من قراء الكوفة كحمزة والكسائي، ذهبوا إلى هذا، فقرءوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، نحو يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وهذا في غير الحقيقي.
أقول: ولست من هذا الذي ذكروه على ثلج، ولا اطمئنان، فالنص القرآني لا يجوز فيه الاجتهاد، ولا إبدال حرف منه بآخر، ولا كلمة بأخرى ولا يجوز التصرف في حروفه إلا في حدود ما تلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وتلقاه النبي عن رب العزة عن طريق جبريل. ومن شك في حرف أهو بالياء أم بالتاء، وأ هو بالتذكير أم بالتأنيث فليمسك عن قراءته، وليرجع إلى المصحف. أو إلى حافظ ليتأكد من النص القرآني، نعم: ما فيه قراءتان أو أكثر فله أن يقرأه بإحداهما. ولعل أثر ابن مسعود رضي الله عنه إن صح محمول على ما فيه أكثر من قراءة من هذا القبيل فيؤثر قراءة التذكير على التأنيث. لا أنه يقول ذلك ما دام يجوز لغة؛ لأن كثيرا مما جاز لغة لم يجز قراءة؛ وإنما القراءات في حدود المأثور. المنقول بالتواتر. وما من قراءة إلا ولها وجه في اللغة العربية.
15 - هل يجوز قطع القراءة لمكالمة أحد
يكره قطع القراءة لمكالمة أحد. وعلل ذلك الحليمي بأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره. وأيده البيهقي بما روي في الصحيح: «كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه»، ويكره أيضا الضحك والعبث. والنظر إلى ما يلهي فإن اضطر إلى مكالمة أحد. أو إلى أي عمل فليختم، فإذا فرغ تعوذ وبدأ من حيث انتهى.
16 - لا يجوز قراءة القرآن بالعجمية (1):
مطلقا سواء أحسن العربية أم لا، في الصلاة أم خارجها، وعن أبي حنيفة أنه يجوز مطلقا. وعن أبي يوسف ومحمد لمن لا يحسن العربية لكن في شارح البزدوي أن أبا حنيفة رجع عن ذلك، أقول: نعمّا صنع الإمام أبو حنيفة حينما رجع عن ذلك والرجوع إلى الحق فضيلة وهو اللائق بالإمام الجليل.--------------------------------------------
(1) العجمية كل ما عدا اللغة العربية التي نزل بها القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
ووجه المنع وعدم الجواز أنه يذهب إعجازه المقصود منه، والذي هو من أخص خصائص القرآن، والله سبحانه الذي وحد المسلمين تحت راية القرآن يجب أن تتوحد ألسنتهم بلغة القرآن، اللغة العربية الشريفة، ولو جوزنا ذلك لفات هذا الغرض الشريف.
وإلى المنع ذهب الإمام القفال من الشافعية، وكان يقول: إن القراءة بالفارسية لا تتصور؛ فقيل له: فإذا لا يقدر أحد أن يفسر القرآن!!
فقال: ليس كذلك؛ لأن المفسر يجوز أن يأتي ببعض مراد الله، ويعجز عن البعض، أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله تعالى؛ لأن الترجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها، وذلك غير ممكن، بخلاف التفسير.
أقول: وما ذكره القفال هو الحق، والذي يجب أن يفتى به؛ فالترجمة الحرفية للقرآن غير ممكنة، أما الترجمة التفسيرية، أو إن شئت الدقة فقل ترجمة تفسيره فهي ممكنة وجائزة.
17 - لا تجوز القراءة بالشاذ من القراءات
: وهو ما لم يصح سنده وذلك مثل القراءة الشاذة ملك يوم الدّين على أن ملك فعل ماض، ونصب يوم وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، لكن ذكر موهوب الجزري جوازها في غير الصلاة قياسا على جواز رواية الحديث بالمعنى.
أقول: وما قاله موهوب غير مسلم. والقياس على الرواية بالمعنى قياس مع الفارق، فإن اللفظ في القرآن ركن من أركانه، ولا يتحقق كونه قرآنا إلا به، ولا كذلك
الأحاديث، فإن لفظها ليس معجزا والمعول عليه فيها المعنى دون اللفظ، وإن كانت الرواية باللفظ أولى وأفضل عند الجمهور لمن يتيقن منه وحفظه.
[مراعاة ترتيب المصحف في القراءة]
18 - الأولى والأفضل أن يقرأ القارئ على ترتيب المصحف؛ لأن هذا الترتيب ارتضاه الصحابة والسلف الصالح- رضوان الله عليهم-:
قال في شرح المهذب: لأن ترتيبه لحكمة فلا يتركها إلا فيم ورد فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
الشرع كصلاة صبح يوم الجمعة بألم تنزيل يعني السجدة وهَلْ أَتى يعني سورة الإنسان، ونظائره، فلو فرق السور، أو عكسها جاز، ولكن قد ترك الأفضل.
وقال أيضا: أما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفق على منعه؛ لأنه يذهب بعض أنواع الإعجاز يعني التناسب البلاغي بين الآيات ويزيل حكمة الترتيب.
قال السيوطي: وفيه أثر: أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسا قال: ذاك منكوس القلب.
