حول كتابة القرآن ورسمه، وكل ما استندوا إليه يرجع إما إلى روايات باطلة نسبت إلى السلف الصالح كذبا وزورا، وقد تنبه العلماء إليها من قديم الزمان، وإما إلى اعتراضات (1) أوردها المؤلفون في تفسير القرآن وعلومه وأجابوا عنها بما يقنع ويشفي، فجاء هؤلاء القسس الذين تستروا تحت اسم «المستشرقين» فاطلعوا على هذه الروايات والاعتراضات فطاروا بها فرحا، وهولوا ما شاء لهم هواهم أن يهولوا، وظنوا أنهم وصلوا إلى ما يريدون من تشكيك المسلمين في أقدس مقدساتهم وهو القرآن الكريم.
وقد قيض الله لهذه الشبه من علماء المسلمين من زيفها وبين بطلانها، وسترى بعد إيرادنا هذه الشبه والرد عليها أنها سراب لا حقيقة له، وأنهم طعنوا في غير مطعن، وطاروا في غير مطار.
الشبهة الأولى:
قالوا: روي عن عثمان- رضي الله عنه أنه حين عرض عليه المصحف قال: أحسنتم وأجملتم إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها. وروي عن عكرمة أنه قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها، أو قال ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف. قالوا: فكيف تكون المصاحف العثمانية مع هذا موضع إجماع من الصحابة وثقة من المسلمين بل كيف يكون رسم المصحف توقيفيا، وهذا هو عثمان يقول إن فيه لحنا.
والجواب:
1 - إن هاتين الروايتين ضعيفتا الإسناد، وإن فيهما اضطرابا وانقطاعا يذهب بالثقة بهما، كما قال الإمام السخاوي في الرواية الثانية، ونقله الإمام الآلوسي في تفسيره (2)، وعكرمة لم يسمع من عثمان أصلا وقد روي--------------------------------------------
(1) انظر مقدمتان في علوم القرآن ص 104 وما بعدها.
(2) جزء 6 ص 5 ط منير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
الأثر الثاني عن يحيى بن يعمر عن عثمان وهو أيضا لم يسمع من عثمان، وقد رد الرواية الأولى جماعة من العلماء كالإمام أبي بكر الباقلاني والحافظ أبي عمرو الداني وأبي القاسم الشاطبي والجعبري، وغيرهم، وغير خفي على المتأمل ما في الروايتين من اضطراب وتناقض، فإن قوله: أحسنتم وأجملتم مدح وثناء وقوله: إن فيه لحنا يشعر بالتقصير والتفريط، فكيف يصح في العقول أن يمدحهم على التقصير والتفريط!
وأيضا فالغرض من كتابة المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه على حرف قريش أن تكون مرجعا عاما يرجع إليه المسلمون عند الاختلاف في حروف القرآن وقراءاته، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكل تصحيحها إليهم، إن هذا إن صح فسيصل بنا إلى الدور المحال؛ إذ تكون صحة قراءتهم متوقفة على القراءة وفق المصاحف التي كتبها لهم عثمان، وصحة المصاحف وسلامتها من اللحن متوقفة على صحة قراءتهم، وهذا ما ننزه عنه أي عاقل فضلا عن عثمان رضي الله عنه.
2 - إن هذين الأثرين يخالفان ما كان عليه عثمان رضي الله عنه من حفظه القرآن، وملازمة قراءته، ومدارسته، حتى صار في ذلك ممن يؤخذ عنهم القرآن، وقد حرص غاية الحرص على إحاطة كتابة المصاحف بسياج قوي من المحافظة على القرآن أن يتطرق إليه لحن أو تحريف أو تبديل وجعل من نفسه حارسا أمينا على كتّاب المصاحف في عهده، والمرجع عند أي اختلاف في كيفية الرسم فقد قال للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش، وقد اختلفوا في التَّابُوتُ أيكتبونه بالتاء أم بالهاء ورفعوا الأمر إليه، فأمرهم أن يكتبوه بالتاء، فإذا كان هذا شأنه وشأنهم في حرف لا يتغير به المعنى، ولا يعتبر تحريفا ولا تبديلا لاستناده إلى الحروف التي نزل بها القرآن فكيف يعقل منه أن يرى في المصاحف لحنا ثم يقرهم عليه وإليك رواية أخرى تدل على مبلغ عنايته بالقرآن عند الكتابة.
أخرج أبو عبيد، عن عبد الرحمن بن هانئ مولى عثمان قال: كنت عند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها «لم يتسن» وفيها «لا تبديل للخلق» وفيها «فأمهل الكافرين» فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين وكتب لِخَلْقِ اللَّهِ ومحا «فأمهل» وكتب فَمَهِّلِ وكتب لَمْ يَتَسَنَّهْ فألحق فيها الهاء، فهل يصح في العقول ممن هذا شأنه أن يرى لحنا في المصاحف ثم يقرهم عليه، ويدعه للعرب تصلحه ومن أحق بإصلاح اللحن والخطأ منه، وهو من هو في حفظ القرآن والحفاظ عليه.
