما زيد هذا القيد لئلا يدخل في التعريف: "اتركوا كذا"، "اجتنبوا كذا"، فإن هذا طلب الكف على وجه الاستعلاء لكن ليس بصيغة المضارع المقرون بلا الناهية، فلا يسمى هذا نهيًا وإنما يسمى أمرًا بالترك أو أمرًا بالاجتناب، إذن صيغته لا تفعل، يعني: المضارع المقرون بلا الناهية.
إذا قال قائل: هل قول الصحابي: "نهى" صريح في النهي أو غير صريح؟
فالجواب أن نقول: يرى بعض العلماء أن هذا ليس بصريح وأنه مرفوع حكمًا، وعللوا ذلك بأنه يحتمل أن الصحابي فهم من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم النهي وليس بنهي، وقال بعض العلماء: بل إنه صريح؛ لأنه أضاف النهي إلى من؟ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، واحتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن الشيء ولكن فهمه الصحابي احتمال بعيد؛ لأن الصحابي لسانه عربي، والنبي صلى الله عليه وسلم لسانه عربي، والصحابي ثقة أيضًا فلا يمكن أن يقول: نهي إلا وهو متيقن أنه نهى، سواء جاء بصيغة النهي أو بغير الصيغة وهذا القول هو الصحيح، أما إذا قال الصحابي: أمرنا أو نهينا بالبناء للمجهول فهو مرفوع حكمًا؛ لأنه لم يصرح بالناهي أو الآمر، فأما إذا صرح بأن قال: أمرنا رسول الله أو نهانا، فالصحيح الذي لا شك فيه أنه مرفوع حكمًا، وأنه منزلة صيغة النهي، "نهى عن المزارعة"، وقد سبق أنها دفع أرض لمن يزرعها بجز معلوم مشاع من الزرع، وهنا يقول: "نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة" الأمر: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، والمراد بالفعل: الإيجاد، فيشمل القول باللسان والعمل بالجوارح، فإذا قلت: قل: لا إله إلا الله فقد أمرته، وإذا قلت: ارجع واسجد فقد أمرته، إذن الأمر هو طلب الفعل، والمراد بالفعل هنا ليس
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 246)
ما يقابل القول، بل المراد بالفعل: الإيجاد، فيشمل القول والعلم، قوله: "بالمؤاجرة" يعني: أن يؤجر الإنسان أرضه بشيء معلوم كمائة درهم، عشرة دنانير، وما أشبه ذلك، وقوله: "أمر" المراد بالأمر هنا: الإباحة بلا شك؛ لأنه في مقابلة نهي، فهو أمر في مقابلة النهي فيكون رافعًا للنهي، ولذلك لا نقول للإنسان: يستحب لك أن تؤجر أرضك أو يجب عليك أن تؤجر أرضك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، بل نقول: لا يحرم عليك أن تؤجر الأرض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة، ونظير هذا قوله تبارك وتعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلئد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانًا وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 1 - 2]. فهذا الأمر للإباحة لوروده بعد النهي، كذلك إذا قيل: "نهى"، و"أمر" فالأمر هنا للإجابة بلا شك.
في هذا الحديث النهي عن المزارعة، وقلنا: إن الأصل في النهي التحريم، واختلف العلماء رحمهم الله في الجمع بين هذا الحديث وبين حديث رافع بن خديج؛ فإن حديث رافع يدل على جواز المزارعة، وهذا يدل عل النهي عن المزارعة، فكيف نجمع؟ اختلف العلماء في هذا، فقال بعض العلماء: إن هذا النهي كان قبل الإذن بالمزارعة فيكون النهي على هذا القول منسوخًا وعللوا ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة كان المهاجرون لا مال عندهم فكانوا يحتاجون إلى الزرع ليعيشوا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزارعة من أجل أن يبقى الباب مفتوحًا للمهاجرين يزرعون ويغنمون، وهذا القول فيه نظر؛ لأن من شروط النسخ: العلم بتأخر الناسخ، وهذا ليس بعلم بل مجرد الاستنتاج ولا يسمى علمًا، وقال بعض أهل العلم: إن المزارعة المنهي عنها هي المزارعة التي كان الناس يفعلونها، والتي أشار إليها رافع بن خديج بقوله: "على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع"، فتكون "أل" في المزارعة ليست للعموم لكنها للعهد الذهني، يعني: المزارعة المعروفة المعهودة عندكم وهي المبنية على الغرر والجهالة، وقال بعض العلماء: إن النهي هنا للكراهة فلا يدل على التحريم، وقال آخرون: بل النهي في المزارعة لمن عنده فضل أرض لا يحتاجها فلا يزارع عليها بل يمنحها لأخيه بلا مزارعة، وأصح الأقوال في ذلك: أن المزارعة يراد بها المزارعة المعهودة عندهم المبنية على الغرر، وهي التي ذكرت في حديث رافع بن خديج بان يقول لك: أزارعك في ارض هذا لك الشرقي ولي الغربي، أو لك الشعير ولي البر مثلاً، أو لك الذي على مجاري الماء ولي الباقي، فهذا كله حرام؛ لأنه مبني على الغرر، وهو الذي ورد النهي عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 247)
وقوله: "أمر بالمؤاجرة" فيه دليل على إباحة دفع الأرض بأجرة تسلم لصاحب الأرض سواء زرعا المستأجر أم لم يزرعها، وسواء كسب من ورائها مثل الأجر أو أقل أم لم يكسب شيئًا، انتهى الكلام عن المساقاة.
