إليه من فكرة العقل الباطن لا تساعدهم بل ترد عليهم.
وبعد: فلعلك أيقنت أن ما ذهبوا إليه من فكرة الوحي النفسي إنما قصدوا بها إبطال الوحي المحمدي، ولكن يأبى الله والراسخون في العلم ذلك، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) [سورة التوبة: 32].
13 - قصة جان دارك
إن تمثيلهم الوحي المحمدي بما زعمته جان دارك الفرنسية من أنها مرسلة من عند الله لإنقاذ وطنها، وأنها سمعت صوت الوحي يأمرها بذلك تجن على الرسالة المحمدية،
والوحي المحمدي، وأين الحصا من نجوم السماء، بل أين السراب من زلال الماء
إن (جاك دارك) لم تدّع النبوة، ولو أنها ادعتها لما صدّقت؛ لأن دعوى النبوة لا تثبت إلا بدليل، وهي المعجزة، وأين ما ظهر على يدها من معجزات وإنما هي فتاة قوية القلب، مرهفة الحس، أهاج وجدانها، وحركه ما كانت تتصف به من شعور ديني كريم، وما كان يعانيه قومها من ذل وعبودية، لقد تلاقى شعورها الديني، وشعورها السياسي، فاستنهضت قومها للجهاد، وقادتهم إلى التخلص من الاستعباد، وقد صادفت دعوتها هوى في نفوس قومها، فأجابوها وخرجوا معها، وكان لهم النصر على العدو، وكونها استغلت مزاعمها في إثارة النفوس وإلهاب الحماس لا يقتضي أنها صادقة فيما زعمت، وما أسهل تهييج حماس أهل فرنسا بمثل هذه المؤثرات، وبما هو أضعف منها، فإن نابليون الأول كان يسوقهم إلى الموت مختارين بكلمة شعرية يقولها ككلمته عند الأهرام، فهي لم تزد عن كونها امرأة شجاعة متدينة، امتلأ قلبها بحب بلادها، ورغبتها في تخليصها من عدوها فقادت جيشا قوامه عشرة آلاف جندي وضابط، وانتصروا على الإنجليز.
وإليك ما ذكره البستاني عنها في (دائرة معارفه) قال: «كانت متعودة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
الشغل خارج البيت كرعي المواشي، وركوب الخيل إلى العين ومنها إلى البيت، وكان الناس في جوار (دومري) - يعني بلدها- متمسكين بالخرافات، ويميلون إلى حزب (أوليان) في الانقسامات التي مزقت مملكة فرنسا، وكانت (جان) تشترك في الهياج السياسي والحماس الديني، وكانت كثيرة التخيل والورع، تحب أن تتأمل في قصص العذراء، وعلى الأكثر في نبوءة كانت شائعة في ذلك الوقت، وهي أن إحدى العذارى ستخلص فرنسا من أعدائها، ولما كان عمرها ثلاث عشرة سنة كانت تعتقد بالظهورات الفائقة الطبيعية، وتتكلم عن أصوات كانت تسمعها، ورؤى كان تراها، ثم بعد ذلك ببضع سنين خيل لها أنها قد دعيت لتخلص بلادها، وتتوج ملكها، ثم أدفع (البرغنيور) تعديا على القرية التي ولدت فيها، فقوى ذلك اعتقادها بصحة ما خيّل لها» (1).
وكان انتصارها سنة (1429 م) ثم ذكر أنها بعد ذلك زالت أخيلتها الحماسية، ولذلك هوجمت في السنة التالية (1430 م) فانكسرت وجرحت وأسرت.
وهكذا يتبين لنا مما ذكره أن دعوتها شبيهة بدعوات من زعم أنه المهدي المنتظر، ودعوة الباب الإيراني، وكذا البهاء والقادياني، وأمثالهم ممن زعموا أنهم يوحى إليهم، ووجدوا من يغتر بدعواتهم، فأين هذه النوبة العصبية القصيرة الأجل المعروفة السبب، والتي لا دعوة فيها إلى دين وعلم ولا إصلاح اجتماعي أو أخلاقي، والتي لم تلبث أن أفل نجمها، وغربت شمسها، أين هذه الدعوة من دعوة الأنبياء ولا سيما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة التي قامت في بيئة هي أبعد ما تكون عن العلم والمعرفة وأقوى ما تكون عنادا وصلابة وعنجهية، والتي تعرضت لتكالب جيوش الشر والغدر، والحقد والعصبية من العرب والرومان والفرس، فإذا بها تصرعهم جميعا، وتهزمهم في عقر دارهم، وتتمخض عن ميلاد أمة هي خير أمة أخرجت--------------------------------------------
(1) الوحي المحمدي ص 79 - 80.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
للناس عقيدة وشريعة، وعلما وعملا، وأخلاقا وفضائل، وعدلا ورحمة، وسياسة وقيادة، أما جان دارك، فلم تصنع بدعوتها أمة، ولم تقم بها حضارة.
