Arabic source text

📘 আল-মাদখালু লি-দিরাসাতিল কুরআনিল কারিম (মুহাম্মদ আবু শাহবা - মৃত্যু 1403 হিজরী)

📘 المدخل لدراسة القرآن الكريم (محمد أبو شهبة - ت 1403 هـ)

📘 আল-মাদখালু লি-দিরাসাতিল কুরআনিল কারিম (মুহাম্মদ আবু শাহবা - মৃত্যু 1403 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
اللفظ العام، وأجيب عن هذا الدليل بأن عدم جواز إخراج صورة السبب إنما جاء من دليل آخر وهو الإجماع لا من جهة كونه غير عام، ودليلهم إنما يتم لهم الاستدلال به لو أن عدم الجواز جاء من جهة كون اللفظ غير عام وليس الأمر كذلك وعلى هذا فالملازمة غير مسلمة، وباطلة وثبت أن هذا الدليل لا ينهض للاحتجاج به فلا تثبت به الدعوى.
الثاني: قالوا لو كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لما كان لذكر السبب فائدة لكن التالي- وهو عدم الفائدة- باطل فبطل ما أدى إليه- وهو ما فرضناه من أن العبرة بعموم اللفظ- وثبت نقيضه وهو أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
وأجيب عن هذا بأننا لا نسلم لكم انتفاء الفائدة مطلقا، إذ لا يلزم من نفي الفائدة المعينة وهي تخصيص الحكم بالسبب نفي الفائدة المطلقة، بل هناك فوائد كثيرة غير هذه، وقد تعرضنا للكثير منها في صدر البحث وبهذا لا يصلح هذا الدليل للاحتجاج فلا تثبت به الدعوى.
الثالث: قالوا لو كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لكان اللفظ الذي هو بمنزلة الجواب غير مطابق للسبب الذي هو بمنزلة السؤال، لكن عدم المطابقة باطلة؛ لأنه ينافي كون القرآن في أعلى درجات البلاغة، فبطل ما أدى إليه وثبت نقيضه وهو أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ وقد أجيب عن هذا بمنع الملازمة، وهي عدم المطابقة؛ إذ المطابقة حاصلة، وزيادة الجواب عن السؤال لا تخرجه عن المطابقة؛ لأنه اشتمل على المقصود وزاد عليه، ومثل هذا الأسلوب لا ضير فيه ولا يخل بالبلاغة بحال من الأحوال، وإنما يخل بها لو كان الجواب خاصّا والسؤال عامّا لعدم المطابقة حينئذ، وعلى هذا فلا يصح هذا الدليل فلا تثبت به دعواكم.
وإذ قد بطلت أدلة غير الجمهور وبقيت أدلة الجمهور قوية سالمة من البطلان كان رأيهم هو المعول عليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)

‌‌مثال للفظ خاص نزل على سبب خاص
ما ذكرنا من خلاف بين الجمهور وغيرهم إنما هو في لفظ له عموم ونزل على سبب خاص أما إذا كانت آية نزلت بسبب خاص ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعا وقد مثل الإمام السيوطي في الإتقان (1) لذلك بقوله تعالى:
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) [الليل: 17 - 18] فإنها نزلت في أبي بكر الصديق- رضي الله عنه بالإجماع (2) قال: وقد استدل بها الإمام فخر الدين
الرازي مع قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ على أنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووهم من ظن أن الآية في كل من عمل عمله إجراء له على القاعدة وهذا غلط، فإن هذه الآية ليست فيها صيغة عموم إذ الألف واللام- يعني قوله «الأتقى» - إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع، زاد قوم: أو مفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد، واللام في «الأتقى» ليست موصولة، لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا، والأتقى ليس جمعا بل هو مفرد، والعهد موجود خصوصا مع ما يفيده صيغة أفعل من التمييز وقطع المشاركة فبطل القول بالعموم، وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه رضي الله عنه.
وبعض المفسرين يرى احتمال الآية للعموم مع قولهم: إنها نزلت في الصديق رضي الله عنه فتكون له ولغيره ممن هو على شاكلته وفسروا الأتقى بالتقي كما فسروا «الأشقى» وهو أمية بن خلف بالشقي فتشمله وتشمل غيره ممن يعمل بمثل عمله، ومن هو على صفته واستدلوا لقولهم هذا بقول طرفة ابن العبد:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بأوحد--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 30.
(2) الأكثرون من العلماء على هذا وقيل نزلت في أبي الدحداح- كما قال عطاء والسدي- ولا يأتي الإجماع إلا إذا أسقطنا من الاعتبار رأي المخالف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)

أي واحد ووحيد، وتوضع أفعل موضع فعيل نحو قولهم: الله أكبر بمعنى كبير وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي هين (1) وممن يحمل الآية على العموم العلامة ابن كثير في تفسيره قال (2): وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق- رضي الله عنه حتى أن بعضهم (3) حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ عموم وهو قوله: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقا تقيّا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل.
وأيّا ما كان المراد من لفظ الأتقى فالآيات نص في الدلالة على فضل الصديق الأكبر- رضي الله عنه وأرضاه-؛ لأن السبب يدخل في الآية دخولا أوليّا.

