عن نواهيه والاعتبار بمواعظه وقصصه والتأدب بآدابه وأخلاقه، وتبليغه إلى الناس كافة، فمن ثم كان النبي صلوات الله وسلامه عليه مرجع المسلمين في حفظ القرآن، وفهمه، والوقوف على أسراره، ومراميه.
حفظ الصحابة للقرآن:
وأما الصحابة رضوان الله عليهم فقد جعلوا القرآن في المحل الأول، يتنافسون في حفظ لفظه ويتسابقون في فهم معناه، وجعلوه مسلاتهم في فراغهم، ومتعبدهم في ليلهم، حتى لقد كان يسمع لهم بقراءته دوي كدوي النحل كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) [الذاريات:
17 - 18]؛ ولقد وصفهم واصف فقال: كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، وكان اعتمادهم في الحفظ على التلقي والسماع من الرسول، أو ممن تلقاه من الصحابة من الرسول، وما كانوا يعتمدون في حفظه على النقل من الصحف والسطور؛ لأن الاعتماد في حفظ القرآن على الصحف والمكتوب يفوت على القارئ ركنا مهما من أركان أداء القرآن الكريم على وجهه الصحيح، وهو «علم التجويد».
ومن خصائص هذه الأمة حفظها لكتاب ربها وهو القرآن ففي الحديث الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، قلت أي ربي إذن يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، فقال: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا، فابعث جندا أبعث مثلهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق ينفق عليك» (1).
فقد أخبر أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء وإنما محلّه القلوب كما جاء في وصف هذه الأمة «أناجيلهم في صدورهم» (2) بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب.
فلا عجب والحال كما سمعت أن حفظ القرآن جم غفير من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وأبوه، وغيرهم من المهاجرين، ومن الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو زيد، ومهما يكن من شيء فقد حفظ القرآن الكثيرون من الصحابة في عهد النبي؛ ولقد روي أنه قتل في يوم بئر معونة سبعون من القراء.
رواية مشكلة: ولكن يشكل على ما ذكرنا ما رواه البخاري في صحيحه (3) عن أنس بن مالك قال: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة، أبو الدرداء،--------------------------------------------
(1) الحديث بتمامه كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدي حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ينزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا، وإن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك … » الحديث (كتاب الجنة ونعيمها، وصفة أهلها- باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل (النار)، يثلغوا رأسي: يشدخوه ويشجوه كما يشج الخبز.
(2) المراد كتابهم المقدس وهو القرآن لأن المسلمين ليس لهم أناجيل، وإنما ذلك للنصارى، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره عن قتادة في قوله: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) [الأعراف:
154] قال موسى: رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلها أمتي!! قال: تلك أمة أحمد، قال: ربي إني أجد في الألواح نبي أمة هم الآخرون السابقون رب فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد، قال رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها، رب اجعلهم أمتي! قال تلك أمة أحمد، قال قتادة فذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد.
(3) كتاب فضائل القرآن- باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وأبو زيد هذا اسمه قيس بن السكن كما رواه ابن أبي داود بإسناد صحيح على شرط البخاري عن أنس:
«أنّ أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن، قال: وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار، أحد عمومتي، ومات ولم يدع عقبا ونحن ورثناه» (1) قال ابن أبي داود: قد مات قريبا من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فذهب علمه، وكان عقبيا بدريا.
والحق أن لا إشكال؛ لأن مراد أنس الحصر الإضافي لا الحقيقي حتى يشكل الأمر إذ لا يتم له الحصر الحقيقي إلا إذا كان أنس لقي كل الصحابة وسألهم واحدا واحدا حتى يتم له الاستقراء، وهذا أمر مستبعد في العادة، ويدل أيضا على أن أنسا لم يقصد القصر الحقيقي أنه سأله قتادة عمن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أربعة كلهم من الأنصار، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت من أبو زيد قال أحد عمومتي» رواه البخاري فقد ذكر في هذه الرواية «أبي بن كعب» بدل «أبي الدرداء» زد على هذا ما استفاض من أن الذين حفظوا القرآن على عهد الرسول كثيرون غير هؤلاء منهم الخلفاء الأربعة؛ ومما لا يرتاب فيه أن الصديق رضي الله عنه كان يحفظ القرآن جميعه في حياة الرسول لكثرة ملازمته له وحرصه على تلقف كل ما يصدر عنه، وفي الصحيح أنه بني له مسجدا وهو في مكة في فناء داره فكان يقرأ فيه القرآن على ما كان فيه من جهد وبلاء حتى لقد خاف المشركون على نسائهم وأبنائهم أن يفتتنوا بقراءته، ومنهم عبد الله بن مسعود، فقد كان أول من جهر بالقرآن بمكة، وأخذ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة.