ولو جوزنا فرضا أن عثمان تساهل في إصلاح هذا أفيدعه جمهور المسلمين من المهاجرين والأنصار دون أن يصححوه وهم الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يقرون على الباطل، ولو صحت هذه المقالة عن عثمان لأنكروا عليه غاية الإنكار، ولو أنكروا لاستفاض ونقل إلينا وأنى هو ولقد كانوا يعترضون عليه وعلى غيره فيما دون هذا، فما بالك بأمر يتعلق بالقرآن الكريم الحق أن هذا لا يصدقه إلا من ألغى عقله.
3 - على فرض صحة هذين الأثرين فيمكن أن نؤولهما بما يتفق هو والصحيح المعروف عن عثمان في جمع القرآن، ونسخ المصاحف، وذلك بأن يحمل لفظ لحنا على معنى اللغة، ويكون المعنى أن في رسم القرآن وكتابته في المصاحف وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعا الآن، ولكنها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعا بالمرانة، وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه.
الشبهة الثانية:
قالوا: إن سعيد بن جبير كان يقرأ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ (1) [النساء: 162] ويقول هو من لحن الكتاب.--------------------------------------------
(1) هي من آية من سورة النساء (162) ونصها: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
والجواب:
إن هذه الرواية إن صحت فابن جبير لم يرد باللحن الخطأ وإنما أراد اللغة، وهو أحد معاني اللحن كما في القاموس، وغيره من كتب اللغة ولو كان يريد باللحن الخطأ لما قرأ به، وكيف يقرأ بحرف يرى أنه خطأ وقد قرئت هذه الكلمة بقراءتين سبعيتين؛ قرأ الجمهور بالنصب وقرأ غير الجمهور بالرفع والمقيمون الصلاة أما الرفع فظاهر، إذ هو معطوف على ما قبله، وأما النصب فوجهه النصب على المدح لبيان فضل الصلاة ومنزلتها من شرائع الدين، ولهذا الأسلوب شواهد كثيرة في لغة العرب، وقد عقد له سيبويه في الكتاب بابا فقال: «هذا باب ما ينتصب على التعظيم» ومما أنشده:
لا يبعدون قومي الذين هم … سم العفاة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك … والطيبون معاقد الأزر
وإليك ما قاله إمام من أئمة العربية، قال الزمخشري في تفسيره ج 1 ص 397 عند تفسير هذه الآية: ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف وربما التفت
إليه من لم ينظر في الكتاب (1) ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتتان وغبي (2) عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من يلحق بهم.
الشبهة الثالثة:
قالوا: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها إن الكتاب أخطأ، إنما هو «تستأذنوا» فهذا يدل على أن القرآن دخله بعض التحريف والتبديل بسبب الكتابة.--------------------------------------------
(1) مراده كتاب سيبويه وهو علم بالغلبة عند النحويين.
(2) أي: خفي عليه، ولم يفطن له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
والجواب:
1 - أن هذا القول غير صحيح في نسبته إلى ابن عباس وهو مدسوس عليه، دسه الملاحدة والزنادقة، قال أبو حيان ما نصه: إن من روى عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين، وابن عباس بريء من ذلك القول. وقال الزمخشري في تفسيره: «وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو حتى تستأذنوا فأخطأ الكاتب، ولا يعول على هذه الرواية. وقال القرطبي في تفسيره (1) بعد ذكر هذا عن ابن عباس أو سعيد ابن جبير وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيره، فإن مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان فهي التي لا يجوز خلافها، وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح عن ابن عباس: وقد قال عز وجل: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42). وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9)، وقد روى هذا الخبر عن ابن عباس ابن جرير، ولا يخلو إسناده من مدلس أو مضعف (2)، ورواه الحاكم وصححه، وتصحيح الحاكم غير معتبر عند أئمة الحديث، وقد تعقبه الإمام الذهبي في نحو مائة حديث موضوع ذكرها في كتابه المستدرك فضلا عن الضعيف والواهي.
2 - يؤيد رد هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ورد عنه تفسير تَسْتَأْنِسُوا بقوله: وتستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها، فثبوت هذا التفسير عنه يرد ما ألصق به، وقد روى هذا التفسير عنه ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن جرير وابن مردويه (3) ولعل الراوي عن ابن عباس وهم حيث فهم من تفسير الاستئناس بالاستئذان أنه الصواب،--------------------------------------------
(1) ج 12 ص 214.
(2) تفسير ابن كثير والبغوي ج 6 ص 91 هامش.
(3) تفسير الآلوسي ج 18 س 133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
فروى الخبر على ما ظن وهو واهم.
