وجوب إحياء الكتاتيب
مما ذكرت يتبين أن الكتاتيب كانت تؤدي خدمة عظمى في سبيل تحفيظ القرآن الكريم، ولم تكن فائدتها تقف عند حد تحفيظ القرآن فحسب، بل كانت من أعظم الوسائل في تعليم القراءة والكتابة؛ لأن التحفيظ فيها لم يكن عن طريق التشافه والحفظ في الصدور فحسب، وإنما كان عن طريق كتابة جزء من القرآن خمس آيات أو عشر آيات، أو عشرين آية في اللوح (1) كل على حسب استعداده، وعلى قدر طاقته، وطريقة الحفظ عن طريق الكتابة أولا ثم الحفظ لا تجعل الصبي ينسى شيئا من القرآن فيما بعد، ومن ثم نرى أن الكتاتيب كانت أيضا من أعظم وسائل إزالة الأمية، لأن الصبي لكي يكتب لوحه لا بد من تعلمه القراءة والكتابة أولا، وقد كانت الكتابة في اللوح تمرينا عمليا على إجادة القراءة والكتابة، وقد أجدت الكتابة في الكتاب من هذا الطريق ولله الحمد والمنة.
وكذلك كانت تعلم فيها مبادئ الدين الإسلامي، ولا أنسى قط درس الدين من يوم الخميس كل أسبوع يلقننا فيه الفقيه أو العريف (2) أركان الإسلام المذكورة في الحديث المشهور الصحيح «بني الإسلام على خمس».
ونسب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، وأبنائه وبناته، وفرائض الوضوء، وأركان الصلاة، والتشهد، ونحو ذلك، وكذلك كنا نتعلم فيها مبادئ الحساب، ولكن كان ذلك بقدر.
فلما أنشئت المدارس الأولية، ثم الإلزامية … بدأت الكتاتيب تضمحل شيئا فشيئا حتى أوشكت على الزوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأحب أن أقول إن جمعيات المحافظة على القرآن الكريم، وإن كانت منتشرة في طول البلاد وعرضها. إلا أنها- والحق يقال- لم تغن--------------------------------------------
(1) عبارة عن قطعة مستطيلة من الخشب أو نحوه مطلية بطلاء أبيض- يكتب فيها كل صبي ما يريد حفظه، فإذا حفظه- أزاله وكتب غيره وهكذا.
(2) الفقيه: وينطقها العامة الفقي هو رئيس الكتاب والعماد في تحفيظ القرآن.
والعريف- ومن معانيه في اللغة العربية رئيس الجماعة- هو مساعد الفقيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
غناء الكتاتيب في تحفيظ القرآن، لأن المنهاج المدرسي غلب عليها، وأصبح التحفيظ فيها عن طريق الحفظ في المصاحف، لا الكتابة في الألواح كما كان أسلوب التحفيظ في الكتاتيب، وتكاد تكون هذه الطريقة مندثرة اليوم في الديار المصرية بعد أن كانت هي المجلية والسابقة في هذا المضمار.
في البلاد السودانية
ومما يذكر بالاعتزاز والإكبار أن طريقة تحفيظ القرآن الكريم عن طريق الكتابة في الألواح والتصحيح على الفقيه، والعرض عليه مرارا، حتى يسمح له بالانتقال إلى كتابة جزء آخر من القرآن وحفظه، لا تزال في كثير من البلاد السودانية الشقيقة، ولا يزال كثير من إخواننا السودانيين يحتفظون بألواحهم للذكرى والتاريخ، ويعرضونها على الزائر لهم وهم في غاية الغبطة والسرور، ويعتبرون ذلك من المفاخر لهم.
وهناك كثيرون من أهل الصلاح والتقوى، والقرآن يجمعون المئات من الصبيان في كتاتيبهم التي يسمونها «دار القرآن الكريم» ويحفظونهم القرآن، ويتكفلون بهم طعاما، وسكنى، وكسوة، وقد زرت بعض هذه البيوت القرآنية وأنا بالجامعة الإسلامية بأم درمان أستاذا بها نسأل الله سبحانه أن تدوم هذه الكتاتيب القرآنية لتكون نارا محرقة لأعداء الله، وأعداء القرآن، ونورا يملأ قلوب حفاظ القرآن الكريم وطلابه، وأن يجزي القائمين عليها خير الجزاء، كفاء ما قدموه للقرآن.
أمل ورجاء
وقد كانت الديار المصرية زعيمة العالم الإسلامي في حفظ القرآن الكريم، وحذق قراءاته، وفي الكثرة الكاثرة من حفاظه وأهله، وكل ذلك كان بفضل الكتاتيب التي كانت تنتشر في كل مكان.