‌‌شبيه بالسبب الخاص مع اللفظ العام
قد تنزل بعض الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامة رعاية لنظم القرآن وحسن السياق وتناسب الآيات فيكون ذلك الخاص قريبا من صورة السبب في كونه قطعي الدخول في العام، وقد اختار الإمام ابن السبكي في «جمع الجوامع» أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق التجرد، ومثاله قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي ج 20 ص 88، وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ في سورة الروم الآية: 37.
(2) تفسير ابن كثير والبغوي ج 9 ص 226.
(3) لعل مراده الإمام الرازي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)

الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) [النساء: 51 - 52].
فقد نزلت هاتان الآيتان في كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة بعد بدر (1) ليحرضوا قريشا على قتال النبي صلى الله عليه وسلم والأخذ بالثأر فنزل كعب بن الأشرف على أبي سفيان بن حرب فأحسن مثواه ونزل بقية اليهود دور قريش فقال سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، أينا أهدى طريقا نحن أم محمد فقال كعب: اعرضوا عليّ دينكم. فذكر له أبو سفيان بعض فضائلهم فقال كعب أنتم- والله- أهدى سبيلا مما عليه محمد وأصحابه
قال هذا مع علمه هو ومن معه من اليهود بما في كتابهم التوراة من نعت النبي الأمي العربي المبعوث في آخر الزمان، وأخذ المواثيق عليهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ولا يكتموا أوصافه، فكان هذا أمانة لازمة لهم وعليهم أن يؤدوها، وكان قول كعب بن الأشرف ومن وافقه خيانة لهذه الأمانة التي ائتمنوا عليها وأمروا بأدائها إذا حان وقتها، وقد وبخهم الله سبحانه وتعالى على خيانتهم هذه ولعنهم وتوعدهم عليها، وقد اقتضى هذا التوعد واللعن الأمر بمقابل خيانتهم، وهو أداء الأمانة الخاصة التي هي بيان صفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يجدون نعته عندهم مكتوبا في التوراة، ويعرفونه كما--------------------------------------------
(1) هذا ما ذكره السيوطي في الإتقان وفي تفسير الجلالين وما ذكره الجلال المحلي في شرحه على جمع الجوامع.
وفي تفاسير البغوي والقرطبي والآلوسي أن قدوم كعب وأصحابه كان بعد أحد والصحيح الأول فقد قتل كعب بن الأشرف قبل أحد على الصحيح «البداية والنهاية» (لابن كثير ج 4 ص 5 وما بعدها)
نعم قد جاء في رواية أخرى أن الآيتين نزلتا في الوفد من اليهود الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله وذلك أنهم لما قدموا على قريش سألوهم هذا السؤال فأجابوهم بهذا الجواب ولم يكن في هؤلاء كعب قطعا فلعل من ذكر أن الآية نزلت بسبب الوفد الذين قدموا بعد أحد أراد هذه القصة ولكن وهم في ذكر كعب بن الأشرف في الوافدين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)

يعرفون أبناءهم بل أشد، ثم جاء بعده الأمر بأداء الأمانات عامة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) [النساء: 58].
فكانت المناسبة رائعة حقّا، والاتصال وثيقا، والانتقال في غاية الحسن والجمال، إذ أن آية الأمانة عامة في كل أمانة، وما تقدم كان في أمانة خاصة، والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول، وهذه المناسبة تقتضي دخول ما دل عليه الخاص في العام دخولا أوليّا، فهو كسبب في كونه قطعي الدخول في اللفظ النازل بسببه ولا يجوز خروجه بالإجماع.
وقد اعتبر الإمام ابن السبكي هذا النوع مرتبة متوسطة دون السبب وفوق التجرد؛ أما كونه دون السبب فلأن الأولى ليست سببا في الثانية اصطلاحا وأما كونه فوق التجرد فلهذه المناسبة القوية بين الخاص والعام ودخول الأول في الثاني.
ولا يرد على ما ذكرناه تأخر الآية الثانية عن الأولى بنحو ست سنين؛ لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول لا في المناسبة؛ لأن المقصود منها وضع الآية في الموضع الذي يناسبها، والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعها في المواضع التي علم من الله أنها مواضعها، وهذا الكلام الذي قاله ابن السبكي ونقله عنه السيوطي في الإتقان من الحسن بمكان، وقد نبه إلى هذه المناسبة البديعة بين الآيات الإمام القرطبي في تفسيره (1) حيث قال: وجه النظم بما تقدم أنه- تعالى- أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم وقولهم إن المشركين أهدى سبيلا، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات.
…--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي ج 5 ص 257.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)

