هذا الحال.
وهذا القول لا يخرج عما ذكره اللحياني فهو مكمل له، لأنه ليس في كلام اللحياني ما ينفي أن يكون أصل الكلمة من اللغة الآرامية.
2 - «تعريف القرآن» عند الأصوليين والفقهاء، وأهل العربية
هو كلام الله المنزل على نبيه «محمد» صلى الله عليه وسلم المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته المنقول بالتواتر، المكتوب في المصاحف، من أول سورة «الفاتحة» إلى آخر سورة «الناس» وقد خرج بقولنا: المنزل على نبيه «محمد» المنزل على غيره من الأنبياء كالتوراة والإنجيل والزبور والصّحف.
وخرج بالمعجز بلفظه المتعبد بتلاوته الأحاديث القدسية على الرأي بأن لفظها من عند الله، فإنها ليست معجزة ولا متعبد بتلاوتها.
وخرج بقولنا (المنقول بالتواتر … الخ) جميع ما سوى القرآن المتواتر من منسوخ التلاوة.
والقراءات غير المتواترة سواء نقلت بطريق الشهرة كقراءة «ابن مسعود» في قوله تعالى في كفارة الأيمان فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [سورة المائدة: 89] بزيادة متتابعات، أو بطريق الآحاد مثل قراءة: متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان [الرحمن: 76] بالجمع فإنها ليست قرآنا؛ ولا تأخذ حكمه.
ثم إن العلماء بحثوا في الصّفات الخاصة ب «القرآن» فوجدوا أنها تنحصر في الإنزال على النبي صلى الله عليه وسلم والإعجاز، والنقل وبالتواتر، والكتابة في المصاحف، والتعبد بالتلاوة، فرأى بعض العلماء زيادة التوضيح والتمييز، فعرفه بجميع هذه الصفات كما ذكرنا آنفا.
واقتصر بعضهم على ذكر الإنزال على النبي، والإعجاز، لأن ما عداهما من الصفات ليس من الصفات اللازمة، لتحقق القرآن بدونها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا في تعريفه: «هو الكلام المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المعجز».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
واقتصر بعضهم على الإنزال والكتابة في المصاحف، والنقل تواترا، لأن المراد تعريفه لمن لم يدرك زمن النبوة، وإنزال الألفاظ والكتابة في المصاحف والنقل تواترا من أبين اللوازم للقرآن وأوضحها بخلاف الإعجاز فليس من اللوازم البينة؛ إذ لا يعرفه إلا الخواص الواقفون على أسرار اللغة وأساليبها، كما أنه ليس شاملا لكل جزء؛ إذ المعجز هو السّورة أو مقدارها.
واقتصر البعض على النقل في المصاحف تواترا، لأنه كاف في الغرض المقصود، وهو تمييز القرآن عن جميع ما عداه، فقد ثبت أن الصحابة- رضوان الله عليهم- بالغوا في ألا يكتب في المصحف ما ليس منه، مما يتعلق به، حتى النّقط والشّكل، واحتاطوا في ذلك غاية الاحتياط، حتى لا يختلط القرآن بغيره.
واقتصر بعضهم على ذكر الإعجاز فحسب، لأنه وصف ذاتي للقرآن إذ هو الآية العظمى المثبتة لرسالة نبينا «محمد» صلى الله عليه وسلم، ولكون القرآن المنزل عليه من عند الله لا من عند البشر.
ولما كان بحثنا في هذا العلم، إنما يتعلق بنظمه العربي المبين، فقد آثرت ألا أتعرض للقرآن من حيث كونه كلام الله، وصفة من صفاته، لأن هذا البحث محله «علم الكلام» (1).--------------------------------------------
(1) كما بحث المتكلمون في القرآن من جهة كونه كلام الله وصفة له، بحثوا فيه أيضا من جهة لفظه العربي المنزل على النبي .. وهم في تعريفهم للقرآن من هذه الجهة لم يخرجوا عما ذكره الأصوليون والفقهاء وعلماء العربية في تعريفه وعرفوه من الجهة الأولى بأنه: «الصفة القديمة القائمة بذاته تعالى المتعلقة بالكلمات الحكمية من أول سورة «الفاتحة» إلى آخر «الناس»، وهذه الكلمات الحكمية أزلية مجردة عن المواد مطلقا حسية كانت أو خيالية أو روحانية وهي مترتبة غير متعاقبة وذلك مثل الصور تنطبع في المرآة، مترتبة غير متعاقبة، وقالوا: إنها حكمية، لأنها ليست ألفاظا حقيقية مصورة بصورة الحروف والأصوات.
وقالوا: إنها أزلية، ليثبتوا لها معنى القدم، وقالوا: إنها مجردة عن المواد مطلقا- أي الحروف اللفظية أو الذهنية أو الروحية- لينفوا عنها أنها مخلوقة، وقالوا: إنها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
لفظ «القرآن» علم شخصي:
وذهب المحققون من الأصوليين، والفقهاء، وأهل العربية: إلى أن لفظ القرآن «علم شخصي» مدلوله: الكلام المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من أول سورة «الفاتحة» إلى آخر سورة «الناس» وعلميته: باعتبار وضعه للنظم المخصوص، الذي لا يختلف باختلاف المتلفظين، ولا عبرة بتعدد القارئين والمحال.