بل أين حال هذه الفتاة التي كانت كبارقة أو مضت ثم اختفت، وشمعة أضاءت ثم لم تلبث أن خفتت، وثورة قدر سرعان ما زالت من حال شمس النبوة المحمدية التي أشرقت فأضاءت الأرجاء، وسطعت فبددت الظلمات، ظلمات الشرك والجهل والفقر والخرافات، ولا يزال نورها- ولن يزال- متألق السناء، إلا ما أبعد الفرق بين الحالين، وفرق ما بينهما كفرق ما بين الأرض والسماء.
شبهة أخرى على الوحي المحمدي
لقد أسفّ بعض المستشرقين والمبشرين فزعموا أن الحالة التي كانت تعتري النبي صلى الله عليه وسلم عند تلقي الوحي من جبريل، وهو على حالته الملكية، وهي الحالة التي كان النبي يغيب فيها عن الناس وعما حوله، ويسمع له غطيط كغطيط (1) النائم، ويتصبب عرقه، ويثقل جسمه، هي حالة صرع تتمخض عما يخبر به أنه وحي.
وإليك رد هذه الفرية لترى أنهم طعنوا في غير مطعن، وطاروا في غير مطار.
1 - إن النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء كان أصح الناس بدنا وأقواهم جسما، وأوصافه التي تناقلها الرواة الثقات تدل على البطولة الجسمانية، وقد بلغ من قوته أنه صارع ركانة بن عبد يزيد فصرعه، وكان ركانة هذا مصارعا ماهرا، ما قدر أحد أن يأتي بجانبه إلى الأرض، ولما عرض عليه النبي الدعوة قال: صارعني فإن أنت غلبتني آمنت أنك رسول الله، فصارعه الرسول فغلبه، فقيل إنه أسلم عقب ذلك (2) والمصاب--------------------------------------------
(1) صوت النائم إذا احتبست أنفاسه.
(2) الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص 520، والاستيعاب ج 1 ص 531 (هامش الإصابة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
بالصرع لا يكون على هذه القوة، وقد شهد للنبي رجل غريب عن الإسلام ولكنه منصف قال الكاتب الأجنبي (بودلي) في كتابه (الرسول حياة محمد) مفنّدا هذا الزعم: (لا يصاب بالصرع من كان في مثل الصحة التي كان يتمتع بها محمد صلى الله عليه وسلم حتى قبل وفاته بأسبوع واحد، وإن كان ممن تنتابه حالات الصرع كان يعتبر مجنونا، ولو كان هناك من يوصف بالعقل ورجاحته، فهو محمد).
2 - إن مريض الصرع يصاب بآلام حادة في كافة أعضاء جسمه يحس بها إذا ما انتهت نوبة الصرع، ويظل حزينا كاسف البال بسببها، وكثيرا ما يحاول مرضى الصرع الانتحار من قسوة ما يعانون من آلام في النوبات فلو كان ما يعتري النبي صلى الله عليه وسلم عند الوحي صرعا لأسف لذلك وحزن لوقوعه ولسعد بانقطاع هذه الحالة عنه، ولكن الأمر كان على خلاف ذلك.
لقد فتر الوحي عن الرسول مدة فحزن لذلك حزنا شديدا، وكان يذهب إلى غار حراء وقمم الجبال عسى أن يعثر على الملك الذي جاءه بحراء وبقي محزون النفس من هذه الحالة حتى سري عنه ربه بوصل ما انفصم من الوحي.
3 - إن الوحي لم يكن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال التي قالوا عنها إنها صرع إلا أحيانا وأحيانا كان يأتيه وهو في حالته الطبيعية فلا غيبوبة ولا قلق ولا غطيط، وذلك حينما كان يأتيه جبريل في صورة رجل، وكان الجالسون لا يعرفون أنه جبريل، ولكن النبي كان يعلم ذلك حق العلم وذلك كما حدث في الحديث الطويل الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما والذي يعتبر سجلا جامعا لأصول الإيمان والإسلام والإحسان.