فهل يعمل القائمون على الشئون الدينية في الأزهر بكلياته ومعاهده، ومجمع البحوث الإسلامية. وفي وزارة الأوقاف. وفي المجلس الأعلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
للشئون الإسلامية على إحياء هذه الكتاتيب ولا سيما في القرى التي كانت ولا تزال المورد الأكبر لحفاظ القرآن الكريم؛ وعلى النهوض بجمعيات المحافظة على القرآن الكريم. والإكثار من دروس تحفيظ القرآن الكريم وإنصاف القائمين على التحفيظ بها، وسد حاجاتهم حتى يقوموا بمهمتهم خير قيام.
إن ما يؤسف له أن المدارس التي كان يعتبر حفظ القرآن أساسا لدخولها كمدارس المعلمين أصبحت لا تشترط ذلك، ولم يبق اشتراط الحفظ إلا في الأزهر الشريف بمعاهده، وكلياته على تساهل كبير في هذا؛ فبعد أن كان الطالب الأزهري لا يلتحق بالفرقة الأولى الابتدائية إلا بعد حفظ القرآن كله وتجويده، أصبح الآن يكتفى بما دون حفظه كله، وقد يكتفي بالربع. وقد يكتفى بالأجزاء الثلاثة الأخيرة في المصحف وهي مصيبة من أعظم المصائب؛ لأنها تمس أصل الدين الإسلامي. ومنبع الصراط المستقيم.
إن في أوقاف المسلمين- وما أكثرها- التي وقفت على إنشاء الكتاتيب وتحفيظ القرآن الكريم ما يقوم ماليا بما يحتاجه إنشاء هذه الكتاتيب، والنهوض بجمعيات المحافظة على القرآن حتى تؤدي رسالتها كاملة.
بل في خزانة الدولة في بلد إسلامي عريق، وأهله مسلمون ما يقوم بذلك وإن الإنفاق في مثل هذا لخير ألف مرة مما ينفق بغير حساب في بعض الأبواب الأخرى، التي لا تفيد الشعب بقدر ما تضره.
بل في أريحية الخيرين من أبناء هذا البلد الإسلامي العريق ما يقوم بذلك، ولو دعوا دعوة جادة صادقة إلى هذا المشروع القرآني العظيم للبّوا سراعا عن طيب نفس.
لقد كان من التشريعات الموفقة في التعليم جعل الدين مادة أساسية من مواد التعليم يترتب عليها نجاح الطالب أو سقوطه، ولكن التشريعات لا تثمر ثمرتها إلا بالعمل، والتطبيق والتنفيذ ثم إن القدر المقرر حفظه على الطالب من القرآن الكريم شيء قليل مع التساهل في حفظه، ولو جعل لتحفيظ القرآن حصص خاصة لكان أجدى وأنفع، ولو كلف التلميذ في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
الابتدائي والإعدادي والثانوي (1) بجزء من القرآن كل عام- وليس حفظ الجزء بالأمر المعجز- لوصل التلميذ إلى الكليات الجامعية والمعاهد العليا وقد حفظ قسطا كبيرا من القرآن ثم يتم الباقي في الجامعة.
وللإنصاف للتلاميذ أرى أنه لا بد لكي يمكن تحقيق ذلك أن يزاح عن كاهلهم بعض ما يكلفون به من علوم لا تفيد عشر معشار ما يفيده القرآن الكريم في بناء الأمة دينيا، ودنيويا، وخلقيا واجتماعيا.
ترى أيها القارئ المنصف لو أن هذا الاقتراح نفذ في الأقطار الإسلامية والعربية لأرضت ربها ورسولها، ولكانت الأمة الإسلامية بحق خير أمة أخرجت للناس، إنها لآمال وأماني فهل تتحقق؛ ذلك ما نرجو، وما ذلك على الله بعزيز.
مسائل في آداب تلاوة القرآن، وحفظته
لقد أفرد هذه الآداب بعض العلماء منهم الإمام النووي في كتابه «التبيان» وقد ذكر فيه وفي «شرح المهذب» وفي كتابه «الأذكار» جملة كبيرة منها:
وقد لخصها، وفصلها، وزاد عليها أضعافا مضاعفة الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن» (2).
وسأذكر في هذا الفصل خلاصة ما ذكره السيوطي، وربما زدت عليها زيادات وتعقبات وتوضيحات لما أجمل وإزالة إشكال ما يشكل، فأقول وبالله التوفيق:
1 - قراءة القرآن من أفضل القربات إلى الله
وأعظمها بركة، وأجلها نفعا، والقرآن الكريم هو الكتاب المتعبد بتلاوته، ويستحب الإكثار من قراءته، لأنه يرقق القلوب، ويشرح الصدور، ويزيل الهموم، ويكشف الغموم، وقد روي في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا--------------------------------------------
(1) مدة الابتدائي في جمهورية مصر العربية ست سنوات، والإعدادي ثلاثة والثانوي ثلاثة يعني اثني عشر جزءا.