وهنا مسألة: وهي لو أعطيت الأرض شخصًا وقلت: إن زرعتها برًا فلك النصف، وإن زرعتها شعيرًا فلك الثلث فهل يجوز هذا؟ الصحيح أنه يجوز، وقد ثبت ذلك من فعل عمر فقد كان رضي الله عنه يدفع الأرض للزارع ويقول: أنت بالخيار، لكن إن زرعت برًا فلي النصف ولك الباقي، وإن زرعت شعيرًا فلي الثلثان ولك الباقي لماذا زاد سهمه إذا كان شعيرًا؟ لأن الشعير أرخص من البر؛ ولهذا يبعد أن يقول: إن زرعتها برًا فلي النصف، وإن زرعتها شعيرًا فلي الثلث، هذا بعيد، لكن ربما يأتي يوم من الأيام يكون الشعير أغلى من البر.
على كل حال: هذا لا بأس به، وهذا الأثر الوارد عن عمر رضي الله عنه بجواز هذا دليل على جواز قول القائل: أبيعك هذا الشيء بعشرة نقدًا أو بعشرين لمدة سنة ثم يقبل المشتري بأحد الثمنين، فإن الصحيح أن ذلك جائز، وأن هذا ليس من البيعتين في بيعة.
حكم أخذ الأجرة عن الحجامة:
870 - وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الذي حجمه أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه». رواه البخاري.
قوله: "احتجم" أي: طلب من يحجمه، والحجامة: عبارة عن إخراج الدم الفاسد في البدن، وهي نافعة قرنها النبي صلى الله عليه وسلم بالعسل والكي وقال: "الشفاء في ثلاث وذكر منها شرطة محجم"، ولها أطباء معروفون يعرفون من أين يحجمون وفي أي موضع، ويعرفون الإنسان يحتاج إلى الحجامة أو لا يحتاج، وقد كان الناس يفعلونها كثيرًا، وإذا اعتادها الإنسان فإنه لابد أن يفعلها، وإذا لم يفعلها كثر عليه الدم، وربما يؤثر عليه، حتى إن الإمام أحمد قال: لو هاج به الدم وهو صائم في رمضان فله أن يحتجم ويفطر، ثم إن الحجامة لها مواضع معينة في البدن، ولها أزمنة من الشهر، فلا تفعل في نصف الشهر ولا في أول الشهر ولا في آخر الشهر، يعني: لا تفعل حين ضعف الهلال من أول الشهر، ولا من آخره، ولا حين امتلائه بالنور؛ لأن فوران الدم في الأجسام له صلة بنور القمر فهو يغار في أول الشهر وفي آخره وعند
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 248)
وسطه يزداد فورانه، والحجامة في هذا وفي هذا ليست جيدة؛ لأنها في حال فوران الدم ربما يخرج دم كثير من الإنسان يضره وفي حال انقباضه وغوره ربما تكون الحجامة مؤثرة؛ لأن الدم يكون أنقص، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد الأوقات التي ينبغي أن يحتجم فيها الإنسان، من أراد أن يطلع عليه فليفعل.
يقول: "احتجم وأعطى الذي حجمه أجره"، ولم يبين الأجر؛ لأنه لا فائدة من بيانه.
ثم قال: "ولو كان حرامًا لم يعطه" يعني: لو كان أجر الحاجم حرامًا لم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم إياه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يفعل الحرام؛ لأنه مشرع؛ ولأنه أتقى الناس لله عز وجل وأخشاهم له فعلا يفعل.
871 - وعن رافع بن خديجٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كسب الحجام خبيث» رواه مسلم.
