Arabic source text

📘 আল-মাদখালু লি-দিরাসাতিল কুরআনিল কারিম (মুহাম্মদ আবু শাহবা - মৃত্যু 1403 হিজরী)

📘 المدخل لدراسة القرآن الكريم (محمد أبو شهبة - ت 1403 هـ)

📘 আল-মাদখালু লি-দিরাসাতিল কুরআনিল কারিম (মুহাম্মদ আবু শাহবা - মৃত্যু 1403 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
المصاحف قد أجمع عليه العلماء، وثبت بالتواتر المفيد للقطع واليقين، فلا تعارضه روايات آحادية مهما بلغت أسانيدها من الصحة أو من الحسن أو الجودة، لأن الآحادي لا يعارض التواتر ولا يقوى على مناهضته.
وعلى فرض تسليم ثبوت هذه الروايات قد تأول العلماء هذه الأحاديث على غير ظاهرها؛ لوجود الصارف لها، وهو ما قدمناه من الإجماع على عدم جواز ذلك.
قال الإمام ابن عبد البر- في رواية أبي داود-: إنما أراد ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها، أنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها (1)، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: وهذه أيضا سبعة غير السبعة التي هي وجوه وطرائق، وغير السبعة التي هي قراءات وتوسع فيها، وإنما هي سبعة أوجه من أسماء الله تعالى. وإذا ثبتت هذه الرواية- رواية أبي- حمل على أن هذا كان مطلقا ثم نسخ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا أسماء الله في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالفه (2)، وهو تأويل كما ترى.
وشكك في صحتها بعض العلماء فقال صاحب التبيان (3): وكأن بعض الحفاظ ينكر صحة هذه الرواية، فإنه قال- في إثبات ما ذهب إليه من عدم جواز الرواية بالمعنى- وبرهان ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم «البراء بن عازب» دعاء، وفيه «ونبيك الذي أرسلت» فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ورسولك الذي أرسلت» فأمره- عليه السلام أن لا يضع «رسول» في موضع لفظة «نبي» وذلك حق لا يحيل معنى وهو- عليه الصلاة والسلام رسول ونبي، فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا:--------------------------------------------
(1) يريد أنها دالة على ذات واحدة وإن اختلفت ألفاظها.
(2) مقدمتان في علوم القرآن ص 267.
(3) التبيان ص 58.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

إنه- عليه الصلاة والسلام كان يجيز أن يوضع في القرآن مكان «عزيز حكيم»، «غفور رحيم» أو «سميع عليم»، وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا، والله يقول- مخبرا عن نبيه-: ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ولا تبديل أكثر من وضع كلمة موضع أخرى!
أقول: ومما ينبغي أن يعلم أن مخالفة المروي للقرآن أو لما اشتهر من السنة أو لإجماع العلماء مما يقلل الثقة بالرواية ويجعلها في عداد الروايات الواهية التي لا يحتج بها.
وأما رواية أبي هريرة فليس فيها ما يدل على وضع أحدهما مكان الآخر.
والظاهر: أن المراد بالحرف في هذا الحديث غيره في حديث نزول القرآن على سبعة أحرف المشهور، فالمراد به هنا: سبعة أوجه من أسماء الله تعالى، وبمثل هذا قال القاضي الباقلاني في الحديث السابق.
وأما حديث «عمر» فليس فيه ما يدل على جواز إبدال فاصلة بأخرى، ومراد النبي بقوله: «إن القرآن كله صواب» يعني في حدود المنزل من عند الله على نبيه، وما تلقاه المسلمون عن النبي فهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى: «فأي حرف قرءوا عليه، فقد أصابوا».
والدليل على أن هذا التأويل هو المتعين في حديث «عمر» هي القصة التي ورد بسببها هذا القول، ذلك أن «عمر» (1) اختصم مع آخر بسبب قراءة كلمة من القرآن فذهبا إلى النبي، فصوب قراءتيهما، وبين أن الكل من عند الله، فدخل قلب «عمر» من ذلك شيء، فضرب النبي في صدره وقال: «أبعد شيطانا» ثم قال: «يا عمر، القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذابا … إلخ» ويكون المقصود بقوله: «ما لم تجعل … إلخ» النهي عن وضع شيء ما موضع آخر من غير نظر إلى تخصيص ذلك بالرحمة والعذاب.--------------------------------------------
(1) فتح الباري ج 9 ص 31، تفسير الطبري ج 1 ص 10.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