وعلى هذا فما ذكره الأصوليون، وغيرهم من تعاريف للقرآن، ليس تعريفا حقيقيّا، لأن التعريف الحقيقي لا يكون إلا للأمور الكلية، وإنما أرادوا بتعريفه: تمييزه عما عداه مما لا يسمّى باسمه، كالتوراة والإنجيل، والأحاديث القدسية، وما نسخت تلاوته.
لفظ «القرآن» أمر كلي:
ويرى بعض العلماء: أن لفظ القرآن موضوع للقدر المشترك بين الكل وأجزائه: فمسماه: كلي. كالمشترك المعنوي وعلى هذا يعرف بما عرّفه العلماء.
القرآن مشترك لفظي:
ويرى فريق ثالث: أنه مشترك لفظي بين الكل وبين أجزائه، فهو موضوع لكل منهما بوضع.
والحق: أنه علم شخصي، مشترك لفظي بين الكل وأجزائه فيقال لمن قرأ اللفظ المنزل كله: قرأ قرآنا، ويقال لمن قرأ بعضه: قرأ قرآنا، وهو ما يفهم من كلام الفقهاء، حينما قالوا: «يحرم على الجنب قراءة القرآن» فإنهم يقصدون: قراءة كله أو بعضه على السواء.--------------------------------------------
غير متعاقبة؛ لأن التعاقب يستلزم الزمان والزمان حادث، وكل هذا من آثار الاشتغال بالفلسفة وتحكيم العقول في الأمور الغيبية. وأما نحن فنقول: «القرآن بألفاظه ومعانيه كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود، وهو ما عليه السلف الصالح، والعقل أعجز من أن يتحكم في الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا عن الله، أو عن طريق رسله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
3 - أسماء القرآن
للقرآن الكريم أسماء كثيرة: أشهرها: «القرآن» ومنها «الفرقان» لأنه فارق بين الحق والباطل، قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (1) [سورة الفرقان: 1].
ومنها: «الكتاب» وهو مصدر لكتب بمعنى: الجمع والضم، أريد به القرآن لجمعه العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه، قال تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) [سورة الكهف: 1 - 2].
ومنها: «التنزيل»، مصدر أريد به المنزل، لنزوله من عند الله، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) [فصلت: 41 - 42]، وغيرها من الآيات كثير.
ومنها: «الذكر» سمي به القرآن، لاشتماله على المواعظ والزواجر، وقيل: لاشتماله على أخبار الأنبياء، والأمم الماضية، وقيل من الذكر، بمعنى: الشرف، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [سورة الزخرف: 44] أي شرف لأنه نزل بلغتكم، وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) [سورة الحجر: 9].
وهذه الأربعة هي أشهر الأسماء بعد لفظ «القرآن»، وقد صارت أعلاما بالغلبة على القرآن في لسان أهل الشرع وعرفهم.
وقد تسامح «أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك» - المعروف ب «شيذلة» (1) في كتابه «البرهان في مشكلات القرآن» - في عد ما ليس باسم اسما، وبلغ بها خمسة وخمسين اسما وقد نقل ذلك عنه «السيوطي» في «الإتقان» ووافقه--------------------------------------------
(1) عزيزي: قيل بضم العين وقيل بفتحها، وشيذلة: بفتح الشين، والذال المعجمة:
وهو ابن عبد الملك أحد فقهاء الشافعية المتوفى سنة 494 أربع وتسعين وأربعمائة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
ثم شرع يوجه ما ذكره من الأسماء (1)، وبلغ بها صاحب «التبيان» نيفا وتسعين اسما.
ومما ينبغي أن يتنبه إليه أن أغلب ما ذكروه أسماء للقرآن هو في الحقيقة أوصاف له، فمثلا: عدوا من الأسماء لفظ «كريم» أخذا من قوله تعالى:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) [سورة الواقعة: 77]، ولفظ «مبارك» أخذا من قوله تعالى: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ [الأنبياء: 5] مع أن الظاهر كونهما وصفين للقرآن لا اسمين.
كما أن في بعض ما عدوه اسما للقرآن بعدا وتكلّفا في أن المراد به القرآن وذلك مثل عدهم من الأسماء: «مناديا»، لقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [آل عمران: 193]، ومثل عدهم من الأسماء:
«زبورا»، لقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (105) [الأنبياء: 105] مع أن الظاهر: والذي عليه جمهور المفسرين، أن المراد بالمنادى الرسول وبالزبور الكتاب المنزل على داود- عليه السلام والذكر التوراة وقيل الزبور: جميع الكتب المنزلة، والذكر: اللوح المحفوظ، ويكون المراد بالزبور الوصفية لا العلميّة، فهو بمعنى المزبور أي المكتوب (2).
4 - علوم القرآن بالمعنى الإضافي
والآن وقد وضح لنا المراد من كل طرفي «المركب الإضافي» يتبين لنا المراد من الإضافة التي بينهما، فهي تشير إلى كل المعارف والعلوم المتصلة بالقرآن، ومن ثمّ جمع لفظ «علوم» ولم يفرد، لأن المراد شمول كل علم يبحث في القرآن من أي ناحية من نواحيه المتعددة، فيشمل ذلك «علم التفسير» و «علم الرسم العثماني» و «علم القراءات» و «علم غريب القرآن» و «علم إعجاز القرآن» و «علم الناسخ والمنسوخ» و «علم المحكم--------------------------------------------
(1) انظر: الإتقان ج 1 ص (50 - 51).