(2) ج 1 ص 105 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار … »
وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، «يقول الرب سبحانه وتعالى من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» إلى غير ذلك من الأحاديث التي سقناها في الدواعي والأسباب الحاملة على حفظ القرآن.
وقد كان للسلف في قدر القراءة عادات، فأكثر ما ورد في كثرة القراءة من كان يختم في اليوم والليلة ثمان ختمات أربعا في الليل وأربعا في النهار ويليه من كان يختم
في اليوم والليلة أربعا، ويليه ثلاثا (1)، ويليه ختمتين، ويليه ختمة، وقد ذمت السيدة عائشة ذلك؛ فأخرج ابن أبي داود، عن مسلم بن مخراق قال: قلت لعائشة إن رجالا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثة، فقالت: قرءوا أو لم يقرءوا، كنت أقوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلة التمام فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب، ولا بآية فيها تخويف إلا دعا، واستعاذ.
ويلى ذلك من كان يختم في ليلتين، ويليه من كان يختم في كل ثلاث وهو حسن، وكره جماعات الختم في أقل من ذلك لما روى أبو داود والترمذي وصححه من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» وأخرج ابن أبي داود، وسعيد بن منصور، عن ابن مسعود موقوفا عليه قال: «اقرءوا القرآن في سبع ولا تقرءوه في أقل من ثلاث».
وأخرج أبو عبيد، عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.
ويليه من ختم في أربع، ثم في خمس، ثم في ست، ثم في سبع، وهذا أوسط الأمور وأحسنها؛ وهو فعل الأكثرين من الصحابة وغيرهم،--------------------------------------------
(1) لعل المراد بذلك إمراره بذلك على القلب واستعراضه في الذهن، أما النطق بالألفاظ ولو على سبيل الإسراع فغير ممكن أن يحدث هذا العدد من الختمات في اليوم والليلة حتى ولو لم ينم، فما بالك لو أنه قرأه بتؤدة وتمهل ونام ولو جزءا قليلا من الليل أو النهار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ القرآن في شهر»، قلت: إني أجد قوة، قال: «اقرأه في عشر» قلت: إني أجد قوة قال: «اقرأه في سبع ولا تزد (1) على ذلك» (2) وفي بعض الروايات مراجعات منه للنبي فيما كان يشير به عليه حتى انتهى الأمر إلى السبع، قال الحافظ في الفتح: وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم كما أن الأمر ليس على الوجوب.
وفي الصحيح أيضا أنه ندم على ذلك لما كبر وقال: فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أني كبرت، وضعفت.
ويلي ذلك من ختم في ثمان، ثم في عشر، ثم في شهر، ثم في شهرين أخرج ابن أبي داود، عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: من قرأ القرآن في كل سنة مرتين فقد أدى حقه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض القرآن على جبريل في السنة التي قبض فيها مرتين، أقول: ولكن عرض القرآن على جبريل لا ينافي أنه كان يقرأه وحده من غير عرض.
وكره بعض العلماء تأخير ختمه أكثر من أربعين يوما بلا عذر، نص على ذلك الإمام أحمد؛ لأن عبد الله بن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم في كم تختم القرآن قال: «في أربعين يوما» رواه أبو داود.
أقول: وليس في الحديث ما يدل على كراهة الختم في أكثر من أربعين والعبارة ليست حاصرة حتى يكون ما عداها ليس من سنته، وغاية ما يدل عليه أن ذلك كان حالة من حالاته، أو أنه كان الغالب منها.
ويعجبني في هذا ما قاله الإمام النووي في «الأذكار» أن ذلك يختلف--------------------------------------------
(1) أي: لا تنقص عن ذلك فالمراد بالزيادة بطريق التدلي أي: لا يقرؤه في أقل من سبع.
(2) صحيح البخاري- كتاب فضائل القرآن- باب في كم يقرأ القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ، وكذلك من كان مشغولا بنشر العلم، أو فصل الحكومات، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، ولا فوات كماله وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة (1) في القراءة، وهو تفصيل حسن.
[2 - نسيانه كبيرة]
2 - نسيانه كما قلنا سابقا كبيرة صرح بذلك الإمام النووي في «الروضة» وغيرها للحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها» وروي أيضا: «من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم» وفي الصحيحين مرفوعا: «تعاهدوا القرآن، فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها».
[استحباب الوضوء لقراءته]
3 - يستحب الوضوء لقراءة القرآن؛ لأنه أفضل الأذكار؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يذكر الله إلا على طهر، كما ثبت في الحديث.
قال إمام الحرمين: ولا تكره القراءة للمحدث؛ لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث، قال في شرح المهذب: وإذا كان يقرأ فعرضت له ريح أمسك عن القراءة حتى يستتم خروجها.