ويردها أيضا إجماع القراء السبعة على لفظ (تستأنسوا) ومن المستبعد جدّا أن يقرأ ابن عباس بقراءة يكون الإجماع على خلافها، ولا سيما وهو ممن أخذ القراءة عن زيد بن ثابت وهو عمدة الذين جمعوا القرآن في المصاحف بأمر عثمان رضي الله عنه، وما نقل عن ابن عباس وأبي أنهما كانا يقرءان (تستأذنوا) فمحمول على أنها قراءة تفسير وتوضيح، وأيضا فالقراءة المتواترة الثابتة تَسْتَأْنِسُوا متمكنة في باب الإعجاز من القراءة المزعومة (تستأذنوا). فالاستئذان ينصرف إلى الاستئذان بالقول، وأما الاستئناس فيشمل القول وغيره من الأفعال التي تؤذن بالقدوم كالتسبيح والتحميد والتنحنح وما شابه ذلك، هذا إلى ما تشير إليه القراءة المتواترة من أن يكون الاستئذان يقصد به الأنس وإزالة الوحشة، وعدم إيلام المستأذن عليه، ولا هكذا لفظ (تستأذنوا) فقد يكون الاستئذان مصحوبا بالخشونة، أو الإيحاش أو الإيلام، إلى غير ذلك من الأسرار والمعاني النبيلة التي تظهر لمن يمعن النظر في القرآن.
3 - إن صحت الرواية فيمكن أن تحمل على الخطأ في الاختيار من الكاتب ويكون ذلك على حسب ظن ابن عباس لا بحسب الواقع ونفس الأمر، قال ابن أشتة في كتاب (المصاحف): مراد ابن عباس الخطأ في الاختيار وترك ما هو أولى القراءتين بحسب ظنه. وتكون قراءة ابن عباس مما ترك بسبب جمع الناس على حرف واحد، وهو حرف قريش، فإنهم التزموا جمع ما ثبت بالتواتر دون ما روي آحادا وما ثبت نسخه.
4 - إن هذه الرواية على فرض صحتها رواية آحادية، والآحادي لا يعارض القطعي الثابت بالتواتر، ولا يثبت بها قرآن، ولا سيما وقد خالفت رسم المصحف، فما بالك وهي ضعيفة ومعارضة بروايات أخرى عن ابن عباس كما بينا!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
الشبهة الرابعة:
قالوا: روي عن ابن عباس أنه قرأ: «أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا» فقيل له: إنها في المصحف أفلم يايئس الّذين آمنوا الآية (1) فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، وهذا القول يقلل الثقة بكتابة القرآن ورسمه ويعود على القرآن ورسمه بالتحريف.
والجواب:
1 - أن هذا القول لم يصح عن ابن عباس، وأنه مختلق عليه قال الإمام الجليل أبو حيان في تفسيره: بل هو قول ملحد زنديق. وقال الآلوسي في تفسيره بعد نقل كلام أبي حيان: وعليه فرواية ذلك- كما في الدر المنثور- عن ابن عباس رضي الله عنهما غير صحيحة، وقال الزمخشري في تفسيره ج 1 ص 655 بعد حكاية هذا الزعم: وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتا بين دفتي الإمام (2) وكان متقلبا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله، المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصا عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، هذه والله فرية ما فيها مرية.
2 - مما يرد هذه الرواية أن القراءة الصحيحة المتواترة صحت عن ابن عباس فلو كان ما نسب إليه صحيحا لما قرأ بها، قال أبو بكر الأنباري (3):
روى عكرمة عن ابن أبي نجيح أنه قرأ «أفلم يتبين الذين آمنوا» وبها احتج--------------------------------------------
(1) سورة الرعد الآية (31) وكتابتها هكذا في الرسم العثماني بزيادة ألف بعد الياء الأولى.
(2) يريد بالإمام مصحف عثمان، وغيره من المصاحف التي كتبت بأمر عثمان ووزعت على الأمصار، ومن العلماء من يرى أن المراد بالمصحف الإمام هو المصحف الذي أبقاه عثمان لنفسه.
(3) تفسير القرطبي ج 9 ص 320.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
من زعم أنه الصواب في التلاوة، وهو باطل عن ابن عباس؛ لأن مجاهدا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو، وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأيضا لقد أخذ ابن عباس القرآن عن زيد بن ثابت فيمن أخذ عنهم، وزيد كان كاتب الوحي، وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن في عهد عثمان، فغير معقول أن يقرأ ابن عباس على خلاف قراءة زيد بن ثابت وما كتبه في المصاحف العثمانية.
وفي مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس أنه سأله عن قوله تعالى: أفلم يايئس الّذين آمنوا فقال ابن عباس: أفلم يعلم بلغة بني ملك، قال- أي نافع- وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت مالك بن عوف يقول:
لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه … وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا (1)
فلو كانت ثابتة- كما افترى عليه- لما فسرها؛ ولبين للسائل أنها خطأ، ولما استشهد لها بكلام العرب.
3 - على فرض صحة هذه الرواية فهي آحادية فلا تعارض القطعي الثابت بالتواتر، ولا يثبت بها القرآن ولا سيما وهي مخالفة لرسم المصحف.