وأما خلط سورة بسورة فعد الحليمي تركه من الآداب لما أخرجه أبو عبيدة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة فقال: «يا بلال مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة» قال: خلطت الطيب بالطيب فقال: «اقرأ السورة على وجهها»، أو قال: «على نحوها»، مرسل صحيح، وهو عند أبي داود موصول عن أبي هريرة بدون آخره. وأخرجه أبو عبيدة من وجه آخر عن عمر بن عفرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «إذا قرأت السورة، فأنفذها» وقال:
حدثنا معاذ عن ابن عوف: قال: سألت ابن سيرين عن الرجل يقرأ من السورة آيتين ثم يدعها ويأخذ في غيرها قال: ليتق أحدكم أن يأثم إثما كبيرا وهو لا يشعر، وأخرج عن ابن مسعود قال: إذا ابتدأت في سورة فأردت أن تتحول منها إلى غيرها فتحول إلى قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد فإذا ابتدأت فيها فلا تتحول حتى تختمها. وأخرج عن ابن أبي الهزيل قال: كانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآية ويدعوا بعضها قال أبو عبيد: الأمر عندنا على قراءة الآيات المختلفة، كما أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلال، وكما أنكره ابن سيرين على من سأله.
وأما حديث عبد الله بن مسعود فوجهه عندي أن يبتدئ الرجل في السورة يريد إتمامها، ثم يبدو له في أخرى، فأما من ابتدأ القراءة وهو يريد التنقل من آية إلى آية، وترك التأليف لآي القرآن، فإنما يفعله من لا علم له؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
لأن الله لو شاء لأنزله على ذلك.
وقد نقل القاضي أبو بكر الإجماع على عدم جواز قراءة آية آية من كل سورة.
قال البيهقي: وأحسن ما يحتج به أن يقال: إن هذا التأليف لكتاب الله مأخوذ من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذه عن جبريل فالأولى للقارئ أن يقرأه على التأليف المنقول وقد قال ابن سيرين: تأليف الله خير من تأليفكم.
أقول: والتنقل من آية إلى أخرى ومن سورة إلى أخرى من غير داع يفعله بعض القراء اليوم وبعضهم قد يترك آية تخويف أو زجر ويقرأ ما بعدها، وبعضهم يترك آية السجدة ويستمر في القراءة، والبعض يبدأ حيث لا ينبغي البدء، أو يقف حيث لا يتم الكلام، ومن ذلك أن بعضهم إذا قرأ سورة مريم يبدأ بقوله تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) ويدع كهيعص ولا أدري لم هذا
ولعل فيما ذكرناه عن السلف وأهل العلم ما يكون فيه مدكر لهم ووازع يزعهم.
[استيفاء حروف القراءات]
19 - قال الحليمي: يسن استيفاء كل حرف- أي قراءة- أثبته قارئ ليكون قد أتى على جميع ما هو قرآن:
وقال ابن الصلاح والنووي: إذا ابتدأ بقراءة أحد من القراء فينبغي أن لا يزال على تلك القراءة ما دام الكلام مرتبطا، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أخرى، والأولى دوامه على الأولى في هذا المجلس.
وقال غيرهما بالمنع مطلقا يعني سواء أكان الكلام مرتبطا بعضه ببعض في المعنى أم لا، قال ابن الجزري: والصواب أن يقال إن كانت إحدى القراءتين منع ذلك منع تحريم؛ كمن يقرأ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ برفعهما أو نصبهما، أخذ رفع آدَمُ من قراءة غير ابن كثير وأخذ رفع كَلِماتٍ من قراءته (1)، ونحو ذلك مما لا يجوز في العربية واللغة.--------------------------------------------
(1) وأما نصبهما فأخذ نصب آدم من قراءة ابن كثير، ونصب كلمات من قراءة غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
وما لم يكن كذلك فرق فيه بين مقام الرواية، وغيرها، فإن كان على سبيل الرواية حرم أيضا؛ لأنه كذب في الرواية، وتخليط، وإن كان على سبيل التلاوة جاز.
أقول: ولعل في هذا زاجرا، وواعظا لبعض القراء الذين يذهبون جمال القرآن بذكر القراءات في اللفظة الواحدة من غير فصل بين قراءة وأخرى، ويريدون إظهار
المهارة في القراءات: وما هو- علم الله- من المهارة في شيء، وإنما هو إغراب وإشكال على السامعين، وعدم مراعاة لما يليق بالقرآن، والتأدب في قراءته.
[الاستماع للقرآن والإنصات إليه]
20 - يسن الاستماع لقراءة القرآن وترك الكلام والحديث مع الغير واللفظ عند القراءة، والأصل في ذلك قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) [الأعراف: 304].
وظاهر الأمر للوجوب، وإلى هذا ذهب بعض السلف والعلماء، والجمهور على أنه سنة وليس بواجب في غير الصلاة؛ وذلك لأن الآية نزلت في استماع المأموم عند قراءة الإمام؛ منهم من عمم ذلك في الجهرية والسرية، ومنهم من فرق بين السرية والجهرية، فأوجب القراءة في الأولى دون الثانية ومنهم من لم يفرق بينهما وأوجب القراءة فيهما، والمراد بالاستماع التأمل والتفكير فيه، ولما كان الاستماع قد يكون مع السكوت، وقد يكون مع النطق بكلام آخر لا يحول بين المتكلم وبين فهم ما يسمع عقب الله سبحانه ذلك بالأمر بالإنصات وهو عدم الكلام.