(2) انظر تفسير ابن كثير والبغوي (ج 5 ص 541).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
والمتشابه» و «علم إعراب القرآن» و «علم مجاز القرآن» و «علم أمثال القرآن»، إلى غير ذلك من العلوم الكثيرة التي توسع العلماء في بحثها، وأفردوا لها المؤلفات المتكاثرة.
ويكون موضوعه: هو القرآن الكريم من ناحية تفسيره، أو من حيث رسمه، أو من حيث طريقة أدائه، أو من حيث إعجازه، أو من حيث مجازه وهكذا فتأتي بأو التي تدل على أنها علوم متعددة.
5 - علوم القرآن بالمعنى اللقبي أي الفن المدوّن
ثم اختصرت هذه المباحث والعلوم المتعددة، وجمعت جلّ أصولها ومسائلها في كتاب واحد، وصار هذا العنوان «علوم القرآن» (1) علما ولقبا لهذه المباحث المدونة في موضع واحد، بعد أن كانت مبعثرة في عشرات الكتب، وصار علما واحدا بعد أن كان جملة من العلوم، وبذلك يمكننا أن نعرف هذا الفن بمعناه «العلمي» - بفتح العين واللام- بأنه: «علم ذو مباحث، تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وترتيبه وكتابته وجمعه وقراءاته وتفسيره وإعجازه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه إلى غير ذلك من المباحث التي تذكر في هذا العلم».
وموضوع هذا العلم القرآن الكريم من هذه النواحي كلها السابقة في تعريفه، بخلاف علوم القرآن بالمعنى الإضافي، فإن موضوع كل علم منها إنما هو «القرآن الكريم» من هذه الناحية فحسب، فعلم «التفسير» مثلا؛ موضوعه: القرآن الكريم من حيث بيان شرحه ومعناه والمراد منه بقدر الطاقة البشرية.
وعلم «القراءات» موضوعه: القرآن الكريم من حيث لفظه وأدائه.
وعلم الرسم موضوعه: القرآن الكريم من حيث طريقة كتابته، وهكذا.--------------------------------------------
(1) ولعل الإبقاء على الجمعية بعد صيرورته علما واحدا لمحا للأصل، وللإشارة إلى أنه خلاصة علوم كثيرة تجمعت في مصب واحد وهو هذا العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
وعلى هذا نقول: موضوع علوم القرآن بمعناه العلمي هو القرآن الكريم من حيث جمعه، وتفسيره، ورسمه، وقراءاته، ومكيه ومدنيه وهكذا فنأتي «بالواو» ولا نأتي «بأو».
وفائدة علوم القرآن:
(أ) إنه يساعد على دراسة «القرآن الكريم» وفهمه حق الفهم واستنباط الأحكام والآداب منه، إذ كيف يتأتى لدارس القرآن ومفسره أن يتوصل إلى إصابة الحق والصواب، وهو لا يعلم كيف نزل! ولا متى نزل! وعلى أي حال كان ترتيب سوره وآياته! وبأي شيء كان إعجازه! وكيف ثبت! وما هو ناسخه ومنسوخه! .. إلى غير ذلك مما يذكر في هذا الفن، وإلا كان عرضة للزلل والخطأ.
فهذا العلم بالنسبة للمفسر مفتاح له، ومثله مثل «علوم الحديث» بالنسبة لمن أراد أن يدرس الحديث دراسة حقة، وقد صرح بذلك الإمام «السيوطي» في مقدمة «الإتقان» حيث قال: «ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين؛ إذ لم يدونوا كتابا في أنواع «علوم القرآن» كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى «علم الحديث».
(ب) إن الدارس لهذا العلم يتسلح بسلاح قوي حاد، ضد غارات أعداء الإسلام التي شنوها على «القرآن الكريم» زورا وبهتانا، واختلقوا عليه ما شاء لهم هواهم أن يختلقوا،
ولا شك أن الدفاع عن القرآن- الذي هو أصل الإسلام- من أوجب الواجبات على الأمة الإسلامية، ولا سيما علماؤها وأهل الرأي فيها وإنه لشرف عظيم، وفضل كبير أن يكون المسلم منافحا عن هذا الكتاب الجليل.
(ج) إن الدارس لهذا العلم يكون على حظ كبير من العلم بالقرآن، وبما يشتمل عليه من أنواع العلوم والمعارف، ويحظى بثقافة عالية وواسعة فيما يتعلق بالقرآن الكريم، وإذا كانت العلوم ثقافة للعقول، وصلاحا للقلوب وتهذيبا للأخلاق، وإصلاحا للنفوس والأكوان، وعنوان التقدم والرقي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وباعثة للنهضات، ففي القمة- من كل ذلك- «علوم القرآن».
فالقرآن أحسن الحديث، وأصدقه، وعلومه أشرف العلوم وأوجبها على كل مسلم أيّا كان تخصصه وأيّا كانت حرفته.
6 - تاريخ علوم القرآن
قبل عصر التدوين:
كان «القرآن الكريم» ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم متجمعا على حسب الوقائع والحوادث وحاجات الناس، وقد تكفل الله لنبيه أن يقرئه «القرآن» ويفهمه معناه، قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) [القيامة: 16 - 19] أي: جمعه في صدرك، وإثبات قراءته على لسانك، وبيان ما يخفى من معانيه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم من القرآن وعلومه ما لا يعرفه أحد، وذلك بسبب الوحي والفيوضات الإلهية التي كانت تلقى في قلبه.