‌‌إزالة شبهة أخرى:
فإن قال قائل: لقد ذكرت في صدر المبحث استنتاجا من الروايات الحديثية: أن التوسعة في الأحرف إنما كانت في حدود المسموع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرت من تثبيت هذا المعنى في تضاعيف كلامك … فما تقول فيما ورد من آثار ظاهرها يفيد جواز إبدال اللفظ القرآني بآخر- وإن لم يسمع- ما دام المعنى واحدا مثل ما روي عن ابن مسعود: أنه علّم رجلا قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعامُ الْأَثِيمِ (44) [الدخان: 43 - 44] فقال الرجل: طعام اليتيم، فأعاد عليه ابن مسعود الصواب، وأعاد الرجل الخطأ؛ فلما رأى ابن مسعود أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له: أما تحسن أن تقول طعام الفاجر قال: بلى، قال فافعل، رواه أبو عبيد في فضائله وابن المنذر.
وروي عن أبي الدرداء مثل ذلك، روى ابن جرير في تفسيره قال:
حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام ابن الحارث أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا … إلخ الأثر. ورواه الحاكم وصححه، وما رواه الأعمش قال: قرأ أنس بن مالك: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب قيلا [المزمل: 6] فقيل له: إنها وَأَقْوَمُ قِيلًا فقال: أقوم، وأصوب، وأهيأ، واحد.
رواه أبو يعلى قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية … الأثر.
وكذلك روى أن أبا سوار الغنوي كان يقرأ: فحاسوا خلال الديار [الإسراء: 5]- بالحاء غير المعجمة- فقيل له: إنما هي فَجاسُوا فقال:
حاسوا وجاسوا واحد.
والجواب: إن هذه الروايات وما شابهها مصروفة عن ظاهرها لا محالة؛ لوجود الأدلة القطعية من القرآن والسنة الصحيحة على عدم جواز تبديل كلمة بأخرى في معناها، من غير توقيف وسماع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

وأيضا فقد أجمع علماء الأمة على هذا، وإن شذ عن هذا الإجماع مفسر (1)، ونحوي (2) فاغترا بظاهر الروايات، وهو قول ساقط عن الاعتبار إذا قيس بإجماع العلماء المحققين الجامعين بين المعقول والمنقول.
وكأني بك تقول: إذا كانت الروايات مصروفة عن ظاهرها لا محالة … فما المراد منها إذا
قلت: لك في ذلك طريقان، وإليك البيان:
1 - إما أن نقول: إن هذه كانت أحرف يقرأ بها، وكانت منزلة من عند الله للتوسعة على العرب في أول الأمر، ثم نسخت فيها نسخ في العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلم القارئ بها أنها نسخت.
أو أنها تنوسيت واندثرت فيما تنوسي واندثر من الأحرف الستة، غير حرف قريش الذي جمع عليه عثمان المصاحف وعلى هذا يكون ابن مسعود قد سمع القراءتين عن النبي صلى الله عليه وسلم فلما تعذر على الرجل أحدهما أقرأه الأخرى، وكذلك «أنس» سمع كلا من الألفاظ الثلاثة، وأبو سوار الغنوي سمع كلا من اللفظين.
وقد قرأ فحاسوا- بالحاء أبو السّمّال، وطلحة بن مصرف مما يدل على أنها منزلة وليست بالهوى.
2 - وإما أن نقول: إن ما جاءت به الروايات تفسير وتوضيح للفظ القرآن، فابن مسعود لم يرد إقراء الرجل لفظ القرآن، وإنما أراد توضيح المعنى له؛ كي يكون ذلك وسيلة إلى النطق بالصواب، وهو اللفظ القرآني المتلقى عن الرسول، وذلك أن ابن مسعود بين أمرين، إما أن يدعه يقرأ--------------------------------------------
(1) هو الزمخشري: انظر تفسير الكشاف ج 2 ص 363، والعجب من مثل الزمخشري أن يقول هذا. تفسير الكشاف عند قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعامُ الْأَثِيمِ (44).
(2) هو ابن جني، انظر تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 337.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

لفظ «اليتيم» فيكون في ذلك إخلال باللفظ وإفساد للمعنى، وفي ذلك ضرران محققان، وأمران محظوران؛ وإما أن يقرئه المعنى بلفظ يستقيم به لسانه؛ فيستقيم المعنى، ويبقى الإخلال باللفظ ريثما يتسهل له النطق بالأصل ففيه ضرر واحد. ولا شك أن ارتكاب أخف الضررين، وأهون المحظورين- عند الضرورة- أولى من ارتكابهما معا.
قال القرطبي في تفسيره (1) - نقلا عن أبي بكر الأنباري-: ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره؛ لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريبا للمتعلم، وتوطئة له للرجوع إلى الصواب، واستعمال الحق، والتكلم بالحرف على إنزال الله، وحكاية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال صاحب الانتصاف تعقيبا على قول الزمخشري: قال أحمد (2):
لا دليل لذلك وقول أبي الدرداء محمول على إيضاح المعنى، ليكون وضوح المعنى عند المتعلم عونا على أن يأتي بالقراءة كما أنزل … على هذا حمله القاضي أبو بكر في كتاب «الانتصار» وهو الوجه.
وكذلك أنس- رضي الله عنه لم يرد أن هذا قرآنا، وإنما أراد توضيح المعنى، وتفسير لفظ القرآن، قال الإمام الرازي في تفسيره (3) بعد أن ذكر رواية أنس، استدلال ابن جني بها على الجواز: وأنا أقول: يجب أن نحمل ذلك على أنه إنما ذكر تفسيرا للفظ القرآن، لا على أنه جعله نفس القرآن، إذ لو ذهبنا إلى ما قاله ابن جنّي لارتفع الاعتماد عن ألفاظ القرآن ولجوزنا أن كل أحد عبر عن المعنى بلفظ رآه مطابقا لذلك المعنى، ثم ربما أصاب في ذلك الاعتقاد، وربما أخطأ، وهذا يجر إلى الطعن في القرآن،--------------------------------------------
(1) ج 16 ص 149.
(2) هو الإمام أحمد بن المنير عالم الإسكندرية وقاضيها وخطيبها، وهو صاحب كتاب «الانتصاف من صاحب الكشاف».
(3) ج 8 ص 237.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

