من الخير والصلاح أو ينسب إلى العلم وليس هو كذلك (1).
أقول: ولعل القول بالعموم أولى ليشملهم، وكل من على شاكلتهم إلى يوم القيامة، وليس من شك في أن من فرح بما فعل من إنكار الحق، ومحاولته ستره وجحوده، أو بما أعطى فرح بطر وأشر، وحبه أن يحمد بما لم يفعل، وبما ليس فيه من الصفات- ليس بمنجاة من عذاب الله؛ لأنها من الرذائل الخلقية التي لا يرضاها الإسلام.
ومن قال: إن هاتين الرذيلتين اللتين تضمنتهما الآية لا يسلم منهما إنسان أنا لا أوافق مروان على هذا، ولا سيما في العصور الأولى الفاضلة، فقد كان معظم المسلمين ممن تأبى أخلاقهم هذا، أما ما رآه ابن عباس فهو اجتهاد منه، وكأنه رأى في سبب النزول صارفا للفظ عن عمومه استقطاعا لما استفظعه مروان، ولا حجر في الإسلام على الاجتهاد، ولكل وجهة هو موليها.
الفائدة الثانية:
أنه يعين على فهم الحكمة، التي يشتمل عليها التشريع، وفي ذلك فائدة للمؤمن، وغير المؤمن؛ أما المؤمن فيزداد إيمانا وبصيرة بحكمة الله في تشريعه فيدعوه ذلك إلى شدة التمسك بها، وأما غير المؤمن فيعلم أن الشرع قام على رعاية المصلحة، وجلب المنفعة، ودفع المضرة، فيدعوه ذلك إن كان منصفا إلى الدخول في الإسلام، وذلك مثل ما إذا عرفنا سبب تحريم الخمر، عرفنا الحكمة في التحريم؛ إذ أنها توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتذهب العقل والوقار، وتضر بالصحة، وتفني الأموال في غير طائل.
الفائدة الثالثة:
رفع توهم الحصر: قال الشافعي- ما معناه- في قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) تفسير الخازن ج 1 ص 409، وانظر تفسير الآلوسي عند هذه الآية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ … [الأنعام: 145] الآية، إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة، والمحادة، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلوى، فنقول له: لا آكل اليوم إلا حلوى، والغرض: المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة؛ فكأنه قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به.
ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد: إثبات التحريم لا إثبات الحل، قال إمام الحرمين (1): «وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات، فيما ذكرته الآية، وهذا قد يكون من الشافعي أجراه مجرى التأويل».
الفائدة الرابعة:
معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وتعيين المبهم فيها، وفي ذلك إسناد الفضل لأهله، ونفي التهمة عن البريء الذي ألصق به ما هو براء منه، وذلك مثل ما روي عن السيدة عائشة- رضي الله عنها أنها ردت على «مروان بن الحكم» حينما اتهم أخاها «عبد الرحمن بن أبي بكر» بأنه الذي نزل فيه قوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ … [الأحقاف: 17] الآية، وقالت:
«والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته» (2) رواه البخاري.
ومثل ما إذا عرفنا سبب النزول في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) [سورة البقرة: 207]--------------------------------------------
(1) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الشافعي العراقي شيخ الإمام الغزالي، وأعلم أصحاب الشافعي المتأخرين، نسبة إلى جوين كورة بخراسان كما في القاموس، وصاحب التصانيف الكثيرة، توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
(2) صحيح البخاري- كتاب التفسير- سورة الأحقاف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
عرفنا أن صاحب الفضل هو سيدنا «صهيب بن سنان» الرومي- رضي الله عنه (1) - وكذا إذا عرفنا سبب نزول قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ … [الأحزاب: 37] الآية، علمنا أن المنعم عليه هو سيدنا «زيد بن حارثة» رضي الله عنه والآية وإن جاء فيها فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً ولكنها لم تبين من هو زيد هذا فبين سبب النزول أنه زيد بن حارثة.
الفائدة الخامسة:
معرفة أن سبب النزول غير خارج من حكم الآية فيما إذا كان لفظ الآية عامّا، وورد مخصص لها؛ فبمعرفة السبب يكون التخصيص قاصرا على ما عداه لقيام الإجماع على دخول صورة السبب، ولو لم نعرف السبب لجاز أن يكون مما خرج بالتخصيص، مع أنه لا يجوز.