وكذلك الإنصات قد يكون مع الاستماع؛ أي: التدبر فيما يسمع والتفكر فيه، وقد يكون مع عدم الاستماع، كأن يكون مفكرا في أمر آخر فمن ثم جمع الله سبحانه وتعالى بينهما؛ لأن المراد الإنصات، مع التدبر والتفكر، فلا يغني أحدهما عن الآخر؛ وقيل المراد بالاستماع الإجابة والعمل، فعلى سامع القرآن أن ينصت؛ ثم يكون العلم والعمل.--------------------------------------------
وهو تلفيق لا يليق ولا يمكن توجيه هذا التلفيق لغة ونحوا أبدا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
ومهما يكن من شيء فالإصغاء والاستماع عند قراءة القرآن من الآداب التي ينبغي مراعاتها على كل مسلم تجاه القرآن الذي هو كلام الله.
وعسى أن يكون في هذا وازع يزع هؤلاء الذين يرفعون أصواتهم بألفاظ الاستحسان عند سماع القرآن كأنما يستمعون إلى مغن أو مغنية، والله يعلم أنهم لا يعون شيئا مما يسمعون، ومما يزيد الطين بلة أنهم يرفعون أصواتهم المنكرة في المساجد التي هي بيوت الله؛ فلا يراعون لبيوت الله حرمة، كما لا يراعون لكلامه حرمة.
21 - السجود عند قراءة آية سجدة.
يسن السجود عند قراءة آية من آيات السجدة في القرآن الكريم.
وإلى هذا ذهب الجمهور من العلماء على اختلاف بينهم في أعداد هذه الآيات التي يسجد عندها، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى وجوب السجود للتلاوة، والواجب عنده فوق السنة، ودون الفرض على ما هو اصطلاحه في هذا.
وآيات السجدة ذكرت في خمسة عشر موضعا وهي (1) في الأعراف، (2) والرعد، (3) والنحل، (4) والإسراء، (5) ومريم، (6، 7) وفي الحج سجدتان، (8) والفرقان، (9) والنمل، (10) والم تنزيل (11) ص، (12) وحم فصلت (13) والنجم، (14) وإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، (15) واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
وقد اختلفت أقوال العلماء في مواضع السجود من هذه المواضع، فذهب الإمام أحمد وآخرون إلى السجود في هذه المواضع الخمسة عشر وذهب الإمام أبو حنيفة وآخرون إلى السجود في أربعة عشر موضعا فعدها كلها إلا سجدة الحج الثانية؛ واعتبر سجدة ص من عزائم السجود.
وذهب الإمام الشافعي وطائفة إلى السجود في أربعة عشر موضعا أيضا غير أنه عد آيتي الحج وترك آية ص، وقالوا أنها سجدة شكر وليس من عزائم السجود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
وذهب الإمام مالك وآخرون إلى السجود في أحد عشر موضعا فأسقط سجدات المفصل- النجم، والانشقاق، واقرأ- وسجدة (ص)، ومواضع السجدات معروفة ومشار إليها في معظم المصاحف، إن لم يكن كلها، واختلفوا في موضع سجدة (حم فصلت)، فقال مالك وطائفة من السلف هي عقب قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وقال أبو حنيفة والشافعي- رحمهما الله- والجمهور إلى أنها عقب قوله تعالى: وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ وسجود التلاوة واجبا كان أم سنة- على القارئ، والمستمع له ويستحب أيضا للسامع الذي لا يسمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي (1).
22 - قال الإمام النووي:
الأوقات المختارة للقراءة أفضلها ما كان في الصلاة، ثم الليل ثم نصفه الأخير، وهي بين المغرب والعشاء محبوبة، وأفضل النهار بعد الصبح ولا تكره في شيء من الأوقات لمعنى فيه، وأما ما رواه ابن أبي داود عن معاذ بن رفاعة عن مشايخه أنهم كرهوا القراءة بعد العصر، وقالوا: هو دراسة يهود فغير مقبول، ولا أصل له، ونختار من الأيام يوم عرفة، ثم الجمعة، والاثنين، والخميس، ومن الأعشار العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، ومن الشهور رمضان، ونختار لابتدائه ليلة الجمعة، ونختمه ليلة الخميس، فقد روى ابن أبي داود عن عثمان بن عفان أنه كان يفعل ذلك، والأفضل، الختم أول النهار، أو أول الليل لما رواه الدارمي بسند حسن عن سعد بن أبي وقاص قال: «إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي»، قال في الإحياء: ويكون الختم أول النهار في ركعتي الفجر وأول الليل في ركعتي سنة المغرب، وعن ابن المبارك يستحب الختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار،--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم بشرح النووي ج 5 ص 74 - 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
وهي آراء على سبيل الاستحباب لا على سبيل الإلزام، ولا أدري ما وجه تفرقة ابن المبارك بين الشتاء والصيف، ويسن صوم يوم الختم، أخرجه ابن أبي داود عن جماعة من التابعين، ويستحب أن يحضر أهله وأصدقاؤه، أخرج الطبراني عن أنس أنه كان إذا ختم القرءان جمع أهله ودعا. وأخرج ابن ابي داود عن الحكم بن عتيبة قال: أرسل إليّ مجاهد، وعنده ابن ابي أمامة وقالا: إنا أرسلنا إليك، لأنا أردنا أن نختم القرآن، ويقول: عنده تنزل الرحمة.