هل كسب الحجام من البيع بالبر والرز والسكر والثياب؟ لا، ولكن من حجامته، من أين نأخذ من حجامته؟ من الوصف، يعني: كسب الحجام بحجامته كما لو قلت: المتقي في الجنة من أجل تقواه.
"كسب الحجام خبيث" يعني: أجرة الحجام التي يكتسبها من حجماته خبيثة، الخبيث يطلق على الحرام، ويطلق على الرديء، ويطلق على المكروه الذي تكرهه النفوس وتعافه النفوس، فمن إطلاقه على الحرام قوله تعالى: {ويحل لهم الطيبت ويحرم عليهم الخبئث} [الأعراف: 157]. إذن يحرم المحرمات، فالخبيث هنا المحرم، ومن إطلاقه على الردي قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267]. الخبيث: يعني: الرديء، ومن إطلاقه على ما تعافه النفس وتكرهه قول النبي صلى الله عليه وسلم في البصل والثوم: «إنها شجرة خبيثة»، يعني: تكرهها النفوس وتعافها.
نأتي إلى كسب الحجام هل نقول: إن المراد بقوله "خبيث": حرام؟ ممكن، هل المراد بذلك أن النفس تعافه؟ ممكن، هل المراد أنه رديء مخالف للمروءة؟ ممكن، إذن ما دام الاحتمال قائمًا بين هذا وهذا وهذا فإنه لا يمكن الاستدلال بالحديث على التحريم، لماذا؟ لأنه مع قيام الاحتمال سقط الاستدلال، إذ لا يتعين أن المراد بالخبيث: الحرام، ولهذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو كان المراد بالخبيث الحرام لم يعطه، وكان الذي ينبغي من حيث الترتيب أن يذكر حديث ابن عباس بعد حديث رافع لأجل أن يرفع حديث ابن عباس الوهم الذي يحصل من حديث رافع، لكن على كل حال المسألة من باب الأولوية.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 249)
هذان الحديثان - كما ترون - قد يبدو بينهما تعارض، فإن حديث رافع بن خديج احتمال أن يكون المراد به التحريم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بالخبيث من أجل المبالغة في التنفير عنه، ولم يقل: لا يأخذ الحجام الأجرة، بل قال: خبيث مبالغة في النفير عنه، وإلى هذا ذهب بعض العلماء وقال: إنه لا يجوز أن يأخذ أجرة على حجامته، لكن هذا القول ضعيف ويضعفه حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره.
ثانيًا: يضعفه أن لقوله: "كسب الحجام خبيث" ثلاثة معانٍ، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
ثالثاً: أنه مخالف لقواعد الشريعة؛ لأن القاعدة الشرعية أن ما جاز أخذ العوض عنه كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم شيئًا حرم ثمنه»، فمفهومه: أنه إذا أباح شيئا أباح ثمنه، وإذا كان عملاً فإن ثمنه الأجرة، فإذا أبيح العمل أبيحت أجرته.
والحجامة هل هي حرام أو حلال؟ حلالا، هذا أدنى ما يقال فيها، فإذا كانت حلالاً فأخذ العوض عليها حللا، وبهذا تبين أن الذين قالوا بتحريم كسب الحجام واستدلوا بالحديث تبين أن قولهم هذا ضعيف لوجوه ثلاثة.
هل يمكن أن نستدل بمعنى آخر وهو أننا لو قلنا بأن كسب الحجام حرام لأدى ذلك إلى عدم وجود الحجامين؟ نعم، فتعطل مصلحة للمسلمين وهي الحاصلة بالحجامة؛ لأننا لو قلنا للحجام استأجر حانوتًا وهات كراسٍ وهات آلات الحجامة، واقتطع جزءًا كبيرًا من وقتك لتحجم الناس ثم إياك أن تأخذ منهم قرشًا لأنه حرام ماذا يقول؟ يقول: لا أشتغل، فيتعطل شيء فيه مصلحة وهي الحجامة.
من فوائد حديث ابن عباس: جواز الحجامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، بل إن الحجامة أحيانًا تكون مطلوبة وذلك فيما إذا تضرر الإنسان بتركها، والذين يعتادونها إذا تركها يتضررون ويبتعهم فوران الدم حتى يحتجموا.
ومن فوائد الحديث: أن الحجامة طب نبوي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعلها.