وقد أجاب العلماء السابقون- أثابهم الله- على حديث أنس؛ فمن قائل:--------------------------------------------
(1) فتح الباري ج 9 ص 51 - 53 ط السلفية، الإتقان ج 1 ص 199 - 203 طبعة المشهد الحسيني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
1 - لم يجمع القرآن غير هؤلاء الأربعة تلقينا من الرسول، أما غيرهم فأخذوا بعضه بالتلقين وبعضه بالواسطة.
2 - ومن قائل: أن المراد بالجمع الكتابة.
3 - ومن قائل: لم يجمعه بجميع حروفه وقراءاته غير هؤلاء إلى غير ذلك من التأويلات.
4 - والحق ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في الفتح من أن ذلك بالنسبة إلى الخزرج دون الأوس فلا ينافي أن الكثيرين غيرهم من المهاجرين قد حفظوه قال الحافظ: وفي غالب هذه الاحتمالات تكلف؛ وقد ظهر لي احتمال آخر وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين من المهاجرين؛ لأنه قال ذلك في معرض المفاخرة بين الأوس والخزرج كما أخرجه ابن جرير بسنده عن أنس قال: «افتخر الحيان الأوس والخزرج فقال الأوس: منا أربعة: من اهتز له العرش، سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدّبر (1)، عاصم بن أبي ثابت (2) فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم (3).
وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقد أتم حفظه الألوف المؤلفة من الصحابة وبحسبك أن تعلم أن من قتل من القراء في موقعة اليمامة كانوا سبعمائة على ما قيل، وعن الصحابة حفظه الألوف المؤلفة من التابعين، وهكذا دواليك، تلقته طبقة عن طبقة بالحفظ والعناية والصيانة، حتى وصل إلينا القرآن الكريم، من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل، فكان تصديقا لقول الله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9).--------------------------------------------
(1) الدبر: جماعة النحل، والزنابير.
(2) هكذا جاء في الإتقان، والصحيح عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، انظر: الإصابة ج 2 ص 244.
(3) الإتقان ج 1 ص 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
الحافظات من النساء: ولم يكن حفظ القرآن خاصا بالرجال، بل قد شارك فيه النساء؛ منهن من كانت تحفظ بعضه، ومنهن من كانت تحفظه كله وذلك مثل عائشة وحفصة، وأم سلمة وأم ورقة، قال الإمام السيوطي: ظفرت بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك، فأخرج ابن سعد في «الطبقات» قال: أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله ابن الحارث- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، ويسميها الشهيدة،
وكانت قد جمعت القرآن-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا بدرا قالت له: «أتأذن لي، فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم، لعل الله يهدي لي شهادة، قال: «إن الله مهد لك شهادة» وكان رسول الله أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن فغمها غلام لها وجارية كانت قد دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر رضي الله عنه، فقال عمر: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «انطلقوا بنا نزور الشهيدة» (1) فأكرم بها من مسلمة حافظة.
جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن وإقرائه لأصحابه وحفظهم له، بل جمع إلى ذلك كتابته وتقييده في السطور، وكان للنبي كتّاب يكتبون الوحي؛ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبان وخالد ابنا سعيد وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب وغيرهم، فكان إذا نزل على النبي من الوحي شيء دعا بعض من يكتب فيأمره بكتابة ما نزل، وإرشاده إلى موضعه، وكيفية كتابته على حسب ما كان يرشده إليه أمين الوحي جبريل، روي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا» وروى أحمد وأصحاب السنن--------------------------------------------
(1) المرجع السابق ص 72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس عن عثمان بن عفان قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا».
وعن زيد بن ثابت قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع» قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولم تكن أدوات الكتابة ميسرة في ذلك الوقت، فلذلك كانوا يكتبونه على حسب ما تيسر لهم في الرقاع والعسب والأكتاف واللخاف والأقتاب (1) ونحوها، وقد كان القرآن كله مكتوبا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان مفرقا، وكانت كتابته بالأحرف السبعة التي نزل بها.
وأما الصحابة فقد كان بعضهم لا يكتب القرآن، اعتمادا على الحفظ وسيلان الأذهان، كما هو شأن العرب في حفظ شعرها ونثرها وأنسابها، وبعضهم كان يكتب ولكن كان مفرقا؛ وكان بعض الصحابة لا يقتصرون فيما يكتبونه على ما ثبت بالتواتر، بل كانوا يكتبون المنسوخ تلاوة وبعض تفسيرات وتأويلات لمعانيه، وذلك كما فعل ابن مسعود وأبي وغيرهما.