الفائدة السادسة:
تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ؛ فعند هؤلاء ما لم يعرف السبب لا يمكن معرفة المقصود بالحكم، ولا القياس عليه، وتبقى الآية معطلة خالية من الفائدة.
الفائدة السابعة:
تثبيت الوحي، وتيسير الحفظ والفهم، وتأكيد الحكم في ذهن من يسمع الآية، إذا عرف سببها؛ وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص، والأزمنة والأمكنة، كل ذلك من دواعي تقرر الأشياء؛ وانتقاشها في الذهن، وسهولة استذكارها عند تذكر ما يقارنها، وذلك هو فيما يعرف في علم النفس بقانون «تداعي المعاني».--------------------------------------------
(1) انظر أسباب النزول للسيوطي عن بيان سبب نزول هذه الآية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
التعبير عن سبب النزول
للعلماء في ذلك طريقتان، استفيدتا من تتبع عباراتهم في هذا المقام:
الأولى: قولهم: سبب نزول هذه الآية كذا، وهذه العبارة نص في بيان السبب، ولا تحتمل غيرها ومثل هذه العبارة أن يذكر الراوي سؤالا أو حادثة ثم يقول: فأنزل الله كذا، فهذه نص أيضا، وقد لا يصرح بالإنزال، ولكن يفهم من فحوى القصة أن هذه الآيات أو الآية نزلت بسبب هذا السؤال أو الحادثة، وذلك مثل رواية «ابن مسعود» الآتية في سبب نزول آية الروح.
الثانية: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، وهذه العبارة ليست نصا في السببية، بل تحتمل السببية، وتحتمل بيان المعنى، وما تضمنته الآية من الأحكام، والقرائن هي التي تعين أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه.
قال العلامة «تقي الدين ابن تيمية»: «قولهم: نزلت الآية في كذا، يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب؛ كما تقول: عني بهذه الآية كذا، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند
فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد، وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه الآية، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند».
وهذا الذي ذكره ابن تيمية وغيره من أن الآثار التي ذكر فيها سبب النزول صراحة لها حكم المسند المرفوع هو الذي ذهب أئمة علوم الحديث إليه، قال الحاكم في «علوم
الحديث»: إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا، فإنه حديث مسند، ومشى على هذا ابن الصلاح وغيره من أئمة الفن، قال ابن الصلاح في مقدمته:
«وما قيل من أن تفسير الصحابي حديث مسند فإنما ذلك في تفسير يتعلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
بسبب نزول آية يخبر بها الصحابي أو نحو ذلك».
وقال «الزركشي» في البرهان: «قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع».
قول التابعي في سبب النزول:
قد علمت مما تقدم من أن قول الصحابي في سبب النزول له حكم المسند المرفوع، وأما قول التابعي في أسباب النزول فهو مرفوع أيضا، لكنه مرسل لحذف الصحابي، وقد يقبل إذا صح السند إليه، وكان الراوي من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل آخر، أو نحو ذلك.
تفريع على ما تقدم: وعلى هذا إذا وردت روايتان أو أكثر، وكانت إحداهما نصّا في بيان سبب النزول والثانية ليست نصّا فيه، أخذنا في السببية بما هو نص، وحملنا الأخرى على بيان المعنى؛ مثل ذلك ما أخرجه «مسلم» في صحيحه عن جابر قال: «كانت اليهود تقول من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله سبحانه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: 222] الآية» أي من أي جهة شئتم، أو على أي حال شئتم، فأنى للكيفية، والحال، لا للمكان.
وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: أنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ … في إتيان النساء في أدبارهن، يعني في تحريم ذلك.
فالمعتمد عليه في بيان السبب هي رواية «جابر» لكونها نصّا في ذلك، أما رواية «ابن عمر» فتحمل على بيان المعنى، وحكم إتيان النساء في أدبارهن وهو التحريم، استنباطا منه، وهذا هو اللائق بالصحابي؛ القول بالتحريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وأما إن قال- كل من الراويين أو الرواة-: نزلت هذه الآية في كذا فهذه العبارة ليست نصّا في السببية كما ذكرنا، بل تحتمل بيان التفسير والمعنى، فإن كان اللفظ يحتمل قول كل حمل على الجميع، وإلا ترجح ما يقتضيه اللفظ أو يشهد له السمع، أو تؤيده الأدلة.