ثم بلّغ الرسول ما أنزل عليه لأصحابه فقرأه على مكث (1)؛ ليحفظوا لفظه ويفهموا معناه، ويقفوا على أسراره، وشرحه لهم بأقواله وأفعاله وتقريراته وأخلاقه- أي بسنته الجامعة لكل ذلك- قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [سورة النحل: 44] وقال:
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ … الآية [سورة النساء: 105].
[علم الصحابة بالقرآن]
وكان الصحابة- رضوان الله عليهم- يحرصون غاية الحرص على حفظ ما ينزل من «القرآن» على حسب ما يتيسر لكل واحد منهم وتفاوتهم في الحفظ قلة وكثرة، كما كانوا يعرفون من معاني «القرآن» وعلومه وأسراره الشيء الكثير، لكونهم عربا خلّصا متمتعين بمزايا هذه العروبة ومن صفاء القلوب، وذكاء العقول، وسيلان الأذهان، وقوة الحافظة ولأنهم شاهدوا الوحي والتنزيل، وعلموا من الظروف والملابسات ما لم يعلمه غيرهم،--------------------------------------------
(1) تؤدة وتمهل، ومن لوازم ذلك التحقق من اللفظ، وتفهم المعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم، ورأوا من أحواله ما لم يره غيرهم، وكان ابن مسعود- رضي الله عنه من أعلم الصحابة بعلوم القرآن ولا سيما علم أسباب النزول، وعلم المكي والمدني، وعلم قراءاته، روى البخاري بسنده عنه أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما من آية من كتاب الله إلا وأعلم أين نزلت وفيم نزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لركبت إليه».
فإن خفي عليهم من القرآن شيء لم يدركوه بفطرتهم اللغوية، ومعارفهم المكتسبة، رجعوا فيه إلى «النبي» فيعلمهم إياه، فمن ثمّ تجمع لهم من علم «القرآن» شيء كثير.
روى البخاري (1) أنه لما نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) [سورة الأنعام: 82] اهتم الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالظلم:
الشرك، أخذا من قول الله تعالى: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان: 13].
وروى البخاري: أنه لما نزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة: 187] عمد «عدي ابن حاتم» إلى عقالين، أحدهما: أبيض، والآخر: أسود، ووضعهما تحت وسادة حتى بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالخيطين بياض النهار وسواد الليل (2) … وغير ذلك كثير.
ولم يكن همّ الصحابة حفظ ألفاظ القرآن فحسب؛ بل جمعوا إلى حفظ اللفظ فهم المعنى، وتدبر المراد، والعمل بمقتضى ما تضمنه من الأحكام والآداب.
قال «أبو عبد الرحمن السلمي» (3): حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن،--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري- كتاب التفسير- سورة لقمان، باب «إن الشرك لظلم عظيم».
(2) صحيح البخاري- كتاب التفسير- سورة البقرة باب «وكلوا واشربوا … ».
(3) هو: «عبد الله بن حبيب بن ربيعة» تلميذ أميري المؤمنين «عثمان» و «علي» وأضرابهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل،
قالوا: «فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا»، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة الواحدة، وهذا هو السر فيما روي أن «ابن عمر» أقام على حفظ «البقرة» ثمان سنين ذكره مالك في «الموطأ»، وما يفسر لنا قول «أنس» رضي الله عنه: «كان الرجل إذا قرأ «البقرة» و «آل عمران» جد في أعيننا» (1) أي: عظم.
وعلى ما كان عليه الصحابة من العروبة الخالصة، والتصرف في فنون القول، وأخذهم بزمام الفصاحة، فقد خفيت عليهم بعض ألفاظ «القرآن» اللغوية، ولم يعرفوا معناها.
أخرج «أبو عبيد» في «الفضائل» عن إبراهيم التيمي: أن أبا بكر- الصديق- سئل عن قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) [سورة عبس: 31] فقال:
«أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم»، وفي سنده انقطاع لأن إبراهيم التيمي لم يلق الصديق (2).
وأخرج عن «أنس» أن «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه قرأ على المنبر وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) فقال: «هذه الفاكهة قد عرفناها .. فما الأب» ثم رجع إلى نفسه فقال: «إن هذا لهو الكلف يا عمر؛ وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري: ما الأبّ».
لأن عدم معرفة معنى كلمة من القرآن لا تضر المسلم ما دام حافظا للقرآن عاملا بكل ما فيه من الأحكام والآداب.
وأخرج أيضا من طريق «مجاهد» عن «ابن عباس» قال: «كنت لا أدري--------------------------------------------
من علماء الصحابة، كابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب، وكان من خيار التابعين، ومن علمائهم بالقرآن.
(1) أصول التفسير لابن تيمية ص 6 ط السلفية.
(2) وأخرجه أيضا ابن جرير وفي سنده انقطاع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
ما فاطر السموات (1) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها».
وروي عنه أيضا أنه قال: «ما كنت أدري ما قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [الأعراف: 89] حتى سمعت بنت «ذي يزن» - وقد جرى بيني وبينها كلام- تقول: «تعال أفاتحك» تريد، أقاضيك وأخاصمك (2).
وبلّغ الصحابة ما حملوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من تفسير القرآن وعلومه، وما فهموه منه باجتهادهم إلى من جاء بعدهم من التابعين، وبلّغه التابعون إلى من جاء بعدهم، فقد كان المعول عليه في القرون الأولى، في «علوم القرآن» وكذلك الحديث وعلومه- هو الرواية والتلقي عن الغير والمشافهة لا على الخط والكتابة في الصحف وقد استمر الأمر على هذا، إلى أن جاء عصر التدوين، فدونت المعارف والعلوم في الصحف، والسطور، بعد أن كانت مقيدة محفوظة في الصدور.