ويدل على حالتي الوحي هاتين الحديث الذي رواه البخاري عن السيدة عائشة- رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام- رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت منه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»، قالت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
عائشة- رضي الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا (1).
4 - إن الثابت علميّا أن المصروع حالة الصرع يتعطل تفكيره وإدراكه تعطلا تامّا، فلا يدري المريض في نوبته شيئا عما يدور حوله، ولا ما يجيش في نفسه كما أنه يغيب عن صوابه، وتعتريه تشنجات تتوقف فيها حركة الشعور ويصبح المريض بلا إحساس.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بعد الوحي يتلو على الناس آيات بينات، وتشريعات محكمات، وعظات بليغات، وأخلاقا عظيمة، وكلاما بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة تحدى به الناس قاطبة- عربهم وعجمهم- أن يأتوا بأقصر سورة منه فما استطاعوا فهل يعقل من المصروع أن يأتي بشيء من هذا اللهم إن هذا أمر لا يجوز إلا في عقول المجانين إن كانت لهم عقول.
5 - لما تقدمت وسائل الطب، واستخدمت الأجهزة والكهرباء في التشخيص والعلاج، إذا الطب يضيف دليلا لا ينقض، ويقيم حجة لا تحتاج إلى مناقشة على كذب فرية الصرع، ويؤكد أن ما كان يعتري رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو وحي من الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يكون شيئا آخر.
لقد ثبت أن نوبات الصرع ناتجة عن تغيرات فسيولوجية عضوية في المخ والدليل على ذلك أنه أمكن تسجيل تغيرات كهربائية في المخ في أثناء النوبات الصرعية مهما كان مظهرها الخارجي، وعلى أية صورة كانت هذه النوبات ومهما ضعفت حدة هذه النوبات ولقد أثبت الطب الحديث أخيرا بعد الاستعانة بالأجهزة، والرسم الكهربائي أن هناك مظاهر عديدة، ومختلفة للنوبات الصرعية، وذلك تبعا لمراكز المخ التي تبدأ فيها التغيرات الكهربائية، وطريقة وسرعة انتشارها، وأهم أنواع الصرع ما يسمى--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري- باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
بالنوبات الصرعية النفسية، وهو ما يشبه أن يكون النوع الذي افتراه الخصوم على الرسول بأنه مصاب به، وفي هذه الحالة تمر بذهن المريض ذكريات أو أحلام مرئية أو سمعية أو الاثنان معا وتسمى «بالهلاوس» وقد أثبت الطب أيضا أن الذكريات التي تمر بالمريض لا بد أن يكون قد عاش فيها المريض نفسه حتما؛ إذ أن النوبة الصرعية ما هي إلا تنبيه لصورة أو صوت مر بالإنسان ثم احتفظ به في ثنايا المخ، وقد أمكن طبيّا إجراء عملية التنبيه هذه بوساطة تيار كهربائي صناعي سلّط على جزء خاص في المخ فشعر المريض بنفس «الهلاوس» التي تنتابه في أثناء نوبة الصرع، وكلما تكررت نوبة الصرع تكررت نفس الذكريات أو «الهلاوس» فهذا مريض يسمع أغنية، أو قطعة من شعر، أو حديثا من أيّ نوع كان في نوبة صرعه، ويتكرر سماعه لها في كل نوبة، ولا بد أن يكون ما سمعه في النوبة قد سمعه يوما في طفولته، أو شبابه، أو قبل مرضه، وكذلك إذا كانت النوبة تثير منظرا لا بد أن يكون قد مر عليه.
وبتطبيق ما قرره الطب الحديث في حقائق الصرع على ما كان يعتري النبي صلى الله عليه وسلم نجده يردد آيات لا يمكن إطلاقا أن يكون قد سمعها من قبل في حياته، فهي آيات واردة على لسان الحق سبحانه وتعالى قبل أن يعمر البشر الأرض مثل قوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) [سورة البقرة: 34 - 25].
وآيات أخرى فيها قول الله يوم القيامة مثل: حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) [النمل: 84] وقوله سبحانه:
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) [المائدة: 119].