وأما إذا كانت كل من الروايتين أو الروايات نصّا في بيان السبب، فهنا يكون البحث والنظر، ولنفرد لذلك عنوانا، فنقول:
تعدد الأسباب، والمنزل واحد
إذا ذكر كل من الراويين أو الرواة عبارة هي نص في السببية، فلذلك أحوال أربعة، لأنها:
1 - إما أن تكون إحدى الروايتين صحيحة، والأخرى غير صحيحة.
2 - إما أن تكون كل منهما صحيحة، ولكن يمكن الترجيح.
3 - وإما أن تكون كل منهما صحيحة، ولا يمكن الترجيح، ولكن يمكن نزول الآية عقبها.
4 - وإما أن تكون كل منهما صحيحة، ولا يمكن الترجيح، ولا نزول الآية عقبها.
وإليك حكم كل حالة من هذه الحالات، وذكر أمثلتها:
الحالة الأولى:
أن تكون إحدى الروايتين صحيحة، والأخرى غير صحيحة، فالمعتمد عليه في السبب: هي الصحيحة وترك الأخرى غير الصحيحة، مثال ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما، عن جندب قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة، أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك.
فأنزل الله: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3).
وما أخرجه الطبراني، وابن أبي شيبة في مسنده، والواحدي وغيرهم بسند فيه من لا يعرف عن حفص بن ميسرة، عن أمه، عن أمها- وكانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جروا دخل بيت النبي، فدخل تحت السرير، فمات فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله جبريل لا يأتيني فقلت في نفسي لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترتعد لحيته (1) - وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة فأنزل الله وَالضُّحى (1) … إلى قوله: فَتَرْضى.
فالمعتمد عليه هو الرواية الأولى؛ لأنها صحيحة، أما الثانية ففي إسنادها من لا يعرف، قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: «قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب بل شاذ مردود، وفي إسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما في الصحيح» (2).
الحالة الثانية:
أن تكون كلتا الروايتين صحيحة، ولإحداهما مرجح؛ لكون إحدى الروايتين أصح من الأخرى، أو لكون الراوي حاضر القصة، أو نحو ذلك من وجوه الترجيح، فالحكم أن
نأخذ في السبب بالرواية الراجحة، دون المرجوحة.
مثال ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: «كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه فقالوا: حدثنا عن الروح، فقام ساعة، ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال (3): قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ--------------------------------------------
(1) في مختار الصحاح: الارتعاد: الاضطراب، تقول: أرعده فارتعد، والاسم الرعدة بالكسر- يعني كسر الراء، فمعنى ترتعد: تضطرب.
(2) فتح الباري ج 8 ص 710 ط السلفية.
(3) هذه الرواية وإن لم تصرح بالسبب إلا أن السببية مفهومة من فحوى القصة؛ لأنه ذكر الحالة التي يكون عليها النبي عند نزول الوحي، ثم ذكر الآية عقب ذلك، كالنص على السببية، وهذه الرواية هي ما أردت التمثيل بها لما ذكرته آنفا في التعبير عن سبب النزول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.
وأخرج الترمذي، وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود:
أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل- يريدون النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ … [الإسراء: 85] الآية.
فالأولى تدل على أن السائل اليهود، وأن نزولها بالمدينة، والثانية تدل على أن السائل الكفار، وأنها نزلت بمكة، والأولى أرجح لأمرين:
1 - أنها من رواية البخاري، وهي أصح من رواية الترمذي.
2 - أن الراوي في الأولى، وهو ابن مسعود كان حاضر القصة، ومشاهدا لها، أما الثانية فليس فيها أن الراوي لها- وهو ابن عباس- كان مشاهدا لها، ولا شك أن للمشاهدة قوة في التحمل (1).
الحالة الثالثة:
أن تكون كل من الروايتين أو الروايات صحيحة ولا يمكن الترجيح، ولكن يمكن نزول الآية أو الآيات عقب السببين أو الأسباب، لعدم العلم بالتباعد، فيحمل ذلك على تعدد السبب والمنزل واحد.
مثال ذلك ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة، عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء (2) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة، أو حدّ في ظهرك»، فقال: يا رسول الله إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البينة، أو حد في ظهرك»، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما--------------------------------------------
(1) يرى ابن كثير الجمع بينهما بتكرر النزول، وكذا قال ابن حجر، وأما الترجيح: فهو رأي السيوطي في الإتقان، وأسباب النزول، انظر: الإتقان ج 1 ص 33 وأسباب النزول للسيوطي على هامش الجلالين، سورة النور.