عصر التدوين:
لم تكن «علوم القرآن» وغيرها من العلوم مدونة في «العصر الأول» في الكتب والصحف، بل كانت مدونة على صفحات القلوب، وإنما كان المدوّن والمكتوب هو «القرآن الكريم» فحسب (3)، وذلك لما ورد في الصحيح: «من النهي عن كتابة غير القرآن»: روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا--------------------------------------------
(1) سورة فاطر (1).
(2) الإتقان (ج 1 ص 111)، ومقدمة تفسير القرطبي (ج 1 ص 14، 18).
(3) والقرآن الكريم، مع كونه كان مكتوبا في عهد النبي، ثم جمع في عهد «أبي بكر» في الصحف، وفي عهد عثمان في المصاحف، فقد كان يعتمد الحفاظ والقراء على الرواية، وهي التلقي من الشيوخ، وأداء ما تلقوه إلى من جاء بعدهم، ولم يعرف عنهم أنهم كانوا يعتمدون في الحفظ والإقراء على المكتوب فحسب، ولم توجد هذه البدعة إلا في العصر الأخير وإن كان القراء المجيدون لا يزالون إلى عصرنا هذا يعتمدون على التلقي الشفاهي، والأخذ عن الشيوخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (1).
فمن ثمّ تحرّج كثير من الصحابة والتابعين من كتابة وتدوين غير القرآن حتى الحديث الشريف لم يدونوه، واكتفوا فيه وفي علومه بالحفظ والرواية .. إلى أن كان عهد «علي» رضي الله عنه فأمر «أبا الأسود الدؤليّ» بوضع علم «النحو» فكان هذا فاتحة خير لتدوين علوم الدين، واللغة العربية.
وفي العهد الأموي: اتسعت دائرة التدوين والتأليف عن ذي قبل، وفي هذا العهد رأى الخليفة الراشد: «عمر بن عبد العزيز» رضي الله عنه أن يجمع الأحاديث؛ فأمر علماء الأمصار بجمع أحاديث الرسول: مخافة أن يذهب شيء منها بذهاب العلماء، وحتى يتميز الصحيح من السقيم، والمقبول من المردود.
وفي العصر العباسي الأول: اتسعت دائرة التأليف، واتسعت حتى شملت معظم علوم الدين واللغة العربية بل وغير علومها كالفلسفة وفروعها، فقد ترجم كثير من كتب الفلسفة في هذا العصر.
وهكذا نرى: أن حركة التأليف والتدوين نشطت نشاطا قويّا في هذا العصر، وكان «لعلوم القرآن» من هذا النشاط حظ غير قليل.
التدوين في علوم القرآن بالمعنى الإضافي أي العام:
وكان من الطبعي أن يكون أول ما يدون من «علوم القرآن» هو علم «التفسير»؛ إذ هو الأصل في فهم القرآن وتدبره، وعليه يتوقف استنباط الأحكام، ومعرفة الحلال من
الحرام.
فألف في تفسير القرآن سفيان الثوري المتوفى سنة 161 هـ، وسفيان ابن عيينة المتوفى سنة 198 هـ، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة 197 هـ، وشعبة ابن الحجاج المتوفى سنة 160 هـ، ومقاتل بن سليمان المتوفى سنة 150 هـ،--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم- كتاب الزهد- باب التثبت في العلم وحكم كتابة العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وكانت تفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين.
ثم تلاهم: محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ، فألف تفسيره المشهور، وهو من أجل التفاسير، وأعظمها؛ لأنه أول من تعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، وبذلك يعتبر أول من حاول مزج التفسير بالمأثور بالتفسير بالرأي والاجتهاد.
وكان تفسير «ابن جرير الطبري» قطرة تلاها غيث كثير، فألف في التفسير بقسميه: المأثور وغير المأثور، خلق لا يحصون، من أجلة العلماء، ما بين مطنب ومتوسط وموجز، وما بين مفسر للقرآن كله ومفسر لبعضه.
وقد شملت هذه الحركة التأليفية كل نوع من أنواع «علوم القرآن» تقريبا فألف في أسباب النزول، عليّ بن المديني، شيخ البخاري المتوفى سنة 234 هـ.
وفي الناسخ والمنسوخ: أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224 هـ، وأبو جعفر أحمد بن محمد النحاس المتوفى سنة 338 هـ، وابن حزم المتوفى سنة 456 هـ.
وألف في مشكله وغريبه أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ كما ألف في غريبه ومفرداته أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 209 هـ، وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر السجستاني المتوفى سنة 230 هـ والراغب الأصفهاني المتوفى سنة 502 هـ وغيرهم.
وألف في إعرابه: محمد بن سعيد الحوفي المتوفى سنة 430 هـ، وأبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري المتوفى سنة 616 هـ.
كما ألف في إعجاز القرآن: الرماني المتوفى سنة 384 هـ، والخطابي المتوفى سنة 388 هـ، وأبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 هـ وغيرهم.
وفي مجاز القرآن: ابن قتيبة، المتوفى سنة 276 هـ، والشريف الرضي المتوفى سنة 406 هـ، والعز بن عبد السلام المتوفى سنة 660 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وفي قراءاته: أبو بكر أحمد بن مجاهد المتوفى سنة 324 هـ، وعلم الدين السخاوي المتوفى سنة 643 هـ، وابن الجزري المتوفى سنة 833 هـ.
