نهضتْ جهابذةُ الحديثِ بكشفِ عَوارِها ومَحْوِ عارِها والحمد لله. وفيما روينا عن " الإمام أبي بكر السمعاني " أن بعضَ الكَرَّامِيَّة (1) ذهب إلى جوازِ وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب (2).--------------------------------------------
(1) نسبة إلى محمد بن كرَّام، أبي عبدالله السجستاني (ت 255 هـ) وكان من عُباد المرجئة. انظر مع تقييد ابن نقطة، لسان الميزان 5/ 353 والعبر 2/ 10.
(2) طرة على ورقة ملصقة بنسخة (غ):
[قال القاضي عياض في (إكماله): اعلم أن الكذابين على ضربين: ضرب عرفوا بذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهم على أنواع: منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلاً؛ إما تراقُعًا واستخفافًا كالزنادقة وأشباههم، ممن لم يرع للدين وقارًا، أو حسبة بزعمهم وتدينًا، كجهلة المتعبدة الذين وضعوا الأحاديث في الفضائل والرغائب، أو إغرابًا وسمعة، كفسقة المحدثين، أو تعصبًا واحتجاجًا كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب، أو اتباعًا لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه، وطلبِ العذر لهم فيما أتوه. وقد تعين جماعة في كل طبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال.
ومنهم من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادًا صحيحًا مشهورًا.
ومنهم من يقلب الأسانيد أو يزيد فيها ويتعمد ذلك؛ إما للإغراب على غيره، أو لدفع الجهالة عن نفسه.
ومنهم من يكذب فيدعي سماع ما لم يسمع ولقاء من لم يلق، ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم.
ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة أو غيرهم وحِكَم ِ العراب والحكماء فينسبها للنبي صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء كلهم كذابون متروكو الحديث. وكذلك من تجاسر بالحديث بما لم يحققه ولم يضبطه أو هو شاك فيه.
فلا يُحدَّث عن هؤلاء ولا يُقبَل ما حدثوا به ولو لم يكن منهم مما جاءوا به من هذه الأمور إلا المرة الواحدة، كشاهدِ الزور إذا تعمد ذلك سقطت شهادته.
واختُلِفَ: هل تقبل في المستقبل إذا ظهرت توبته أو زادت في الخير حالته؟
والصنف الآخر من لا يستجيز شيئًا من هذا كله في الحديث ولكن يكذب في حديث الناس، قد عرف بذلك. فهذا أيضًا لا يقبل حديثه ولا شهادته، قاله " مالك " وغيره، وتنفعه التوبة، ويرجع إلى القبول.
فأما من يندر منه القليل من الكذب ولم يعرف به، فلا يقطع بتجريحه بمثله؛ إذ يتأول عليه الغلط أو الوهم، وإن اعترف متعمدًا بذلك، المرَّةَ الواحدة، مما لم يضرّ بها مسلمًا؛ فلا تلحق بمثله الجرحة وإن كان معصية؛ لندورها، ولأنها لا تلحق بالكبائر والموبقات، ولأن أكثر الناس قلما يسلمون من مواقعة بعض الهنات، ولهذا قال " مالك " رحمه الله فيمن ترد شهادته: أن يكون كاذبًا في غير شيء. وقال " سحنون " في الذي يقارف بعض الذنب كالزلة: تجوز شهادته لأن أحدًا لا يسلم من مثل هذا. فإذا تكرر هذا منه؛ سقطت به شهادته. وكذلك لا يسقطها كذبه فيما هو من باب التعريض أو الغلو في القول؛ إذ ليس بكذب في على الحقيقة، وإن كان في صورة الكذب؛ لأنه لا يدخل تحت حد الكذب، ولا يريد المتكلم به الإخبار عن ظاهر لفظه. وقد قال عليه السلام: " أما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه " وقال إبراهيم عليه السلام: " هذه أختي "، وقد أشار " مالك " رحمه الله لنحو ذلك. والله أعلم].
وانظر مقدمة النووي لشرح مسلم (1/ 129) وتبصرة العراقي (1/ 263 - 266) وشرح النخبة (123 - 130).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
ثم إن الواضع ربما وضع كلامًا من عند نفسِه فرواه، وربما أخذ كلامًا لبعض الحكماء أو غيرِهم، فوضعَه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وربما غَلط غالطٌ فوقع في شِبْهِ الوضع ِ من غير تعمُّدٍ، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد، في حديثِ: " من كثُرت صلاتُه بالليل حَسُن وجهُه بالنهار " (1).
مثال: روينا عن أبي عصمةَ - نوح بن أبي مريم - أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً سورةً؟ فقال: " إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآنِ واشتغلوا بفقهِ أبي حنيفةَ ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعتُ هذه الأحاديثَ حِسْبةً " (2).
وهكذا حالُ الحديثِ الطويل الذي يُروى عن " أُبَيِّ بن كعبٍ " عن النبي صلى الله عليه وسلم، في--------------------------------------------
(1) ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه، أنه سأل عبدالله بن نمير في هذا الحديث، فقال: هذا حديث منكر. فسأل ابن أبي حاتم أباه: ما تقول أنت فيه؟ قال: هو حديث موضوع " مقدمة الجرح والتعديل (1/ 327) ونقل العراقي فيه قول الحاكم: دخل ثابت بن موسى على شريك بن عبدالله القاضي، والمستملي بين يديه، وشريك يقول: حدثنا للأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر المتن فلما نظر إلى ثابت قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وإنما أراد ثابتًا لزهده وورعه. فظن ثابت أنه روى هذا الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد، فكان ثابت يتحدث به عن شريك. وقال أبو حاتم بن حبان في تاريخ الضعفاء: هذ قول شريك؛ قاله عقيب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر .. فأدرجه ثابت في الخبر وسرقه منه جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك " فجعله ابن حبان من نوع المدرج .. (تقييد العراقي 132).
- وأخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة من سننه، باب ما جاء في قيام الليل (ح 1333) عن إسماعيل بن محمد الطلحي، عن ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعًا. وعليه من حاشية السندي: معنى الحديث ثابت بموافقة القرآن وشهادة التجربة، لكن الحفاظ على أن أهل الحديث بهذا اللفظ غير ثابت " وأخرج البيهقي في (الشعب) عن محمد بن عبدالرحمن بن كامل قال: قلت لمحمد بن عبدالله بن نمير: ما تقول في ثابت بن موسى؟ قال: شيخ له فضل وإسلام ودين وصلاح وعبادة. قلت: ما تقول في هذا الحديث؟ قال: غلط من الشيخ، وأما غير ذلك فلا يتوهم عليه. وقد تواردت أقوال الأئمة على عد هذا الحديث في الموضوع على سبيل الغلط لا التعمد. وخالفهم القضاعي في مسند الشهاب؛ فمال في الحديث إلى ثبوته " اهـ.
وحديث ثابت بن موسى أدخله ابن الجوزي في الموضوعات (1/ 109) واللآلئ (2/ 32) والشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (ص 35 ح 78).
(2) حكاه ابن حجر عن الحاكم، في ترجمة نوح بن أبي مريم، أبي عصمة المروزي، قاضي مرة (تهذيب التهذيب 10/ 488 ت 876) وانظر معه ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (8/ 484 ت 2210).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
فضل ِ القرآن سورةً سورة. بحث باحثٌ عن مخرَجه، حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعةً [26 / و] وضعوه (1). وإن أثَر الوضْع ِ لَبَيِّنٌ عليه. ولقد أخطأ " الواحديُّ المفسِّر " ومَنْ ذكره من المفسرين (2)، في إيداعهِ تفاسيرَهم. والله أعلم *.--------------------------------------------
(1) في تقييد العراقي (134): أبهم المصنف ذكر هذا الباحث الذي بحث عن هذا الحديث، وهو مؤمل بن إسماعيل. فروينا عن مؤمل أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث فقلت: من حدثك به؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن، وهو حي. فسرت إليه فقلت: من حدثك؟ فقال: شيخ بعبادان. فصرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني. فقلت: يا شيخ، من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكننا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن ". وحكاها الخطيب في الكفاية، بسنده إلى محمود بن غيلان، أبي أحمد المروزي، عن مؤمل بن إسماعيل العدوي البصري. قابل على (الكفاية: 401).
(2) " لكن، من أبرز إسناده في ذلك كالثعلبي والواحدي؛ فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظهر على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه. وأما من لم يسند، فخطؤه فاحش ". العراقي في التبصرة (1/ 271).
_________
* المحاسن:
" فائدة وزيادة:
لا يقال: الإقرار بأنه كذب لا يعرفنا أنه موضوع؛ لأنه إذا اعترف الإنسان بالكذب على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي ليس الكذبُ عليه كالكذب على غيره - فجائز أن بكذبَ على نفسِه؛ إما للتغير عن ذلك الحديث المروي، أو لنوع آخر؛ ليحصل لغيره الريبةُ والشك فيه؛ لأنا نقول: إذا كان الحديث لا يعرف إلا من طريق ذلك الشخص، كان إقراره بذلك مسقطًا لروايته، وقد حكم الشرع على المقر بمقتضى إقراره، وإن كان يحتمل أن يكون في نفس الأمر خلافه. فلا نظر إلى ذلك، ويحكم على الحديث بأنه موضوع، ولا يصح إنكار وقوع الوضع.
ومنهم من قرر وقوعه بأن قد ورد في الحديث: " أنه سيُكذَبُ عليَّ " فإن كان هذا صحيحًا وقع الكذب، وإلا فقد حصل المقصود. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
..............................................................................................................................
= وفيه نظر بالنسبة إلى الأحاديث الموجودة الآن؛ لأن استقبال في: سَيُكْذَبُ، لا يعين زمنها، وقد بقيت أزمان.
وكل هذا الكلام عند أئمة الحديث ضعيف ولهم طرق في معرفة ذلك، وملكة يعرفون بها الموضوع. وشاهده: أن إنسانًا لو خدم إنسانًا سنينَ، وعرف ما يحب وما يكره، فجاء إنسان ادعى أنه يكره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه؛ فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيب من قال إنه يكرهه.
وجعل بعضهم من ذلك ما خالف الكتابَ وصحيح السنة، وقال بعض هؤلاء الجهلة في الحديث الصحيح المشهور الذي رواه خلق كثير من الصحابة " من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " (1): نحن ما كذبنا عليه، إنما كذبنا له. وهذا من عظيم جهلهم وعدم عقلهم وكثرة افترائهم؛ فإن شريعته مكملة، لا تحتاج إلى غيره.
وما سبق من الذي " أكثر من جمع الموضوعات " كأنه " ابن الجوزي ". والاعتراضُ عليه متوجه كما سبق، ومن جهة أنه ذكر أشياء فيها حسنٌ بل وصحيحٌ أيضًا. والحديث الذي رواه ثابت بن موسى، رواه ابن جميع في (معجمه) من غير طريق ابن موسى فقال: ثنا أحمد بن محمد بن سعيد الرقي، ثنا أبو الحسين محمد بن هشام بن الوليد، ثنا جُبَارة بن المُغَلِّس، عن كثير بن سليم عن أنس … مرفوعا (2). انتهى " 39 / ظ.--------------------------------------------
(1) حديث " من كذب عليَّ " يأتي تخريجه في النوع الثلاثين (المشهور) وانظر (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) ح 1 - 4 وباب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب العلم من صحيح البخاري، ومقدمة مسلم، ومقدمة السنن لابن ماجة.
وانظر فيه (فتح الباري 1/ 143).
(2) أورده العراقي في الباب، وقال ردًّا على من اعترضوا به على ابن الصلاح: وهذا الاعتراض عجيب فإن المصنف لم يقل إنه لم يُرْوَ إلا من طريق ثابت بن موسى، ومع ذلك فهذا الطريق، في سند ابن جميع أضعف من طريق ثابت؛ لضعف كثير بن سليم وجبارة. (التقييد: 133).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
النوع الثاني والعشرون:
معرفة المقلوب.