الشبهة الخامسة:
قالوا: روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ إنما هي «ووصى ربك» التزقت الواو بالصاد، وقد ورد هذا الأثر بروايات مختلفة، وفي بعضها: «ولو كان قضاء من الرب لم يستطع أحد رد قضاء الرب، ولكنها وصية أوصى بها العباد». قالوا: وهذا يدل على وقوع تحريف في القرآن.
والجواب على ذلك
، نقول:
1 - إن هذه الروايات ضعيفة، ومدسوسة على ابن عباس ونقلها من نقلها--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
بدون تثبت وتحر قال ابن الأنباري: إن هذه الروايات ضعيفة، والضعف لا يحتج ولا يؤخذ به في دون هذا فما بالك في شيء يتعلق بالقرآن الكريم.
2 - إن ابن عباس رضي الله عنهما قد استفاض عنه أنه قرأ وَقَضى وذلك دليل على أن ما نسب إليه غير صحيح، قال الإمام أبو حيان في البحر المحيط: والمتواتر هو وَقَضى وهو المستفيض عن ابن عباس والحسن وقتادة بمعنى أمر، وقال ابن مسعود وأصحابه: بمعنى وصى، وأما ما روي عن ابن مسعود من أنه كان في مصحفه ووصى وأنه كان يقرأ به فمحمول على التفسير، ولم يكن مصحفه مصحف قرآن فحسب، وإنما مزجه بالتفسير والتأويل لبعض آياته، وذكر بعض الأدعية والمأثورات.
3 - ما استندوا إليه من أن اللفظ القرآني لو كان وَقَضى لما أشرك أحد غير لازم لمن تدبر وتأمل؛ لأن هذا الاعتراض إنما يتجه لو حملنا القضاء على التقدير الأزلي، فأما لو أريد به معناه اللغوي الذي هو البت والقطع فلا يتجه ولا يرد، ولذلك فسر الجمهور قضى بأمر، وهذا التفسير نفسه ثابت عن ابن عباس كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس أنه قال: أمر، وهذا يرد به ما نسب زورا إلى ابن عباس.
4 - إن هذه الروايات معارضة للمتواتر القطعي، وكل ما عارض القطعي فهو ساقط عن الاعتبار.
الشبهة السادسة:
قالوا: إن ابن عباس كان يقرأ: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا لّلمتّقين (48) [الأنبياء: 48] بدون الواو قبل ضِياءً ويقول: خذوا هذه الواو واجعلوها في
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
وروي عنه أنه قال: انزعوا هذه الواو واجعلوها في الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ونجيب على هذه الشبهة بما يأتي.
1 - إن ما روي عن ابن عباس ضعيف فلا يؤخذ به، ثم هو مخالف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
للقطعي الثابت بالتواتر، فهو مردود لا محالة.
2 - إن ذكر الواو في الآية هو الذي تقضي به البلاغة الفائقة، لا حذفها، سواء أفسر الفرقان بالتوراة أم فسر بالنصر، وقد روي هذا الثاني عن ابن عباس وغيره، ويشهد له قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فالمراد به يوم بدر؛ وبيان ذلك أما على الأول فيكون المراد بالفرقان والضياء والذكر التوراة، وهي فرقان؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل، وضياء لأنها تنير الطريق للسالكين، وهي ذكر لما فيها من التذكير والمواعظ، ومثل هذا الأسلوب يجوز أن يأتي بدون الواو على أنه حال، ويجوز أن يأتي بالواو وكلّ بليغ، ولكن الإتيان بها أبلغ تنزيلا لتغاير الصفة- والحال صفة في المعنى- منزلة تغاير الذوات، ولذلك سر بلاغي؛ وهو الإشارة إلى بلوغها درجة عالية في كونها ضياء، حتى أضحت كأنها جنسا مستقلا برأسه عن سابقه، وهذا السر لا يتم على حذف الواو، ومثل هذا من كلام العرب:
إلى المسلك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم
وأما على الثاني وهو تفسير الفرقان بالنصر فتكون الواو لازمة البتة لتغاير المعطوف والمعطوف عليه، ويكون المراد بالضياء التوراة أو الشريعة.
الشبهة السابعة:
قالوا: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [النور: 35] أنه قال: هي خطأ من الكاتب، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، إنما هي «مثل نور المؤمن كمشكاة».
[والجواب]
وللجواب على ذلك نقول:
1 - إن هذه الرواية معارضة للقطعي الثابت بالتواتر، فهي مردودة وباطلة ولا يثبت بها قرآن قط.
2 - إن هذه الرواية ضعيفة، وأغلب الظن أنها مختلقة عليه، وليس أدل على هذا من أنه قرأ بهذه القراءة المتواترة المعروفة، ولم ينقل عنه أنه قرأ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
«مثل نور المؤمن»، وأن المأثور عنه في تفسيرها لا يتفق هو وما نقل عنه؛ فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال: مثل نوره: مثل هداه في قلب المؤمن.