وأما الجنب، والحائض والنفساء فتحرم عليهم القراءة نعم يجوز لهم النظر وإمراره على القلب، وأما متنجس الفم فتكره له القراءة، وقيل:
تحرم كمس المصحف باليد النجسة، وأما مس المصحف بغير حائل فيحرم على الجنب، والحائض والنفساء، وأما حملهم له في حقيبة أو كيس من غير ملامسة فجوزه الجمهور سلفا وخلفا، وشذ بعض العلماء فأجاز مسه للجنب والحائض، وطعن في الأحاديث الواردة في ذلك بأنها لم يصح منها شيء وقد رد عليه بعض الأئمة بأن أكثرها صحاح: فمن ذلك ما رواه--------------------------------------------
(1) الإسراع إلى حد عدم تبيين مخارج الحروف، وعدم مراعاة قواعد تجويد قراءته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
الدارقطني بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» ومنها قصة فاطمة بنت الخطاب مع أخيها عمر في طلبه منها الصحيفة التي فيها قرآن، فأبت وقالت له: إنك نجس ولا يمسه إلا المطهرون … رواها الدارقطني وأصحاب السير (1).
[مسنونية قراءته فى مكان طاهر]
4 - تسن القراءة في مكان نظيف، وأفضله المسجد، وكره قوم القراءة في الحمام والطريق، قال النووي: ومذهبنا لا تكره فيهما، قال: وكرهها الشعبي في الحش (2)، وبيت الرحا وهي تدور قال: وهو مقتضى مذهبنا.
ولعل مراد الشعبي بالكراهة، الكراهة التحريمية، وأحر بها أن تكون في الحش محرمة.
[استحباب استقبال القبلة حين قراءته]
5 - يستحب لقارئ القرآن أن يجلس مستقبلا القبلة، متخشعا، متحليا بالسكينة والوقار، مطرقا رأسه كما هو شأن الخاشع المتذلل بين يدي ربه.
كما يسن أن يستاك تعظيما للقرآن الكريم وتطهيرا لفمه؛ لأنه وسيلة النطق به، والمعبر الذي تخرج منه، وقد روى ابن ماجة عن عليّ موقوفا، والبزار بسند جيد عنه، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك» قال السيوطي: لو قطع القراءة، وعاد من قرب فمقتضى استحباب التعوذ، إعادة السواك أيضا.
[سنية التعوذ قبل القراءة]
6 - يسن التعوذ قبل القراءة، قال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) أي: أردت قراءته، وشذ البعض فذهب إلى أنه يتعوذ بعدها لظاهر الآية وذهب، قوم إلى وجوبها لظاهر الأمر، قال الإمام النووي: فلو مر على قوم سلم عليهم، وعاد إلى القراءة، فإن أعاد التعوذ كان حسنا.
وصفته المختارة «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وكان جماعة من السلف يزيدون السميع العليم، وعن حمزة القارئ: أستعيذ ونستعيذ--------------------------------------------
(1) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج 3 ص 85، 89.
(2) الحشّ: مكان قضاء الحاجة؛ فلذلك نزه القرآن عن أن يقرأ فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
واستعذت، واختاره صاحب الهداية من الحنفية لمطابقة لفظ القرآن.
وعن حميد بن قيس: أعوذ بالله القادر من الشيطان الغادر، وعن أبي السمال: أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي، وعن قوم أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، وعن آخرين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم، وفيها ألفاظ أخر … قال الحلواني في جامعه:
ليس للاستعاذة حد ينتهى إليه، من شاء زاد، ومن شاء نقص.
وفي النشر لابن الجزري: المختار عند أئمة القراءة، الجهر بها، وقيل يسر مطلقا، وقيل: فيما عدا الفاتحة، قال: وقد أطلقوا اختيار الجهر بها، وقيده أبو شامة بقيد لا بد منه، وهو أن يكون بحضرة من يسمعه؛ قال: لأن الجهر بالتعوذ إظهار شعار القراءة كالجهر بالتلبية، وتكبيرات العيدين أقول: والشيء إذا صار شعارا من شعارات الإسلام، فالأفضل إعلانه ومن فوائد الجهر أن السامع ينصت للقراءة من أولها لا يفوته منها شيء، وإذا أخفى التعوذ لم يعلم السامع بها إلا بعد أن فاته من المقروء شيء، وهذا هو الفارق بين القراءة في الصلاة وخارجها.
واختلف المتأخرون في المراد بإخفائها، فالجمهور على أن المراد به الإسرار فلا بد من التلفظ، وإسماع نفسه، وقيل: الكتمان بأن يذكرها بقلبه بلا تلفظ.
وإذا قطع القراءة إعراضا: أو لكلام أجنبي، ولو برد السلام، استأنفها، فإن كان يتعلق بالقراءة فلا، قال ابن الجزري: وهل هي سنة كفاية أو عين حتى لو قرأ جماعة جملة فهل يكفي استعاذة واحد منهم كالتسمية على الأكل أو لا؛ لم أر فيه نصا، والظاهر الثاني، لأن المقصود اعتصام القارئ، والتجاؤه إلى الله واعتصامه به من شر الشيطان، فلا يكون تعوذ واحد كافيا عن آخر.