23 - التكبير عند قراءة السور القصار من القرآن:
يستحب التكبير من الضحى إلى آخر القرآن، وهي قراءة المكيين، والدليل على هذا ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن خزيمة من طريق ابن أبي بزة قال: سمعت عكرمة بن سليمان قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله المكي فلما بلغت الضحى قال: كبر حتى تختم، فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك، وقال: قرأت على مجاهد فأمرني بذلك، وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبر ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب، فأمره بذلك، كذا أخرجناه موقوفا، ثم أخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن أبي بزة مرفوعا، وأخرجه من هذا الوجه- أعني المرفوع- الحاكم في مستدركه، وصححه، وله طرق كثيرة عن البزي وعن موسى بن هارون قال: قال لي البزي: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: إن تركت التكبير فقد تركت سنة من سنن نبيك، قال الحافظ عماد الدين بن كثير وهذا يقتضي تصحيحه للحديث.
وقد اختلفت وجهة العلماء في السر في هذا التكبير، فروى أبو العلاء الهمداني عن البزي، أن الأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انقطع عنه الوحي فقال المشركون: قلا محمدا ربّه، فنزلت سورة الضحى، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير: ولم يرد ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.
وقال الحليمي: نكتة التكبير التشبيه للقراءة بصوم رمضان، إذا أكمل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
عدته يكبر، فكذا هنا يكبر إذا أكمل عدة السورة، قال: وصفته أن يقف بعد كل سورة وقفة قصيرة، ويقول: «الله أكبر» وكذا قال سليم الرازي من الشافعية في تفسيره: يكبر بين كل سورتين تكبيرة، ولا يصل آخر السورة بالتكبير بل يفصل بينهما بسكتة، قال: ومن لا يكبر من القراء حجتهم أن في ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن، بأن يداوم عليه فيتوهم أنه منه. وكذلك اختلفوا في ابتدائه، أهو من أول الضحى، أم من آخرها، وفي انتهائه.
أهو أول سورة الناس أم آخرها، وفي وصله بأولها، أو آخرها وقطعه، والخلاف في الكل مبني على أصل، وهو: أهو لأول السورة أم لآخرها وفي لفظه. فقيل: «الله أكبر» وقيل: «لا إله إلا الله، والله أكبر» وسواء في التكبير في الصلاة، وخارجها، صرح به السخاوي وأبو شامة.
[يسن الدعاء عند الختم]
24 - يسن الدعاء عقب الختم وذلك لحديث الطبراني، وغيره عن العرباض بن سارية مرفوعا: «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة» وفي شعب الإيمان، من حديث أنس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وحمد الرب وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، واستغفر ربه، فقد طلب الخير مكانه».
[يسن إذا فرغ من ختمة أن يشرع في أخرى]
25 - يسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقب الختم؛ لحديث الترمذي وغيره مرفوعا: «أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل، الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما أحل ارتحل».
وأخرج الدارمي بسند حسن عن ابن عباس عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) افتتح من الحمد، ثم قرأ من البقرة إلى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ثم دعا بدعاء الختمة، ثم قام. وقد جرى عمل الناس أنهم إذا وصلوا إلى سورة الإخلاص كرروها ثلاثا وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه منع من تكريرها عند الختم.
أقول: ولعل وجهة نظر الإمام أن لا يظن ظان أنها نزلت هكذا مكررة وقال بعضهم: الحكمة فيه ما ورد أنها تعدل ثلث القرآن (1) رواه البخاري--------------------------------------------
(1) قيل في تعليل كونها تعدل ثلث القرآن أن القرآن عقائد وأحكام؛ ومواعظ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
فيحصل بذلك ختمة، فإن قيل: كان ينبغي أن تقرأ أربعا ليحصل له ختمتان قلنا: المقصود أن يكون على يقين من ختمة إما التي قرأها، وإما التي حصل على ثوابها بتكرار، قال السيوطي: وحاصل ذلك يرجع إلى جبر ما لعله حصل في القراءة من خلل وكما قاس الحليمي التكبير عند الختم على التكبير عند إكمال رمضان فينبغي أن يقاس تكرير سورة الإخلاص على إتباع رمضان بست من شوال.
26 - حكم التكسب بالقرآن:
يكره اتخاذ القرآن معيشة يتكسب بها أي: بقراءته أن لا يكون له عمل غيره أو بالتسول به كما يفعل بعض الناس، والدليل على هذا ما أخرجه الآجري من حديث عمران بن الحصين مرفوعا: «من قرأ القرآن، فليسأل الله به فإنه سيأتي قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به» وقد أخرج أبو عبيد، في فضائل القرآن عن أبي سعيد وصححه الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا القرآن، واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به ورجل يستأكل به (1) ورجل يقرأه لله» وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن شبل رفعه: «اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به» الحديث، وسنده قوي كما قال الحافظ، وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن مسعود: سيجيء زمان يسأل فيه بالقرآن فإذا سألوكم فلا تعطوهم (2) وروى البخاري في تاريخه الكبير بسند صالح حديث «من قرأ
القرآن عند ظالم ليرفع منه لعن بكل حرف عشر لعنات» وذلك لأنه يريد أن يصيب به دنيا من مال أو جاه أو زلفى.--------------------------------------------
وأخبار ورأس العقائد ما يتعلق بالله وتوحيده وصفاته وقد اشتملت السورة على هذا، وقيل معنى ذلك أن ثواب قراءتها يحصل للقارئ مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن، وقيل ثواب الثلث من غير تضعيف.