(2) سحماء: بالسين ثم الحاء المهملتين: اسم أمه واسم أبيه: عبدة بن مغيث بن الجعد ابن عجلان البلوي حليف الأنصار (الإصابة ج 2 ص 152) وقد ذكر في الإتقان: ابن سمحاء- بتقديم الميم- وهو خطأ مطبعي لا محالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل، وأنزل الله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ …
فقرأ حتى بلغ: إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (1).
وروى مسلم في صحيحه بسنده، عن أنس بن مالك قال: «إن هلال بن أمية، قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا للبراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لا عن في الإسلام .. » الحديث (2).
وهذه الرواية تدل أيضا- لكن لا بطريق التصريح- على أن الآية نزلت بسبب «هلال».
وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: «جاء (عويمر) إلى عاصم بن عدي فقال: اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع به فسأل عاصم رسول الله، فكره رسول الله المسائل، فأخبر عاصم عويمرا، فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه، فأتاه فسأله، فقال: «إنه قد أنزل الله فيك، وفي صاحبتك القرآن … » الحديث.
فهاتان الروايتان صحيحتان، ولا مرجح لأحدهما، ويمكن الجمع بينهما بأن أول من سأل «هلال بن أمية» ثم سأل «عويمر» أيضا قبل الإجابة، فأنزل الله آيات اللعان، إجابة لهما معا.
وهذا التوفيق بين الروايتين أولى من ردهما، إذ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، أو الأخذ بإحداهما دون الأخرى، لما فيه من الترجيح بلا مرجح وهو غير جائز.
وإلى هذا جنح الإمام النووي، فقال: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما (3).--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري- كتاب التفسير- سورة النور، وكتاب النكاح- أبواب اللعان.
(2) صحيح مسلم- كتاب اللعان، وانظر شرح مسلم للنووي على هامش شرح القسطلاني للبخاري ج 6 ص 314 - 333.
(3) شرح النووي على مسلم ج 10 ص 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وسبقه الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد. وهذا ما رجحه السيوطي في الإتقان، وأسباب النزول.
وإذا انضم إلى هاتين الروايتين ما رواه البزار عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «لو رأيت مع أم رومان رجلا، ما كنت فاعلا به» قال:
شرّا، قال: «فأنت يا عمر» قال: كنت أقول لعن الله الأعجز، وإنه لخبيث، فنزلت.
وعلى هذا تكون الآيات نزلت عقب هذه الأسباب كلها، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: لا مانع أن تتعدد القصص، ويتحد النزول.
الحالة الرابعة:
استواء الروايتين أو الروايات في الصحة، ولا مرجح لأحدهما، ومع عدم إمكان نزول الآية عقبهما، لتباعد الزمان، فالحكم، أن يحمل الأمر على تكرر النزول، ولا مانع من تكرر النزول؛ بل له حكم، قال «ابن الحصار»: «قد يتكرر نزول الآية تذكيرا وموعظة»، وقال «الزركشي» في--------------------------------------------
وقال الحافظ في الفتح ما خلاصته: وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع؛ منهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، وجاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال، وما أنزل الله بشأنه فأخبره النبي بالحكم وبنزول آيات في ذلك، ومنهم من جمع بينهما، بأن أول من وقع له هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا فنزلت في شأنهما معا في وقت واحد، ثم ذكر أن القرطبي جنح إلى تجويز تكرر النزول (الفتح ج 8 ص 213) ولعل ما ذهب إليه السيوطي في الجمع بينهما هو الأولى والأسلم.
وقال الحافظ في (الفتح ج 9 ص 271) في شرح أحاديث اللعان، وقد قدمت اختلاف أهل العلم في الراجح من ذلك، وبينت كيفية الجمع بينهما في تفسير سورة «النور» بأن يكون هلال سأل أولا ثم سأل عويمر فنزلت في شأنهما، وظهر لي الآن: احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول ثم جاء هلال بعد فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فوجد الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه النبي بأنها نزلت فيه، يعني: أنها نزلت في كل من وقع له ذلك؛ لأن ذلك لا يختص بهلال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
البرهان: «قد ينزل الشيء مرتين؛ تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه، وخوف نسيانه».