فثبت أنه يجب حمل ذلك على ما ذكرنا.
ومثل ذلك يقال في فحاسوا فهي تفسير للفظ القرآن فَجاسُوا وربما كانوا يفعلون ذلك في القرآن: اعتمادا على أن اللفظ القرآني معروف ومتحقق، ولا يأتي فيه الالتباس والاشتباه، على أن أثر أنس منقطع فلا يحتج به ولا سيما فيما يتعلق بالقرآن وقراءاته.
وقال ابن الأنباري (1) - بعد أن ذكر رواية الأعمش، عن أنس-: وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن، فهو مصيب إذا لم يخالف معنى، ولم يأت بغير ما أراد الله، وقصد له، واحتجوا بقول أنس، وهو قول لا يعرج عليه ولا يلتفت إلى قائله … إلى أن قال: والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة لا يصح عن أحد من أهل العلم؛ لأنه مبني على رواية الأعمش، عن أنس، فهو مقطوع (2) ليس بمتصل، فيؤخذ به من قبل أن الأعمش رأى أنسا، ولم يسمع منه.
ولعلك بعد هذا البيان الشافي ازددت يقينا واطمئنانا إلى أن الإجازة في أحرف القرآن وقراءاته، إنما كانت في حدود المسموع، المتلقّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن رب العزة- جل وعلا- وأن هذا إجماع من العلماء المحققين المتثبتين.

‌‌زعم باطل لبلاشير. ورده
وقد تلقف بعض المستشرقين هذه الروايات الباطلة التي عرضنا لها، والروايات التي لها محامل صحيحة، ولكنهم حرفوا معانيها إلى محامل باطلة فزعموا أنها تدل على جواز قراءة القرآن بالمعنى، وهذه سمة معظم المستشرقين: أنهم يصححون الموضوع، ويحرفون الصحيح عن معناه كي--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي ج 19 ص 40.
(2) مراده منقطع بدليل ما بعده وبعض العلماء يطلق لفظ المقطوع على المنقطع؛ انظر مقدمة ابن الصلاح ص 51، والمنقطع من قبيل الضعيف فلا يحتج به فيما دون هذا، فكيف يعول عليه في مثل هذا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

تساعدهم على أغراضهم من الطعن في القرآن الكريم.
ومن هؤلاء «بلاشير» في كتابه «المدخل إلى القرآن» وفي ترجمته للقرآن التي أقحم فيها على النص القرآني بعض الآيات الموضوعات (1)، وها هو بلاشير يعرض زعمه في موضوع القراءة بالمعنى، قال: خلال الفترة التي تبدأ من مبايعة عليّ عام 35 هـ حتى مبايعة الخليفة الأموي الخامس «عبد الملك» عام 65 هـ كانت جميع الاتجاهات تتواجه، فالمصحف العثماني قد نشر نفوذه في كل البلاد إذ كان مؤيدا بنفوذ من شاركوا في عمله، وقد كانوا يشغلون مناصب مهمة في الشام وربما كان هذا هو الوقت الذي نشأت فيه نظرية معينة، تدل على أن إصلاح عثمان كان قد أصبح ضروريا فبالنسبة إلى بعض المؤمنين لم يكن نص القرآن بحرفه هو المهم وإنما روحه، ومن هنا ظل اختيار الوجه (الحرف) في القراءات التي تقوم على الترادف المحض أمرا لا بأس به ولا يثير الاهتمام، هذه النظرية التي يطلق عليها القراءة بالمعنى كانت دون شك من أخطر النظريات إذ كانت تكل تحديد النص إلى هوى كل إنسان (2).
ومن الغريب والمؤسف حقا أن يجيء بعد «بلاشير» رجل مسلم وهو الدكتور «مصطفى مندور» فيتابع أستاذه «بلاشير» على رأيه، بل ويزيد الطين بلّة بما أضاف من تخرّصات أخرى فعقد فصلا في رسالة «الشواذ» - وهي رسالة تكميلية لنيل درجة دكتوراة الدولة من كلية الآداب بجامعة باريس---------------------------------------------
(1) فقد أدخل في ترجمته لسورة النجم بعد قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (21) هذه العبارات المختلقة المدسوسة: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى اعتمادا على ذكرها في بعض كتب أسباب النزول التي لا يعتبر مؤلفوها من المحدثين الذين يميزون بين الصحيح وغيره، والتي زعموا أنها كانت سببا في نزول
قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ … الآية وقد فندت ذلك من جهة العقل والنقل في كتابي «السيرة النبوية»؛ القسم الأول ص 375 - 387، فليرجع إليه من يشاء.
(2) المدخل لترجمة القرآن 69 - 70 عن تاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين ص 84 - 85.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