وخلاصة القول أن القرآن كله كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان مفرقا، وكذلك كتب بعض الصحابة القرآن أو ما تيسر لهم منه، وإن لم تبلغ كتابتهم في الوثوق مبلغ ما كتب بين يدي النبي، وقد أذن النبي لأصحابه في كتابة القرآن دون السنة، ففي صحيح مسلم: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» وطبعي أن المكتوب في هذا العهد لم يكن مرتب--------------------------------------------
(1) الرقاع جمع رقعة وقد تكون من جلد أو قماش أو ورق، العسب: جمع عسيب طرف الجريد العريض كانوا يكشطون الخوص ويكتبون فيه، والأكتاف جمع كتف وهي العظام العريضة من أكتاف الحيوان كالإبل والبقر والغنم، واللخاف بكسر اللام:
جمع لخفة بفتح فسكون، وهي الحجارة الرقيقة، والأقتاب: جمع قتب وهي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
السور والآيات ضرورة التفريق في العسب والأكتاف والرقاع (1) ونحوها، وليس معنى هذا أنهم كانوا يقرءونه غير مرتب الآيات- وحاشا- وإنما كانوا يقرءونه مرتب الآيات على حسب ما أوقفهم عليه الرسول، بإرشاد جبريل، عن رب العالمين وعلى ما هو عليه اليوم، والسبب الباعث على كتابته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
1 - معاضدة المكتوب للمحفوظ لتتوفر للقرآن كل عوامل الحفظ والبقاء، ولذا كان المعول عليه عند الجمع الحفظ والكتابة.
2 - تبليغ الوحي على الوجه الأكمل؛ لأن الاعتماد على حفظ الصحابة فحسب غير كاف؛ لأنهم عرضة للنسيان أو الموت، أما الكتابة فباقية لا تزول، وإنما لم يجمع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في مكان واحد لما يأتي:
1 - ما كان يترقبه النبي من تتابع نزول الوحي ونزول بعض آيات ناسخة لبعض أحكامه وألفاظه.
2 - ترتيب آيات القرآن وسوره لم يكن على حسب النزول بل كان حسب تناسب الآي وترابطها وقد تنزل الآية أو السورة بعد الآية أو السورة وتكون في ترتيب الكتابة قبلها، وذلك مثل آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر فإنها ناسخة لآية الاعتداد بحول، مع أن الأولى مكتوبة في المصاحف قبلها، وهي متأخرة في النزول عنها قطعا لوجوب تأخر الناسخ عن المنسوخ.
فلو كتب النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله في مكان واحد- والشأن كما ذكرنا- لكان عرضة للتغيير والإزالة والكشط والمحو، وقد تكون كتابته في موضع واحد متعذرة إن لم تكن مستحيلة في كتاب نزل منجما في بضع وعشرين سنة، فلما انقضى الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأمن النسخ، وعرف الترتيب ألهم الله سبحانه الخلفاء الراشدين، فقاموا بجمع القرآن في الصحف، كما حدث في عهد الصديق رضي الله عنه، وفي المصاحف كما حدث في عهد عثمان رضي الله عنه.--------------------------------------------
(1) أما ما كان مكتوبا في القطعة الواحدة فقد كان مرتب الآيات ولا ريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
وهكذا نرى أن كتابته مفرقا في العهد النبوي ضرورة لا محيص عنها.
جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه
لما تولى أبو بكر الصديق الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان أول عمل قام به محاربة أهل الردة والقضاء على هذه الفتنة، وبذلك أقام عمود الإسلام، وثبّت دعائمه بعد أن كادت تتقوض، ولما وقعت موقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة للهجرة استحر (1) القتل في الصحابة، ومات من حفاظ القرآن خلق كثير قيل خمسمائة (2)، وقيل سبعمائة، فخشي الفاروق عمر رضي الله عنه الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه أن يكثر القتل في القراء في بقية المواطن، وربما كان عندهم شيء من القرآن، فيضيع بموتهم، فأشار على أبي بكر أن يجمع القرآن في مكان واحد، وصحف مجموعة بدل وجوده مفرقا في العسب، واللخاف، والرقاع، وغيرها، فتردد أبو بكر أول الأمر، ولكن لم يزل به الفاروق حتى وافق، وثبت عنده أن جمع القرآن ليس من المحدثات، وأن قواعد الدين والشريعة تدعو إليه، فأرسل الصديق إلى زيد بن ثابت، وندبه للقيام بهذا العمل الجليل، فراجعهما، ولم يزالا به حتى ظهر له الحق واستبان له الرشد، وعلم أن الحق فيما أشارا به فجمعه بعد جهد جهيد.
وإليك ما رواه البخاري في صحيحه (3) بسنده عن زيد بن ثابت (4) قال:--------------------------------------------
(1) أي كثر.
(2) فضائل القرآن لابن كثير ص 12.
(3) صحيح البخاري- كتاب فضائل القرآن- باب جمع القرآن.