(1) أي: يطلب الأكل والمعيشة بقراءته.
(2) فتح الباري ج 10 ص 478.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
ومن ثم نرى أن قراءة القرآن بأجر كما يفعل بعض القارئين اليوم، أو للتسول به حرام، أما أخذ الأجر على تحفيظ القرآن وتعليمه للناس أو بيان ما فيه من عقاب وأحكام وحكم فهذا لا شيء فيه بل فاعله مأجور وذو منزلة عند الله وإن كان من لا يأخذ عليه أجرا أعظم أجرا وأعلى منزلة عند الله، وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (1)، رواه أيضا أصحاب السنن الأربعة.
وقد كان بعض السلف يكرهون أخذ الأجرة على إقراء القرآن، وتجويده وتعليم العلم، ولكن جمهور العلماء على جواز أخذ الأجرة على تعليم العلم والقراءة وسائر الوظائف الدينية كالإمامة والخطابة والوعظ والتذكير، لأنه لو لم يعطوا أجرا لتعطلت هذه الوظائف، ولما وجد من يقوم بها فيدرس العلم ويندر- إن لم ينعدم- العلماء، وحفظة القرآن.
[يكره أن يقول نسيت آية كذا]
27 - يكره أن يقول نسيت آية كذا، بل يقول أنسيتها؛ لأن الأولى تفيد التقصير في حق القرآن بخلاف الثانية فإنها لا تشعر بذلك، والأصل في ذلك ما رواه الشيخان في صحيحهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت (2) بل نسي» أي: بضم النون وتشديد السين المكسورة مبنيا للمجهول هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في الغريب بعد قوله: كيت وكيت ليس هو نسي ولكنه نسى، الأول بفتح النون، وتخفيف السين، والثاني بضم النون وتثقيل السين، هكذا قال الحافظ في الفتح، وذكر القرطبي أنه رواه بعض رواة مسلم مخففا وقال: رواية التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه--------------------------------------------
(1) أي: خير المعلمين من قام بتعليم القرآن وتعليمه لغيره؛ أو المراد تعلمه والفقه فيه كما كان الشأن في الصدر الأول للإسلام فإن لم يكن متفقها فيه فهو دون الأول، ويكون غيره خيرا منه، أو أن من مقدرة في الحديث أي: من خيركم، ولا بد في كل هؤلاء من مراعاة الإخلاص الذي هو أساس الخيرية.
(2) كناية عن الجمل الكثيرة، والحديث الطويل فهي مثل ذيت، وذيت وكذا وكذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
لتفريطه في معاهدته، واستذكاره، ومعنى التخفيف أن الرجل ترك غير ملتفت إليه، وهو كقوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ، أي تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة (1).
وقد بين الحافظ في الفتح أن النهي عن قول نسيت آية كذا وكذا ليس للزجر عن هذا اللفظ، بل للزجر عن أسباب تعاطي النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ، أقول: أي: أنه من قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب، وهو أسلوب معروف في اللغة العربية، قال الحافظ: ويحتمل أن ينزل المنع والإباحة على حالتين:
1 - فمن نشأ نسيانه عن اشتغال بأمر ديني كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال ديني، وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نسبة النسيان إلى نفسه كما ورد في الحديث الصحيح (2) ويكون النهي للتنزيه.
2 - ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي، ولا سيما إن كان محظورا امتنع عليه لتعاطي أسباب النسيان.
[اختلاف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن للميت]
28 - اختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن للميت، قال السيوطي:
الأئمة الثلاثة على وصول ثواب القراءة للميت، ومذهبنا- أي الشافعية- خلافه لقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: 39].
وإليك ما ذكره الإمام الآلوسي في تفسيره لهذه الآية فقد ذكر كلاما حسنا في هذا المقام قال: ويعلم من مجموع ما تقدم أن استدلال المعتزلة بالآية على أن العبد إذا جعل ثواب عمله أيّ عمل كان لغيره لا ينجعل، ويلغو جعله- غير تام (3).
وكذا استدلال الإمام الشافعي بها على أن ثواب القراءة لا تلحق--------------------------------------------
(1) فتح الباري ج 10 ص 456، 457.
(2) المرجع السابق ص 463.
(3) هذا خبر «أن استدلال … ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
الأموات، وهو مذهب الإمام مالك، بل قال الإمام ابن الهمام- هو من أئمة الحنفية- إن مالكا، والشافعي، لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة، بل غيرها كالصدقة والحج، وفي الأذكار للنووي عليه الرحمة- المشهور من مذهب الشافعي- رضي الله عنه وجماعة أنها لا تصل، وذهب أحمد بن حنبل، وجماعة من العلماء، ومن أصحاب الشافعي إلى أنها تصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه:
اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والظاهر أنه إذا قال ذلك ونحوه كوهبت ثواب ما قرأته لفلان بقلبه كفى، وعن بعضهم اشتراط نية النيابة أول القراءة.