بعنوان «القراءة بحسب المعنى» قال فيه: هنالك على الأخص نقطة وقع عليها اتفاق كثيرين، هي أن القرآن ربما قرئ بأوجه كثيرة، ولكن الأساس هو أن يحترم المعنى، وقد أيدت نصوص كثيرة هذه الفكرة فينسب إلى عمر قوله: القرآن كله صواب ما لم تجعل عذابا مغفرة أو مغفرة عذابا، ثم ذكر نصوصا لا تشهد لما ادعاه ثم قال: من هذه الوجوه التفسيرية نشأت فكرة القراءة بحسب المعنى، وهنالك أمثلة ترينا إلى أي حد تبع المؤمنون كلام الله بحرفه … ثم يسوق أخبارا يستدل بها على انتشار هذه النظرية في المجتمع الإسلامي فيقول: وقد علم عمر بن عبد العزيز أن رجلا كان يقرأ القرآن فيقلب نظام الآيات فلما قوطع في قراءته ادعى أنه لا ذنب في هذا ولا جريرة ما دام يذكر كل النص، في أي نظام، كما روى أن مسلما آخر استبدل بعض الكلمات بمرادفاتها، ثم ذكر مرجعا له كتاب الأغاني (ج 3 ص 61)، وما هو فيه، ولعله اعتمد فيما نقله على بعض كتب الأدب ككتاب «محاضرات الأدباء» وأمثاله من الكتب (1) التي لا اعتداد بها في باب الرواية عند العلماء المحدثين الأصلاء في النقد، والذين إليهم المرجع في معرفة الغث من السمين والصحيح من الضعيف من الموضوع المختلق على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة رضوان الله عليهم.

‌‌الرد على هذه المزاعم
وإليك الرد على هذه المزاعم التي زعمها بلاشير ومتابعه مندور:
1 - هذه الروايات لا تثبت أمام النقد العلمي النزيه، ومعظمها روايات باطلة المعنى واهية الإسناد، والاعتماد على أمثال هذه الروايات التي ليس لها زمام ولا خطام تجن على العلم وعلى الحقيقة، ولو لم يكن في نقد هذه--------------------------------------------
(1) رسالة «الشواذ» للدكتور مندور ص 113 وما بعدها نقلا عن كتاب «تاريخ القرآن» ص 86، 87 وقد تعقب الدكتور عبد الصبور شاهين بلاشير وتلميذه مندور في ما زعماه وفند ما ارتأياه، وأبان عن أن منهجهما ليس بمنهج علمي صحيح.
وقد أتيت في الرد على بلاشير وتلميذه مندور بما أتى به الدكتور شاهين وزدت عليه ردودا أخرى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

المرويات إلا أنها مخالفة للمعقول وما صح من المنقول، وما أجمع عليه المسلمون من عهد الصحابة إلى يومنا هذا مما هو منقول نقلا متواترا، لا يتطرق إليه الشك والارتياب، لكفى فما بالك وهي معلولة الأسانيد وصدق ابن الجوزي الناقد حيث قال: ما أحسن قول القائل: كل حديث رأيته تخالفه العقول، وتناقضه الأصول، وتباينه النقول فاعلم أنه موضوع، وقد عرضنا لهذه المرويات آنفا، وبينا أن معظمها لا يصلح للاحتجاج به، وبعضها على تسليم صحته له مخارج صحيحة.
2 - إن مثل هذه البحوث التي تتعلق بكتاب الله، الذي توفرت له كل وسائل الثبوت واليقين والتحوط البالغ لسلامة النص من التحريف والتبديل والتغيير، لا يجوز ولا يليق بباحث أن يعتمد فيها على روايات تذكر في كتب الأدب أو التاريخ، أو يتندر بها بعض الناس في مجالسهم من غير أن يكون لها أسانيد ثابتة، ولكن المستشرقين وأبواقهم في سبيل تحقيق مزاعمهم يصححون الضعيف، ويعتمدون على المكذوب، على حين نجدهم يضعفون الصحيح من الأحاديث ولا حامل لهم في هذا وذاك إلا الهوى والتشهي والتجني الآثم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن الكريم.
3 - إن هذه التوسعة في الحروف السبعة لم تكن بالهوى والتشهي وإنما كانت في حدود المنزّل من عند الله بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم عقب سماعه قراءة كل من المختلفين «هكذا أنزلت»، وقد نبهت على ذلك آنفا فكن على ذكر منه.
4 - إن البحث العلمي الصحيح الذي يكون القصد منه إصابة الحق والصواب يلزم الباحث النزيه فيما إذا وردت روايات متعارضة أن ينقدها من ناحية السند- النقد الخارجي- ومن ناحية المتن- النقد الداخلي- ولا يزال يمحص الروايات، ويوازن بينها مع ملاحظة ما يوافق البيئة منها، وما لا يوافق، حتى يهتدي إلى الحق والرشاد، أما أن يأخذ ما يشاء على حسب هواه فتلك خيانة للبحث العلمي الصحيح، ثم إن جاز هذا من باحث متعصب ك «بلاشير» فكيف جاز ذلك من باحث مسلم كمصطفى مندور!!