ومثال ذلك، ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثل به، فقال: «لأمثلن بسبعين منهم مكانك» فنزل جبريل- والنبي واقف- بخواتيم سورة «النحل» وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة.
وأخرج الترمذي، والحاكم، عن أبيّ بن كعب قال: «لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله سبحانه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا …
[النحل: 126 - 128].
فالأولى: تفيد أن الآيات نزلت عقب أحد.
والثانية: تفيد أنها نزلت يوم الفتح، وبين أحد والفتح حوالي خمس سنين، فيبعد نزول الآيات عقبهما، مع التباعد في الزمن، وإذا، فلا مناص من القول، بتعدد النزول مرة يوم أحد ومرة يوم الفتح.
وهذا على أن سورة «النحل» مكية إلا خواتيمها كما روي.
وقد ذهب البعض إلى أن سورة «النحل» كلها مكية بما فيها هذه الآيات، وعلى هذا الرأي تكون نزلت ثلاث مرات، مرة بمكة، ومرة ثانية عقب أحد، ومرة ثالثة يوم الفتح.
وفي هذا التكرار تذكير الله لعباده بما اشتملت عليه الآيات من الإرشادات والآداب العالية، وهي: تحري العدالة والإنصاف عند الانتصار للنفس، وكبح جماح شهوة التشفي والإسراف في الانتقام عند النصر والظفر بالأعداء، وضبط النفس عند الغضب، والتذرع بالصبر عند وقوع المكروه، والتحلي بسعة الصدر، وجمال التقوى في جميع الحالات.
وقد جعل «ابن كثير» و «ابن حجر» من هذا القسم آية الروح، وكأنهما لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
يريان الجمع بين الروايتين بالترجيح كما بينا، ويريان الجمع بينهما بتكرر النزول.
ومما ذكر من هذا القبيل سورة «الإخلاص» فقد روي أنها نزلت جوابا للمشركين، وروي أنها نزلت جوابا لأهل الكتاب بالمدينة، فحمل على تكرر النزول.
ومن ذلك سورة «الفاتحة» فقد ذكروا أنها نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة.
وقد أنكر بعض العلماء كون شيء من القرآن تكرر نزوله، وعلله بأن تحصيل ما هو حاصل لا فائدة فيه، وهو مردود بما ذكرنا من الفوائد والحكم (1).
تنبيه مهم
قد يكون في إحدى القصتين: فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فيغلط الراوي فيقول: فنزل كذا، فيظن أن ذلك سبب للنزول وليس كذلك، فينبغي التنبه لذلك، وتحرير لفظ الرواية، وبذلك يسهل علينا الوصول إلى الحق والصواب في أسباب النزول.
مثاله: ما أخرجه الترمذي وصححه، عن ابن عباس قال: «مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تقول يا «أبا القاسم» إذا وضع الله السموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، فأنزل الله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: 67] وقد وهم الراوي في قوله: «فأنزل» والحديث ورد في الصحيح بلفظ: «فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم» وهو الصواب، ومما يؤيد هذا أن الآية مكية لا مدنية.
ومن أمثلته: ما أخرجه البخاري، عن أنس قال: «سمع عبد الله ابن--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه، فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي:
1 - ما أول أشراط الساعة
2 - وما أول طعام أهل الجنة
3 - وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه
قال: «أخبرني بهن جبريل- عليه السلام آنفا»، قال: جبريل قال:
«نعم» قال: ذلك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ … الآية، قال «ابن حجر» في شرح البخاري: ظاهر السياق أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية ردّا على اليهود، ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ، قال: وهذا هو المعتمد، فقد صح في سبب نزول الآية قصة غير قصة «ابن سلام» (1).
وهكذا يتبين لنا أن «فتلا كذا» أو «فقرأ كذا» لا تدل على أنها نزلت حينئذ ويكون ذكرها عقب القصة، للاستشهاد كما في الأولى، أو للرد كما في الثانية.
تعدد المنزل، والسبب واحد
قد يكون الأمر الواحد سببا لنزول آيتين أو آيات متعددة متفرقة، وذلك عكس ما تقدم، ولا إشكال في ذلك، ولا بعد؛ فقد ينزل في الوقعة الواحدة آيات عديدة في سور شتى، تبيانا وإرشادا للخلق، وإقناعا للسائل.