هو نحوُ حديثٍ مشهورٍ عن " سالم " جُعِلَ عن " نافع " ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه. وكذلك ما رويناه أن " البخاري " رضي الله عنه قدم بغداد، فاجتمع قبلَ مجلسهِ قومٌ من أصحاب الحديث، وعمدوا إلى مائة حديثٍ، فقلبوا متونَها وأسانيدها وجعلوا مَتْنَ هذا الإِسناد لإِسنادٍ آخر، وإسنادَ هذا المتنِ لمتنٍ آخرَ، ثم حضروا مجلسَه، وألقوها عليه، فلما فرغوا من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة، التفت عليهم فردَّ كلَّ مَتْنٍ إلى إسناده، وكلَّ إسنادٍ إلى مَتْنِه، فأذعنوا له بالفضل (1).
ومن أمثلتِه، ويصلحُ مثالا للمعلَّل: ما رويناه عن إسحاق بن عيسى الطبَّاع، قال: أخبرنا جريرُ بن حازم عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقِيمت الصلاةُ فلا تقوموا حتى تَروني " قال إسحاق بن عيسى: فأتيت حمادَ بن زيد فسألتُه عن الحديث، فقال: وَهِمَ أبو النضر؛ إنما كنا جميعًا في مجلس ثابت البناني، وحجاجُ بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاجٌ الصوَّافُ عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أقيمت الصلاةُ فلا تَقوموا حتى تروني " (2)، فظن أبو النضر--------------------------------------------
(1) في ترجمته بتاريخ بغداد، وتقييد ابن نقطة، وتذكرة الحفاظ.
(2) " وهذا الحديث مشهور ليحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا رواه الأئمة الخمسة من طرق عن يحيى. وهو عند (م، س) من رواية حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يحيى. وجرير إنما سمعه من حجاج فانقلب عليه. وقد بين ذلك حماد بن زيد فيما رواه أبو داود بالمراسيل " العراقي في التبصرة 1/ 287.
- وكذلك رواه أبو داود في (السنن: صلاة: ح 539) من طرق عن يحيى، منها رواية حجاج الصواف. وانظر (فتح الباري 2/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
أنه فيما حدثه ثابتٌ عن أنس - أبو النضر هو جرير بن حازم -. والله أعلم *.--------------------------------------------
* المحاسن:
" زيادة: ما سبق هو القلب في الإِسناد. وقد يقع القلب في المتن، ويمكن تمثيله بما رواه خبيب بن عبدالرحمن عن عمته أُنَيْسة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا " وإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري. رواه الإِمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. قال ابن خزيمة: هذا خبر قد اختلف فيه - يعني على خبيب - رواه شعبة عنه عن عمته أنيسة فقال: " ابن مكتوم أو بلال ينادي بليل " (1)، وروى ابن خزيمة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال " وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر. والمشهور من حديث ابن عمر وعائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم " وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ. (2) فالرواية بخلاف ذلك مقلوبة، لا سيما إذا كان الشك وقع في طريق الراوي لها - شعبة - ولكن لم يجعل ابن خزيمة وابن حبان ذلك من المقلوب، بل قال ابن خزيمة إنه لا تضاد بين الخبرين " إذ جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم جعل الليل نوايب بين بلال وبين ابن أم مكتوم، فحين تكون نوبة أحدهما ليلا، تكون نوبة الآخر عند طلوع الفجر فجاء الخبران على حسب الحالين ". (3) وقال ابن حبان: ليس بين الخبرين تضاد لأن النبي صلى الله عليه وسلم =
_________
(1) صحيح ابن خزيمة: 1/ 210 (ح 505).
(2) حديث ابن عمر في الموطأ، ك الصلاة، باب قدر السحور من القراءة (ح 14): يحيى عن مالك عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر. وفي البخاري، ك الأذان، باب أذان الأعمى، من رواية القعنبي عن مالك، عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه (انظر التمهيد 10/ 55 - 57) وفتح الباري (2/ 67) وهو في مسلم، كتاب الصوم باب الدخول في الصوم بطلوع الفجر، من رواية الزهري عن سالم عن أبيه، ورواية نافع عن ابن عمر (ح 36 - 38/ 1092) ورواه الشافعي عن مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه، وعن القعنبي عن مالك عن الزهري مرسلا (المسند 10).
(3) صحيح ابن خزيمة: 1/ 212 (ح 505).
وانظر ترجمة خبيب بن عبدالرحمن بن خبيب بن يساف الأنصاري في (تهذيب التهذيب 3/ 136) وترجمة عمته أنيسة بنت خبيب بن يساف، في نساء الإصابة (رقم 126) وفيه حديثها في الأذان، وفي نساء تهذيب التهذيب (12/ 403).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
فصل: قد وفينا بما سبق الوعدَ بشرحِه من الأنواع الضعيفة والحمدُ لله، فَلْنُنَبه الآن على أمورٍ مهمة:
أحدها: إذا رأيتَ حديثًا بإسنادٍ ضعيف، فلكَ [26 / ظ] أن تقول: هذا ضعيف، وتعني أنه بذلك الإِسناد ضعيفٌ. وليس لك أن تقول: هذا ضعيف، وتعني به ضَعْفَ مَتْنِ الحديث، بناءً على مجرد ضعفِ ذلك الإِسناد؛ فقد يكون مرويًّا بإِسنادٍ آخرَ صحيح يَثبتُ بمثلِه الحديثُ، بل يتوقف جوازُ ذلك على حُكم إمام من أئمة الحديث، بأنه لم يُرْوَ بإِسناد يثبتُ به، أو بأنه حديثٌ ضعيف. أو نحو هذا، مفسِّرًا وجهَ القدح فيه. فإ، أطلق ولم يفسِّر، ففيه كلامٌ يأتي - إن شاء الله تعالى -. فاعلم ذلك؛ فإنه مما يُغلَطُ فيه. والله أعلم.
الثاني: يجوز عند أهل الحديث وغيرِهم، التساهلُ في الأسانيد، ورواية ما سِوَى الموضوع ِ من أنواع الأحاديث الضعيفةِ من غيرِ اهتمام ببيان ضعفهما، فيما سِوَى صفاتِ الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال ِ والحرام وغيرهما.