وكذلك الآيات التي تحكي عصور ما قبل الإسلام، والمقاولات والمحاورات التي جرت بين أقوام عاشوا قبل الرسول بآلاف السنين وذلك مثل قوله سبحانه وتعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) [آل عمران: 37] وقوله سبحانه: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) [المائدة: 24 - 25] إلى غير ذلك من الآيات التي تحكي قصص الأولين، أو تصف أحوال القيامة واليوم الآخر، ولما كانت هذه الأحاديث والأحوال لم تمر بالرسول قطعا فهي لم تختزن بالتالي في المخ لتثيرها نوبات صرعية فيتذكرها، وبذلك يقرر الطب الحديث في أحدث اكتشافاته بالنسبة للصرع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون هناك أدنى شبهة في إصابته بالصرع إطلاقا، وأن ما كان يعتريه إنما هي حالة نفسية وجسدية لتلقي وحي الله سبحانه وتعالى، هذا الوحي الذي أخبره الله فيه عما مضى، وعما يستقبل (1).
6 - ثم ما رأي هؤلاء الطاعنين وفيهم من ينتمي إلى بعض الأديان في أنهم لا ينالون من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحده، وإنما ينالون من جميع أنبياء الله ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف أوحي بها من عند الله سبحانه فهل تطيب نفوس المقرين بالأديان منهم أن يخربوا بيوتهم قبل أن يخربوا بيوت غيرهم وما رأيهم فيما جاء في كتب العهد القديم والجديد من إيحاءات ونبوءات وهل يقولون في وحي نبي الله موسى وعيسى- عليهما السلام ما يقولون في وحي نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
اللهم إن هذا الطعن لا يفوه به إلا أحد رجلين: إما رجل مخرّف، وإما رجل مخرّب مدمر يريد هدم الأديان.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل في باب الوحي، وإنه أوحي إليه كما أوحي إليهم وصدق الحق تبارك وتعالى حيث يقول:
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ--------------------------------------------
(1) مجلة منبر الإسلام العدد 9 السنة 19 رمضان سنة 1381 هـ فبراير 1964 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) [النساء: 163 - 164].
وقال: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) [الشورى: 51 - 53].
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
المبحث الثالث: أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه
[فوائد هذا المبحث]
هذا المبحث .. المدار فيه على النقل عن الصحابة والتابعين، ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة، أو الجمع بين ما ظاهره التعارض منها، ويترتب على العلم بأول ما نزل، وآخر ما نزل فوائد منها:
1 - معرفة الناسخ والمنسوخ: فيما إذا وردت آيتان أو أكثر في موضوع واحد، وحكم إحداهما يغاير الأخرى تغايرا لا يمكن معه الجمع، فنعرف أن المتأخر منها ناسخ للمتقدم.
2 - معرفة تاريخ التشريع الإسلامي: وذلك مثل ما إذا عرفنا أن الآيات التي نزلت في فرضية الصلاة بمكة، قبل الهجرة، وأن الآيات التي نزلت في فرض الزكاة (1) والصوم كانت في السنة الثانية بعد الهجرة .. وأن الآيات التي نزلت في فرض الحج كانت في السنة السادسة، على ما هو الراجح، أمكننا أن نرتبها ترتيبا تشريعيّا، فنقول: إن أول ما فرض الصلاة، ثم الصوم ثم الزكاة، ثم الحج.
ومثل ما إذا عرفنا: أن آية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا …
[سورة الحج: 28] نزلت بالمدينة في السنة الثانية، علمنا: أن تشريع الجهاد كان بالمدينة، بالسنة الثانية وهكذا بقية التشريعات.
3 - معرفة التدرج في التشريع، فتوصل إلى حكمة الله- سبحانه- العالية في أخذ الشعوب بهذه السياسة الحكيمة في الإسلام، وذلك مثل ما--------------------------------------------
(1) بعض العلماء يرى أن الزكاة فرضت بمكة، وإنما الذي كان بالمدينة بيان مصارفها وأنصبتها، ولكن الأكثر على أنها فرضت بالمدينة في السنة الثانية، وقد اختلف هؤلاء: أكان فرضها قبل الصوم أم بعده رأيان، ويرجح الثاني حديث: «قيس بن سعد بن عبادة» عند أحمد، وابن خزيمة، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، قال قيس: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ثم نزلت فريضة الزكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله» قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح (فتح الباري ج 3 ص 207).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
إذا عرفنا ترتيب الآيات التي نزلت في شأن تحريم الخمر، وقد ذكرنا ذلك آنفا، ومثل ما إذا عرفنا أن الآيات الداعية إلى أصول العقائد نزلت أولا، وأن الآيات التي نزلت في التشريعات التفصيلية، والأحكام العملية نزلت بعدها، أدركنا أسرار الله في التربية والتشريع، فما لم تعرف الأصول، وتطمئن إليها القلوب، لا يسهل الأخذ بالفروع.