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

5 - إن المعوّل عليه في حفظ القرآن الكريم هو التلقي الشفاهي فعن النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه ألوف الصحابة العدول الضابطين، وعن الصحابة تلقاه ألوف الألوف من التابعين ولم يكن المعول عليه في الحفظ الصحف أو المصاحف وإنما كانت الكتابة في الصحف والمصاحف لزيادة التوثق والاطمئنان ولا يزال الاعتماد في حفظ القرآن على الشيوخ الحافظين المتقنين إلى يومنا هذا، وهذا القرآن المكتوب في المصاحف ثبت بحفظ الألوف الذين لا يحصيهم العد وأجمع عليه المسلمون في كل عصر وقطر، فكل ما جاء من روايات مخالفة له مخالفة صريحة أو ضمنية فاضرب بهذه الروايات عرض الحائط، وارم بهما دبر أذنيك فإنها لا تساوي المداد الذي تكتب به، والروايات الآحادية وإن صحت لا تعارض ما ثبت بالتواتر، فما بالك إذا كانت الروايات الآحادية ضعيفة
6 - في كلام بلاشير ومتابعه (مندور)، تناقض ودعاوى وافتراضات لم يقم عليها دليل فمن ذلك ما ذكر بلاشير من أن مصحف عثمان قد بسط نفوذه … فكيف يتفق هذا وقوله: فبالنسبة إلى بعض المؤمنين لم يكن نص القرآن بحرفه هو المهم! ثم كيف ضرب عن الروايات الصحيحة المتكاثرة صفحا وزعم أن نظرية القراءة بالمعنى كانت تكل
تحديد النص إلى (هوى كل إنسان)!
ثم ما قيمة التخمينات والافتراضات في بحث يتصل بكتاب يعتبر عند المنصفين خير الكتب السماوية وأفضلها بله الأرضية ثم أين النصوص الكثيرة التي أيدت فرية «قراءة القرآن بالمعنى» يا دكتور مندور وما ذكرت إلا بضعة نصوص ضعيفة متهالكة متهافتة وقعت عليها في كتب الأدب ونحوها التي لا اعتبار لها في موازين أهل النقد والرواية! ثم من هم الكثيرون الذين زعمت أنهم اتفقوا على جواز القراءة بالمعنى! وصدق القائل:
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بيّ … نات أبناؤها أدعياء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

‌‌جملة الأقوال في الأحرف السبعة
وقد بلغ بها «السيوطي» - نقلا عن ابن حبان- إلى خمسة وثلاثين قولا ثم قال: قال ابن حبان: فهذه خمسة وثلاثون قولا لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف، وهي أقاويل يشبه بعضها بعضا، وكلها محتملة ويحتمل غيرها.
وقال أبو العباس المرسي: هذه الوجوه أكثرها متداخلة، ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت ولا أدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر، مع أنها كلها موجودة في القرآن فلا أدري معنى التخصيص؛ ومنها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة، وأكثرها معارضة حديث عمر وهشام بن حكيم، الذي في الصحيح؛ فإنهما لم يختلفا في تفسيره، ولا أحكامه وإنما اختلفا في قراءة حروفه، وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع وهو جهل قبيح.
أما ما استشكله من حديث عمر وهشام فقد بينا مفصل الحق فيه بما يزيل الإشكال ويطمئن القلب، وبحسبنا ما ذكرنا من الأقوال في هذا المقام فقد أعرضنا عن القشور، واكتفينا باللباب.

‌‌موقف الشيعة من حديث الأحرف السبعة
أما موقف الشيعة من حديث «نزل القرآن على سبعة أحرف» فكانوا على فريقين فمنهم من يرى صحة الحديث، ولم يطعن فيه، وذكر بعض الوجوه في تأويله، ويمثل هذا الفريق الأستاذ الشيخ أبو عبد الله بن الميرزا نصر الله الزنجاني- رحمه الله في كتابه «تاريخ القرآن» فقد ذكر بعض الأحاديث التي رواها البخاري وغيره في هذا الباب، ثم قال: دلت هذه الروايات على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئ القرآن بعض عظماء الصحابة، ويهتم بأن يحفظوه حتى قال لأبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك … » ودلت أيضا على أن الصحابة كانوا يهتمون بحفظ نصوص الآيات بحيث كان زيادة حرف «واو» ونقصيتها أمرا مهتما به مع أن ذلك لا يغير المعنى كثيرا.
وكذلك عرض لبيان المراد بالأحرف السبعة، ومال إلى ما رآه الإمام

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

محمد بن جعفر بن جرير الطبري في تفسيره (1) وهو ما رجحناه آنفا.
ويمثل الفريق الثاني- وهم الأكثر- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن» (2)، فقد عرض لبعض الروايات الثابتة الصحيحة التي ذكرناها في صدر البحث وقد حاول أن يثبت أنها أحاديث مضطربة متناقضة وأنها ضعيفة الأسانيد من غير أن يقيم على ذلك بينة غير أنها واردة من طرق أهل السنة فهي مرفوضة في نظره وهي أيضا مخالفة لصحيحة زرارة بن أعين (3) عن أبي جعفر قال: إن القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة، وأن الصادق عليه السلام حكم بكذب الرواية المشهورة بين الناس «نزل القرآن على سبعة أحرف» وقال: «ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد».
ولا أدري كيف يستسيغ إخواننا الشيعة أن يردوا حديثا متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم برواية واحد وعشرين صحابيّا عدولا ضابطين، بروايات مقطوعة (4) على التابعين ومن بعدهم، وليس مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا موقوفة (5) على الصحابي ومهما بلغ شأن التابعي أو تابع التابعي فلن تبلغ روايته مبلغ الرواية المسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا تصلح أن تكون معارضة لها بل لو وردت--------------------------------------------
(1) تاريخ القرآن للزنجاني من ص 35 - 38.
(2) البيان ج 1 ص 119 وما بعدها عن «تاريخ القرآن».
(3) في لسان الميزان ج 2 ص 473: زرارة بن أعين الكوفي أخو حمران يترفض- يعني أنه كان رافضيّا- فهو شيعي غال- وقد روى عنه العقيلي في الضعفاء حديثا له عن محمد بن علي عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي لا يغسلني غيرك» وذكر له الذهبي قصة وفيها أخبار جعفر بن محمد عنه أنه من أهل النار، وقد كان يروي عن أبي جعفر- يعني محمد الباقر- وقد قال السفيانان: إنه ما رأى أبا جعفر ولكنه كان يتتبع حديثه، فهذه الصحيحة المزعومة لا يثبت سندها، وكان له أخوان شيعيان، وأشدهم تشيعا هو حمران، وقد ذكر ابن حزم في الجمهرة أنه رجع عن تشيعه، ولزم المصحف، وقال: لا إمام لي غيره.
(4) المقطوع: هو ما روى عن التابعين من أقوالهم وأفعالهم.
(5) الموقوف: هو ما روى عن الصحابة من أقوالهم وأفعالهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