وذلك كالمواعظ، والقصص، وفضائل ِ الأعمال وسائرِ فنون الترغيب والترهيبِ وسائر ما لا تعلقَ له بالأحكام والعقائد. وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحوِ ذلك؛ عبدُالرحمن بن مهدي، وأحمدُ بن حَنبل ٍ (1)، رضي الله عنهما *.--------------------------------------------
(1) الخطيب، في الكفاية (باب التشدد في أحاديث الأحكام) بأسانيده. (والتجوز في فضائل الأعمال) وانظر مقدمة النووي لشرح مسلم (1/ 125).
_________
= كان جعل أذان الليل بين بلال وبين ابن أم مكتوم نوبًا " فجزم ابن حبان به - ولم يقل: لعل؛ كما قال شيخه - وهو بعيد. ومع ذلك فدعوى القلب لا تبعد، ولو فتحنا باب التأويلات لاندفع كثير من علل المحدثين. ويمكن أن يسمى ذلك المعكوسَ، ولكن لم أر من تعرض له. انتهت " 40 / و ظ.
* المحاسن:
" زيادة: زاد " الخطيبُ " السفيانين، ويحيى بن محمد. انتهت " 41 / و.
_________
- في الكفاية (ص 134، 135) ويحيى بن محمد هو الذهلي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
الثالث: إذا أردتَ روايةَ الحديثِ الضعيف بغير إسنادٍ فلا تقلْ فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك؛ وإنما تقول فيه: رُوِيَ عن رسول ِ الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو: بلغنا عنه كذا وكذا، أو: ورد عنه، أو: جاء عنه، أو: رَوَى بعضُهم، وما أشبه ذلك. وهذا الحكمُ فيما تشك في صحتِه وضعفِه. وإنما تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ظهر لك صحتُه بطريقه الذي أوضحناه أولا. والله أعلم (1).--------------------------------------------
(1) على هامش ص (19 أ) بلاغ قراءة ناصرالدين ابن العديم، وعمه زين الدين والشمس الحلبي، بخط العراقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
النوع الثالث والعشرون:
[27 / و] معرفة صفةِ مَن تُقبلُ روايتُه، ومن تُرَدُّ روايتُه، وما يتعلق بذلك من قَدح ٍ وجَرح وتوثيق وتعديل.
أجمع جماهيرُ أئمةِ الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يُحتجُّ بروايته أن يكون عَدلا ضابطًا لما يرويه. وتفصيله: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلاً، سالمًا من أسبابِ الفسق وخوارم ِ المروءة *، متيقظًا غير مغفل، حافظًا إن حَدَّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حَدَّث من كتابه. وإن كان يُحدث بالمعنى اشتُرِط فيه مع ذلك أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني. والله أعلم.
ونوضح هذه الجملةَ بمسائلَ:
إحداها: عدالةُ الراوي تارةً تثبتُ بتنصيص ِ مُعدلين (1) على عدالته، وتارةً تثبت بالاستفاضةِ، فمن اشتهرت عدالتُه بين أهل النقل أو نحوهم من أهل ِ العلم وشاع الثناءُ--------------------------------------------
(1) ضبطه في (غ) على التثنية. قلمًا. انظر المسألة الرابعة فيما يلي.
_________
* المحاسن:
" فائدة: لا يعترض على ما سبق بقول " الخطيب " إن المروءة لم يتشرطها أحد إلا " الشافعي ".
لأنا نقول: سيأتي عن " شعبة " أنه ترك حديثَ شخص لأنه رآه يركُض على برذون، وهذا يقتضي أن مذهب " شعبة " التشديدُ باعتبار المروءة. انتهت " 41 / و.
_________
- انظر الرسالة للإِمام الشافعي، باب خبر الواحد: 159 والمحدث الفاصل، للقاضي ابن خلاد الرامهرمزي، (باب القول فيمن يستحق الأخذ عنه) ص 403 والكفاية للخطيب البغدادي (باب وصف من يحتج بحديثه ويلزم قبول روايته) 23 وتقييد العراقي (136) وتبصرته (1/ 293 - 294).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
عليه بالثقة والأمانة، استُغنيَ فيه بذلك عن بَيِّنةٍ شاهدةٍ بعدالتِه تنصيصًا. وهذا هو الصحيحُ في مذهبِ " الشافعي " وعليه الاعتماد في فمن أصول الفقه (1).
وممن ذكر ذلك من أهل الحديث " أبو بكر الخطيبُ الحافظُ " (2)، ومثَّل ذلك بِـ " مالكٍ، وشعبةَ، والسفيانين، والأوزاعي، والليثِ، وابنِ المبارك، ووكيع، وأحمدَ بنِ حنبل، ويحيى بن معين، وعليِّ ابن المَديني " ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر (3)؛ فلا يُسأَل عن عدالةِ هؤلاء وأمثالِهم؛ وإنما يُسأل عن عدالة من مَنْ خفِيَ أمرُه على الطالبين.
وتوسَّعَ " ابنُ عبدالبر الحافظ " في هذا فقال: كلُّ حامل ِ علم معروف العنايةِ به؛ فهو عدل محمولٌ في أمرِه أبدًا على العدالةِ حتى يتبينَ جرحُه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " يَحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه " (4).
وفيما قاله اتِّساعٌ غير مرضِيٍّ. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) المحدث الفاصل: 404 فقرة 419.
(2) في: (الكفاية) باب المحدث المشهور بالعدالة. وقد اقتصر ابن الصلاح هنا على أحد عشر إمامًا، من ستة عشر مثل بهم " الخطيب " في (الكفاية) الخمسة الباقون هم: حماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وعفان بن مسلم.
(3) " والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم ". (الكفاية) ص 87.
(4) ابن عبدالبر، التمهيد: 1/ 28، 58.