أقول: إن ظاهر الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أن التسمية على الأكل سنة عين، وإنما ذهب إلى أنها سنّة كفاية الإمام الشافعي. قال الإمام النووي في الأذكار: وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فلو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
سمى واحد منهم أجزأ عن الباقين، نص عليه الشافعي- رضي الله عنه وقد ذكرته عن جماعة في كتاب الطبقات في ترجمة الإمام الشافعي، وهو شبيه برد السلام، وتشميت العاطس (1) فإنه يجزي فيه قول أحد الجماعة (2).
والذي يظهر لي أن تشبيهه بالسلام والتشميت غير ظاهر، ولا مسلم؛ لأن المقصود يحصل بدعاء واحد، أما التسمية ففائدتها تعوذ على المسمي لله، فلا يكتفي بتسمية غيره عنه، وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في الاستعاذة، فلا يكفي فيها استعاذة غيره.
7 - قراءة البسملة
: على القارئ أن يحافظ على قراءة البسملة، أول كل سورة غير براءة؛ لأن أكثر العلماء على أنها آية، فإذا أخل بها كان تاركا لبعض الختمة عند الأكثرين، فإن قرأ من أثناء سورة استحب له أيضا، نص عليه الشافعي فيما نقله العبادي، قال الفراء ويتأكد عند قراءة نحو: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ … لما في ذكر ذلك بعد الاستعاذة من البشاعة، وإيهام رجوع الضمير إلى الشيطان قال ابن الجزري: والابتداء بالآي وسط براءة قل من تعرض له، وقد صرح بالبسملة فيه أبو الحسن السخاوي، ورد عليه الجعبري.
8 - هل تحتاج قراءة القرآن إلى نية
لا تحتاج قراءة القرآن إلى نية كسائر الأذكار، إلا إذا نذرها خارج الصلاة فلا بد من نية النذر أو الفرض، ولو عين الزمان، فلو تركها لم تجز، نقله القمولي في الجواهر.
9 - ترتيل القرآن:
الترتيل تبيين حروف القرآن عند القراءة، والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها، وقد روى الطبري بسند صحيح عن مجاهد في قوله--------------------------------------------
(1) إزالة الشماتة عنه بقوله: يرحمك الله.
(2) الأذكار للنووي ص 102 ط دار الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ قال: بعضه في أثر بعض على تؤدة، وعن قتادة: بينه بيانا (1).
ويسن الترتيل في قراءة القرآن لقوله سبحانه: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4]، وقوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106) [الإسراء: 106] أي: على تؤدة وتمهل.
وروى أبو داود وغيره عن أم سلمة أنها نعتت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم قراءة مفسرة: حرفا حرفا، وروى البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: كانت مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلا قال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة فقال: هذا كهذّ الشّعر (2) إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم (3).
وأخرج الآجري في «حملة القرآن» عن ابن مسعود: «لا تنثروه نثر الدقل (4) ولا تهذوه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة».
وأخرج من حديث ابن عمر مرفوعا يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق في الدرجات، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية--------------------------------------------
(1) فتح الباري ج 10 ص 465 ط الحلبي.
(2) الهذ: هو الإسراع المفرط بحيث يخفي كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها وهو المكروه أما الإسراع في القراءة من غير وصول إلى حد الهذ فلا شيء فيه.
(3) صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن- باب الترتيل في القراءة، والمراد بآل حم السور التي بدئت بحم. أو المراد بآل حم نفسها كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود أي: داود نفسه.
(4) الدقل- بفتح الدال والقاف-: أردأ التمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
كنت تقرؤها.
قال في شرح المهذب: واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع، قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزءين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل، قالوا: واستحباب الترتيل للتدبر؛ لأنه أقرب إلى الإجلال، والتوقير، وأشد تأثيرا في القلب، ولهذا يستحب للأعجمي الذي لا يفهم معناه.
وفي النشر اختلف هل الأفضل الترتيل، وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرتها
وأحسن بعض أئمتنا فقال: إن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرا، وثواب الكثرة أكثر عددا، لأن بكل حرف عشر حسنات.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف، والحركات والسكون
والواجبات فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر، وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل، كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة. ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة. وقد تكون قيمة الواحدة أكبر من قيمة الأخريات. وقد يكون بالعكس، وفي البرهان للزركشي: كمال الترتيل تفخيم ألفاظه، والإبانة عن حروفه، وأن لا يدغم حرف في حرف، وقيل: هذا أقله، وأكمله أن يقرأ على منازله، فإن قرأ تهديدا لفظ به لفظ التهديد، أو تعظيما لفظ به لفظ التعظيم.