وهذا التفسير لا يتأتى إلا إذا عاد الضمير في نُورِهِ على لفظ الجلالة، وهو أرجح الروايتين عنه في مرجع الضمير، ولو سلمنا ما رواه الحاكم عنه من أن مرجع الضمير هو المؤمن فلا يلزم منه رد القراءة المتواترة؛ بل هو تفسير لمرجع الضمير فيها، وأيّا كان المروي عنه فلا يشهد لهذا الدس والاختلاق ويضعف هذه الرواية التي رواها الحاكم عنه أن رجوع الضمير إلى مذكور في الكلام إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه، أو كان ولكن دلالته عليه خفية خلاف الظاهر جدّا، ولا سيما إذا فات المقصود من الكلام على ذلك (1) وإنما تتم الروعة في التمثيل في الآية لو رجع الضمير إلى المذكور، وهو لفظ الجلالة، على أن يكون المراد بالنور الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، وصلح به أمر الناس، أو الهدى الذي غرسه الله في قلب المؤمن، وأما على الوجه الآخر ففيه تفكيك للقرآن وتفويت لروعة التمثيل.
ولو أن هذا الدس نقل عن أبي بن كعب لكان الأمر أهون إذ هو الذي نقل عنه أنه قرأ «مثل نور المؤمن» وفي رواية «مثل نور المؤمنين» وفي رواية «مثل نور من آمن» (2) وهي قراءات شاذة لا يعتد بها ولا يقرأ بها لمخالفتها لرسم المصحف، وعدم تواترها، ولكن شاء الله أن تتم الحبكة في نسج هذه الرواية المكذوبة على ابن عباس، وهكذا الباطل يكون في طيه ما يلقي أضواء على بطلانه.--------------------------------------------
(1) انظر تفسير الآلوسي ج 18 ص 165، 166.
(2) في هذا الاختلاف دلالة قوية على أن ما روي، عن أبي أنه قرأ به إنما مراده به التفسير، وإلا فيبعد أن تكون هذه كلها قراءات ثابتة بالتلقي والسماع، وهذه القراءات التفسيرية كثيرا ما ترد عن بعض الصحابة، والتابعين، فيظن من لا يعرف أنها قراءات تلاوة، والحق ما ذكرنا لك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
الشبهة الثامنة:
قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: لا تقولوا: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا [البقرة: 137] فإن الله تعالى ليس له مثل، ولكن قولوا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ وأنه كان يقرأ «فإن آمنوا بما آمنتم به» قالوا: فهذا ينفي القراءة المشهورة التي كتب بها المصحف، ويدل على أن المصحف قد حصل فيه تغيير.
والجواب:
1 - هذه الرواية آحادية مخالفة للقطعي الثابت بالتواتر؛ والذي أجمع عليه المسلمون من لدن الصحابة إلى وقتنا هذا، ومخالف القطعي مردود، ثم هي لا يثبت بها قرآن قط.
2 - على فرض ثبوت هذه الرواية، فتحمل على التفسير، وبيان المعنى للقراءة المتواترة، قال ابن عطية الإمام المفسر: هذا من ابن عباس على جهة التفسير، أي: هكذا فليتأول.
3 - إن القراءة المتواترة التي عليها عامة القراء لها وجوه صحيحة ومحامل تحمل عليها، فمنها:
أ- إن مَثَلُ زائدة للتأكيد، والمعنى فإن آمنوا بما آمنتم به، وذلك كما قيل في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
ب- إن معنى آمنوا صدقوا والباء زائدة للتوكيد كما زيدت في قوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ والمعنى: فإن صدقوا تصديقا مثل تصديقكم فقد اهتدوا، وزيادة بعض الحروف والكلمات للتوكيد مستفيض في لغة العرب.
الشبهة التاسعة:
قالوا: روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها سئلت عن قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: 63]، وعن قوله تعالى: إِنَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى الآية [المائدة: 69]، وعن قوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: 162]؛ فقالت: يا ابن أختي هذا خطأ من الكاتب.
والجواب:
1 - إن هذه الرواية غير صحيحة عن عائشة، وعلى فرض صحتها فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة ومردودة ولا التفات إلى تصحيح من صحح هذه الرواية وأمثالها فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي؛ كأن يكون مناقضا لنص القرآن، أو السنة، أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل؛ أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الروايات مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فهي باطلة لا محالة.
2 - وأما آية إِنْ هذانِ لَساحِرانِ فالذي نص عليه أئمة الرسم والقراءة أن هذن لم تكتب في المصحف العثماني بالألف ولا بالياء، وذلك ليحتمل وجوه القراءات المتواترة كلها، وهذا من أسرار الرسم العثماني، فنسبة الخطأ إلى الكاتب غير معقول، وإنما المعقول أن تخطئ السيدة عائشة رضي الله عنها من يقرأ إِنْ بتشديد النون، وهذان بالألف، وأما من يقرأ بتشديد النون في إِنْ والياء في هذين أو بتخفيف النون في إِنْ والألف في هذانِ فلا وجه في تخطئته، وهذا مما يلقي ضوءا على اختلاف هذه الروايات على عائشة وغيرها، وأنها من وضع الملاحدة، كي يشككوا المسلمين في كتابهم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد قرئ هذا الجزء من الآية القرآنية بقراءات سبعة متواترة، وهاك بيانها:
أ- قرأ أبو عمرو: إنّ هذين لسحران بتشديد النون في إِنْ والياء في هذين وهذه القراءة الثابتة قد سلمت من مخالفة المصحف، وجارية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
في الإعراب على المهيع المعروف الظاهر، فلا إشكال فيها أصلا.