‌‌المبحث الخامس نزول القرآن على سبعة أحرف
هذا المبحث من المباحث التي تناولها العلماء في تآليفهم، بل وأفردها بعضهم بالتأليف.
وقد اختلفت فيه آراؤهم وأنظارهم اختلافا كثيرا، وكثرت فيه الأقوال كثرة ظاهرة، حتى لقد بلغ بها «السيوطي» في الإتقان- نقلا عن ابن حبان، خمسة وثلاثين قولا.
وليس من شك في أن هذا البحث شائك، ودحض مزلة (1)، والباحث فيه يحتاج إلى شيء غير قليل من البصر بموضع قدمه، ومن الأناة والصبر، ولا تعجب إذا خفي المراد على بعض العلماء فعد الحديث مشكلا، وتوقف عن بيان المراد منه، وبعضهم جعل حقيقة العدد غير مقصودة، وأن المراد التكثير من غير حصر، وأتى بعضهم بآراء ما أنزل الله بها من سلطان، ولكي نصل إلى بيان الحق والصواب، نرى لزاما علينا ذكر الروايات الثابتة في هذا المعنى بشيء من التفصيل كي تكون لنا نبراسا نهتدي على ضوئه لمعرفة المراد.

‌‌الحديث متواتر:
ويحسن أن ننبه قبل هذا التفصيل إلى أن حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف، ورد من رواية جمع كثير من الصحابة، حتى نص الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام على تواتره، فقد رواه من الصحابة: (1) أبيّ ابن كعب، (2) وأنس بن مالك، (3) وحذيفة بن اليمان، (4) وزيد بن أرقم، (5) وسمرة بن جندب، (6) وسليمان بن صرد، (7) وابن عباس، (8) وابن مسعود، (9) وعبد الرحمن بن عوف، (10) وعثمان بن عفان، (11)--------------------------------------------
(1) دحضت رجله زلقت، من باب قطع يقطع، ومزلة: بفتح الزاي وكسرها، أي مكان زلق وزل من باب ضرب يضرب، ويقال زل يزل- بفتح الزاي- زللا، فالكلمتان بمعنى، وذكر الثاني بعد الأول للتأكيد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

وعمر بن الخطاب، (12) وعمر بن أبي سلمة، (13) وعمرو بن العاص، (14) ومعاذ بن جبل، (15) وهشام بن حكيم، (16) وأبو بكرة، (17) وأبو جهيم (1)، (18) وأبو سعيد الخدري، (19) وأبو طلحة الأنصاري، (20) وأبو هريرة، (21) وأم أيوب الأنصارية- امرأة أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنهم أجمعين-؛ فهؤلاء أحد وعشرون صحابيّا (2).
وأخرج الحافظ «أبو يعلى» في مسنده: أن عثمان قال على المنبر: أذكر الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها كاف شاف» لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك فقال: وأنا أشهد معكم. وهذا يدل على أن الحديث كان معروفا مشهورا غاية الشهرة في زمن الصحابة ولكن هل نقله عنهم في كل طبقة جماعة كثيرون ممن يثبت بهم التواتر هذا ما يحتاج إلى إثبات، وإلا فغاية أمره أنه مشهور.

‌‌الروايات الواردة
1 - روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، بسنديهما عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل على حرف، فراجعته فلم أزل
أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» زاد مسلم في روايته، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام (3)، يريد أن المعنى واحد، وإن اختلفت الألفاظ.--------------------------------------------
(1) أبو جهيم بن الحارث بن الصمة ينتهي نسبه إلى مالك بن النجار، النجاري الأنصاري، قيل اسمه عبد الله، وقيل غير ذلك، وهو صاحب حديث: «لو يعلم المار بين يدي المصلي. قال الحافظ في الإصابة ج 4 ص 36: ولأبي جهيم حديث أخرجه أحمد والبغوي من طريق يزيد بن خصيفة عن مسلم بن سعد مولى الحضرمي عن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية الحديد وفيه: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف».
(2) الإتقان ج 1 ص 45، وفي بعض نسخ الإتقان المطبوعة «أبو أيوب» بدل «أم أيوب» وأغلب الظن أنه من الطباعة، وفي النشر لابن الجزري «أم أيوب».
(3) فتح الباري ج 9 ص 19، صحيح مسلم بشرح النووي ج 6 ص 101.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