(4) هو الصحابي الجليل زيد بن ثابت بن الضحاك ينتهي نسبه إلى مالك بن النجار الأنصاري، الخزرجي، استصغر يوم بدر هو وبعض شباب الصحابة، ثم شهد أحدا وما بعدها، وكان من كتاب الوحي المعدودين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والظاهر أنه كان أكثر الكتاب تفرغا للكتابة، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم كتابة اليهود، فتعلمها في خمسة عشرة يوما كما في صحيح البخاري، وكان من علماء الصحابة، وأئمة الفتوى منهم، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أفرضكم زيد» رواه أحمد يعني أكثركم علما بعلم المواريث، قال فيه ابن سعد: كان زيد رأسا بالمدينة في القضاء، والفتوى، والقراءة، والفرائض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
أرسل إليّ أبو بكر مقتل (1) أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال: إن القتل استحر- اشتد- بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن يجمع القرآن فقلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر:
إنك رجل شاب، عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا: هو- والله- خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ … إلى آخر السورة.
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر في حياته ثم عند حفصة بنت عمر، وفي رواية أخرى مع خزيمة أو أبي خزيمة بالشك والأولى هي المعتمدة (2)، وقد أخرج ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة--------------------------------------------
وروى البغوي بإسناد صحيح عن خارجة بن زيد قال: كان عمر يستخلف زيد بن ثابت إذا سافر، فقلما يرجع إلا أقطعه حديقة من نخل، وكان من الراسخين في العلم ومن خصائصه أنه حضر العرضة الأخيرة للقرآن التي عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام، وهذا من أعظم المؤهلات التي أهلته لهذا العمل الكبير.
جمع القرآن في عهد الصديق، وعهد ذي النورين عثمان وكانت وفاته سنة اثنتين، أو ثلاث، أو خمس وأربعين وقيل غير ذلك فرضي الله عنه وأرضاه.
(1) اسم زمان، أي زمن قتال أهل اليمامة.
(2) أبو خزيمة الذي وجدت عنده آخر سورة التوبة غير خزيمة الذي وجدت عنده آية الأحزاب، فالأول هو أبو خزيمة بن أوس بن يزيد بن أصرم من بني النجار شهد بدرا وما بعدها وتوفي في خلافة عثمان، وأما الثاني فهو خزيمة بن ثابت بن الفاكه ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه، منقطع رجاله ثقات، وقد اختلف في المراد بالشاهدين، فقال الحافظ ابن حجر: المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة، وقال السخاوي: المراد بالشاهدين أنهما يشهدان أن ذلك مكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وكان غرضهم أن لا يكتب القرآن إلا من عين ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ، وبهذا تعلم أنهم بالغوا في التوثق في كتابة القرآن، فلم يقبلوه إلا من المصدرين معا، وهما الحفظ والكتابة، وعلى ذلك يحمل قول زيد في الحديث السابق، في الآيتين من آخر سورة التوبة، لم أجدهما إلا مع أبي خزيمة الأنصاري أن المراد أنه لم أجدهما مكتوبتين عند غيره ممن كانوا يكتبون الوحي وليس المراد أنه لم يكن يحفظهما غيره بل كان يحفظهما الكثيرون (1) ويتلونهما في الصلاة، ومنهم زيد بن ثابت نفسه.
السبب الباعث على الكتابة:
والسبب الباعث على كتابته في عهد أبي بكر، خوف ضياع شيء منه بموت الكثير من القراء والحفاظ في الحروب، وقد يكون عند أحدهم شيء من القرآن المكتوب يضيع بموته، وقد سمعت آنفا أن الاعتماد في الجمع كان على الحفظ والكتابة ولذلك كانت العناية بالغة بالصحف التي جمعت في عهد أبي بكر فكانت عنده حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة (2) حتى طلبها منها عثمان رضي الله عنه في الجمع الثالث.--------------------------------------------
ثعلبة يعرف بذي الشهادتين شهد بدرا وما بعدها، وقتل وهو مع علي بصفين (تفسير الخازن ج 1 ص 9، فتح الباري ج 8 ص 277 - 421، ج 9 ص 12 - 17 لعبد الرحمن محمد).
(1) وقد ثبت في الروايات أن عمر كان يحفظها وأن عثمان كان يحفظها أيضا وأن أبي بن كعب كان يحفظها (فتح الباري ج 9 ص 10) ولو لم يحفظها إلا هؤلاء الحفاظ الكبار الخمسة لكفى، فالواحد منهم في معيار العدالة والضبط والثقة يعتبر بألف.
(2) لأن أباها الفاروق كان أوصى بذلك، فهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحق من يرعى هذه الأمانة الغالية ولأنها كانت تحفظ القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
ما روي من جمع علي رضي الله عنه للقرآن:
ولا يعارض هذا ما أخرجه ابن أبي داود من طريق ابن سيرين قال: قال عليّ: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت أن لا آخذ عليّ ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعته، فقد قال الحافظ ابن حجر، هذا الأثر ضعيف لانقطاعه وبتقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في صدره وما تقدم من رواية عبد خير عنه أصحّ، فهو المعتمد، ومراد الحافظ برواية عبد خير ما أخرجه ابن أبي داود بسند حسن عن عبد خير قال: سمع عليّا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله.