وفي أقسامه: ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ.
وفي أمثاله: أبو الحسن الماوردي المتوفى سنة 450 هـ.
وألف في جدله: نجم الدين الطوفي المتوفى سنة 716 هـ.
وفي فضائله: أبو عبيد المتوفى سنة 224 هـ، والنسائي المتوفى 303 هـ، وابن كثير المتوفى سنة 774 هـ، إلى غير ذلك من المؤلفات المتكاثرة، التي تناولت كل نواحي القرآن العديدة.
وقد سلك هؤلاء العلماء في تأليفاتهم طريقة الاستيعاب والاستقراء لأجزاء الأنواع التي ألفوا فيها، فمن دوّن في: مجاز القرآن، يتتبع كل آية فيها مجاز، ومن يؤلف في: أمثاله، يتتبع كل آية فيها مثل، ومن يؤلف في:
أقسامه، يتتبع كل آية فيها قسم، حتى تكونت من كل ذلك ثروة ضخمة في: علوم القرآن، وبحسبك أن تتناول فهرسا لمكتبة من المكاتب العامة، وستجد ما يبهرك، وأن المؤلفات التي تدور في فلك (القرآن) في العصور المتعاقبة تملأ خزانة كبيرة فسيحة.
7 - علوم القرآن، بمعنى الفن المدون
وهناك طريقة أخرى في التأليف، فقد رأى بعض العلماء أن يجمعوا هذه الأنواع في كتاب مستقل على غرار ما صنع المحدثون في: «علوم الحديث» فاستخلصوا من هذه العلوم علما واحدا، يكون كالفهرس لها، يجمع خصائصها ومقاصدها، وإن لم يحط بكل مسائلها وجزئياتها فكان هذا العلم الذي سموه «علوم القرآن».
وقد جاء التدوين على هذه الطريقة متأخرا عن التدوين على الطريقة الأولى ثم سار بعد ذلك جنبا إلى جنب، فكان بعض العلماء يؤلف في العلم كفن مستقل، والبعض يؤلف في نوع من أنواعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
متى ظهر هذا الاصطلاح
كان المعروف لدى الكاتبين في هذا الفن أن ظهور هذا الاصطلاح كان في القرن السادس الهجري، على يد «أبي الفرج بن الجوزي» استنتاجا مما ذكره «السيوطي» في مقدمة «الإتقان».
ولكني وقفت على مؤلّف بعنوان: «مقدمتان في علوم القرآن» طبع في عام 1954، ووقف على التصحيح والطبع الأستاذ المستشرق «آرثر جفري»، وإحدى هاتين المقدمتين لمؤلف لم يعرف، لفقدان الورقة الأولى من المخطوطة (1) .. التي نقل عنها الطابع، إلا أنه ذكر في الصحيفة الثانية منها: أنه بدأ في تأليف كتابه في سنة أربعمائة
وخمس وعشرين، وسماه: «كتاب المباني في نظم المعاني»، وهو تفسير للقرآن الكريم وقد صدره بهذه المقدمة، وهي تقع في عشرة فصول، وهي إحدى المقدمتين المنشورتين، والأخرى: مقدمة التفسير للإمام «عبد الحق بن أبي بكر» المعروف «بابن عطية» المتوفى سنة 543 هـ.
وقد ذكر صاحب كتاب «المباني» في فصول هذه المقدمة العشرة:
المكي والمدني، ونزول القرآن، وجمع القرآن وكتابة المصاحف، واختلافها، ورد الشّبه الواردة على الجمع والمصاحف وبيان عدد السور والآيات والتفسير والتأويل، والمحكم والمتشابه ونزول القرآن على سبعة أحرف، إلى غير ذلك من مباحث «علوم القرآن».
وقد بلغت هذه المقدمة مائتين وخمسين صحيفة من هذا الكتاب المطبوع وتمتاز هذه المقدمة بإشراق اللفظ ونصوع البيان، وقوة الحجة، مما يلقي ضوءا على أن المؤلف من علماء الأندلس كما استنتج المصحح، وعسى أن يتاح لي، أو لأحد الباحثين الوقوف على مؤلف هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
(1) هذه المخطوطة هي الوحيدة من هذا الكتاب، وتوجد في دار الكتب ببرلين تحت رقم 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وإن أغلب ما ذكره «السيوطي» في مقدمة «الإتقان» من الكتب المؤلفة في هذا الفن لا يداني هذه المقدمة، بل بعضها لا يزيد عن فصل من فصولها فهي جديرة بأن تذكر في كتب هذا الفن، وهي- بحق- تعتبر محاولة جدية في التأليف في هذا العلم، ولا يغض من قيمتها أنها مقدمة لتفسير، فكتاب الإتقان الذي هو عمدة كتب الفن قد جعله مؤلفه مقدمة لتفسيره الكبير كما ذكر.
ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أذكر: أن بعض المفسرين في القديم والحديث صدّروا كتبهم بمقدمات قيمة في «علوم القرآن»، لتكون مفتاحا لهذه التفاسير، ولا تزال إلى اليوم مرجعا للكاتبين في هذا الفن، وذلك كما فعل «ابن جرير الطبري» و «القرطبي» و «الآلوسي» في تفاسيرهم، ولعل أطول هذه المقدمات وأحفلها هي مقدمة تفسير القرطبي، وهي- على طولها- لا تبلغ ما بلغته هذه المقدمة في طولها، وتنوع موضوعاتها.