رواية عن بعض الصحابة، وورد عن النبي ما يخالفها أخذنا بالرواية المرفوعة ورفضنا الموقوفة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي لا ينبغي أن يختلف فيه شيعي أو سني وهذا هو المنهج العلمي الصحيح الذي وضعه أئمة هذا العلم النبوي في كل عصر ومصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا.
وماذا نملك للشيعة ما دام مذهبهم رفض كل المرويات التي رويت في كتب أهل السنة مهما بلغت من الصحة، وثقات رواتها! إذا عارضت ما روي عن أهل البيت.
يقول السيد الخوئي: ولا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لما يصح عنهم (أي عن أهل البيت) ولذلك لا يهمنا أن نتكلم عن أسانيد هذه الروايات، وهذا أول شيء تسقط به الرواية عن الاعتبار والحجية (1) وهذا المبدأ أبعد ما يكون عن المنطق والصواب فأي راو مهما بلغ من العلم أو النسب غير معصوم، وما دام الأمر كذلك فلتوزن هذه الروايات وغيرها بالميزان الذي وضعه أئمة الجرح والتعديل، وليتعرف صحيحها من سقيمها من موضوعها بالقواعد التي وضعها أئمة أصول الحديث، والتي تعتبر ميزان المنقول، كما اعتبر المنطق ميزان المعقول، ولكي تكون على بينة مما ذكره السيد الخوئي ومنزلته من الحق والصواب أذكر لك بعض المثل مما انتقد به المرويات:
يقول: فمن التناقض أن بعض الروايات دل على أن جبريل أقرأ النبي على حرف فاستزاده النبي- فزاده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف، وهذا يدل على أن الزيادة كانت بالتدريج، وفي بعضها أن الزيادة كانت مرة واحدة في المرة الثالثة وفي بعضها أن الله أمره في المرة الثالثة أن يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، وكان الأمر بقراءة سبع في المرة الرابعة.
وفي الحق أن هذا لا يعد تناقضا ولا اضطرابا ترد به الروايات لأن إمكان الجمع بينها سهل يسير لجواز أن لا تكون هذه الأحاديث في قصة واحدة بل--------------------------------------------
(1) البيان ج 1 ص 123.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

تكون في قصص ولقاءات متعددة، ففي بعضها أخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الرابعة، وفي بعضها أخبره في المرة الثالثة، أو بالعكس، أو تكون في قصة واحدة ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها في أوقات متعددة ففي وقت اكتفى النبي بالإجمال، وفي وقت آخر سلك مسلك التفصيل فجاء الرواة فرووها كما سمعوها أو أن ذلك يرجع إلى أن بعض الرواة قد يقتصر على بعض المرات، والبعض يستوفي المرات، وقد علق العلماء على الروايات فيما سبق بنحو ذلك على أن هذه الأمور اليسيرة السهلة لا تطعن في صحة الحديث نفسه ما دامت الروايات كلها في النهاية تتفق على ذلك، وكل ما ذكره من تناقض أو اختلاف فهو أهون شأنا من هذا.
أما الطعن في هذا الحديث بأن الزيادة على الحرف الواحد إنما جاءت من الرواة، فلا أدري أنصدقه فيما زعم، ونرفض ما رواه الأئمة العدول الضابطون، وما يكاد تجمع عليه الأمة سلفها وخلفها من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا! وفيه الصحابة الأجلاء، والأئمة العلماء الذين حكموا بتواتر هذا الحديث، ومعروف أن الحديث المتواتر يفيد القطع واليقين في نسبته إلى قائله!! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ولا أدري كيف نرجح ما جاء في «صحيحة» زرارة بن أعين المنقطعة بقول إمامين كبيرين، وهما سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة على أحاديث مسندة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تفيد بمجموعها التواتر المعنوي!
بل كيف نرجح ما يوجد في كتاب رجل حكم عليه جعفر بن محمد الباقر بأنه من أهل النار أحبّ من علماء الشيعة أن يراجعوا أنفسهم في مثل هذا الكلام الذي لا يشهد له عقل، ولا نقل صحيح، وإنما هي ظنون وتخرصات لا تغني عن الحق شيئا!!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)