_________
* المحاسن:
فائدة: وجه كونه غيرَ مرضي؛ أن الحديث لم يصح؛ فإنه رُوِيَ مرفوعًا من حديث أسامة بن زيد وأبي هريرة وابن مسعود وغيرهم، وفي كلها ضعف (1). وقال " الدارقطني ": " لا يصح مرفوعًا - يعني مسندًا - إنما هو عن إبراهيم بن عبدالرحمن العذري عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) " وقال " ابن عبالدبر ": " روِي عن أسامة بن زيد وأبي هريرة بأسانيد =
_________
(ا) أخرجه الخطيب من حديثهم مرفوعًا، في باب قوله صلى الله عليه وسلم: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " في (شرف أصحاب الحديث) 28 - 29.
(2) وأخرجه الخطيب من حديث معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبدالرحمن العذري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره، وأسند فيه عن مهنى بن يحيى أنه سأل الإِمام أحمد عن هذا الحديث وقال: كأنه كلام موضوع، فقال أحمد: لا؛ هو صحيح .. وقال: معان بن رفاعة لا بأس به (29) وفي استدراك ابن نقطة على =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
الثانية: يُعرَفُ كونُ الراوي ضابطًا، بأن تُعتَبر رواياتُه برواياتِ الثقاتِ المعروفين بالضبطِ والإِتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم، أو موافقةً لها في الأغلب، والمخالفة نادرة؛ عرَفْنا حينئذ [27 / ظ] كونَه ضابطًا ثبتًا، وإن وجدناه كثيرَ المخالفةِ لهم عرفنا اختلالَ ضبطِه ولم نحتج بحديثِه. والله أعلم.
الثالثة: التعديلُ مقبولٌ من غيرِ ذكر سببه، على المذهب الصحيح المشهور؛ لأن أسبَابه كثيرةٌ يصعب ذكرها؛ فإن ذلك يُحوِجُ المُعَدِّل إلى أن يقولَ: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا؛ فيعدد جميعَ ما يفسق بفعلِه أو بتركِه، وذلك شاقٌّ جدًّا.
وأما الجرحُ؛ فإنه لا يُقْبَلُ إلا مُفَسَّرًا مبيَّنَ السبب؛ لأن الناسَ يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح، فيطلق أحدُهم الجرح بناءً على أمرٍ اعتقده جرحًا وليس بجرح ٍ في نفس ِ الأمر، فلا بد من بيان سببِه ليُنظَرَ فيه: أهو جرح أم لا؟ وهذا ظاهرٌ مقررٌ في الفقه--------------------------------------------
= كلها مضطربة غير مستقيمة " ، (1) وحينئذ فلا يصح الاحتجاج به، ولو صح لكان محمولا على الأمر كما حمله جماعة من العلماء على ذلك. وقد جاء بسند جيد أن " عمر بن الخطاب " كتب إلى أبي موسى: " المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حَدٍّ، أو مُجرَّبًا عليه شهادةُ زورٍ، أو ظنينًا في ولاءٍ أو نسبٍ " (2) وهذا يقوِّي ما قال " ابنُ عبدالبر " لكن كلام ابن عبدالبر، مخصوص بحمَلَة العلم كما تقدم، ولو صح الحديث لكان أقوى من ذلك. انتهت " 41 / و، ظ.
_________
= الإِكمال (هامش 1/ 413): وإبراهيم بن عبدالرحمن العذري من أهل دمشق، حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " الحديث. روى عنه معان بن رفاعة السلامي، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عياش. وهو مرسل، وإبراهيم ليست له صحبة ". اهـ.
(1) أنظر أسانيد ابن عبدالبر لهذا الحديث، في (التمهيد 1/ 58) والحديث أخرجه ابن حجر من مختلف طرقه في ترجمة " إبراهيم بن عبدالرحمن العذري " بالقسم الرابع من حرف الألف في (الإصابة).
(2) من رسالة القضاء لعمر رضي الله عنه أخرجها الدارقطني في كتاب الأقضية والأحكام من سننه (باب كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري) من طريقين (ح 15، 16) وأخرجها البيهقي في السنن الكبرى، كتاب القضاء، وكتاب الشهادات. وعدد جم تقصاهم الأستاذ الزميل الدكتور أحمد سحنون في (رسالة القضاء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب: توثيق وتحقيق) لدرجة دكتوراة الدولة في علوم الإِسلام، بإشرافي. مخطوطة بدار الحديث الحسنية بالرباط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
وأصولِه *. وذكر " الخطيبُ الحافظُ " (1) أنه مذهبُ الأئمةِ من حُفَّاظِ الحديثِ ونُقَّاده، مثل " البخاري، ومسلم " وغيرهما. ولذلك احتج " البخاري " بجماعةٍ سبق من غيرِه الجرحُ لهم، كَـ: عكرمةَ مولى ابن عباس رضي الله عنهما، وكإسماعيل بنِ أبي أويس، وعَاصم بن علي، وعمرِو بن مرزوق، وغيرهم. واحتج " مسلم " بِـ: سُوَيد بن سعيد، وجماعةٍ اشتهر الطعنُ فيهم، هكذا فعل " أبو داود السجستاني "، وذلك دالٌّ على أنهم ذهبوا إلى أن الجرحَ لا يثبتُ إلا إذا فُسِّرَ سببهُ **، ومذاهب النقاد للرجال ِ غامضة مختلفة.
وعقَد " الخطيبُ " (2) بابًا في بعض ِ أخبار من استُفسِر في جرحِه، فذكر ما لا يصلُح جارحًا. منها عن " شعبة " أنه قيل له: لم تركت حديثَ فلان؟ فقال: " رأيته يركُضُ على بِرْذَوْن فتركتُ حديثه ". ومنها عن " مسلم بن إبراهيم " أنه سئل عن حديث الصالح--------------------------------------------
(1) في الكفاية، باب القول في الجرح؛ هل يحتاج إلى كشف أو لا؟ (ص 108).
(2) في الكفاية (باب ذكر بعض أخبار من استفسر في الجرح فذكر ما لا يسقط العدالة) ص 110 - 114 وابن حِبَّان في المجروحين: 1/ 30.