2 - روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، بسنديهما عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن ابن عبد القاري (1) أخبراه: أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم (2) يقرأ سورة «الفرقان» في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته؛ فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله؛ فكدت أساوره (3) في الصلاة فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت:
كذبت (4)؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به، أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسله، اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت»، ثم قال:
اقرأ يا عمر؛ فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت؛ إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه» (5).
3 - وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة (6) بني غفار، قال: فأتاه جبريل- عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وأن أمتي لا تطيق ذلك»، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ--------------------------------------------
(1) نسبة إلى القارة، بطن من خزيمة بن مدركة.
(2) ابن حزام الأسدي على الصحيح، أسلم يوم الفتح هو وأبوه، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، وليس له في البخاري رواية، وأخرج له مسلم حديثا واحدا مرفوعا من رواية عروة عنه، وهذا يدل على أنه تأخر إلى خلافة عثمان وعليّ.
(3) أواثبه وأمسك به في الصلاة.
(4) أي أخطأت بلغة الحجاز، أو بنى ذلك على غلبة ظنه واعتقاده.
(5) فتح الباري ج 9 ص 19 - 20، مسلم بشرح النووي ج 6 ص 99 وما بعدها.
(6) أضاة- بفتح الهمزة، وبضاد معجمة: الماء المستنقع كالغدير؛ وجمعه أضا كحصاة وحصا، وإضاء كأكمة وإكام، وكانت بموضع من المدينة النبوية ينسب إلى بني غفار، لأنهم نزلوا عنده.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

أمتك القرآن على حرفين، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته وأن أمتي لا تطيق ذلك»، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وأن أمتي لا تطيق ذلك»، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف؛ فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا.
4 - وروى مسلم بسنده، عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه؛ ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرءا، فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما؛ فسقط في نفسي من التكذيب (1) ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله- عز وجل فرقا فقال لي: «يا أبيّ، أرسل إليّ: أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه: أن هون على أمتي»، فرد إليّ الثانية: اقرأه على حرفين؛ فرددت إليه: «أن هون على أمتي»، فرد إليّ الثالثة (2): اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل--------------------------------------------
(1) يعني أن الشيطان وسوس له من التشكك في النبوة ما أوقعه في حيرة ودهشة، وشوش عليه أمره، وعظم عليه ما ليس عظيما في الواقع ونفس الأمر، إلا أن هذه الوسوسة لم تعد أن تكون خاطرا من الخواطر التي لا يؤاخذ عليها الإنسان، ونزغة شيطانية غير مستقرة لم تلبث أن زالت حين ضرب النبي في صدره فتبخر من قلبه ما حاك فيه من شك وتردد فانشرح صدره، وثبت قلبه على الحق واليقين، وإنما فاض عرقا استحياء من ربه لما تمثل له هذا الخاطر الذي لا يليق بمثله، ومثل هذه الخواطر والنزغات غير المستقرة لا تخل بإيمان أو عقيدة، بل هي أمارة من أمارات قوة الإيمان، وفي صحيح مسلم: أن الصحابة قالوا للنبي: وإنا لنجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: «أوجدتموه» قالوا: نعم، قال: «ذلك صريح الإيمان».
(2) المراد بالثالثة الأخيرة، وهي الرابعة فسماها الثالثة مجازا، بدليل الرواية السابقة، أو يكون أسقط من هذه الرواية بعض المرات فجاءت الرابعة في العد الثالثة، هكذا قال العلماء. والذي يظهر لي-
والله أعلم- أنها قصتان متغايرتان، وأن جبريل مرة قال ذلك في المرة الثالثة، ومرة أخرى ذكر السبعة الأحرف في الرابعة، ولعل مما يدل على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)

ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم- صلى الله عليه وسلم.
وقد بين الطبري في روايته: أن المقروء كان من سورة «النحل».
5 - وروى البخاري في صحيحه (1) بسنده عن النّزّال بن سبرة عن عبد الله ابن مسعود: «أنه سمع رجلا يقرأ آية، سمع النبي صلى الله عليه وسلم قرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كلاكما محسن، فاقرءا».
قال شعبة- راوي الحديث-: أكبر علمي قال: «فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكوا».
وقد روى هذا الحديث بأوسع من هذا اللفظ ابن حبان والحاكم، وفيه: وإن هذه الآية من سورة من ال «حم» وفي المبهمات للخطيب أنها «الأحقاف» (2).
6 - وروى الترمذي بسنده عن أبيّ بن كعب قال: «لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: «يا جبريل؛ إني بعثت إلى أمة أمية، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام والجارية، والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط»، فقال لي: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» قال: هذا حديث صحيح.
7 - وروى أحمد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو:
أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم--------------------------------------------
أنهما قصتان لا قصة واحدة تغاير السياقين في الحديثين؛ ففي الأول: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، وفي الثانية: أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف، والظاهر أيضا أن تكون قصة أضاة بني غفار بعد هذه، ولذلك حصل لسيدنا أبيّ شك في هذه ولم يحصل في تلك.
(1) صحيح البخاري- كتاب الخصومات- باب ما يذكر في الإشخاص، وكتاب فضائل القرآن- باب اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم.
(2) فتح الباري ج 9 ص 83 - 84.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)