الأولية والآخرية إما مطلقة وإما مقيدة:
ثم إن أولية النزول وآخريته تارة تكون على الإطلاق أي بالنسبة للقرآن كله، وتارة تكون مقيدة؛ إما بالنسبة لموضوع معين، وذلك مثل أول ما نزل في الجهاد، وآخر ما نزل فيه، وإما بالنسبة لمكان خاص مثل أول ما نزل بمكة، وآخر ما نزل بها، وأول ما نزل بالمدينة وآخر ما نزل بها، وإما بالنسبة لسورة ما؛ مثل أول ما نزل من سورة كذا وآخر ما نزل منها.
أما الأولية والآخرية المطلقتان، فسأتناولهما بالتفصيل، وأما المقيدتان فسأكتفي بضرب بعض الأمثلة؛ لأن استيعابها يحتاج إلى مؤلف خاص.
ولنبدأ بأول ما نزل وآخر ما نزل على الإطلاق.
2 - أول ما نزل من القرآن
اختلف العلماء في هذا على أقوال أربعة:
القول الأول:
إن أول ما نزل هو قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) [العلق 1 - 5]، ويدل لذلك ما يأتي:
أ- روى البخاري ومسلم- واللفظ للبخاري- بسندهما عن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع (1) إلى أهله، ويتزود لذلك (2)، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني (3) حتى بلغ مني الجهد (4) ثم أرسلني»، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) [العلق: 1 - 5] فرجع بها إلى خديجة يرتجف فؤاده، فقال: «زملوني» (5)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر- «لقد خشيت على نفسي» (6)، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (7)، وتكسب المعدوم وتقري الضيف … » الحديث (8) وقد سقت الحديث بطوله، وشرحته في كتابي «السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة» وعائشة، وإن لم تعاين القصة وتشاهدها، إلا أنه يحتمل أن تكون سمعتها من النبي بعد، أو حدثها بها صحابي سمعها من النبي، وأيّا كان الأمر فهو حديث متصل مرفوع، ولذلك أجمعوا على أن مراسيل الصحابة حجة.
ب- وروى الحاكم في «مستدركه» والبيهقي في «دلائل النبوة» وصححاه عن عائشة أنها قالت: أول سورة نزلت من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ومرادها--------------------------------------------
(1) يرجع.
(2) أي يأخذ معه زاده.
(3) ضمني وعصرني حتى كاد يحبس أنفاسي.
(4) بفتح الجيم ونصب الدال أي غاية الوسع، وبضم الجيم، ورفع الدال أي المشقة والحرج أي بلغت مني المشقة غايتها.
(5) لففوني بالثياب وغطوني حتى يذهب عني الخوف والرعب.
(6) أي المرض أو الهلاك.
(7) الضعيف.
(8) صحيح البخاري: باب كيف كان بدء الوحي، وصحيح مسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
بالسورة صدرها، وإلا فباقيها نزل بعد، كما تدل على ذلك رواية الصحيحين.
ج- وروى الطبراني في «المعجم الكبير» - بسند على شرط الصحيح- عن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى- يعني الأشعري- يقرئنا فيجلسنا حلقا، عليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) قال: هذه أول سورة أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم.
د- وأخرج ابن أشتة في كتاب «المصاحف» عن عبيد بن عمير قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنمط فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فيرون أنها أول سورة أنزلت من السماء.
وأخرج أيضا عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بحراء، إذ أتى ملك بنمط من ديباج (1) فيه مكتوب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) إلى ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق 1 - 5]
ولعل هذا- إن صح- يفسر لنا الأمر بالقراءة في رواية الصحيحين؛ أي اقرأ ما في هذا النمط إلى غير ذلك من الآثار التي ذكرها الإمام السيوطي في الإتقان وهذا القول هو الصحيح، وعليه جمهور العلماء سلفا، وخلفا.
القول الثاني:
إن أول ما نزل هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) [المدثر: 1 - 5] وهذا القول مروي عن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ويدل لهذا ما رواه الشيخان- واللفظ للبخاري- عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة عبد الرحمن: أي القرآن أنزل أول فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) فقلت: أنبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) وفي رواية يقولون: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1). فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل أول فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) فقلت: نبئت أنه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1). فقال: لا أخبرك--------------------------------------------
(1) النمط: الثوب، الديباج الحرير وهو معرب، أي بقطعة من حرير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله: «جاورت في حراء (1)، فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فإذا هو (2) جالس على عرش بين السماء والأرض، فأتيت خديجة، فقلت: «دثروني» وصبوا علي ماء باردا، وأنزل علي يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4).