_________
* المحاسن:
" زيادة: وذهب قوم إلى أنه لا يشترط ذلك. كما مر مثله في التعديل على المشهور. وأَغْرَبَ من قال: يكفي الإِطلاقُ في الجرح دون التعديل. وقيل: إن كان عالمًا بالأسباب كفى الإِطلاق فيهما، وإلا لم يكف في واحد منهما. وتقرير الأدلة في فن الأصول. انتهت " 41 / ظ.
** " فائدة: قد يقال: لا يلزم ذلك؛ لجواز أن يكون لم يثبت عندهم الجرح وإن فسر. هذا هو الأقرب؛ فإن المذكورين ما من شخص منهم إلا ونسب إلى أشياء مفسَّرة من كذبٍ وغيره، يعرفها من يراجع كتب القوم، ولكنها لم تثبت عند من أخذ بحديثهم ووثقهم وروى عنهم. انتهت " 42 / و.
_________
- وانظر في توضيح التنقيح (1/ 102) مجروحين أخرج لهم الشيخان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
المُرِّي، فقال: " ما يُصنَعُ (1) بصالح؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة فامتخط حماد ". والله أعلم.
قال الشيخ - أبقاه الله -: ولقائل ٍ أن يقولَ: إنما يتعمدُ الناسُ في جرح الرُّواةِ وردِّ حديثِهم، على الكتب التي صَنَّفها أئمةُ الحديث في الجرح، أو في الجرح والتعديل. وقلما يتعرضون فيها لبيانِ السبب، بل يقتصرون [29 / و] على مجردِ قولهم: فلانٌ ضعيف، وفلانٌ ليس بشيء، ونحو ذلك، أو: هذا حديثٌ ضعيف، وهذا حديثٌ غيرُ ثابت، ونحو ذلك. فاشتراطُ بيانِ السببِ يُفضي إلى تعطيل ِ ذلك، وسدِّ بابِ الجرح في الأغلبِ الأكثر.
وجوابُه: أن ذلك وأن لم نعتمده في إثباتِ الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقَّفنا عن قبول حديثِ من قالوا فيه مثلَ ذلك، بناءً على أن ذلك أوقَع عندنا فيهم رِيبةً يوجب مثلُها التوقُّفَ (2).
ثم من انزاحت عنه الريبةُ منهم، بِبحثٍ عن حالهِ أوْجَبَ الثقةَ بعدالتِه؛ قبلنا حديثَه ولم نتوقَّفْ، كالذين احتج بهم صاحِبا (الصحيحين) وغيرهما، ممن مسَّهم مثلُ هذا الجرح ومن غيرِهم، فافهم ذلك فإنه مَخْلَصٌ حسن *. والله أعلم (3).--------------------------------------------
(1) على هامش (ص): [قال المؤلف: يُصنَع، مقيد كذا في أصل موثوق به عليه سماع الخطيب رحمه الله] (20 أ).
وما هنا عن صالح، بن بشير المري، في المجروحين لابن حبان 1/ 371 والميزان: 2/ 389.
(2) انظر الكفاية (107، 108) وتقييد العراقي (141) والتبصرة (1/ 305).
(3) على هامش ص (20 / ب) بخط العراقي: بلغ ناصرالدين محمد ولد قاضي القضاة كمال الدين ابن العديم قراءة بحث عليَّ، وعمه زين الدين عبدالرحمن، وشمس الدين محمد بن خليل الحلبي سماعًا. كتبه عبدالرحيم بن الحسين.
_________
* المحاسن:
" فائدة: هذا المخلص فيه نظر؛ من جهة أن الريبة لا توجب التوثق؛ ألا ترى أن القاضي إذا ارتاب في الشهود فإنه يجوز أن يحكم مع قيام الريبة؟ وإنما كلام الأئمة المنتصبين لهذا الشأن أهل الإِنصاف والديانة والنصح يؤخذ مُسَلَّمًا، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو أنه كذاب متروك. وذلك واضح لمن تأمله. و " الإِمام الشافعي " يقول في مواضع: " هذا حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ". وردَّه بذلك. انتهت " 42 / و.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
الرابعة: اختلفوا في أنه: هل يثبت الجرحُ والتعديلُ بقول ِ واحدٍ، أو لا بد من اثنين؟ فمنهم من قال: لا يثبت ذلك إلا باثنين كما فية الجرح والتعديل في الشهادات، ومنهم من قال - وهو الصحيح الذي اختاره " الحافظ أبو بكر الخطيب (1) " وغيره -: أنه يثبت بواحدٍ؛ لأن العددَ لم يُشترَط في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديلِه، بخلاف الشهادات (2). والله أعلم *.--------------------------------------------
(1) الكفاية: باب القول في العدد المقبول تعديلهم لمن عدلوه (97).
(2) طرة على ورقة ملصقة بالأصل (غ) بخط ابن الفاسي:
[قال القاضي عياض: اختلف المحدثون والفقهاء والأصوليون في باب الخبر وباب الشهادة: إذا عدل معدلون رجلا وجرحه آخرون؛ فالجرح أولى، وحكوا في ذلك إجماع العلماء مع الحجة بأن المجرح زاد ما لم يعلم المعدل، وهو بين، ولا خلاف في هذا إذا كان عدد المجرحين أكثر. فإن تساووا فكذلك عند " القاضي أبي بكر " والجمهورِ، وذهب بعض المالكية إلى توقف الأمر عند التكافؤ، وقيل: يُقْضَى بالأعدل. فإن كان عدد المعدلين أكثر؛ فالجمهور على تقديم الجرح؛ للعلة المتقدمة. وذهبت طائفة إلى ترجيح التعديل. قال " الباجي ": وهذا عندي يحتاج إلى تفصيل، فإذا قال المعدل: هو عدل رَضِيٌّ، وقال المجرح: فاسق رأيته أمس يشرب الخمر، فلا تنافي بين الشهادتين، وقد أثبت هذا فسقًا لم يعلمه الآخر. فأما لو قال المعدل: ما فارقني أمس من الجامع، ومثل هذا؛ فقد تعارضت الشهادتان " ولعل توقف مَن توقف من أصحابنا؛ لهذا الوجه. وقال " اللخمي ": إذا كان اختلافهما في ذلك عن كلام قاله في مجلس أو فعل فعله؛ قضى بالأعدل لأنه تكاذب - وهذا نحو ما أشار إليه " الباجي " - وإن كان عن مجلسين متباينين غلب الجرح. وإليه يرجع قول الجمهور. وإن تباعدت شهادة المعدل من شهادة المجرح، قضى بأخراهما، وهذا مما لا يختلف فيه، إلا أن يعلم أنه كان حين شهد عليه بتقديم الجرح، ظاهر العدالة إذ ذاك حسب ما هو عليه الآن، فيغلب الجرح. قال القاضي: ثم نرجع إلى الأصل عند تعارض الشهادتين؛ فإن كان قبلُ محمولا على العدالة وجاءت بعدُ مثل هذه الشهادة مضت عدالته على ما تقدم له وعرف من حاله؛ إذ سقطت الشهادتان. وإن كان على غير ذلك؛ بقي على حكمه الأول، وهل يترجح العارض مع القول بالتوقف بالكثرة على الخلاف المتقدم؟ … ].