أصبتم، فلا تماروا فيه» (1) إسناده حسن.
8 - وروى النسائي، وابن جرير الطبري- واللفظ له- بسنديهما عن أبيّ ابن كعب، وفي حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل وميكائيل- عليهما السلام أتياني فقعد جبريل عن يميني، وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد، وقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف وكل شاف كاف» (2)، وفي رواية لأبي بكرة: «فنظرت إلى ميكائيل فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدة» (3).
9 - وروى أحمد والطبراني، من حديث أبي بكرة قال: «يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف، قال: كل شاف ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب، نحو قولك: تعال وأقبل، وهلم، واذهب، وأسرع، وعجل».
قال السيوطي: هذا اللفظ رواية أحمد، وإسناده جيد، وأخرج أحمد والطبراني أيضا، عن ابن مسعود نحوه، وروى الطبراني عن أبي بكرة نحوه مقتصرا على قوله: «هلم، وتعال»، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام.

‌‌ما يستخلص من الروايات
نستخلص من الروايات السابقة الأصول الآتية:

‌‌[التيسير على الامة]
1 - لو نزل القرآن على حرف واحد لشق ذلك على الأمة العربية؛ فقد كانت متعددة اللغات واللهجات، وما يتسهل النطق به على البعض لا يسهل على البعض الآخر، وكانت تغلب عليها الأمية، فلا عجب أن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الاستزادة من الحروف حتى بلغت سبعة أحرف، يدل على هذا قوله- في حديث أبيّ-: ثلاث مرات «أسأل الله معافاته ومغفرته، وأن أمتي--------------------------------------------
(1) فتح الباري ج 9 ص 21.
(2) تفسير الطبري ج 1 ص 12.
(3) الإتقان ج 1 ص 46.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)

لا تطيق ذلك»، وقوله- في حديث الترمذي-: «إني بعثت إلى أمة أمية … » الحديث.
فكان من رحمة الله بهذه الأمة أن أنزل القرآن على سبعة أحرف، رفعا للحرج، وتيسيرا لقراءته وحفظه، وفهمه وتدبره.

‌‌[التوسعة فى الالفاظ لا فى المعانى]
2 - أن هذه التوسعة إنما كانت في الألفاظ، ولم تكن في المعاني والأحكام وأنها كانت في المعنى الواحد يقرأ بألفاظ مختلفة؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ كلّا من المختلفين على قراءته، بل واستحسان قراءة كل بقوله «كلاكما محسن».
وغير معقول أن يكون اختلافهم في المعاني والأحكام، ثم يوافق النبي كلا على قراءته ويستحسنها.

‌‌[التوسعة فى حدود المنزل من الله لا بالهوى والتشهى]
3 - أن هذه التوسعة والإباحة في القراءة بأي حرف من الحروف السبعة إنما كانت في حدود ما نزل به «جبريل»، وما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بدليل أن كلّا من المختلفين كان يقول: أقرأنيها رسول الله، وأن النبي كان يعقب على قراءة كل من المختلفين بقوله: «هكذا أنزلت» كما في حديث «عمر وهشام» وما يفيده لفظ الإنزال الذي جاءت به جميع روايات الحديث، وليس ذلك إلا التوقيف بالسماع من الرسول، وسماع الرسول من جبريل.
ولا يتوهمن متوهم أن التوسعة إنما كانت باتباع الهوى والتشهي، فذلك ما لا يليق أن يفهمه عاقل، فضلا عن مسلم؛ إذ الروايات الواردة ترده وتبطله، ولو كان لكل أحد أن يقرأ بما يتسهل له من غير تلق وسماع من النبي صلى الله عليه وسلم وأن يبدل ذلك من تلقاء نفسه لذهب إعجاز القرآن، ولكان عرضة أن يبدله كل من أراد حتى يصير غير الذي نزل من عند الله، ولما تحقق وعد الله سبحانه بحفظه في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) واللوازم كلها باطلة، فبطل ما أدى إليها، وثبت نقيضه وهو أن التوسعة كانت في حدود ما أنزل الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)

وكيف يتفق هذا الوهم الباطل، وقول الحق تبارك وتعالى: قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) [سورة يونس: 15 - 16].

‌‌4 - أن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف منها
من غير إلزام بواحد منها، وأن من قرأ بأي حرف منها فقد أصاب، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث «عمر»: «فاقرءوا ما تيسر منه»، وقول جبريل- عليه السلام في حديث المراجعة: فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا.
وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أقر كلّا من المختلفين على قراءته، ولم يرجح قراءة واحد على الآخر، بل استحسن قراءة كل.