وقد أجاب القائلون بالأول عن هذا بأجوبة أحسنها وأخلقها بالقبول:
1 - أن يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) أول ما نزل بعد فترة الوحي، أما «اقرأ» فهي أول ما نزل على الإطلاق.
ويؤيد هذا التأويل ويقويه ما رواه الشيخان أيضا من طريق الزهري- واللفظ للبخاري (3) - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبا» (4)، فقلت: «زملوني، زملوني، فدثروني»، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) - قبل أن تفرض الصلاة- وهي الأوثان» (5).
فقوله: وهو يحدث عن فترة الوحي (6) نص على أن ذلك كان بعد فترة--------------------------------------------
(1) أي أقمت فيه مدة متعبدا، وكان ذلك قبل النبوة، وبعدها، وكان يجاور فيه في رمضان غالبا.
(2) أي الذي رأيته قبل هذا في حراء، والمراد به جبريل.
(3) صحيح البخاري- كتاب التفسير- سورة المدثر.
(4) أي سقطت من الخوف.
(5) تفسير للرجز، صحيح البخاري- كتاب التفسير- تفسير سورة المدثر، صحيح مسلم- كتاب الإيمان- باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(6) وقد اختلف في هذه الفترة فقيل: أربعون يوما، وقيل: ستة أشهر، وقيل: السنتان ونصف والأول هو ما اخترته ورجحته في كتابي «السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة» ج أول ص 267.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
الوحي، فهي أولية مقيدة لا مطلقة.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء .. » يدل على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء، التي نزل فيها: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1).
على أننا نلاحظ أن جابرا استنبط ذلك باجتهاده، على حسب علمه من روايته، ولذلك لما روجع لم يجد بدّا من ذكر ما سمعه، ولم يقطع برأي، ثم لما تبين له الأمر، وتذكر الرواية التي فيها أن ذلك كان بعد فترة الوحي، ذكر ذلك صراحة كما في طريق الزهري بخلاف حديث عائشة فالمتيقن أنه من روايتها لا من اجتهادها.
ومن الأجوبة التي أجيب بها:
2 - أن أول سورة «المدثر» مقيد بما نزل متعلقا بالإنذار، ولذلك دعا النبي بعدها إلى الله، بخلاف صدر سورة العلق، فهو مطلق غير مقيد بشيء خاص.
3 - أن سورة «المدثر» أول سورة نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة «اقرأ» فإنها أول ما نزل منها صدرها (1).
أقول هذا الجواب غير مسلم، فقد ذكرت آنفا رواية الصحيحين عن جابر، وفيها «فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)».
فكيف يدعي مدع، أو يقول قائل: إن المدثر أول سورة نزلت بتمامها! فالحق أنه لا يصلح أن يكون جوابا.
ولذلك لما تعرض الحافظ ابن حجر في «الفتح» للتوفيق بين الحديثين- حديث عائشة، وحديث جابر- لم يذكر هذا الوجه (2)، وإنما ذكره صاحب الإتقان.--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 34.
(2) فتح الباري ج 8 ص 550، 551.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
القول الثالث:
إن أول ما نزل سورة «الفاتحة» وقد عزا هذا القول الزمخشري في «كشافه» إلى أكثر المفسرين، ورد عليه الحافظ ابن حجر: بأن هذا القول لم يقل به إلا عدد أقل من القليل، وإلى هذا الرأي مال الأستاذ الإمام الشيخ: محمد عبده في تفسير سورة «الفاتحة».
وقد استدل الذاهبون إليه بما رواه البيهقي في «دلائل النبوة» والواحدي بسنده عن أبي ميسرة- عمرو بن شرحبيل- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد- والله- خشيت أن يكون هذا أمرا» (1) فقالت: معاذ الله! ما كان الله ليفعل بك (2)، فو الله: إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له، وقالت: اذهب مع محمد إلى «ورقة» - يعني ابن نوفل- فانطلقا، فقصا عليه، فقال: «إذا خلوت وحدي سمعت نداء من خلفي: يا محمد، يا محمد فأنطلق هاربا في الأفق»!! فقال: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني، فأخبرني.
فلما خلا ناداه: يا محمد قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ .. الحديث.
ويجاب عن هذا القول: بأنه حديث مرسل، وإن كان رجاله ثقات فلا يعارض حديث عائشة المرفوع، فالراجح هو الأول.