قال الآلوسي: وفي القلب منه شيء ثم الظاهر أن ذلك إذا لم تكن القراءة بأجرة، أما إذا كانت بها كما يفعل الناس اليوم، فإنهم يعطون حفظة القرآن أجرة ليقرءوا لموتاهم؛ فيقرءون لتلك الأجرة فلا يصل ثوابها، إذ لا ثواب لها ليصل، لحرمة أخذ الأجرة على قراءة القرآن، وإن لم يحرم لتعليمه، كما حققه خاتمة الفقهاء المحققين الشيخ محمد الأمين ابن عابدين الدمشقي رحمه الله تعالى، قال: وفي الهداية من كتاب «الحج عن الغير» إطلاق صحة جعل الإنسان عمله لغيره، ولو صلاة، وصوما عند أهل السنة والجماعة، وفيه ما علمت مما مر آنفا، وقال الخفاجي هو- أن كلام صاحب الهداية- محتاج إلى التحرير، وتحريره أن محل الخلاف العبادة البدنية هل تقبل النيابة فتسقط عمن لزمته بفعل غيره سواء كان بإذنه أم لا بعد حياته، أم لا، فهذا وقع في الحج كما ورد في الأحاديث الصحيحة أما الصوم فلا، وما ورد في حديث «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وكذا غيره من العبادات فقال الطحاوي- هو من محدثي فقهاء الحنفية- إنه كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وليس الكلام في الفدية، وإطعام الطعام فإنه بدل، وكذا إهداء الثواب سواء أكان بعينه أو مثله، فإنه دعاء، وقبوله بفضل الله- عز وجل كالصدقة فاعرفه انتهى ما ذكره الآلوسي (1)، وفي هذا--------------------------------------------
(1) تفسير الآلوسي ج 27 ص 58 ط منير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
القدر كفاية في هذه المسألة التي يكثر فيها السؤال دائما.
والحق أنه لا خلاف في الدعاء والصدقة لورود الأحاديث الصحيحة الكثيرة فيهما، وكذلك الحج عند الجمهور وأما الصوم ففيه الخلاف وكذا الصلاة.
(حكم الاقتباس وما جرى مجراه)
ومن المسائل المهمة معرفة حكم الاقتباس من القرآن، وإليك خلاصة ما ذكره العلماء في هذا.
قال الإمام السيوطي في الإتقان: الاقتباس تضمين الشعر أو النثر بعض القرآن لا على أنه منه بأن لا يقال فيه: قال الله تعالى ونحوه، فإن ذلك حينئذ لا يكون اقتباسا، وقد اشتهر عن المالكية تحريمه، وتشديد النكير على فاعله، وأما أهل مذهبنا- يريد الشافعية- فلم يتعرض له الأقدمون، ولا أكثر المتأخرين مع شيوع الاقتباس في أعصارهم واستعمال الشعراء قديما وحديثا.
وقد تعرض له جماعة من المتأخرين؛ فسئل عنه الشيخ عز الدين بن عبد السلام فأجازه واستدل بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله في الصلاة وغيرها:
«وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين» (1) وقوله:
اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا اقض عني الدين، واغنني من الفقر (2).
وفي سياق كلام لأبي بكر الصديق- رضي الله عنه: «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» (3) وفي آخر حديث لابن عمر: قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (4).--------------------------------------------
(1) هو مقتبس من قوله تعالى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ … الآية [الأنعام: 79].
(2) هو مقتبس من قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً الآية 96 من سورة الأنعام.
(3) هو مقتبس من قوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الآية 227 الشعراء.
(4) هو مقتبس من قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الآية 21 الأحزاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
وهكذا كله يدل على جوازه في مقام المواعظ، والثناء على الله، والدعاء وفي النثر، ولا دلالة فيه على جوازه في الشعر، وبينهما فرق، فإن القاضي أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه في الشعر مكروه، وفي النثر جائز.
واستعمله أيضا في النثر الإمام القاضي عياض في مواضع من خطبة كتابه «الشفا».
وقال الشرف إسماعيل بن المقري اليمني صاحب مختصر الروضة، في شرح بديعته ما كان منه في الخطب، والمواعظ، ومدحه صلى الله عليه وسلم وآله، وصحبه، ولو في النظم فهو مقبول، وغيره مردود.
وينبغي أن يلحق بذلك مدح الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين والسلف الصالحين والعلماء العاملين.
وقال: في شرح «بديعته»: الاقتباس ثلاثة أقسام: مقبول، ومباح ومردود: فالأول: ما كان في الخطب، والمواعظ، والعهود.
والثاني: ما كان في الغزل، والرسائل، والقصص. والثالث: على ضربين أحدهما، ما نسبه الله إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقع على مطالعة فيها شكاية عماله فكتب «إن إلينا إيابهم ثم إنا علينا حسابهم» (1) [الغاشية: 25، 26].