‌‌[التوسعة كانت بعد الهجرة]
5 - أن التوسعة على الأمة لم تكن في مبدأ الدعوة، بل كانت بعد الهجرة وبعد أن دخل في الإسلام كثير من القبائل غير قريش، فكانت الحاجة ماسة إلى هذا التسهيل، وتلك التوسعة، يشهد لهذا حديث مسلم: «أن النبي كان عند أضاة بني غفار … » الحديث وهي بالمدينة النبوية، كما ذكرنا آنفا (1).
6 - أن هذه التوسعة مظهر من مظاهر الرحمة والنعمة، فلا ينبغي أن تكون مصدر اختلاف ونقمة: أو أن تكون مثيرة للشك، أو مضعفة لليقين، فقد حذرهم الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- من الاختلاف، كما في حديث «ابن مسعود»، ومن الشك في القرآن كما في حديث عمرو ابن العاص فلا تماروا فيه، وفي رواية لابن جرير الطبري، من حديث أبي جهيم «فلا تماروا في القرآن؛ فإن المراء فيه كفر».
7 - حرص الصحابة- رضوان الله عليهم- البالغ على القرآن الكريم، وغاية تحوطهم في المحافظة عليه، ونفي الريب والتغيير والتبديل عنه؛--------------------------------------------
(1) فتح الباري ج 9 ص 23.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)

وبحسبك شاهدا على هذا ما كان من الفاروق «عمر» رضي الله عنه مع هشام بن حكيم حتى هم أن يأخذ بتلابيبه وهو في الصلاة، وما كان من «أبي» و «ابن مسعود»، و «عمرو بن العاص» مع غيرهم، وأن الصحابة إنما اختلفوا وتنازعوا في قراءة بعض الألفاظ، ورفعوا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلموا: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلما علموا بهذه الحقيقة اطمأنوا، وقطع بينهم دابر الشقاق والمراء.

‌‌الأقوال في المراد من الأحرف السبعة
اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة، وقد أوصلها «ابن حبان» إلى خمسة وثلاثين قولا، ونقلها عنه «السيوطي» في الإتقان، وسنذكر أشهر هذه الأقوال وأهمها، ونناقش كل قول مناقشة موضوعية خالية من التعصب لقول، أو التحيف على آخر، على ضوء ما قدمنا من روايات، وما استنتجناه من أصول، ومن غير نظر إلى قائله ومنزلته، والحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، ومن الله نستمد التوفيق والعصمة من الزلل.

‌‌القول الأول
إن الحديث من المشكل الذي لا يدرى معناه؛ لأن الحرف يصدق في لغة على حرف الهجاء، وعلى الكلمة، وعلى المعنى، وعلى الجهة، فهو مشترك لفظي لا يدرى أي معانيه هو المراد.
وهذا القول نسب إلى «أبي جعفر محمد بن سعدان النحوي» ونحا نحوه الحافظ السيوطي في شرحه (1) على سنن النسائي حيث قال- بعد ذكر الحديث-: في المراد به أكثر
من ثلاثين قولا، حكيتها في الإتقان، والمختار عندي: أنه من المتشابه الذي لا يدرى تأويله.
وهذا الرأي بمعزل عن التحقيق؛ فإن مجرد كون اللفظ مشتركا لفظيّا لا يلزم منه الإشكال ولا التوقف، وإنما يكون ذلك لو لم تقم قرينة تعين بعض--------------------------------------------
(1) أما في الإتقان فقد نقل الأقوال وجعل همه السرد ولم يتعرض للترجيح ولا للاختيار.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)

المعاني، أو ترجح بعضها على بعض، وهنا قامت القرينة التي تعين المراد؛ إذ لا يصح إرادة حرف الهجاء؛ لأنه مركب من جميع حروف الهجاء، ولا يصح إرادة الكلمات لأن كلماته تعد بالألوف، ولا يصح إرادة المعنى، لأن معانيه تزيد عن سبعة فتعين أن يكون المراد: الجهة، والجهة تأتي بمعنى الوجه (1)، ويشهد لهذا الاستعمال: مجيء الحرف بمعنى الوجه قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فقد قال بعض المفسرين فيه: على ضعف من العبادة، أو على وجه واحد: وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، كما في تفسير القرطبي.
وإذا كان معنى الحرف غير مشكل فليبحث عن المراد منه في حدود المنقول والمعقول.

‌‌القول الثاني
وهو أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتوسعة، ولفظة «السبعة» يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين.
وهذا الرأي أيضا بعيد من الصواب؛ إذ لا تشهد له رواية من الروايات التي أسلفناها، ويرده ما ورد في حديث الصحيحين: «فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».
وحديث النسائي وفيه: فقال ميكائيل: «استزده حتى بلغ سبعة أحرف» وفي حديث أبي بكرة: «فنظرت إلى ميكائيل فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدة» فهذه الروايات صريحة في أن المراد الحقيقة وانحصار الحروف في سبعة.--------------------------------------------
(1) قال في القاموس: والجهة بالكسر والضم الناحية كالوجه والوجهة بالكسر، وقال في المصباح المنير: والوجهة بالكسر- قيل: مثل الوجه، وقيل: كل مكان استقبلته، وتحذف الواو فيقال: جهة مثل عدة، ثم قال: وقوله تعالى: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي جهته التي أمركم بها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)