أقول: وليس فيه التنصيص على أن الفاتحة أول ما نزلت، فيجوز- على فرض صحة هذا المرسل أن تكون من أوائل ما نزل، وإلى هذا ذهب البيهقي قال: وإن كان- أي المرسل- محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه «اقرأ» و «المدثر» (3) والظاهر أن الفاتحة من أوائل--------------------------------------------
(1) يعني شيئا أكرهه، أو يراد به لي الضرر.
(2) أي شيئا تكرهه، أو يلحق به ضررا، لأن أخلاقك تبعد عنك أي سوء.
(3) الإتقان ج 1 ص 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
السور نزولا كما يفهم ذلك من صنيع المرتبين للسور، على حسب نزولها.
القول الرابع:
إن أول ما نزل هو قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ واستند القائل بهذا إلى ما أخرجه الواحدي بإسناده عن عكرمة والحسن، قالا: أول ما نزل من القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وأول سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأخرج ابن جرير، وغيره عن ابن عباس قال: أول ما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد، استعذ، ثم قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وقد أجاب السيوطي عن هذا القول، فقال: وعندي أن هذا لا يعد قولا برأسه، فإن من ضرورة نزول السورة نزول البسملة معها، فهي أول آية نزلت على الإطلاق (1).
أقول: وهذا الجواب غير مسلم فالأحاديث الصحيحة في بدء الوحي كحديث عائشة وغيره لم تذكر قط نزول البسملة مع صدرها، والظاهر أنها نزلت بعد. عند نزول تمام السورة.
وقد ذكر «ابن عطية» في مقدمة تفسيره- عند حكاية هذا القول- أن في بعض طرق حديث خديجة، وحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقالها، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ (2)، فإذا ثبت هذا يكون مؤيدا لما أجاب به السيوطي.
نعم هذه الآثار والأحاديث لا تنهض لمعارضة حديث عائشة المرفوع الذي اتفق عليه صاحبا الصحيحين، فهو في أعلى درجات الصحة.
«إزالة إشكال»: لكن يشكل على الوجه الذي رجحناه، ما رواه الشيخان عن عائشة قالت: «إن أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار؛ حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام؛ لأنه ليس--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 24.
(2) مقدمتان في علوم القرآن ص 289.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
في صدر سورة اقرأ ذكر الجنة والنار، بل ولا في السورة كلها.
والجواب: أن «من» مقدرة في الكلام «أي» من أول ما نزل …
ومرادها- رضي الله عنها سورة المدثر، فإنها أول ما نزل بعد فترة الوحي، وفي آخرها ذكر الجنة والنار، فلعل آخرها نزل قبل نزول بقية «اقرأ» وبهذا يزول هذا الإشكال.
3 - آخر ما نزل من القرآن
ليس في هذا الموضوع أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي آثار مروية عن بعض الصحابة، والتابعين، استنتجوها مما شاهدوه من نزول الوحي، وملابسات الأحوال، وقد يسمع أحدهم ما لا يسمعه الآخر ويرى ما لا يرى الآخر، فمن ثم كثر الاختلاف بين السلف والعلماء، في آخر ما نزل وتعددت الأقوال وتشعبت الآراء، وإليك تفصيل القول في هذا.
القول الأول:
إن آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى في آخر سورة البقرة: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (28) [البقرة:
281] والدليل على ذلك:
1 - روى النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: آخر ما نزل من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ … الآية.
2 - وروى ابن مردويه بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
آخر آية نزلت من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ … الآية.
3 - وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية، ومن طريق الضحاك عنه مثله.
4 - وأخرج ابن أبي حاتم بسنده، عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ … الآية، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات ليلة الاثنين، لليلتين خلتا من شهر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
ربيع الأول.
وأخرج ابن جرير في تفسيره مثله عن ابن جريج.
5 - وذكر البغوي في تفسيره عند هذه الآية عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين، من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا وعشرين يوما- وقال ابن جريج: تسع ليال وقال سعيد بن جبير: سبع ليال.
6 - وذكر الإمام الآلوسي في تفسيره عند هذه الآية، روي أنه قال- يعني رسول الله-: «اجعلوها بين آية الربا، وآية الدين» وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم، قال: «جاءني جبريل فقال: اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة».
وهذا الرأي هو أرجح الآراء والأقوال، وهو الذي تركن إليه النفس بعد النظر في هذه الأحاديث أو الآثار وذلك لما يأتي:
أ- لم يحظ قول من الأقوال التي سنذكرها بجملة من الآثار، وأقوال أئمة التفسير مثل ما حظي به هذا القول.