ومن فوائد الحديث: أن أجرة الحاجم حلال، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الحاجم أجره، ولو كان حرامًا لم يعطهز
ومن فوائده: الاستدلال بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأن الأصل أن لنا فيه أسوة هذا هو الأصل، فلو ادعى مدعٍ الخصوصية قلنا: عليك الدليل، وبهذا نعرف ضعف ما سلكه بعض العلماء المتأخرين
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 250)
كالشوكاني رحمه الله في أنه أدنى معارضة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم مع فعله يحملها على الخصوصية مع أن الجمع ممكن، وهذا لا شك أنه خطأ؛ لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة وسنة كما أن قول كذلك، فمتى أمكن الجمع بين الفعل والقول وجب الجمع بينهما، ولا يحمل على الخصوصية إلا إذا تعذر الجمع.
ومن فوائد الحديث: بيان فقه ابن عباس رضي الله عنه وأنه أتى بدليل منطقي في مقدمة ونتيجة قال: "أعطاه ولو كان حرامًا لم يعطه"، وبه نعرف أن ما ذهب إليه المنطقيون من تضخيم على المنطق، وأن من لم يحط به علمًا على يقين من أمره، ولهذا قالوا: لابد أن نتعلم المنطق من أجل أن نعتقد المعتقد الصحيح، ولكن شيخ الإسلام قابل هذه الدعوى عندهم فقال: إني كنت أعلم دائمًا أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد، إذن فهو إضاعة وقت.
أما حديث رافع بن خديج وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كسب الحجام خبيث" ففيه دليل على دناءة كسب الحجام، واستدل به بعض العلماء على أن كسب الحجام حرام، ووجه استدلاله بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كسب الحجام خبيث ومهر البغي خبيث»، فقرنه بمهر البغي، والبغي هي الزانية، ومهرها هو ما تعطاه على الزنا، ومعلوم أنه حرام، قالوا: فهذا دليل على أن كسب الحجام حرام، ولكن يعارض هذا الاستلال بما استدل به عبد الله بن عباس من أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الحجام أجره ولو كان حرامًا لم يعطه، ثم نقول: إن دلالة الاقتران ضعيفة، صحيح هي قرينة لكنها ليست لازمة بمعنى: أنه إذا اقترن شيئان في حكم لا يلزم أن يكونا فيه سواء وإلا فلا شك أن اقترانهما يدل على تساويهما، ودليل هذا قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً} [النحل: 8]. فقرن الخيل بالبغال والحمير، وبالبغال والحمير حرام، والخيل حلال، استدل الحنفية على تحريم الخيل بهذه الآية، وقالوا: إن الخيل حرام؛ لأن الله تعالى قرن الثلاثة في حكم واحد، كما قلت لكم: إن دلالة الاقتران ضعيفة، ولكنها قوية من وجه، فإذا قلنا بأن الآية دالة على التحريم مثلاً في الثلاثة قلنا: الآية لا تدل على تحريم الأكل بل إنما تدل على أغلب الانتفاع بها وهو الركوب والزينة، أما الأكل فليس في الآية تعرض له هذا من وجه، من وجه آخر أنه قد ثبت في صحيح مسلم من حديث أسماء رضي الله عنها قالت: "نحرنا فرسًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المدينة وأكلناه"، وهذا نص صريح عن أن الخيل حلال، إذن رددنا هذا الاستدلال بكون كسب الحجام حرامًا بما ذكره ابن عباس رضي الله عنه، وذهب بعض أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن كان أجرة يعني: معاقدة فهو حرام وإن أعطي على ذلك مكافأة فهو
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 251)
حلال، وحملوا حديث ابن عباس على أن الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الحجام مكافأة، ولكن في النفس من هذا شيء؛ لأن ابن عباس قال: أعطى الحجام أجره، ولم يقل: كافأه، والأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا بدليل على خلاف ذلك.
التحريز من منع الأجير حقه:
872 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفي منه ولم يعطه أجره». رواه مسلم.
قوله: "أنا خصمهم" يعني: أنا الذي أخاصمهم، ومن المعلوم أن من كان خصمه الله فهو مخصوم، كما أن من كان محاربًا لله فهو مهزوم، وقوله: "ثلاثة أنا خصمهم" ليس المراد ثلاثة أعيان بل المراد: ثلاثة باعتبار الجنس والوصف، قد يكون ثلاثة ملايين.
وقوله: "أنا خصمهم يوم القيامة" بينه، "يوم القيامة" هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسمي يوم القيامة؛ لأنه يقام فيه العدل، ويقوم فيه الأشهاد، ويقوم الناس من قبورهم.