‌‌القول الثالث
أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، وإن شئت فقل: سبع لغات من لغات العرب المشهورة في كلمة واحدة، تختلف فيها الألفاظ والمباني مع اتفاق المعاني، أو تقاربها، وعدم اختلافها وتناقضها، وذلك مثل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، ونحوي، وقصدي، وقربي، فإن هذه ألفاظ سبعة مختلفة يعبر بها عن معنى واحد، وهو طلب الإقبال.
وليس معنى هذا أن كل كلمة كانت تقرأ بسبعة ألفاظ من سبع لغات، بل المراد: أن غاية ما ينتهي إليه الاختلاف في تأدية المعنى هو سبع، فالمعنى الذي تتفق فيه اللغات في التعبير عنه بلفظ واحد يعبر عنه بهذا اللفظ فحسب، والذي يختلف التعبير عنه بلفظين، وتدعو الضرورة إلى التوسعة يعبر عنه بلفظين، وهكذا إلى سبع.
ومن أمثلة ذلك من القرآن قوله تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: 29] وقد قرأ ابن مسعود: إلا زقية واحدة.
وقوله: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قد قرأ عمر بن الخطاب- رضي الله عنه: فامضوا إلى ذكر الله (1)، ومثل ما روى ورقاء عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب: أنه كان يقرأ: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا، «للذين آمنوا أمهلونا»، «للذين آمنوا أخّرونا»، «للذين آمنوا ارقبونا»؛ وبهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، «سعوا فيه» (2).
ولا يقال: إن بعض هذه الحروف لا يقرأ بها اليوم؛ لأنا نقول: إن هذا هو معنى الأحرف السبعة، ونحن لا ندعي بقاءها كلها إلى اليوم كما ستعلم عن قريب.--------------------------------------------
(1) مقدمتان في علوم القرآن: ص 222.
(2) تفسير القرطبي ج 1 ص 42.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)

وهذا الرأي يتفق هو والروايات السابقة الدالة على اختلاف الصحابة في كلمات من القرآن، وتنازعهم، ورفع الأمر إلى رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- ثم إقرار الرسول كلا على قراءته، ويوافق الأصول التي استنتجناها من هذه الروايات؛ فالغرض من النزول على سبعة أحرف التيسير، ورفع الحرج عن الأمة بالتوسعة في الألفاظ ما دام المعنى واحدا، فقد كانوا أمة أمية، وكانت لغاتهم متعددة، وكان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة،
ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وتغيير للعادة، فمن ثم جعل الله لهم متسعا في اللغات بقراءة المعنى الواحد بألفاظ مختلفة.
وقد استمر الأمر على هذا حتى كثر فيهم من يقرأ ويكتب، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لسان قريش، ولا سيما بعد أن صارت لقريش السيادة الدينية والدنيوية معا، وقدروا على النطق بلغة قريش، التي هي أعذب اللغات وأسهلها وأطوعها للألسنة؛ فلم يسعهم أن يقرءوا بخلافها، ولا سيما وقد زالت الضرورة وأصبحت التوسعة في القراءة بالأحرف السبعة مثار اختلاف وتنازع، فقد حدث في عهد الخليفة الثالث «عثمان» رضي الله عنه أن اجتمع أهل الشام مع أهل العراق في غزوة «أرمينية» وكانت قراءاتهم مختلفة، فصار يخطّئ بعضهم بعضا، ويقول كل منهم: حرفي الذي أقرأ به خير من حرفك، فجاء حذيفة بن اليمان إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك المسلمين قبل أن يختلفوا في كتابهم اختلاف اليهود والنصارى، وحدث أيضا: أن كان المعلم يعلم قراءة الرجل، والآخر يعلم قراءة رجل آخر، فصار الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع هذا الخلاف إلى المعلمين، وكاد أن يكفر بعضهم بعضا، فقال عثمان: أأنتم عندي تختلفون فمن نأى من الأمصار كان أشد اختلافا، فرأى الخليفة الراشد عثمان- ونعم ما رأى- على ملأ من الصحابة، ومشورة من أهل الرأي منهم أن يجمع الناس على حرف واحد، حتى تضيق