وانظر في (الكفاية): باب ما يستوي فيه المحدث والشاهد من الصفات وما يفترقان فيه (94 - 96).
_________
* المحاسن:
" فائدة: عن " أبي حنيفة وأبي يوسف " في الشهادة أيضًا، الاكتفاءُ بمعدِّل ٍ أو مُجَرَّح. وهو اختيار أبي الطيب. انتهت " [43 / ظ].
_________
- القاضي أبو الطيب، هو الطبري، الفقيه الشافعي الأصولي النظار، إمام وقته (450 هـ) وانظر (الكفاية: 94) وتقييد العراقي (142).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
الخامسة: إذا اجتمع في شخص ٍ جرحٌ وتعديلٌ. فالجرحُ مقدَّمٌ؛ لأن المعدِّلَ يُخبرُ عما ظهرَ من حاله، والجارِح يخبر عن باطنٍ خَفِيَ على المعدَّل. فإن كان عددُ المعدلين أكثر؛ فقد قيل: التعديل أوْلَى. والصحيحُ والذي عليه الجمهور: أن الجرح أولى؛ لما ذكرناه *. والله أعلم.
السادسة: لا يجزئ التعديلُ على الإبهام من غير تسمية المُعَدَّل. فإذا قال: " حدثني الثقةُ " أو نحو ذلك، مقتصرًا عليه؛ لم يُكتَف به فيما ذكَره " الخطيبُ الحافظُ (1)، والصيرفي الفقيهُ " وغيرُهما، خلافًا لمن اكتفى بذلك. وذلك لأنه قد يكونُ ثقةً عنده. وغيرُه قد اطلع على جرحِه بما هو جارحٌ عنده، أو بالإِجماع. فيُحتاج إلى أن يُسَميه حتى يُعرَف. بل إضرابُه عن تسميته مُريب، يوقع في [29 / ظ] القلوب (2) فيه ترددًا. فإن كان القائل لذلك عالمًا؛ أجزأ ذلك في حق مَنْ يوافقه في مذهبه، على ما اختاره بعضُ المحققين.
وذكر الخطيبُ (3) الحافظ أن العالم إذا قال: كلُّ من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أُسَمِّه. ثم روى عن من لم يُسمِّه، فإنه يكون مُزَكِّيًا له، غير أنا لا نعمل بتزكيته هذه. وهذا على ما قدمناه. والله أعلم.
السابعة: إذا روَى العَدْلُ عن رجل ٍ وسَمَّاه؛ لم تُجعَلْ روايتُه عنه تعديلاً منه له، عند أكثر العلماء من أهل ِ الحديث وغيرِهم. وقال بعضُ أهل ِ الحديث وبعضُ أصحاب الشافعي: يُجعَلُ ذلك تعديلاً منه له؛ لأن ذلك يتضمنُ التعديلَ.--------------------------------------------
(1) أبو بكر، البغدادي، في (الكفاية: 92) وانظر تبصرة العراقي (1/ 314).
(2) في ص: [في القلب].
(3) في الكفاية: (92) وانظر في التبصرة (1/ 315 - 319) ما أبهم مالك والشافعي رضي الله عنهم باعتبار شيوخهما، فقالا: أخبرني، أو: حدثني الثقة، من يكون؟. .
_________
* المحاسن:
" زيادة: وقيل يرجح بالأحفظ. ثم تقديم الجارح مشروط عند الفقهاء بأن يطلف المعدِّل. فإن قال المعدل: " عرفت السبب الذي ذكره الجارح، لكنه تاب وحسنت حالته " فإنه يقدم المعدل. ومحل هذا في الرواية، في غير الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا تقبل روايته وإن تاب، كما سيأتي. انتهت " 42 / و.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
والصحيح هو الأولُ؛ لأنه يجوزُ أن يَرويَ عن غير عدل ٍ، فلم يتضمن روايتُه عنه تعديلَهُ. وهكذا نقول إن عملَ العالم أو فُتياه على وفقِ حديثٍ، ليس حُكْمًا منه بصحة ذلك الحديث. وكذلك مخالفته للحديث ليست قدحًا منه في صحتِه ولا في راويه. والله أعلم.
الثامنة: في رواية المجهول وهي في غرضنا هاهنا أقسام:
أحدُها: المجهولُ العدالةِ من حيثُ الظاهرُ والباطنُ جميعًا. وروايتُه غيرُ مقبولةٍ عند الجماهير *، على ما نبَّهنا عليه أولا.
الثاني: المجهولُ الذي جُهلتْ عدالتُه الباطنةُ وهو عدلٌ في الظاهر، وهو المستورُ. فقد قال بعضُ أئمتِنا (1): المستورُ مَن يكون عدلا في الظاهرِ ولا تُعرَفُ عدالةُ باطنِه. فهذا المجهولُ يَحتجُّ بروايتِه بعضُ من رَدَّ روايةَ الأول. وهو قول بعض الشافعيين، وبه قطع منهم (2) " الإِمامُ سليم بنُ أيوبَ الرازي ". قال: لأنَّ أمرَ الأخبار مَبنِيٌّ على حُسنِ الظنِّ بالراوي، ولأن روايةَ الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفةُ العدالة في الباطن، فاقتُصر منها على معرفةِ ذلك في الظاهر. وتفارق الشهادةَ؛ فإنها تكونُ عند الحكَّام ولا يتعذَّر عليهم ذلك، فاعتُبِر فيها العدالةُ في الظاهرِ والباطن.