والآخر: تضمين آية في معنى هزل ونعوذ بالله من ذلك كقوله أحد الشعراء:
أرخى إلى عشاقه طرفه … هيهات، هيهات لما توعدون (2)
وردفه ينطق من خلفه … لمثل هذا فليعمل العاملون (3)--------------------------------------------
(1) أخذ من قوله تعالى في آخر سورة الغاشية الآية 25، 26.
(2) أخذ هذا من قوله تعالى حكاية لكلام منكري البعث: هَيْهاتَ هَيْهاتَ [المؤمنون: 36].
(3) أخذ من هذا من قوله تعالى حكاية: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61) [الصافات:
61].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
قال السيوطي وهذا التقسيم حسن جدّا، وبه أقول، وأنا أيضا استحسنه جد الاستحسان، وبه أقول.
وقد ذكر الشيخ تاج الدين بن السبكي في طبقاته في ترجمة الإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي من كبار الشافعية، وأجلائهم أن من شعره قوله:
يا من عدى ثم اعتدى ثم اقترف … ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف
أبشر في قول الله في آية … إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (1)
ثم عقب فقال: استعمال مثل الأستاذ أبي منصور مثل هذا الاقتباس في شعره له فائدة فإنه جليل القدر، والناس ينهون عن هذا، وربما أدى بحث بعضهم إلى أنه لا يجوز، وقيل إن ذلك إنما يفعله الشعراء الذين هم في كل واد يهيمون ويثبون على الألفاظ وثبة من لا يبالي، وهذا هو الأستاذ أبو منصور من أئمة الدين، وقد فعل هذا، وأسند عنه هذين البيتين الأستاذ أبو القاسم بن عساكر.
قال الإمام السيوطي معقبا: ليس هذان البيتان من الاقتباس لتصريحه بقوله الله، وقد قدمنا أن ذلك خارج عنه.
وأما أخوه الشيخ بهاء الدين فقال في «عروس الأفراح»: الورع اجتناب ذلك كله، وأن ينزه عن مثله كلام الله ورسوله.
ثم قال السيوطي: رأيت استعمال الاقتباس لأئمة أجلاء منهم الإمام أبو القاسم الرافعي وأنشده في أماليه، ورواه عنه أئمة كبار.
الملك لله الذي عنت الوجو … هـ له، وذلت عنده الأرباب
متفرد بالملك والسلطان قد … خسر الذين تجاذبوه وخابوا
دعهم وزعم الملك يوم غرورهم … فسيعلمون غدا من الكذاب (2)--------------------------------------------
(1) هو مأخوذ من قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38].
(2) هو مأخوذ من وقوله تعالى: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) [القمر: 26].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
وروى البيهقي في شعب الإيمان عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي قال أنشدنا أحمد بن يزيد لنفسه:
سل الله من فضله، واتقه … فإن التقى خير ما نكتسب
ومن يتق الله ينع له … ويرزقه من حيث لا يحتسب (1)
وأنا أميل إلى عدم استعماله في الشعر، حتى لا يتوهم متوهم أن في القرآن شعرا، وإن كان فعله هؤلاء الأئمة الكبار.
وأختم هذا الفصل القيم الذي أمتعنا به الإمام السيوطي في إتقانه (2) بأن الكلمة من القرآن الكريم أو الآية يقتبسها المقتبس في كلامه مهما بلغ هذا الكلام من الفصاحة والبلاغة فتضفي على الكلام نورا وبهاء، وروعة وفخامة، وتكون متميزة عما قبلها وما بعدها تميز الدرة اليتيمة الثمينة بين حبات العقد، والجوهرة المتلألئة بين الحصى وحبات الرمل، وكالشمس إذا طلعت كسفت بقوة ضوئها ضوء النجوم والكواكب، وهذا سر من أسرار كتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه ولا تفنى أسراره.
ما يجري مجرى الاقتباس
ويقرب من الاقتباس شيئان:
أحدهما: قراءة القرآن يراد بها الكلام إجابة لسائل، أو ردا على متكلم، أو إفحاما لخصم، أو إشارة إلى ما يراد من معانيه، قال الإمام النووي في التبيان: ذكر ابن أبي داود في هذا اختلافا؛ فروى عن النخعي أنه كان يكره أن يتأول القرآن بشيء، يعرض من أمر الدنيا، وأخرج عن عمر بن الخطاب أنه قرأ في صلاة المغرب بمكة وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) ثم رفع صوته وقال: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ يريد بيان أن المراد به مكة.--------------------------------------------
(1) هو مأخوذ من قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3].
(2) ج 1 ص 113، 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
وأخرج حكيم بن سعد أن رجلا من المحكمة أتى عليّا، وهو في صلاة الصبح فقال: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (1) فأجابه في الصلاة: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60) (2).
وقال غيره: يكره ضرب الأمثال من القرآن صرح به من الشافعية العماد البيهقي تلميذ البغوي كما نقله ابن الصلاح في فوائد رحلته.
الثاني: التوجيه بالألفاظ القرآنية في الشعر وغيره، والتلويح بها في معانيها القرآنية، وهو جائز- كما قال السيوطي- بلا شك، قال: وروينا عن الشريف تقي الدين الحسيني أنه لما نظم قوله:
مجاز حقيقتها فاعبروا … ولا تعمروا هونوها تهن
وما حسن بيت له زخرف … تراه إذا زلزلت لم يكن
خشى أن يكون ارتكب حراما لاستعماله هذه الألفاظ القرآنية في الشعر فجاء إلى شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد يسأله عن ذلك، فأنشده إياهما، فقال له: قل وما حسن كهف .. فقال يا سيدي أفدتني، وأفتيتني.