وأزيد فأقول: أو ترحيما، وترقيقا لفظ به لفظ الترحيم والترقيق، أو تعجبا لفظ به لفظ التعجب، أو تيئيسا لفظ به لفظ التأييس، أو توبيخا لفظ به لفظ التوبيخ أو إنابة وتوبة لفظ به لفظ الإنابة والتوبة، أو تندما نطق به نطق المتندم أو خشوعا وتذللا نطق به نطق الخاشع المتذلل، أو فرحا وسرورا لفظ به لفظ الفرح المسرور وهكذا، وبذلك يفسر المعاني بالجرس. ونغم الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
10 - تدبر القرآن وتفهمه:
وتسن القراءة بالتدبر. والتفهم. فهو المقصود الأعظم. والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: 29] وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: 24] وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به فيعرف معنى كل آية. ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك. فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر. وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل. أو عذاب أشفق وتعوذ أو تنزيه نزه وعظم. أو دعاء تضرع وطلب. أخرج مسلم عن حذيفة قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها ثم النساء فقرأها. ثم آل عمران فقرأها.
يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ».
وروى أبو داود والنسائي وغيرهما عن عوف بن مالك قال: قمت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقام. فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل.
ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، وأخرج أبو داود، والترمذي حديث:
«من قرأ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فانتهى إلى آخرها، فليقل: بلى (1)، وأنا على ذلك من الشاهدين».
ومن قرأ: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فانتهى إلى آخرها أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (40) فليقل: بلى.
ومن قرأ: والمرسلات فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فليقل: آمنا بالله».
وأخرج أحمد، وأبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ--------------------------------------------
(1) بلى حرف يجاب به النفي، وهي تنفي النفي فيصير ما بعده مثبتا فصار الكلام بعد الإثبات «الله أحكم الحاكمين». ثم يزيد الأمر توكيدا بأنه على هذه القضية من الشاهدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: «سبحان ربي الأعلى».
وأخرج الترمذي، والحاكم عن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة فقرأ عليهم سورة «الرحمن» من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال:
«لقد قرأتها على الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم؛ كنت كلما أتيت على قوله:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13) قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد». وأخرج أبو داود، وغيره عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ وَلَا الضَّالِّينَ فقال: «آمين» (1) يمد بها صوته.
وأخرج الطبراني بلفظ: «قال: آمين ثلاث مرات»، وأخرجه البيهقي بلفظ قال: «رب اغفر لي آمين».
وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة «آمين»، وأخرج عن معاذ بن جبل أنه كان إذا ختم سورة البقرة قال:
«آمين» وهي بالإجماع ليست من القرآن.
قال النووي: ومن الآداب إذا قرأ نحو: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: 30] وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64] أن يخفض بها صوته كذا كان النخعي يفعل:
أقول: وينبغي أن يراعي هذا الأدب في الآيات التي عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عَبَسَ وَتَوَلَّى ومثل يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ.
ولا بأس بتكرير الآية وترديدها، روى النسائي وغيره عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية يرددها حتى أصبح: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) [المائدة 118].
ويستحب البكاء عند قراءة القرآن، والتباكي لمن لا يقدر عليه، والحزن والخشوع قال تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء:
109] وفي الصحيحين حديث قراءة ابن مسعود- رضي الله عنه القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا--------------------------------------------
(1) آمين: اسم فعل أمر معناها استجب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً وفيه فإذا عيناه تذرفان أي: تجريان بالدموع، وقيل: إنما بكى رسول الله رحمة لأمته، وشفقة عليهم؛ لأنه علم أنه لا بد أنه يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيما، فقد يفضي إلى تعذيبهم، وقيل: لأنه تمثل أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له البكاء، وقيل: بكى فرحا بهذه المنزلة العالية التي لم يعطها أحد من الأنبياء.
وفي شعب الإيمان للبيهقي عن سعد بن مالك مرفوعا: «إن هذا القرآن نزل بحزن، وكآبة (1)، فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا».
وفيه من مرسل عبد الملك بن عمير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني قارئ عليكم سورة، فمن بكى فله الجنة، فإن لم تبكوا فتباكوا».
وفي مسند أبي يعلى حديث: «اقرءوا القرآن بالحزن، فإنه نزل بالحزن» وعند الطبراني «أحسن الناس قراءة من إذا قرأ القرآن يتحزن».
قال النووي في شرح المهذب: وطريقة تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها، فإن لم يحضره عند ذلك حزن، وبكاء، فليبك على فقد ذلك فإنه من المصائب وقد سبق إلى ذلك الغزالي، والبكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشعار الصالحين.
وقد كان الصديق الأكبر- رضي الله عنه بكاء بالقرآن، لا يملك عينيه عند قراءته كما في حديث الهجرة في صحيح البخاري.