ب- وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه إِنْ هذانِ بتخفيف النون في إِنْ والألف في هذانِ غير أن ابن كثير يشدد نون هذانِ وهذه القراءة أيضا سلمت من مخالفة الرسم العثماني، ومن مخالفة العربية وتخرّج على أن إِنْ هي المخففة، وهي مهملة وهذانِ مبتدأ ولَساحِرانِ خبره، واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر خبرها وقيل إن إِنْ نافية، واللام بمعنى إلا، والتقدير ما هذان إلا ساحران، ويشهد له قراءة أبي إن ذان إلا ساحران وهي قراءة تفسير وتوضيح.
ج- وقرأ الباقون إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بتشديد نون إن وبالألف في هذان، وهي موافقة للرسم، ولكنها مشكلة في الإعراب، وهذه القراءة هي التي زعم الزاعمون أنها خطأ ونسبوا ذلك زورا إلى السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذه القراءة لها وجوه صحيحة في العربية، وقد أفاض في بيانها العلماء، وأحسن هذه الوجوه وأجودها (1) أنها جارية على لغة بعض العرب في إلزام المثنى الألف في جميع حالته، وهي لغة لكنانة، ولبني الحارث بن كعب، والخثعم، وزبيد، ومراد وغيرهم، ولذلك شواهد كثيرة من مثل قول الشاعر العربي:
واها لسلمى ثم واها واها … يا ليت عيناها لنا وفاها
وموضع الخلخال من رجلاها … بثمن نرضي به أباها
إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
وقد اعتبر العلامة ابن هشام النحوي هذه القراءة أقيس إذ الأصل في--------------------------------------------
(1) من أراد استيعابا لما قاله العلماء في توجيه هذه القراءة من الآراء وشواهده في العربية فليرجع إلى تفسير القرطبي ج 11 ص 216، وما بعدها، وتفسير الآلوسي ج 16 ص 222 وما بعدها، ومقدمتان في علوم القرآن ص 109 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
المبني أن لا تختلف صيغته، مع أن فيها مناسبة لألف لَساحِرانِ.
3 - وأما عن آية وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فلا يصح ذلك عنها، قال الإمام أبو حيان في البحر المحيط ما نصه: وذكر عن عائشة رضي الله عنها، وعن أبان بن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ الكاتب، ولا يصح ذلك عنها، لأنهما عربيان فصيحان، وقطع النعوت أشهر في لسان العرب، وهو باب واسع ذكر عليه شواهد سيبويه وغيره، وعلى القطع خرج سيبويه ذلك، ولعلك على ذكر مما ذكرته آنفا عن الزمخشري في كشافه، في الرد على من طعن في هذه القراءة المتواترة.
4 - وأما قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) فله وجوه ومحامل صحيحة في العربية. وأحسن هذه الوجوه أن يكون وَالصَّابِئُونَ مقدم من تأخير، وخبر إن قوله مَنْ آمَنَ إلى إلخ، ويكون خبر وَالصَّابِئُونَ محذوف لدلالة خبر إن عليه، والتقدير: والصابئون والنصارى كذلك، ولعل السر في التقديم، وذكرهم بين طوائف أهل الأديان الدلالة على أن الصابئين مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها تقبل توبتهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح، فغيرهم من أهل الأديان أحرى وأولى ومثل هذا الاستعمال العربي قول الشاعر:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله … فإني- وقيار بها (1) - لغريب
أو يكون قوله: وَالصَّابِئُونَ وما عطف عليه استئناف آخر، والخبر من آمن إلخ، وقد أغنى هذا الخبر عن خبر إن، ومثل هذا الاستعمال قول الشاعر العربي:
نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راض والرأي مختلف
فقد حذف الخبر من الأول لدلالة الثاني عليه، أي نحن بما عندنا راضون.--------------------------------------------
(1) قيار: اسم حماره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
الشبهة العاشرة:
قالوا: كيف اعتمدتم المصحف وفيه من الخطأ الظاهر واللحن والاختلاط ما لا يكاد يخفى على من له علم بالعربية ومثلوا لذلك بما يأتي:
أ- قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: 177] والظاهر «والصابرون».
ب- قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء: 3]، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ [المائدة: 71] والظاهر أن يقول: (وأسرّ) (عمي) (صمّ).
ج- قوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون: 10] وكان الظاهر أن يقول «وأكون».