1 - من أمثلة ذلك- السبب الواحد تنزل فيه الآيتان- ما أخرجه البخاري من حديث زيد بن ثابت: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه لّا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله … ، فجاء ابن أم مكتوم وقال:
يا رسول الله؛ لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان أعمى- فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء: 95 - 96].--------------------------------------------
(1) انظر أسباب النزول للسيوطي ج 1 ص 18 - 19 هامش الجلالين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن زيد بن ثابت أيضا قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لواضع القلم على أذني، إذ أمر بالقتال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف لي يا رسول الله وأنا أعمى، فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) [التوبة: 91].
2 - ومن أمثلته أيضا- السبب الواحد تنزل فيه أكثر من آيتين- ما أخرجه الترمذي والحاكم، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ … [آل عمران:
195].
وأخرج الحاكم عنها- أيضا- قالت: قلت: يا رسول الله، تذكر الرجال ولا تذكر النساء، فأنزل الله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ … [الأحزاب: 35]، وأنزلت: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى … الآية.
وأخرج أيضا عنها أنها قالت: تغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله سبحانه: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [النساء: 32] وأنزل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ … الآية.
فالظاهر أن واقعة السؤال واحدة، وأن الآيات الثلاث نزلت بعد هذا السؤال؛ ولا يبعد هذا اختلاف صيغة السؤال؛ لجواز أن يكون سؤالها عامّا شاملا لكل ما روي، ولكن الراوي اقتصر على بعض السؤال دون بعض، أو تذكر بعضه ونسي البعض.
3 - ومن أمثلته ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان، فطلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك»، فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا … [التوبة: 74].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
وأخرجه أحمد والحاكم بهذا اللفظ، وآخره: فأنزل الله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ … [المجادلة: 18].
وهذا البحث الذي حرره الإمام السيوطي واستخرجه بفكره من صنيع الأئمة ومتفرقات كلامهم من الحسن بمكان.
عموم اللفظ وخصوص السبب
هذا الموضوع من الموضوعات التي عني بها الأصوليون في كتبهم؛ وذلك لأنهم ينظرون في حال الأدلة من حيث إفادتها للأحكام من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد ونحو ذلك، وقد يكون الدليل عامّا مع خصوص السبب فيحتاج الأصولي إلى بيان حال الدليل من حيث كونه يتخصص بسببه أو يعم باعتبار لفظه، ولا نظر للسبب إلا من حيث أن الأفراد التي بتناولها الدليل العام تكون من نوع ذلك السبب، وهو مع كونه من مباحث علم الأصول، فهو بسبب وثيق من مباحث أسباب النزول الذي هو من أنواع «علوم القرآن».
وقبل أن نفصل الخلاف في هذا الموضوع نذكر أحوال كل من السبب واللفظ النازل عليه من عموم وخصوص فنقول: القسمة العقلية تقتضي أربع صور وهي:
1 - أن يكون كل من السبب واللفظ النازل عليه خاصّا.
2 - أن يكون كل من السبب واللفظ النازل عليه عامّا.
وهذان القسمان ليسا محل خلاف بين العلماء؛ لأن المطابقة حاصلة بين السبب الذي هو بمنزلة السؤال وبين اللفظ المنزل عليه الذي هو بمنزلة الجواب له.
3 - أن يكون السبب عامّا واللفظ النازل عليه خاصّا وهذا القسم وإن صح عقلا لكنه لا يجوز بلاغه لعدم وجود التطابق بين السبب الذي هو بمنزلة السؤال واللفظ النازل عليه الذي هو بمنزلة الجواب له فيكون بمنزلة من يقول هل للمسلمين أن يفعلوا كذا فيجاب بأن لفلان أن يفعل كذا ويترك حال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
الباقين، ومن ثم لم يقع هذا في الكلام البليغ كالقرآن والسنة.
4 - أن يكون السبب خاصّا واللفظ النازل عليه عامّا، وهذا القسم جائز عقلا وواقع فعلا إذ لا ضير فيه ولا خلل بل هو أتم وأوفى بالمقصود قال الزمخشري في تفسيره سورة «الهمزة»: يجوز أن يكون السبب خاصّا والوعيد عامّا ليتناول كل من باشر ذلك القبيح وليكون ذلك جاريا مجرى التعريض.