11 - تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها:
يسن تحسين الصوت بقراءة القرآن وتزيينها، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري. وكان حسن الصوت بالقرآن. وكان النبي--------------------------------------------
(1) يعني نزل في ظروف كانت مثار أحزان، وآلام وشدائد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
صلى الله عليه وسلم قد سمعه يقرأ القرآن فأعجبه. فقال له: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» المراد داود نفسه؛ لأنه لم ينقل أن أحدا من أولاد داود. ولا من أقاربه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي. والمراد بالمزمار الصوت الحسن، وأصله الآلة أطلق على الصوت الحسن للمشابهة.
وروى ابن حبان وغيره: «زينوا القرآن بأصواتكم» وفي لفظ عند الدارمي: «حسنوا القرآن بأصواتكم. فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» وأخرج البزار وغيره حديث: «حسن الصوت زينة القرآن» وفيه أحاديث صحيحة كثيرة. فإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع بحيث لا يخرج إلى حد التمطيط.
القراءة بالألحان والتطريب، والترنيم، والنغم. وإليك الحكم في هذا؛ قال الإمام النووي: وأما القراءة بالألحان فنص الشافعي في المختصر أنه لا بأس بها. وعن رواية الربيع الجيزي أنها مكروهة. فقال أصحابه: ليس الأمر على اختلاف قولين بل على اختلاف حالين. فإن لم يخرج بالألحان على المنهج القويم جاز، وإلا حرم. وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخارجها حرم، وكذا حكى ابن حمدان الحنبلي في الرعاية وقال الغزالي والبندنيجي وصاحب الذخيرة من الحنفية: إن لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب وإلا فلا.
وأغرب الرافعي فحكى عن أمالي السرخسي أنه لا يضر التمطيط مطلقا.
وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهو شذوذ لا يعرج عليه.
والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح؛ ومن جملة تحسينه أن يراعى فيه قوانين النغم فإن حسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء؛ فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء (1).
وهو كلام من التحقيق والتدقيق بمكان، وقد فصل القول غاية التفصيل وأحسنه، وفيه الكفاية لمن يريد معرفة الحكم الشرعي في هذه المسألة التي كثر فيها الكلام، وقد ورد في هذا المعنى حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها (2) وإياكم ولحون أهل الكتابين (3) وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم» أخرجه الطبراني والبيهقي. ويستحب طلب القراءة من حسن الصوت والإصغاء إليها، وذلك لحديث أبي موسى الذي ذكرناه آنفا؛ ففي رواية مسلم في صحيحه وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى: «لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة» فقال أبو موسى: أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا؛ أي: لزينته، وحسنته تحسينا.
ولا بأس باجتماع الجماعة في القراءة ولا بإدارتها، وهي: أن يقرأ بعض الجماعة قطعة ثم البعض قطعة بعدها، ويستحب قراءته بالتفخيم لحديث الحاكم: «نزل القرآن بالتفخيم» قال الحلبي: ومعناها: أن يقرأه على قراءة الرجال، ولا يخضع الصوت فيه ككلام النساء.
12 - الجهر بقراءة القرآن، والإسرار أيهما أفضل
وردت أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة، وأحاديث--------------------------------------------
(1) فتح الباري ج 10 ص 448، 449.
(2) أي: طريقتهم في الترنم والأداء.
(3) يعني: كما يفعل اليهود والنصارى في قراءة كتبهم فإنها إلى الغناء والترنيم أقرب منها إلى تحسين الصوت وحسن الأداء وإلى التعمية والخفاء أقرب منها إلى الظهور والوضوح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
تقتضي الإسرار وخفض الصوت؛ فمن الأول: حديث الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله (1) لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» وقوله يجهر به: تفسير من أبي سلمة بن عبد الرحمن ليتغنى، أدرج في الحديث، وفي رواية ابن عيينة تفسيره: ب «يستغني به» (2) وقد اختلف العلماء في معنى يتغنى على أقوال: أحدها تحسين الصوت بقراءته والجهر به، ثانيها الاستغناء، ثالثها التحزن، رابعها التشاغل، وإنما يتم الاستدلال به على المعنى الأول (3) وهو يشهد أيضا لتحسين الصوت بالقرآن.
ومن الثاني: حديث أبي داود والترمذي والنسائي «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»، قال النووي: والجمع بينهما أن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذى مصلون، أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر؛ ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم ويزيد في النشاط ويدل لهذا الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة». وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها؛ لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار.