والجواب:
أن هذه مزاعم باطلة منشؤها الجهل بلغات العرب ومذاهبهم في الخطاب، وأساليبهم في البيان، وقد شاء الله سبحانه- وله الحكمة البالغة- أن يجيء القرآن الكريم- عدا اللغة القرشية السائدة فيه- مشتملا على بعض لغات العرب واستعمالاتهم سواء في ذلك الفصيح والأفصح ولذلك سر؛ ذلك أن القرآن هو كتاب العربية الأكبر، وجامعة العرب الكبرى، ومرجعهم الأوثق في معرفة أساليب العرب في البيان، ومذاهبهم في التعبير، فكان الأليق والأوفق أن يأتي مشتملا على المقبول السهل منها غير المستهجن والمستثقل، ليجد العرب فيه ما يرضي أذواقهم وملكاتهم، وإليك بيان وجه الحق فيما ذكر.
أ- أما قوله: وَالصَّابِرِينَ فهو منصوب على المدح يعني وأمدح الصابرين، وإنما غاير في الأسلوب، ولم يأت على نسق ما سبقه، تبيانا لفضيلة الصبر، وبيان منزلته من البر، فكأن الله سبحانه يبين لنا أنه وإن جاء في الذكر آخرا فهو بمكان من الفضيلة والمثوبة الحسنة. وقد قدمت عن أئمة اللغة والنحو ما للعرب من التفنن في النصب على الاختصاص، وغير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
خفي ما لتغير الأسلوب، والتفنن في الخطاب من أثر جليل من الناحية النفسية، لأنه يجذب الانتباه، ويوقظ الشعور، ويحمل العقول على التساؤل والبحث، فتتمكن المعاني في النفس فضل تمكن؛ فلله در التنزيل، فكم له من أسرار ولطائف.
ب- وأما قوله وَأَسَرُّوا ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا فهو وارد على بعض لغات العرب، وهي لغة: أكلوني البراغيث، ولها شواهد كثيرة في العربية، وهذه اللغة تخرج على أن اللواحق بالأفعال ليست ضمائر وإنما هي علامات على التثنية أو الجمع، وما بعدها هو الفاعل، أو أن تكون اللواحق هي الفاعل والظواهر بعدها بدل منها، أو فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، والتقدير في الآية مثلا: وأسروا النجوى أسرها الذين ظلموا.
ج- وأما قوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ففيها قراءتان سبعيتان: الأولى: وأكون بالنصب، وبها قرأ أبو عمرو، ووجهها ظاهر، الثانية: وَأَكُنْ بالجزم، وتخرج على أنها عطف على المعنى، فإن الكلام في معنى الشرط، فكأنه سبحانه قال: «إن أخرتني إلى أجل قريب أصدق وأكن» وهذا النوع يسميه النحويون العطف على التوهم، وهو باب معروف في العربية.
الشبهة الحادية عشرة:
ما رواه الإمام أحمد بسنده، عن إسماعيل المكي قال: حدثنا أبو خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقالت: مرحبا بأبي عاصم ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا فقال: أخشى أن أملك فقالت: ما كنت لتفعل، قال: جئت لأسألك عن آية من كتاب الله عز وجل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها؛
قالت: أية آية قال: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا أو «الذين يأتون ما أتوا» فقالت: أيتهما أحب إليك فقلت:
والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلى من الدنيا جميعا، أو الدنيا وما فيها.
قالت وما هي فقلت «الذين يأتون ما أتوا» فقالت: أشهد أن رسول الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرأها وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف، فهي توهم أن القراءة الأخرى غير ثابتة، وأن الرسم ليس بمجمع عليه.
والجواب:
1 - أن هذه الرواية في سندها إسماعيل المكي وهو ضعيف (1) فلا تعارض القطعي الثابت بالتواتر، ولا يثبت بها قرآن، حتى ولو كانت صحيحة.
2 - هذه الرواية على فرض صحتها لا تفيد إنكار القراءة الثابتة التي أجمع عليها السبعة، وهي: يُؤْتُونَ ما آتَوْا (2) وقولها: إن رسول الله كان يقرأ بها وكذلك أنزلت، لا ينافي أن تكون القراءة المتواترة منزلة، وقرأ بها النبي ولا سيما وهي المتواترة التي أجمع عليها القراء السبعة، وأما القراءة الأخرى التي وافقت السيدة عائشة السائل على استحسانها فهي غير متواترة ولا يثبت بها قرآن، وقد ذكرت في بعض كتب الحديث؛ ولكن لم يروها القراء من طرقهم (3) ولعلها مما نسخ من القراءات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو مما ترك عند جمع القرآن لعدم ثبوتها وتواترها، وأما قولها: إن الهجاء حرف فالمراد بالحرف اللغة أي: القراءة الثابتة لغة، ووجه من وجوه الأداء للقرآن، ولا يصح أن تريد من الحرف الخطأ والتحريف إذ اللغة لا تشهد له.