وبذلك أكون قد تقدمت بتاريخ هذا الفن نحو قرن ونصف من الزمان.
ويرى أستاذنا الشيخ «محمد عبد العظيم الزرقاني» رحمه الله وأثابه- في كتابه «مناهل العرفان»: أن هذا الاصطلاح ظهر في مستهل القرن الخامس على يد «الحوفي» المتوفّى سنة 430 هـ في كتابه «البرهان في علوم القرآن»، والرأي عندي: أن هذا الكتاب لا يخرج عن كتب التفسير، التي تتعرض لذكر التفسير، وأسباب النزول والقراءات، والوقف والتمام، ولا فرق بين صنيعه وصنيع «القرطبي» و «الفخر الرازي» في تفسيرهما، فكتابه هذا أمس بالتفسير منه بعلوم القرآن، وإن كانت التسمية تشعر أنه بعلوم القرآن أمس، وقد ذكر- رحمه الله: أن الجزء الأول مفقود، ولا أدري من أين عرف التسمية ولعله اعتمد على فهرس دار الكتب المصرية، وقد رجعت إلى كتاب «كشف الظنون» الجزء الأول ص 242 فتبين لي أن اسم الكتاب: «البرهان في تفسير القرآن» وبذلك زالت الشبهة في عدّه من علوم القرآن، وثبت أنه كتاب تفسير، وهو الحق والصواب، كما يعلم ذلك من يرجع إلى الأجزاء الموجودة من الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
المؤلفات في القرن السادس:
وفي القرن السادس الهجري، ألف الإمام «أبو الفرج بن الجوزي» المتوفّى سنة 597 هـ كتابا سماه: «فنون الأفنان، في علوم القرآن» وكتابا آخر سماه: «المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن» (1).
المؤلفات في القرن السابع:
وفي القرن السابع: ألف الشيخ «علم الدين علي بن محمد السخاوي» المتوفى سنة 643 هـ كتابا سماه «جمال القراء»، وألّف العلامة عبد الرحمن ابن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف «بأبي شامة» المتوفى سنة 665 هـ كتابا سماه «المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز».
وهذه الكتب- كما قال «السيوطي» -: «عبارة عن طائفة يسيرة، ونبذة قصيرة» بالنسبة للمؤلفات التي ألفت بعد في هذا العلم.
المؤلفات في القرن الثامن:
ثم أهلّ القرن الثامن: فألف فيه الإمام «بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي» (2) المولود سنة 745 والمتوفى سنة 794 هـ كتابا سماه: «البرهان في علوم القرآن»، ذكر فيه سبعة وأربعين نوعا من أنواع علوم القرآن، وقد سردها «السيوطي» في مقدمة إتقانه، ثم نقل عن «الزركشي» قوله: «واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لأفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره، ولكنا اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله، فإن الصناعة طويلة والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير».--------------------------------------------
(1) هما مخطوطان بدار الكتب.
(2) هو الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، ولد بالقاهرة سنة 745 هـ، وتفقه بمذهب الإمام الشافعي، ولازم الشيخ جمال الدين الإسنوي رئيس الشافعية بمصر، وتخرج على الشيخ سراج الدين البلقيني والحافظ مغلطاي، وألف في الحديث والفقه الشافعي والأصول، وكانت وفاته سنة أربع وتسعين وسبعمائة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وهو كتاب جليل، لا يفوقه في هذا العلم إلا كتاب «الإتقان» للسيوطي، وقد اعتمد عليه السيوطي في تأليف إتقانه، كما ستعلم فيما بعد.
وللإمام «تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني» المتوفى سنة 728 هـ رسالة في «أصول التفسير» وهي على وجازتها قيمة جدّا، وقد اشتملت على بعض أنواع «علوم القرآن».
المؤلفات في القرن التاسع:
ثم طلع القرن التاسع: فترعرع فيه هذا العلم، وخطا خطوات فسيحة، فقد ألف فيه الإمام «محمد بن سليمان الكافيجي» (1) المتوفّى سنة 879 هـ، كتابا يقول مؤلفه عنه: «إنه لم يسبق إليه» وهو صغير جدّا في بابه، وقد رتبه على بابين وخاتمة:
الأول: في ذكر معنى التفسير والتأويل، والقرآن والسورة والآية.
والثاني: في شروط القول بالرأي.
والخاتمة: في آداب العالم والمتعلم.
وفي هذا القرن أيضا، وضع الإمام «جلال الدين البلقيني» (2) المتوفّى سنة 824 هـ كتابا أسماه: «مواقع العلوم من مواقع النجوم» قال في مقدمته:
«قد اشتهرت عن «الإمام الشافعي» رضي الله عنه مخاطبة لبعض خلفاء بني العباس (3)، فيها ذكر بعض أنواع القرآن، يحصل منها لمقصدنا--------------------------------------------
(1) هو محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي الحنفي، من كبار العلماء بالمعقولات؛ لأنه لازم السيوطي أكثر من أربعة عشر عاما، وعرف بالكافيجي لكثرة اشتغاله بالكافية في النحو، وانتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، توفي سنة 879 هـ.
(2) هو الشيخ عبد الرحمن بن عمر بن رسلان الكناني العسقلاني، أبو الفضل، جلال الدين- من علماء الحديث بمصر وإليه انتهت رئاسة الفتوى، وولي القضاء بالديار المصرية مرارا، توفي سنة أربع وعشرين وثمانمائة.