أقول: وعلى فرض صحة ما روي عن سيدنا علي، وأن المراد بالجمع الكتابة لا يعارض الثابت المشهور من أن أبا بكر هو أول من جمع القرآن، إذ ليس في رواية ابن سيرين التصريح بالأولية بل الذي صحّ عن علي خلافها، وغاية ما تدل عليه أنه سارع إلى كتابة القرآن، فهو كغيره من الصحابة الذي عنوا بكتابة مصاحف لأنفسهم خاصة، ولم تكن لهذه المصاحف من الثقة بها والإجماع عليها، والقبول لها مثلما لمصحف أبي بكر، فجمع الصديق أبي بكر بهذه الاعتبارات يعتبر بحق أول جمع.
وقد امتاز الجمع في عهد أبي بكر بما يأتي:
1 - أنه اقتصر فيه على ما لم تنسخ تلاوته وجرده من كل ما ليس بقرآن.
2 - أنه لم يقبل فيه إلا ما أجمع الجميع على أنه قرآن وتواترت روايته، وأما ما روي عن زيد في آخر سورة براءة فقد علمت المراد منه.
3 - أنه كان مكتوبا بجميع الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
4 - أنه كان مرتب الآيات على الوضع الذي نقرؤه اليوم، ولم يكن مرتب السور، فكانت كل سورة مستقلة في الكتابة بنفسها في صحف، ثم جمعت هذه الصحف وشدت بعضها إلى بعض.
ومما ينبغي أن يعلم أن الجمع بهذه الدقة الفائقة والتثبت البالغ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
والاشتمال على هذه المميزات لم يكن لغير صحف أبي بكر رضي الله عنه فهي النسخة الأصلية الموثوق بها التي يجب الاعتماد عليها، نعم قد كانت هناك صحف ومصاحف لبعض الصحابة كتبوا فيها القرآن، إلا أنها لم تحظ بما حظيت به صحف أبي بكر من الدقة والميزات فبعض الصحابة كان يكتب المنسوخ، وما ثبت برواية الآحاد، وبعض تفسيرات وتأويلات لآية وبعض أدعية، ومأثورات فكن على ذكر من هذا فإنه سيفيدنا في إزالة إشكال بعض الروايات الواردة عن بعض أصحاب هذه المصاحف، والتي اتخذ منها بعض المارقين وسيلة للطعن في القرآن الكريم.
جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه
لما كان عهد عثمان رضي الله عنه، وتفرق الصحابة في البلدان وحمل كل منهم من القراءات ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون عند أحدهم من القراءات ما ليس عند غيره، اختلف الناس في القراءات، وصار كل قارئ ينتصر لقراءته، ويخطئ قراءة غيره وعظم الأمر، واشتد الخلاف، فأفزع ذلك عثمان رضي الله عنه، وخشي عواقب هذا الاختلاف السيئة في التقليل من الثقة بالقرآن الكريم وقراءاته الثابتة، وهو أساس عروة المسلمين، ورمز وحدتهم الكبرى. أخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف من طريق أبي قلابة قال: لما كان عهد عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بعضا؛ فبلغ ذلك عثمان فقال: أنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا!! وقد تحقق ظنه لما جاء حذيفة بن اليمان وأخبره بما وقع بين أهل الشام والعراق من الاختلاف في القراءة في غزوة أرمينية فهاله الأمر، وتشاور هو والصحابة فيما ينبغي، فرأى ورأوا معه أن يجمع الناس على مصحف
واحد، لا يتأتى فيه اختلاف، ولا تنازع، فأرسل إلى حفصة رضي الله عنها: أن أرسلي إلينا بالصحف التي كتبت في عهد أبي بكر ثم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
انتقلت بعد موته إلى عمر ثم بعد عمر إلى حفصة؛ لتكون أساسا في جمع القرآن جمعا يقلل من الاختلاف والتنازع.
ثم عهد عثمان إلى زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (1) وسعيد بن العاص (2) وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (3) أن ينسخوا الصحف في--------------------------------------------
(1) هو الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، الأسدي أبوه الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمته السيدة صفية، وأمه السيدة أسماء بنت الصديق، ذات النطاقين كما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بالمدينة، ولما ولد فرح المسلمون وكبّروا، لأن اليهود زعموا أنهم سحروا المهاجرين فلا يولد لهم أحد، ولما ولد جاءت به أمه إلى النبي فحنكه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه عبد الله، ودعا له بخير، وقد جاء إلى النبي وهو ابن سبع أو ثمان سنين، فبايع النبي، وكان أشبه الناس بجده الصديق، وهو أحد العبادلة الأربعة الذين اشتهروا بالعلم، ورواية الأحاديث، وعنوا بحفظ القرآن، وأحد شجعان العرب، وقد دانت له معظم الأقطار الإسلامية بعد موت يزيد بن معاوية، وولي الخلافة ثم قتل شهيدا أثناء حصار الحجاج له بمكة سنة ثلاث وسبعين.