‌‌هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف …
اختلف العلماء في ذلك على أقوال ثلاثة:
1 - ما ذهب إليه الطبري، ومن وافقه على رأيه في الأحرف السبعة من أن المصاحف تشتمل على حرف واحد منها، وهو حرف قريش الذي جمع عثمان عليه المصاحف؛ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهو المعتمد.
وهذا الرأي هو الذي يوافق ما ذهب إليه الطبري وموافقوه في الأحرف السبعة، وبسطناه فيما سبق غاية البسط، وهو مذهب المحققين.
2 - وذهب جماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنها مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وقالوا: إنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء منها، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر، وكانت بجميع الأحرف السبعة، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك.
وقد أجيب عنه: بما ذكره ابن جرير: من أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جائزا لهم، ومرخصا لهم فيه، فلما رأى الصحابة أن الأمة قد تفترق وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد أجمعوا على ذلك إجماعا شائعا، وهم معصومون من الضلالة؛ ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام، وهذا إنما يتأتى على قول من يقول:
إنها مفرقة في القرآن كله، أو أنه سبع قراءات من القراءات المشهورة.
3 - وذهب جماعة من السلف والخلف إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل متضمنة لها، لم تترك منها حرفا واحدا.
قال ابن الجزري: وهذا هو الذي يظهر صوابه، قلت: لأنه هو الذي يوافق اختياره في الأحرف السبعة، وعلى هذا يتنزل أيضا ما ذكره ابن قتيبة، وأبو بكر الرازي، وأبو بكر الباقلاني.
قال في «الفتح» - بعد ذكر بعض هذه الأقوال-: والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)

وفيه بعض مما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ في آخر سورة براءة، وفي غيره بحذف من وكذا ما وقع فيه من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة «واوات» ثابتة في بعضها دون بعض (1)، وعدة «هاءات» (2)، وعدة «لامات» (3) ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معا، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصا واحدا أو أمر بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جوّزت به توسعة على الناس وتسهيلا، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكفر بعضهم بعضا، اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي.
وقال البغوي في «شرح السنة»: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك؛ قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم.
والتحقيق: أن كون المصاحف مشتملة على الأحرف السبعة أو بعضها متوقفة على معرفة المراد بالأحرف السبعة، فمن قال إن المراد به سبع لغات في كلمة واحدة تختلف فيها الألفاظ مع اتفاق المعاني كابن جرير، ومن وافقه قال: إن ما بقي في المصاحف منها هو حرف قريش.
ومن قال: إن المراد بالأحرف السبعة: الوجوه التي يرجع إليها اختلاف القراءات على ما ذهب إليه ابن قتيبة، ومن لف لفه، قال: إن المصاحف--------------------------------------------
(1) مثل «ووصى» و «أوصى».
(2) مثل «وما عملت أيديهم» و «وما عملته أيديهم».
(3) مثل «سيقولون الله» و «وسيقولون لله» في سورة المؤمنون.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)

العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسم المصحف منها، بمعنى أنها اشتملت من كل واحد منها على ما وافق رسم المصحف منه، بل لم تخل عن وجه منها بالكلية، وإن كان بعض هذه الوجوه قد نسخ بعضه، وقد تكفل ببيان ذلك تفصيلا أحد كبار العلماء (1) الكاتبين في هذا الموضوع.
ومما ينبغي أن يعلم أن غالب ما يمثل به هذا الفريق للأحرف السبعة إنما هو في نظر الفريق الأول- فريق الطبري، ومن تبعه- قراءات لا حروف، فهم يرون أن القراءات ترجع إلى الحروف، وهي منها، وليست عينها، مما يجعل الباحث غير مطمئن إلى الاحتكام إلى ما هو موجود في المصاحف العثمانية في الواقع، ونفس الأمر اليوم.
يوضح ذلك ما أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» عن أبي الطاهر ابن أبي السرح قال: سألت سفيان بن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل: هلم، وتعال، وأقبل، أيّ ذلك قلت أجزأك، قال لي ابن وهب:
مثله (2).
وبعد: فلعلنا بعد هذا المطاف الطويل نكون قد وفقنا إلى عرض هذا البحث عرضا علميّا صحيحا خاليا من التعصب لأحد، أو التحيّف على آخر إلا ما دل عليه الدليل وقامت الحجة.
ولعلك- أيها القارئ- تكون قد اقتنعت بما اقتنعنا به من أنه الحق والصواب في بيان المراد بالأحرف السبعة، وإلا فأنت واختيارك فقد عرضنا الأقوال وذكرنا ما لها وما عليها.
والحمد لله الذي وفقني إلى ما انتهيت إليه في هذا المبحث العويص، الشائك، وبيان الحق في الروايات الموهمة المشكلة، التي زلت أقلام بعض العلماء بسببها وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.--------------------------------------------
(1) الكلمات الحسان في نزول القرآن على سبعة أحرف وجمع القرءان ص 14 - 17.
(2) فتح الباري ج 9 ص 24.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