(3) ذلك أنه قد وشى به حساده عند «الرشيد» بأنه يعمل للعلويين، وأنه يؤثر بلسانه ما لا يؤثره المقاتل بسيفه، فأمر به هارون الرشيد فحمل على بغل وهو مكبل بقيود الحديد حتى قدم عليه ببغداد، فدافع عن نفسه حتى ظهرت براءته، ولقد كان لغزارة علمه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
الاقتباس وقد صنف في «علوم الحديث» جماعة في القديم والحديث، وتلك الأنواع في سنده دون متنه، أو في مسنديه وأهل فنه (1)، وأنواع علوم القرآن شاملة، وعلومه كاملة، فأردت أن أذكر في هذا التصنيف ما وصل إليه علمي، مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف، وقد ذكر في كتابه هذا خمسين نوعا من علوم القرآن وقد سردها «السيوطي» في مقدمة «الإتقان».
ثم جاء فارس هذه الحلبة الإمام «جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين الأسيوطيّ» المولود سنة 849 والمتوفّى سنة 911 هـ، فألف كتابا سماه: «التحبير في علوم التفسير» ضمنه ما ذكره شيخه البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها، وقد فرغ منه سنة 872 هـ، وقد بلغت أنواعه مائة واثنين.
لكن نفسه التواقة إلى المعرفة والاستقصاء لم تقنع بهذا المجهود، فعزم على تأليف كتاب جامع يسلك فيه مسلك الإحصاء والجمع، والضبط مع حسن الترتيب، والتبويب، وفي هذه الآونة .. وقف على كتاب «البرهان» للزركشي ولم يكن اطلع عليه من قبل فقوي عزمه على إبراز ما أراد، وسأدع «السيوطي» يتحدث عن نفسه في هذه الفترة، التي خطر له فيها تأليف هذا الكتاب الجامع فيقول:
«فبينا أنا أجيل في ذلك فكري، أقدم رجلا وأؤخر أخرى (2)، إذ بلغني--------------------------------------------
أكبر شافع له في هذه المحنة فقد تناظر بين يدي الرشيد هو ومحمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة فأدهش الحاضرين بحجته وفلجه بالصواب، ولما أعجب به الرشيد سأله عن علمه بكتاب الله، فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين فإن الله قد أنزل كتبا كثيرة، فقال الرشيد: قد أحسنت، لكني إنما سألت عن كتاب الله الذي أنزل على ابن عمي «محمد» صلى الله عليه وسلم فقال الشافعي: إن علوم القرآن كثيرة، فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه أو عن تقديمه وتأخيره أو عن ناسخه ومنسوخه أو عن .. أو عن .. وصار يسرد عليه من علوم القرآن ويجيب على كل سؤال بما أدهش الرشيد والحاضرين وهذه القصة تدل على أن مباحث علوم القرآن كانت معلومة للعلماء مركوزة في نفوسهم قبل أن تدون، وتقيد في الكتب.
(1) رجاله وأئمته.
(2) أي وأؤخرها أخرى كناية عن التردد في الشيء، فالمفعول محذوف وهو الضمير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
أن الشيخ الإمام «بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي» ألف كتابا حافلا يسمى «البرهان في علوم القرآن» فتطلبته، حتى وقفت عليه، ثم قال:
«ولما وقفت عليه ازددت به سرورا، وحمدت الله كثيرا، وقوي العزم على إبراز ما أضمرته، وشددت الحزم في إنشاء التصنيف الذي قصدته، فوضعت هذا الكتاب العلي الشأن، الجلي البرهان، الكثير الفوائد والإتقان ورتبت أنواعه ترتيبا أنسب من ترتيب البرهان، وأدمجت بعض الأنواع في بعض، وفصلت ما حقه أن يبان، وزدته على ما فيه من الفوائد والفرائد والقواعد والشوارد ما يشنف الآذان وسميته ب «الإتقان في علوم القرآن».
وقد جعله مقدمة للتفسير الكبير الذي شرع فيه، والجامع بين الرواية والدراية، والمسمى: «مجمع البحرين ومطلع البدرين»، وقد جمع ثمانين نوعا من أنواع علوم القرآن (1).
8 - الإتقان في الميزان
الإمام «السيوطي» - عليه رحمة الله- رجل طلعة باقعة (2) لم يدع شاردة ولا واردة، إلا اطلع عليها، فلا عجب أن جاء كتابه كالفهرس لعلوم القرآن، وقد ذكر فيه خلاصات مئات الكتب المؤلفة في هذه العلوم، وفي غيرها، وبحسبك أن تقرأ أسماء الكتب التي اعتمد عليها في تأليف كتابه، وقد سردها في مقدمته، لتتبين صدق هذا القول.
ومن محاسن «الإتقان» أن يذكر في مقدمة كل نوع من أنواعه الكتب التي ألفت مستقلة في هذا النوع وهو بهذا يرشد القارئ إلى المراجع، ويحمله على الاستزادة في البحث، والتحري عن الحقائق، واستقصاء ما كتب في الموضوع، ثم يأخذ في ذكر نقول ونماذج من هذه الكتب، توضح--------------------------------------------
و «أخرى» صفة لموصوف محذوف أي «وأؤخرها مرة أخرى».
(1) انظر الإتقان ج 1 من ص 4 - 18.
(2) طلعة- بضم الطاء وفتح اللام- كثير الاطلاع، والباقعة، الذكي العارف الذي لا يفوته شيء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)