وقد أهلته صفاته الخلقية، وخصائصه العلمية، ولا سيما بالقرآن أن يكون أحد الأربعة الذين كتبوا المصاحف في عهد سيدنا عثمان، فرضي الله عنه وأرضاه.
(2) هو الصحابي الجليل سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي، الأموي، أبو عثمان، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: له صحبة، وقال الحافظ ابن حجر: كان له يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين وقتل أبوه يوم بدر، قال ابن سعد: وعدوه لذلك في الصحابة، وحديثه عن عثمان وعائشة في صحيح مسلم، وكان من فصحاء قريش ولذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة المصاحف قالوا فيه: إن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص؛ لأنه كان أشبه الصحابة لهجة برسول الله، وقد ولي إمارة الكوفة، وغزا طبرستان ففتحها، وغزا جرجان، وكان حليما وقورا، مشهورا بالكرم والبر، وكان معاوية يقول: لكل قوم كريم، وكريمنا سعيد، وقد ولاه معاوية إمارة المدينة، مات بقصره بالعقيق سنة ثلاث وخمسين كما في الإصابة وفي الفتح، قال:
سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين فرضي الله عنه وأرضاه.
(3) هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي، قال ابن حبان:
ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه، ثم ذكره في ثقات التابعين، وما قيل من أنه كان ابن عشر في حياة النبي هو وهم، مات أبوه وهو يجاهد في الشام في طاعون عمواس، فتزوج سيدنا عمر أمه، فنشأ في حجره، وتزوج بنت سيدنا عثمان، وقد ذكره البغوي والطبراني في الصحابة، وذكره البخاري وأبو حاتم في التابعين، وكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
مصاحف وقال للرهط القرشيين إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش (1) فإنما نزل بلسانهم فقاموا بمهمتهم خير قيام وكتبوا المصاحف مرتبة السور على الوجه المعروف اليوم فلما انتهوا أرسل عثمان إلى كل مصر من الأمصار المشهورة بمصحف ليجتمع الناس في القراءة عليه، تلافيا لما حدث في ذلك الوقت من الاختلاف والتنازع، وأمر بما سواها من المصاحف أن يحرق، أو يخرق، وبذلك وفق الله عثمان والصحابة لهذا العمل الجليل، ثم رد الصحف إلى حفصة فبقيت عندها إلى أن توفيت، فأرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر عقب انصرافه من جنازتها أن يرسل إليه هذه الصحف فأرسلها إليه فأمر بها مروان فشققت، وفي رواية أنه أمر بها فغسلت، وفي رواية أخرى أنه حرقها (2) وقال: إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، وكانت وفاتها- رضي الله عنها عام واحد وأربعين، وقيل عاشت إلى سنة خمس وأربعين.
يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان رضي الله عنه وكان يغازي (3) أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان (4) مع أهل العراق، فأفزع حذيفة--------------------------------------------
من أشراف قريش وابنه أبو بكر أحد الفقهاء السبعة مات سنة ثلاث وأربعين، (الإصابة ج 1 ص 66).
(1) يريد إذا اختلفتم في رسم لفظ من ألفاظ القرآن فاكتبوه بالرسم الذي يوافق لغة قريش كما يدل على ذلك قصة اختلافهم في كتابة لفظ «التابوت».
(2) لا تنافي بين الروايات لجواز أن تكون غسلت أولا ثم شققت ثانيا ثم حرقت ثالثا.
(3) أي كان يجمع أهل الشام مع أهل العراق للغزو والفتوحات.
(4) أرمينية بكسر الهمزة- وتفتح- وسكون الراء وكسر الميم بعدها ياء مثناة خفيفة ساكنة ونون مكسورة، وياء خفيفة مفتوحة، وقد تثقل كما قال ياقوت وهو إقليم كبير يشتمل على بلدان كثيرة أكبرها أرمينية، وأذربيجان بفتح الهمزة وسكون الذال وفتح الراء وكسر الباء بعدها ياء مخففة ثم جيم مفتوحة ممدودة وهما إقليمان، وصارا يعرفان بالقوقاز، وهما الآن تحت الحكم الروسي الشيعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف فننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن أي في كتابته- فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في صحيفة أو مصحف أن يحرق (1). وكان ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين، وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن أرمينية فتحت فيه، وقد روي أن
زيد ابن ثابت قال: فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) فألحقناها بسورتها في المصحف (2)، كما روي أنهم اختلفوا في كتابة التابوت فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوة بالهاء وقال الرهط القرشيون إنما هو التابوت بالتاء فرجعوا إلى عثمان فقال: اكتبوه بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم (3).