الأول: "رجل أعطى بي" يعني: أعطى العهد، أي: عاهد بالله على شيء من الأشياء ثم غدر مثل أن يقول: لك علي عهد الله ألا أخبر بما قلت لي ثم يخبر، فهذا أعطى بالله ثم غدر، أو يعطيه شيئًا أمانة فيقول: لك على عهد الله ألا أخون هذه الأمانة، ثم يخون، هذا أيضًا غدر بالعهد، فكل من أعطى شيئًا بالله ث غدر فهو داخل في هذا الحديث؛ لأنه انتهك ذمة الله، فكان الله خصمه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبعث البعوث: «إذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تنزلهم على ذمة الله وذمة رسوله فلا تنزلهم على ذمة الله وذمة رسوله، ولكن أنزلهم على ذمتك وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله ورسوله»، فإذن نقول: إنما كان الله خصمه؛ لأنه غدر بذمة الله وعهد الله.
الثاني: "رجل باع حرًا فأكل ثمنه" استولى على حر وباعه على أنه عبد مملوك فأكل ثمنه، وإنما كان الله خصم هذا؛ لأن الحرية من حقوق الله، فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق أحرارًا، فإذا استرق الإنسان أحدًا بغير سبب شرعي كان قد انتهك حرمة من حرره عز وجل واسترقه، ولهذا نقول أن الحق في الحرية، والعبودية لله عز وجل، لا يمكن لأحد أن يسترق بشرًا إلا حيث أذن الله في نقول أن الحق في الحرية، والعبودية لله عز وجل، لا يمكن لأحد أن يسترق بشرًا إلا حيث أذن الله في ذلك، أما أن يستولي على حر ويبيعه ويأكل ثمنه فالله تعالى خصمه؛ لن الحرية من حقوق الله
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 252)
عز وجل، لو أن رجلاً باع ابنه وأكل ثمنه لا يجوز، لأن الحرية لله، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك» يعني: في المنافع لا في الاسترقاق.
الثاني: «رجل استأجر أجيرًا فاستوفي منه ولم يعطه أجره»، استأجر أجيرًا على عمل معين أو زمن معين على عمل معين، مثل أن أستأجره لينظف بيتي، على زمن، مثل أن أستأجره لمدة شهر على عمل كخياطة، أو تشغيل ماكينة هذا إما زمن وإما عمل، "فاستوفي منه" يعني: أخذ حقه كاملاً من هذا الأجير في الواقع يمد يدًا قصيرة، لاسيما وأنه في هذه الحال لا بينه له؛ لأنه لو كان له بينة لكانت حجته قوية ولم يمتنع المستأجر من منع الأجرة في الغالب، فلهذا كان الله تعالى خصم هذا الرجل.
والشاهد من هذا الحديث لباب الإجارة: الصنف الثالث: "رجل استأجر أجيرًا فاستوفي منه ولم يعطه أجره".
في هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: إثبات الحديث القدسي وهو الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، وسمي قدسيًا لقداسته؛ لأنه أعلى ربتة من الحديث النبوي، فكل ما رواه النبي صلى الله لعيه وسلم عن ربه فإنه يسمى حديثًا قدسيًا.
ومن فوائد الحديث: إثبات القول لله؛ لقوله: "قال الله"، وإثبات القول هو مذهب أهل السنة والجماعة، أي: أن الله يقول ويتكلم بما شاء ومتى شاء وكيف شاء.
ومن فوائده: إثبات المخاصمة بين الله تعالى وبين هؤلاء الثلاثة لقوله: "أنا خصمهم" إذا جعلنا الخصم من باب التخاصم، أما إذا جعلنا خصم بمعنى خاصم فإنه لا يكون هناك خصومة من الطرف الثاني، والحديث يحتمل أن يكون الله يخاصمهم ويتكلم معهم، ويقول: لماذا فعلتم، أو ما أشبه ذلك، ويحتمل ان ينزل العقوبة بدون مخاصمة؛ لأنهم مخصومون عند الله.
ومن فوائده: إثبات القيامة التي يكون فيها الجزاء.
ومن فوائد الحديث: عظم هذه الذنوب الثلاثة وأنها من كبائر الذنوب، ووجه كونها من كبائر الذنوب: أن فيها عقوبة معينة ووعيدًا.
ومن فوائد الحديث: وجوب الوفاء بالعهد؛ لأنه إذا كان الغدر به يستلزم خصم الله للإنسان كان ذلك دليلاً على وجوب الوفاء بالعهد، وقد دل عليه القرآن والسنة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من لم يوف بالعهد قد ارتكب صفة من صفات المنافقين.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 253)