خاتمة
[لا يجوز تعدى امثلة القرآن]
قال الزركشي في كتابه البرهان: لا يجوز تعدي أمثلة القرآن ولذلك أنكر على الحريري قوله: «فأدخلني بيتا أحرج من التابوت وأوهى من بيت العنكبوت». وأي معنى أبلغ من معنى أكده الله من ستة أوجه حيث قال: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ فأدخل إن، وبنى أفعل التفضيل وبناه من الوهن، وأضافه إلى الجمع، وعرف الجمع باللام وأتى في خبر إن باللام.
والإنكار على الحريرى غير متجه؛ فقد قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها والآية تحتمل معنيين أحدهما:--------------------------------------------
(1) هو من قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الآية 65 الزمر.
(2) هو من قوله تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60) الآية 60 من الروم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
فما فوقها في الحجم والمقدار، وثانيهما: فما فوقها أي في الخسة والقدر، يعني فما دونها في الحجم، ويؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المثل بما دون البعوضة، فقال: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء».
وبهذا انتهينا من هذه المسائل والفوائد التي لا يستغنى مسلم عن معرفتها والتأدب بها.
نسأل الله سبحانه أن يرزقنا الأدب معه ومع كتابه، ومع نبيه.
لا يجوز كتابة القرآن بغير الحروف العربية
كنت قد كتبت هذا العنوان ريثما أكتب تحته ما أريد ثم طبع العنوان ص 366 من غير شيء وها أنا ذا أستدرك ما فات، فأقول وبالله التوفيق:
من المجمع عليه أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير اللغة العربية لا في الصلاة ولا في خارجها؛ لأن الله أنزله قرآنا عربيا قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: 2]، وقال: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: 3] وقال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) [الشعراء: 193 - 195] ولم يقل قرآنا أعجميا، وركنا القرآن اللفظ والمعنى معا فإذا قرأ بغير العربية لا يسمى قرآنا.
وما روي عن الإمام الأعظم أبي حنيفة أنه جوز القرآن بالفارسية في الصلاة للعاجزين عن العربية قد نقل بعض المحققين من أتباعه أنه رجع عنه (1) وبذلك صار الأمر إجماعا من الفقهاء والقرآن كما ذكرت في مقدمة الكتاب هو الذي وحد بين المسلمين في اللسان كما وحد بينهم في العقيدة والشريعة، وبفضل القرآن كان المسلمون على اختلاف أجناسهم ولغاتهم يتكلمون اللغة العربية من المحيط إلى المحيط بل من الفرس، والرومان وغيرهم من أجاد اللغة العربية إجادة العرب الخلص لها، ومؤلفاتهم التي لا--------------------------------------------
(1) حدث الأحداث في الإسلام الإقدام على ترجمة القرآن ص 6 ط الثانية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
يحصيها العد أكبر دليل على هذا وهذا أمر لم يكن لغير القرآن، وهو سر من أسرار الإعجاز والبيان وصدق الله تعالى في قوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) (1).
وكما لا يجوز قراءة القرآن بغير اللفظ العربي المبين الذي نزل به، لا يجوز بالإجماع كتابته بغير الحروف العربية، لا باللاتينية، ولا بغيرها من اللغات، لأن القرآن عربي في لفظه وعربي في حروفه وكتابته، ورسم القرآن كما رجحنا سابقا توقيفي وسنة متبعة لا تجوز مخالفته، والصحابة رضوان الله عليهم لما كتبوا المصاحف لم يكتبوها إلا بالحروف العربية، وهذا إجماع لا تجوز مخالفته ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما كاتب الملوك والأمراء بعد صلح الحديبية كاتبهم باللغة العربية (2)، حتى فيما ليس بقرآن فإذا كان هذا في غير القرآن فما بالك بالقرآن ونصوص الكتب مدونة في كتب السير والحديث والتاريخ ولم أقف على كتاب منها كتب بغير اللغة العربية، والحروف العربية ومن ادعى خلاف ذلك فعليه البيان.
فالدعوة إلى كتابة القرآن الكريم بالحروف اللاتينية أو بغيرها دعوة آثمة ملحدة هدامة تدعو إلى فصم العروة الوثقى التي تربط بين المسلمين جميعا عربا، وغير عرب، وهي القرآن ولغة القرآن.
وكما أن اللغة العربية شعار الإسلام والمسلمين، فكذلك الحروف العربية شعارهم ومن منذ نصف قرن قام بعض المصريين وغيرهم يدعون إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، ولكن الله قيض لهم من المخلصين من علماء هذه الأمة من قبرها في مهدها، ورد كيد أهلها في نحورهم، وباءوا بغضب من الله والناس.
إننا لو جوزنا هذا في كتابة القرآن الكريم لفتح باب شر مستطير،--------------------------------------------
(1) سورة القمر وقد تكررت فيها أربعة مرات.
(2) انظر صورة كتاب رسول الله إلى المقوقس عظيم الروم في كتاب الوسيط في الأدب العربي ص 122 ط أولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)