جماعة آخرون معاونون:
وقد أخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين قال: جمع عثمان اثنى عشر رجلا من قريش والأمصار، منهم أبيّ بن كعب، وأرسل الرقعة--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري- كتاب فضائل القرآن- باب جمع القرآن.
(2) المرجع السابق.
(3) فتح الباري ج 11 ص 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
التي في بيت عمر، قال: فحدثني كثير بن أفلح، وكان ممن يكتب، قال: إذا اختلفوا في شيء أخروه، قال ابن سيرين: أظنه ليكتبوه على العرضة الأخيرة.
وممن عاون مع هؤلاء الأربعة بالكتابة أو الإملاء جماعة آخرون منهم: (1) كثير ابن أفلح كما تقدم (2) ومالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس من روايته، ومن رواية أبي قلابة عنه (3) وأبي بن كعب كما ذكرنا (4) وأنس بن مالك (5) وعبد الله بن عباس، وقع ذلك في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن ابن شهاب، فهؤلاء الخمسة إلى الأربعة السابقين صاروا تسعة، وهو ما وقف عليه الحافظ ابن حجر من أسماء الاثنى عشر رجلا الذين ذكرهم ابن أبي داود في كتاب «المصاحف» (فتح الباري ج 9 ص 19).
كتابة المصاحف مكرمة لسيدنا عثمان:
وقد كانت كتابة المصاحف على هذا الوضع الدقيق البالغ الغاية في التحري والضبط مكرمة من مكرمات ذي النورين عثمان، وما أكثرها.
وقد اتخذ بعض المغرضين من أمر عثمان بتحريق ما عدا المصاحف التي كتبها ووجّه بها إلى الآفاق ذريعة للطعن فيه، مع أنه لم يفعل ما فعل إلا بموافقة من الصحابة، ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب «الرد على من خالف مصحف عثمان» عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول:
يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان وقولكم حرّاق المصاحف، ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أيضا عن علي أنه قال: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان، وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح من طريق سويد بن غفلة عن علي وفي آخره قال أي عثمان: ما تقولون فقد بلغني إن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.
هل يجوز حرق كتب العلم ونحوها
وقد أخذ العلماء من أمر عثمان رضي الله عنه بتحريق الصحف والمصاحف الأخرى حين جمع القرآن في المصاحف المعتمدة جواز تحريق المصاحف البالية والكتب التي يذكر فيها اسم الله تعالى، وأن في ذلك إكراما لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وكان طاوس يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده وفيها بسم الله الرحمن الرحيم، وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة.
السبب الباعث على جمع عثمان:
وقد تبين مما ذكرنا أن السبب الباعث على جمع عثمان هو رفع الاختلاف والتنازع في القرآن، وقطع المراء فيه، وذلك بجمع الناس على القراءة بحرف واحد، وهو لغة قريش، وأما قبله فكانت الصحف مكتوبة بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وما تحتمله من قراءات، وقد وفق الله عثمان لهذا العمل الجليل الذي رفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة، فرضي الله عنه وأرضاه.
ويعجبني في هذا ما قاله الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهدوا من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات، على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصدّيق، وقد قال عليّ: لو وليت لعملت بالمصاحف الذي عمل بها عثمان (1).--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 60.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
ما امتاز به الجمع في عهد عثمان:
وقد امتاز الجمع في عهد عثمان بما يأتي:
1 - الاقتصار فيه على حرف واحد وهو حرف قريش.
2 - الاقتصار فيه على ما ثبت بالتواتر وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة، ولم يكتبوا ما ثبت بطريق الآحاد، ولا منسوخ التلاوة.
3 - ترتيب آياته وسوره على الوجه المعروف اليوم.
4 - تجريده من النقط والشكل ومن كل ما ليس بقرآن بخلاف ما كان مكتوبا عند بعض الصحابة فقد كان فيه بعض تأويلات وتفسيرات لبعض ألفاظه.