13 - أيهما أفضل القراءة من المصحف أم من الحفظ
قال السيوطي: القراءة في المصحف أفضل من القراءة من حفظه؛ لأن--------------------------------------------
(1) أذن بفتح الهمزة وكسر الذال في الماضي وكذا في المضارع مشترك بين الإباحة والاستماع إلا أن مصدر الأول الإذن بكسرة الهمزة، وسكون الذال ومصدر الثاني الأذن بفتح الهمزة والذال والمراد بالأذن على الثاني في حق الله تعالى إكرام القارئ وإجزال ثوابه والرضا عن فعله؛ لأن ذلك ثمرة الإصغاء والاستماع.
(2) صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن باب من لم يتغن بالقرآن.
(3) فتح الباري ج 10 ص 444، 446.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
النظر فيه عبادة، وقال النووي: هكذا قال أصحابنا، والسلف أيضا، ولم أر فيه خلافا، ثم قال: ولو قيل: إنه يختلف باختلاف الأشخاص، فيختار القراءة فيه لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة فيه ومن الحفظ ويختار القراءة من الحفظ لمن يكمل بذلك خشوعه، ويزيد على خشوعه وتدبره لو قرأ من المصحف- لكان هذا قولا حسنا قال السيوطي:
ومن أدلة القراءة في المصحف ما أخرجه الطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أوس الثقفي مرفوعا: «قراءة الرجل في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف (1) تضاعف ألفي درجة».
وأخرج أبو عبيد بسند صحيح: «فضل قراءة القرآن نظرا على ما يقرأه ظاهرا. كفضل الفريضة على النافلة» وأخرج البيهقي عن ابن مسعود مرفوعا:
«من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف» وقال: إنه منكر، أقول ..
والمنكر لا يحتج به، وأخرج بسند حسن عنه موقوفا: «أديموا النظر في المصحف».
وحكى الزركشي في البرهان ما بحثه النووي قولا: وحكى معه قولا ثالثا أن من الحفظ أفضل مطلقا، وأن ابن عبد السلام اختاره؛ لأن فيه من التدبير ما لا يحصل بالقراءة من المصحف، وأنا أميل إلى هذا القول، وأرجحه لما فيه أيضا من تثبيت المحفوظ والتأكيد منه ولا كذلك لو قرأ من المصحف.
14 - قال في التبيان:
إذا أرتج على القارئ فلم يدر ما بعد الموضع الذي انتهى إليه، فسأل عنه غيره: فينبغي له أن يتأدب بما جاء عن ابن مسعود والنخعي، وبشير ابن--------------------------------------------
(1) لعل المراد بالمصحف أي: قراءته من المكتوب؛ لأن تسمية ما فيه القرآن بالمصحف إنما كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان القرآن مكتوبا في العهد النبوي مفرقا لما أسلفنا ولم يبين لنا السيوطي درجة هذا الحديث من الصحة أو الحسن أو الضعف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
أبي مسعود قالوا: إذا سأل أحدكم أخاه عن آية فليقرأ ما قبلها ثم يسكت ولا يقول: كيف كذا وكذا فإنه يلبس عليه، وقال ابن مجاهد: إذا شك القارئ في حرف هل هو بالتاء، أو بالياء فليقرأه بالياء فإن القرآن مذكر، وإن شك في حرف هل هو مهموز، أو غير مهموز فليترك الهمزة (1) وإن شك في حرف هل يكون موصولا، أو مقطوعا فليقرأ بالوصل (2) وإن شك في حرف هل هو ممدود، أو مقصور، فليقرأ بالقصر، وإن شك في حرف هل هو مفتوح أو مكسور، فليقرأ بالفتح؛ لأن الأول غير لحن في
موضع والثاني لحن في بعض المواضع.
قال السيوطي: أخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: «إذا اختلفتم في ياء وتاء فاجعلوها ياء، ذكروا القرآن» ففهم منه ثعلب أن ما احتمل تذكيره وتأنيثه كان تذكيره أجود، ورد بأنه يمتنع إرادة تذكير غير الحقيقي التأنيث لكثرة ما في القرآن منه بالتأنيث نحو: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ وإذا امتنع إرادة غير الحقيقي، فالحقيقي أولى؛ قالوا: ولا يستقيم إرادة أن ما احتمل التذكير والتأنيث غلب فيه التذكير؛ كقوله تعالى: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فأنث مع جواز التذكير قال تعالى: أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ قالوا: فليس المراد ما فهم بل المراد يذكروا بالموعظة والدعاء، كما قال تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ إلا أنه حذف الجار؛ والمقصود ذكروا الناس بالقرآن، أي: ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه قال السيوطي:
أول الأثر يمنع هذا الحمل.
وقال الواحدي: الأمر ما ذهب إليه ثعلب، والمراد أنه إذا احتمل اللفظ التذكير والتأنيث ولم يحتج في التذكير إلى مخالفة المصحف ذكر نحو وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ قال: ويدل على إرادة هذا أن أصحاب عبد الله بن مسعود--------------------------------------------
(1) لأن الهمزة قد تخفف.
(2) لأن الأصل الوصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)