‌‌المبحث السادس المكي والمدني
‌‌[اهمية البحث]
معرفة المكي والمدني من المباحث المهمة التي يحتاج إليها المفسر لكتاب الله ومن نصب نفسه للاجتهاد والفتيا والقضاء كي يمكنهم التوصل إلى الحق والصواب، قال أبو القاسم الحسن بن حبيب النيسابوري في كتاب «التنبيه على فضل علوم القرآن»: من أشرف علوم القرآن:
(1) علم نزوله (2) وجهاته (3) وترتيب ما نزل بمكة والمدينة (4) وما نزل بمكة وحكمه مدني (5) وما نزل بالمدينة وحكمه مكي (6) وما نزل بمكة في أهل المدينة (7) وما نزل بالمدينة في أهل مكة (8) وما يشبه نزول المكي في المدني (9) وما يشبه نزول المدني في المكي (10) وما نزل بالجحفة (11) وما نزل ببيت المقدس (12) وما
نزل بالطائف (13) وما نزل بالحديبية (14) وما نزل ليلا (15) وما نزل نهارا (16) وما نزل مشيعا (17) وما نزل مفردا (18) والآيات المدنيات في السور المكية (19) والآيات المكيات في السور المدنية (20) وما حمل من مكة إلى المدينة (21) وما حمل من المدينة إلى مكة (22) وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة (23) وما نزل مجملا (24) وما نزل مفسرا (25) وما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدني وبعضهم مكي، فهذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ويميز بينها، لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى (1).
قال السيوطي: وقد أشبعت الكلام على هذه الأوجه فمنها من أفردته بنوع ومنها ما تكلمت عليه في ضمن بعض الأنواع.
وقد أفرد المكي والمدني بالتأليف بعض العلماء، كمكي والعز الدريني، وليس من شأننا في هذا المبحث تتبع الجزئيات واستقراء السور والآيات المكية والمدنية فذلك بالتأليف المستقل ألصق، وإنما قصدنا ذكر أحكام كلية وسمات وخصائص للمكي والمدني ومعارف متصلة بهما من--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 8.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)

شأنها أن تنير الطريق لدارس القرآن ورد الشبه التي أوردها على المكي والمدني بعض القساوسة والمستشرقين ومتابعيهم من الكتّاب المعاصرين.

‌‌فوائد العلم بالمكي والمدني
: ومن فوائد العلم بها:
1 - أنه يعرف به الناسخ والمنسوخ فيما لو وردت آيتان متعارضتان وإحداهما مكية والأخرى مدنية فإننا نحكم بنسخ الثانية للأولى لتأخرها عنها.
2 - أنه يعين على معرفة تاريخ التشريع والوقوف على سنة الله الحكيمة في تشريعه؛ وهي التدرج في التشريعات بتقديم الأصول على الفروع والإجمال على التفصيل وقد أثمرت هذه السياسة التشريعية ثمرتها وعادت على الدعوة الإسلامية بالقبول والإذعان والانتشار، وقد ضربت أمثلة لهذا التدرج في التشريع في حكم نزول القرآن مفرقا.

‌‌الطريق إلى معرفة المكي والمدني:
والعمدة في معرفة المكي والمدني النقل الصحيح عن الصحابة الذين كانوا يشاهدون أحوال الوحي والتنزيل، والتابعين الآخذين عنهم، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول، وقد علل ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني «في الانتصار» فقال: ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول؛ لأنه لم يؤمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول.
ولعل التعليل بأن المسلمين في زمانه صلى الله عليه وسلم لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان لأنهم يشاهدون الوحي والتنزيل، ويشهدون مكانه وزمانه وأسباب نزوله- أولى من ذاك التعليل (1).
وقد اشتهر بمعرفة المكي والمدني من الصحابة- رضوان الله عليهم- عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- روى البخاري بسنده عنه أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين--------------------------------------------
(1) مناهل العرفان ج 1 ص 170.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)

نزلت ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه» وقال أيوب: سأل رجلا عكرمة عن آية من القرآن فقال: نزلت بسفح الجبل وأشار إلى سلع (1). أخرجه أبو نعيم في الحلية.

‌‌تعريف المكي والمدني للعلماء في تعريفهما اصطلاحات ثلاثة:
الأول: ما عليه جمهور العلماء وهو: المكي: ما نزل قبل الهجرة وإن كان نزوله بغير مكة، ويدخل فيه ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في سفر الهجرة.
والمدني: ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بغير المدينة، ويدخل فيه ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعد الهجرة كسورة الفتح فقد نزلت على النبي منصرفه من الحديبية.
وهذا الاصطلاح لوحظ فيه الزمان، وعليه فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها الآية مدني وإن كانت نزلت بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم في جوف الكعبة عام الفتح، وقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً مدني وإن كانت نزلت بعرفة في حجة الوداع وهذا التقسيم حاصر وضابط ومطرد؛ إذ تنعدم على القول به الواسطة ولا يرد عليه ما ينقضه فلذا كان الراجح المقبول.
الاصطلاح الثاني: المكي: ما نزل بمكة ويدخل في مكة ضواحيها كالمنزل عليه بمنى وعرفات والحديبية.
والمدني: ما نزل بالمدينة ويدخل في المدينة ضواحيها كالمنزل عليه ببدر وأحد وهذا الاصطلاح لوحظ فيه المكان؛ ويرد على هذا التعريف أنه غير حاصر لأنه يثبت الواسطة فما نزل عليه بالأسفار لا يسمى مكيّا ولا مدنيّا وذلك مثل ما نزل بتبوك، وهو قوله تعالى: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً--------------------------------------------
(1) بفتح السين وسكون اللام جبل بالمدينة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)