الشبهة الثانية عشرة:
قالوا: روي عن خارجة بن زيد أنه قال: قالوا لزيد: يا أبا سعيد أوهمت إنما هي: ثمانية أزواج من الضأن اثنين اثنين، ومن المعز اثنين اثنين، ومن الإبل اثنين اثنين، ومن البقر اثنين اثنين، فقال: لا، إن الله تعالى يقول: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (39) فهما زوجان كل واحد--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثيرة والبغوي ج 6 ص 26.
(2) القراءة المتواترة من الإتيان وهو الإعطاء، أي: يعطون ما أعطوا، وأما الثانية فمن الإتيان بمعنى الفعل أي: يفعلون ما يفعلون.
(3) تفسير الآلوسي ج 17 ص 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
منهما زوج، الذكر زوج، والأنثى زوج.
قالوا: فهذه تدل على تصرف النساخ في المصحف، واختيارهم ما شاءوا في كتابة القرآن.
والجواب:
إن هذه الرواية- على تسليم صحتها- لا تدل على ما زعموا وإنما هي بيان وتوجيه لما كتبه وقرأه، وثبت عنده سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم لا تصرفا من تلقاء نفسه، وقد فهم المستشكل أن الزوج لا يطلق إلا على الاثنين المتزاوجين فبين له سيدنا زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن الزوج كما يطلق على الاثنين المتزاوجين يطلق على كل واحد منهما أنه زوج، واستدل له بالقرآن الكريم الذي هو الحجة البالغة، وقد اقتنع السائل وسكت، والصحابة الذين كتبوا القرآن، والذين حملوه، وبلغوه لمن بعدهم كانوا الغاية في الضبط، والتثبت والأمانة الفائقة، وفي الذروة منهم زيد بن ثابت، الذي كان كاتب الوحي بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي حمل العبء الأكبر في جمع القرآن في عهد الصديق، وعهد عثمان رضي الله تعالى عنهما.
«رد عام»:
وهنا رد عام، يرد به على كل ما سبق من شبه، وهو أن العمدة في القرآن وحفظه هو التلقي، والسماع من النبي صلى الله عليه وسلم، أو ممن سمع منه أو سمع ممن سمع منه، وهكذا حتى وصل إلينا القرآن غضا كما أنزل ولم يكن يؤخذ القرآن من الصحف، أو المصاحف المكتوبة وإنما كان القصد من المكتوب معاضدة المحفوظ، والرجوع إليه عند الاختلاف في القراءة، أو الرسم، وأن الذين عزيت إليهم هذه الروايات، ولا سيما ابن عباس وتلامذته، قد قرءوا بالقراءات الثابتة المتواترة على خلاف ما نقل عنهم من الطعن فيها مما يدل على بطلان هذه الطعون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
وبعده:
فلعلك رأيت معي أن هذه الشبه وأمثالها أوهى من بيت العنكبوت فلا تلق إليها بالا، ولعلك ازددت يقينا بأن القرآن كما هو في المصاحف اليوم، هو هو ما أنزل على نبينا محمد، وأن كل ما يخالف هذا المتواتر القطعي فهو مردود باطل، وأن القرآن لا يثبت برواية آحادية، ولو بلغت أعلى درجات الصحة، فكن على ذكر من كل ذاك، ثبتنا الله وإياك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
(شكل القرآن)
الشكل: هو ما يدل على عوارض الحرف؛ من حركة وسكون، سواء أكان ذلك في أول الكلمة أو وسطها أو آخرها، قال في القاموس مادة شكل: والكتاب أعجمه كأشكله؛ كأنه أزال عنه الإشكال أي: وشكل الكتاب ولا شك أن ما يميز الحرف من جهة كونه متحركا أو ساكنا يزيل إبهامه، وإشكاله، فبين المعنى اللغوي والاصطلاحي مناسبة
ظاهرة.
وقد اتفق المؤرخون على أن العرب في عهدهم الأول لم يكونوا يعرفون الشكل بمعناه الاصطلاحي بل كانوا ينطقون بالألفاظ مضبوطة مشكولة بحسب سليقتهم وفطرتهم العربية من غير لحن، ولا غلط، لما كان متأصلا في نفوسهم من الفصاحة والبلاغة، واستقامة ألسنتهم على النطق بالألفاظ المؤلفة على حسب الوضع الصحيح من غير حاجة إلى معرفة القواعد، ولذا لما كتبت المصاحف في العهد الأول جردت من الشكل والنقط، اعتمادا على هذه السليقة، وعلى أن المعول عليه في القرآن هو التلقي والرواية، فلم يكن بهم حاجة إلى الشكل، فلما اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب بالعجم فسدت الفطرة العربية، ودخل اللحن في الكلام، وحدثت حوادث نبهت المسلمين إلى القيام بحفظ القرآن الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم من أن يتطرق إليه اللحن والخطأ، وكان قد ظهر في المسلمين من عرف أصول النحو وقواعده، وبرع في حفظ القرآن وقراءاته، أمثال أبي الأسود الدؤلي، ويحيى بن يعمر العدواني قاضي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)