المصاحف التي وجه بها عثمان إلى الأمصار
المصاحف جمع مصحف بزنة اسم المفعول من أصحفه أي جمع فيه الصحف، والصحف جمع صحيفة، وهي القطعة من الجلد أو الورق يكتب فيها، هذا في اللغة، وأما في الاصطلاح فقد صار علما على ما جمع فيه القرآن الكريم؛ والظاهر أن التسمية بالمصحف معروفة من زمن الصديق؛ فقد روي أن أبا بكر استشار الناس بعد جمع القرآن، فقال بعضهم نسميه سفرا كما يسمي اليهود فكرهوه، وقال بعضهم نسميه إنجيلا فكرهوه، فقال بعضهم إن في الحبشة مثله يسمّى مصحفا، فارتضى أبو بكر ذلك، وسماه مصحفا (1) ولا ينافي هذا كون لفظ «مصحف» عربية الاستعمال، ومخرّجة على القواعد العربية، لجواز أن يكون مما توافقت فيه لغة العرب، ولغة الحبش ومقتضى هذه الرواية أن لفظ المصحف كان معروفا في زمن أبي بكر رضي الله عنه، إلا أن ما كتب في عهده اشتهر في الروايات وألسنة العلماء باسم الصحف، وما كتب في عهد عثمان رضي الله عنه اشتهر باسم المصحف، ولعل اشتهار التعبير عن المكتوب في عهد أبي بكر بالصحف؛ لأن ما كتب فيها كان مرتب الآيات دون السور، أو لعل--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
اشتهار تسمية المكتوب بالمصحف لم تكن إلا بعد زمن الصديق في عهد عثمان وإن كانت التسمية به معروفة من قبل.
عدد المصاحف العثمانية:
وقد اختلف في عدد المصاحف التي كتبت في عهد عثمان، ووجّه بها إلى الأمصار فقيل ستة، وقيل أكثر من ذلك، وقال القرطبي في تفسيره (1): قيل سبعة، وقيل أربعة، وهو الأكثر ووجه بها إلى الآفاق فوجه للعراق والشام ومصر بأمهات فاتخذها قراء الأمصار معتمد اختياراتهم ولم يخالف أحد منهم في مصحفه على النحو الذي بلغه وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم فذلك لأن كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه إذ كان عثمان كتب هذه المواضع في بعض النسخ ولم يكتبها في بعض إشعارا بأن كل ذلك صحيح وأن القراءة بكل منها جائزة، والذي ذكره الشاطبي أنها ثمانية؛ خمسة متفق عليها وثلاثة مختلف فيها، ومراده بالخمسة: الكوفي والبصري والشامي، والمدني العام والمدني الخاص الذي حبسه لنفسه وهو المسمى بالإمام (2)، وبالثلاثة: المكي ومصحف البحرين واليمن، وقيل إن مصر سيّر إليها بمصحف أيضا، والذي تميل إليه النفس أن يكون عثمان أرسل بمصحف إلى كل مصر من الأمصار الإسلامية المشهورة، لتكون مرجعا يرجع إليه عند الاختلاف.
الاعتماد في القرآن على التلقي الشفاهي لا على المكتوب:
ولما كان المعول عليه في تلقي القرآن هو الأخذ بالرواية والمشافهة لا--------------------------------------------
(1) ج 1 ص 54.
(2) من العلماء من يجعل «المصحف الإمام» خاصّا بالمصحف الذي احتفظ به عثمان لنفسه، وهو الموافق لما هنا، ومنهم من جعل المصحف الإمام عاما لجميع المصاحف التي كتبت بأمر عثمان، والتي وزعها على الأمصار، وأبقى منها واحدا لنفسه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
على المكتوب في المصاحف، فقد أمر أو أرسل سيدنا عثمان مع هذه المصاحف من يقرئ المسلمين بما فيها، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب المخزومي مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري وهكذا، وقد أجمع أهل كل مصر على ما في مصحفهم، وترك ما عداه، وبذلك زال الخلاف بين القراء، وتوحدت كلمة الأمة.
السبب في تعدد المصاحف:
والسبب في تعدد المصاحف أن عثمان والصحابة قصدوا كتابة المصاحف على ما وقع عليه الإجماع، ونقل متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم من القراءات فعدّدوا المصاحف لتكون مشتملة على جميع القراءات المتواترة؛ واختلاف المصاحف له حالتان:
1 - أن تحتمل صورة اللفظ خطا للقراءتين المختلفتين أو القراءات وفي هذه الحالة يكتب اللفظ في جميع المصاحف بصورة واحدة، تحتملها، ذلك مثل نُنْشِزُها بالزاي وننشرها بالراء، ومثل فتثبتوا بالثاء والباء وفَتَبَيَّنُوا بالتاء والباء، وهَيْتَ لَكَ فإنها كانت تكتب بصورة واحدة تحتمل القراءات ومن المعروف أن المصاحف كانت مجردة من الشكل والنقط.
2 - أن لا تكون صورة اللفظ خطا محتملة للقراءات المختلفة وحينئذ تكتب في بعض المصاحف بصورة وفي بعضها بصورة أخرى، وذلك مثل وَوَصَّى، وأوصى من قوله
تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة: 132]، فإنها في مصحف أهل المدينة وأوصى وفي مصحف أهل العراق وَوَصَّى، ومثل تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وتجري من تحتها الأنهار [التوبة: 100] في سورة التوبة، ومثل وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس:
35] وما عملت أيديهم إلى غير ذلك فإنها كتبت في بعض المصاحف بلفظ وفي بعضها بلفظ آخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)