ب- ما تشير إليه هذه الآية في ثناياها من التذكير باليوم الآخر، والرجوع إلى الله ليوفّي كلا جزاء عمله، وهو أنسب بالختام.
ج- ما ظفر به هذا القول من تحديد الوقت بين نزولها، وبين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يظفر قول غيره بمثل هذا التحديد، ولا يضر الاختلاف في تحديد المدة، فالروايات التي حددت المدة بينها قدر مشترك، وهو بيان قرب نزول هذه الآية من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني:
أن آخر ما نزل هو قوله تعالى في سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (78) [البقرة: الآية 278].
ويدل لذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا، وأخرج البيهقي عن عمر مثله، والمراد بآية الربا الآية التي ذكرناها.
والحق هو الأول ويجاب عن هذا القول: إما بأنها آخر آية نزلت في شأن الربا وإما بأن المراد أنها من أواخر الآيات نزولا.
ويؤيد هذا الجواب الأخير، وأنها ليست آخر آية على الإطلاق، ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، عن عمر نفسه قال: «من آخر ما نزل آية الربا». وما ذكره ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر فقال: «إن من آخر القرآن نزولا آية الربا».
والظاهر أن هذا هو مراد ابن عباس أيضا في روايته، وهذا التعبير له نظائر في اللغة العربية.
ويرى بعض العلماء (1) أن المراد بقول ابن عباس «آية الربا» أي الآية التي ختمت بها آيات الربا وهي: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ … وعلى هذا تكون رواية البخاري مؤيدة لما ذكرناه عن ابن عباس في القول الأول.
القول الثالث:
إن آخر آية نزلت آية الدين، وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ … الآية [البقرة: 282] وهي أطول آية في القرآن. أخرج أبو عبيد في كتاب «فضائل القرآن» عن ابن شهاب الزهري قال: «آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا، وآية الدين» وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب، عن سعيد ابن المسيب: «أنه بلغه أن آخر القرآن عهدا بالعرش آية الدين» مرسل، صحيح الإسناد.
ويجاب عن هذا القول: بأن هذه الآية آخر ما نزل في باب «المعاملات» فهي آخرية مقيدة، لا مطلقة كالآية الأولى.--------------------------------------------
(1) شرح المختار من تيسير الوصول ص 52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
وقد جمع السيوطي بين هذه الأقوال الثلاثة فقال: «ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا، وآية وَاتَّقُوا يَوْماً … وآية الدين لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنها قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح (1). ومقتضى هذا الجمع من الإمام السيوطي أن آية الدين آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق.
ولكني أقول: إن في النفس من هذا التوفيق شيئا، وما ذكره غير مسلم له، فقد سمعت آنفا قول الفاروق عمر- رضي الله عنه في أن آية الربا من أواخر الآيات، لا آخرها؛ واستدلال السيوطي بأن الآيات الثلاث في قصة واحدة- غير مسلم فالآية الأولى في ترك ما بقي من الربا عند المدينين بعد نزول آية التحريم، والثانية في التذكير باليوم الآخر، وما فيه من جزاء، والثالثة في أحكام تتعلق بالدين، فكيف يقال إذا إنها في قصة واحدة!!
ومما يضعف هذا الطريق في الجمع أيضا، أن آية الربا نزلت (2) لما أسلمت ثقيف وأرادوا أن يستمروا على رباهم؛ فاشتكى بنو المغيرة- وكانوا مدينين لهم- إلى عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآية آمرة لهم أن يتركوا ما بقي لهم من رباهم قبل التحريم، وإلا فليأذنوا بحرب من الله ورسوله، وثقيف إنما كان إسلامهم في رمضان في السنة التاسعة، والظاهر أن هذه القصة كانت بعد إسلامهم، وأين زمن إسلامهم من زمن اختتام القرآن قبيل وفاة الرسول!
وقد ذهب الحافظ ابن حجر في «الفتح» إلى نحو ما ذكرت، ورجح أن آية وَاتَّقُوا يَوْماً … هي الأليق بالختام فقال: طريق الجمع بين القولين:
القول بآية الربا، والقول بآية وَاتَّقُوا يَوْماً … أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن، وأما ما سيأتي في آخر سورة النساء من حديث البراء: «آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 27.
(2) أسباب النزول للسيوطي على هامش تفسير الجلالين ج 1 ص 69.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)