وهذا القسم هو محط اختلاف العلماء، فذهب الجمهور من العلماء إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فحادثة «خولة بنت ثعلبة» التي ظاهر منها زوجها «أوس بن الصامت» كانت سببا لنزول آيات الظهار، وهي قوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ [المجادلة:
2 - 4]، فاللفظ النازل عام: لأنه اسم موصول، وهو من صيغ العموم ويدخل تحت هذا العموم خولة ومن كان على شاكلتها ممن يظاهر منهن، وحادثة هلال بن أمية الذي رمى امرأته بشريك بن سحماء قد نزل بسببها آيات اللعان هي وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ [سورة النور: 6 - 9] الآيات، فاللفظ النازل عام وهو شامل لمن نزلت فيه الآية ولغيره ممن هو على شاكلته، هذا هو رأي الجمهور.
وذهب غير الجمهور إلى أن العبرة بخصوص السبب يعني: أن لفظ الآية يكون قاصرا على من نزلت بسببه الآية، فآيات الظهار مثلا لفظها خاص بخولة بنت ثعلبة ومظاهرة زوجها منها.
وآيات اللعان لفظها خاص بهلال بن أمية، أما حكم غيرهما ممن يشبههما فلا يكون مستفادا من لفظ الآية إنما يستفاد بطريق القياس أو بالاجتهاد لدخوله تحت القاعدة المعروفة عند الأصوليين وهي: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة (1).--------------------------------------------
(1) جرت كتب الأصول على عد هذا الكلام حديثا وهو بهذا اللفظ لا يعرف ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو في معنى حديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مبايعة النساء: «إني لا أصافح النساء وما قولي لامرأة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
تنبيهات:
1 - ينبغي أن يلاحظ أن هذا الخلاف القائم بين الجمهور وغيرهم محله إذا لم تقم قرينة على تخصيص لفظ الآية العام بسبب نزوله أما إذا قامت تلك القرينة فإن الحكم يكون مقصورا على سببه لا محالة بإجماع العلماء.
2 - لا يتوهمن متوهم أن غير الجمهور يقولون بعدم عموم أحكام الآيات النازلة على أسباب خاصة فالكل من الجمهور وغيرهم متفقون على عموم أحكام هذه الآيات غير أن الجمهور يقولون: إن العموم مستفاد من اللفظ أما غير الجمهور فيقولون: إن صورة السبب معلومة من اللفظ قطعا أما غير صورة السبب فحكمها مستفاد بالقياس أو الاستدلال كما ذكرنا.
قال الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية في «أصول التفسير» (1) ما ملخصه:
قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إذا كان المذكور شخصا.
كقولهم إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس بن شماس (2)، وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وأن آية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ نزلت في بني قريظة والنضير ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم--------------------------------------------
واحدة إلا كقولي لمائة امرأة» انظر: كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ج 1 ص 264.
(1) مقدمة في أصول التفسير ص 12 - 13، الإتقان ج 1 ص 3.
(2) المعروف أن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وهذا هو الذي تظاهرت عليه الروايات في كتب التفسير وأسباب النزول، وقيل: إنها نزلت بسبب سلمة بن صخر الأنصاري لما ظاهر من زوجته، والحق هو الأول وإن لسلمة قصة أخرى، وعلى كثرة التحري والبحث لم أجد أحدا روى أنها نزلت في امرأة ثابت بن قيس بل رجعت إلى تواريخ الصحابة علّي أجد في ترجمة ثابت ما يدل على ذلك فلم أجد فتأكدت أن هذا سهو من الإمام- رحمه الله والسهو من طبيعة الإنسان، ولا سيما والإمام ابن تيمية كان جل اعتماده في كتبه على الذاكرة والإلقاء على تلاميذه، ومريديه، ولم يكن عنده من الاستقرار وفسحة الوقت ما يجعله يراجع ما أملاه، ويتدارك ما عسى أن يكون وقع فيه من سهو ونسيان والعصمة لله وحده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
من المشركين بمكة، أو في قوم من اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يختص بسببه فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال:
إنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه ولا يكون فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين إن كان أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته.
[ثمرة الخلاف بين الجمهور وغيرهم]
وثمرة هذا الخلاف ترجع إلى أمرين:
1 - أن الحكم على أفراد غير السبب مدلول عليه بالنص النازل فيه عند الجمهور، وذلك النص قطعي الثبوت اتفاقا، وقد يكون مع هذا قطعي الدلالة أما غير الجمهور فالحكم عندهم على غير أفراد السبب ليس مدلولا عليه بالنص بل بالقياس أو الاستدلال بالكلمة المعروفة عند الأصوليين وكلاهما غير قطعي.