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

شقة الخلاف، ويقل التنازع فجمع المصحف، وكتبه على حرف واحد وهو حرف قريش، ونسخ منه نسخا أرسل بها إلى الأمصار، وحرق ما عدا هذا المصحف الذي أمر بجمعه، وعزم على كل من كان عنده مصحف يغاير المصاحف العثمانية أن يحرقه، فاستوثقت له الأمة بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فالتزمت القراءة بحرف قريش؛ وتركت القراءة بالأحرف الستة الباقية، التي عزم عليها إمامها العادل الراشد أن تتركها امتثالا لأمر الإسلام، في طاعة أولي الأمر، ورعاية منهم لمصلحتهم ومصلحة الأمة ممن يأتي بعدهم حتى درست معرفة هذه الأحرف الستة من الأمة وتعفت آثارها فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها، وعفاء آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منهم لصحتها وصحة شيء منها، فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الباقية (1).
وإلى هذا الرأي ذهب الجماهير من سلف الأمة وخلفها فذهب إليه الأئمة سفيان بن عيينة، وابن جرير الطبري، ودافع عنه دفاعا حارّا في مقدمة تفسيره والطحاوي، وابن وهب، وخلائق كثيرون، واختاره القرطبي، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء، وهذا الرأي هو الذي أختاره وأميل إليه.
ولكي يخلص لنا هذا الرأي ممحصا مصفى، سنذكر بعض التوضيحات له، والشبه التي أثيرت حوله، ونجيب عليها، حتى يتبين لنا أنه الرأي المروي والمختار (2).

‌‌الشبهة الأولى:
إن قال قائل: في أي موضوع من القرآن نجد حرفا واحدا مقروءا بسبع--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري ج 1 ص 20 - 22.
(2) اعتمدت في هذا غالبا على ما ذكره العلامة ابن جرير في تفسيره، مع التلخيص والتوضيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

لغات مختلفات الألفاظ، متفقات المعاني، حتى يصح لنا أن نفسر الحروف السبعة بوجوه ولغات سبع
والجواب: أننا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وإنما قلنا: هذا هو معنى الحديث، ثم جدّت ظروف وضرورات اضطرت الأمة بسببها أن تقتصر على حرف واحد منها، وهو حرف قريش.
وإنما لم أقل في الجواب إن في القرآن ما يقرأ على سبعة أوجه مثل:
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ، فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ و «جبريل»، لأن الاختلاف في هذه اختلاف قراءات: وهو أداء اللفظ الواحد بطرق مختلفة الأداء، وليس اختلاف حروف، أي ألفاظ وكلمات على ما بينا في المذهب المختار، والقراءات الثابتة على اختلافها وتنوعها ترجع إلى حرف واحد، وهو حرف قريش، الذي جمع عثمان عليه المصاحف.

‌‌الشبهة الثانية:
إن قيل: أين ذهبت الأحرف الستة الباقية مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بها، وأمرهم بقراءتها، وأنزلهن الله من عنده على نبيّه أنسخت هذه الأحرف الستة الباقية فرفعت وإذا كان، فما الدليل على نسخها ورفعها
والجواب: أن الأحرف الستة الباقية لم تنسخ ولم ترفع، ولم تضيعها الأمة وإنما الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في حفظه وقراءته بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا حنثت في يمين وهي موسرة: أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق، أو إطعام، أو كسوة، فلو أجمعت الأمة جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حظر ما عداها كانت مصيبة؛ مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق الله، ووصفت بأنها مطيعة لا عاصية فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخيرت في قراءاته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد- قراءته بحرف واحد، وترك ما عداه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

فإن قيل، فما العلة قلنا: هي ما قدمنا من أن الأحرف السبعة، التي جعلت للتيسير، ورفع الحرج أضحت سببا للنزاع والاختلاف، بل والتكفير على نحو ما قلنا آنفا.

‌‌الشبهة الثالثة:
إن قيل: كيف يلتئم هذا الرأي الذي اخترتموه في تأويل الحديث مع ما أثر عن عثمان- رضي الله عنه أنه قال للرهط القرشيين الذين كانوا مع «زيد بن ثابت» في نسخ المصاحف: «ما اختلفتم فيه- أنتم وزيد- فاكتبوه بلسان قريش! فإنما نزل بلسانهم».
قلنا في الجواب: إن قول عثمان محمول على ابتداء نزوله، وهو الحرف الأول الذي نزل به جبريل، وطلب النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة عليه؛ فقد نزل جبريل بهذا الحرف أولا، ثم كان يأتي بالحروف في عرضاته القرآن مع النبي كل عام في رمضان، فكان ينزل الله- سبحانه- في هذه العرضات ما شاء أن ينزل من ألفاظ اللغات الأخرى، التي تدعو إليها الحاجة، ثم كان أن استقر الأمر آخرا بعد زوال الضرورة على هذا الحرف، وهو لغة قريش.
أو يكون مراد عثمان: أن معظمه وأكثره نزل بلغة قريش.
نقل الإمام «أبو شامة» عن بعض الشيوخ أنه قال: «أنزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها، على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغة إلى أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد، كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة كما تقدم، وتصويب رسول الله كلا منهم».
قال الحافظ «ابن حجر» معلقا: وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي أن كل واحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم ويشير إلى ذلك قول كل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)