2 - أن أفراد غير السبب يتناولها الحكم عند الجمهور ما دام اللفظ قد تناولها، أما غير الجمهور فلا يسحبون الحكم إلا على ما استوفى شروط القياس دون سواه إن أخذوا فيه بالقياس.
أدلة الجمهور
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأدلة نكتفي منها بما يأتي:
الدليل الأول: احتجاج الصحابة وغيرهم من الأئمة المجتهدين في جميع الأعصار في وقائع بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة، وهذا أمر شائع ذائع بينهم ولم يعرف عنهم أنهم لجأوا إلى قياس أو استدلال بغير لفظ الآيات، فدل ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ومن ذلك احتجاجهم بآية السرقة في قطع يد كل سارق مع نزولها في حادثة خاصة وهي سرقة المجن أو رداء صفوان واحتجاجهم بآيات حد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
القذف على حد كل قاذف مع أنها نزلت بسبب الذين رموا السيدة الحصان عائشة- رضي الله عنها بالإفك؛ وكذلك بآيات اللعان وبآيات الظهار مع نزولها على أسباب خاصة على ما ذكرت لك آنفا وهكذا.
ومما يدل على اعتبار الصحابة ومن بعدهم للعموم ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله تعالى:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ أخاص هو أم عام قال: عام.
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن معقل بن مقرن التابعي الجليل قال: جلست إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد- يعني مسجد الكوفة كما في حديث آخر- فسألته عن الفدية- يعني في قوله تعالى:
فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فقال: نزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة (1).
وروى ابن جرير بسنده عن أبي معشر نجيح (2) قال: سمعت سعيدا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي فقال سعيد: إن في بعض كتب الله: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين يجترون الدنيا بالدين قال الله تعالى:
أعليّ يجترئون وبي يغترون وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب القرظي: هذا في كتاب الله، فقال سعيد:
وأين هو من كتاب الله قال قول الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (3) (204) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي
الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها
[البقرة: 204 - 205] الآية، فقال سعيد:--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري- كتاب المحصر- باب الإطعام في الفدية نصف صاع،: انظر رقم 4517.
(2) نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني أبو معشر، وهو مولى بني هاشم مشهور بكنيته، ضعيف، من السادسة، أسن واختلط، مات سنة سبعين ومائة.
(3) شديد الخصومة والعداوة للمسلمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
فقد عرفت فيمن أنزلت فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد.
قال ابن كثير (1): وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
الدليل الثاني: قالوا لو لم تكن العبرة بعموم اللفظ للزم استعمال العام في الخاص، وفي هذا صرف له عما وضع له بغير قرينة مانعة من العموم، واللازم باطل فبطل ما أدى إليه، وثبت نقيضه وهو أن العبرة بعموم اللفظ.
فإن قال قائل: إن خصوص السبب مانع من حمل اللفظ على العموم فهو قرينة صارفة.
قلنا: إن خصوص السبب لا يستلزم إخراج غير السبب من متناول اللفظ فلا يصلح إذا أن يكون صارفا عن استعمال العام في معناه الموضوع له وهو أفراده التي منها صورة السبب وغيره.
وبهذا ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
أدلة غير الجمهور
استدل غير الجمهور بأدلة نكتفي منها بما يأتي:
الأول: قالوا لو كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لجاز إخراج صورة السبب بالتخصيص، لكن التالي باطل فبطل ما أدى إليه وثبت نقيضه وهو أن العبرة بخصوص السبب.
أما وجه الملازمة فإن اللفظ العام يجوز إخراج أي صورة منه بالتخصيص فتكون صورة السبب كغيرها في جواز إخراجها من اللفظ العام، وأما وجه بطلان التالي فلأن الإجماع منعقد على عدم جواز إخراج صورة السبب من--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير والبغوي ج 1 ص 647 ط المنار، الإتقان ج 1 ص 29، وقد جاء نص هذا الأثر في الإتقان مصحفا ومحرفا وقد اعتمدت فيما نقلته على تفسيري ابن جرير وابن كثير وفي تفسير القرطبي أن هذا الأثر رواه الترمذي أيضا والمسوك جمع مسك بفتح الميم وهو الجلد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)