قال الشيخ - أبقاه الله -[30 / و] ويشبه أن يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ المشهورةِ، في غيرِ واحدٍ من الرواة الذين تقادم العهدُ بهم، وتعذرت الخبرةُ الباطنةُ بهم. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) انظر تقييد العراقي (145) والتبصرة (1/ 323).
(2) الأصول والمتن في (ع)، وعلى هامش ص: [جماعة منهم] " وسليم بن أيوب الرازي، أبو الفتح " الغريق في بحر القلزم سنة 447 هـ: من أئمة الشافعية وله كتاب (المختصر، في فروع الشافعية) شرحه الشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي - ت 490 هـ - وسماه (الإشارة) وصنف في التفسير والحديث وغريبه والنحو والفقه. انظر مع طبقات الشافعية الكبرى، تهذيب النووي (1/ 213 ت 228).
_________
* المحاسن:
" فائدة: " أبو حنيفة " يقبل مثل هذا. انتهت " [43 / و].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
الثالث: المجهولُ العين. وقد يَقبل روايةَ المجهول العدالةِ، مَن لا يَقبل روايةَ المجهول ِ العينِ. ومَن روَى عنه عدلانِ وعيَّناه، فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة.
ذكر " أبو بكر الخطيبُ البغدادي " في أجوبةِ مسائلَ سُئِلَ عنها (1): أن المجهولَ عند أصحابِ الحديث هو كلُّ مَن لم يعرفْه العلماءُ، ومن لم يُعرَف حديثُه إلا من جهةِ راوٍ واحد، مثل: " عمرو ذي مُرّ، وجبار الطائي، وسعيدِ بنِ ذي حُدَّان " لم يَروِ عنهم غيرُ أبي إسحاق السبيعي، ومثل " الهزهازِ بنِ ميزن " (2) لا راويَ عنه غيرُ الشعبي، ومثل " جُرَيِّ بن كليب "، لم يرو عنه إلا قَتَادَةُ (3).
قلت: قد رَوى عن " الهزهاز " الثوريُّ أيضًا.
قال " الخطيبُ ": " وأقلُّ ما ترتفعُ به الجهالةُ، أن يرويَ عن الرجل اثنانِ من المشهورين بالعلم … إلا أنه لا يثبتُ له حُكمُ العدالةِ بروايتِهما عنه ". (4) وهذا مما قدَّمنا بيانَه. والله أعلم.
قال الشيخ المملي - أبقاه الله -: قد خرَّج البخاري في (صحيحه) حديثَ جماعة ليس لهم غير راوٍ واحدٍ، منهم: " مِرداسُ الأسلمي " (5)، لم يَروِ عنه غيرُ قيس بن أبي حازم، وكذلك خرَّج " مسلم " حديثَ قوم لا راويَ لهم غيرُ واحدٍ، منهم: " ربيعةُ بن كعب الأسلمي " لم يَروِ عنه غيرُ أبي سلمةَ بن عبدالرحمن (6). وذلك منهما مَصِيرٌ إلى أن الراوي قد يخرج عن--------------------------------------------
(1) قال العراقي في ما عزاه المصنف إلى أجوبة مسائل سئل عنها الخطيب: " والخطيب ذكر ذلك مع زيادة فيه، في كتاب الكفاية، والمصنف كثير النقل منه. فأبعد النجعة في عزوه ذلك إلى مسائل سئل عنها ". التقييد 147.
انظر في الكفاية (باب ذكر المجهول وما به ترتفع عنه الجهالة).
(2) قال العراقي: الخطيب سمى والد هزهاز: ميزن، بالياء المثناة وتبعه المصنف. والذي ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، أنه مازن، بالألف. وفي بعض النسخ بالياء، ولعل بعضهم أماله في اللفظ (التقييد 146) مع الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، أفراد الهاء (ت 514) وهو في الطبعة الهندية: بن ميزن. بالياء.
(3) ذكر " الخطيب " آخرين مع هؤلاء، في (باب ذكر المجهول وما ترتفع به الجهالة).
(4) الكفاية: 88 باب ذكر المجهول وما ترتفع به الجهالة.
(5) في كتاب الرقاق، باب ذهاب الصالحين، (فتح الباري 11/ 197) حديث " يذهب الصالحون ".
(6) صحيح مسلم، ك الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه (ح 226/ 489) وانظر شروط الأئمة لابن طاهر (ل 65) خط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
كونه مجهولا مردودًا بروايةِ واحدٍ عنه (1). والخلافُ في ذلك مُتَّجِه نحوَ اتجاهِ الخلافِ المعروفِ في الاكتفاءِ بواحد في التعديل ِ *، على ما قدمناه. والله أعلم (2).--------------------------------------------
(1) على هامش (غ) بخط ابن الفاسي:
[قال النووي: لا يصح الرد الخطيب، والصواب: نقل الخطيب، ولا يصح الرد عليه بمرداس وربيعة؛ فإنهما صحابيان مشهوران، والصحابة كلهم عدول؛ فلا تضرنا الجهالة بأعيانهم لو ثبتت. ومع هذا فليسا بمجهولين على ما نقله " الخطيب " لأنه شرط في المجهول: ألا يعرفه العلماء؛ وهذان معروفان عند أهل العلم، بل مشهوران. قال النووي: فحصل بما ذكرناه أن " البخاري ومسلمًا " لم يخالفا نقل الخطيب عن أهل الحديث. وقد حكى الشيخ [ابن الصلاح] في النوع السابع والأربعين، عن " ابن عبدالبر ": أن كل من لم يرو عنه إلا واحد فهو مجهول عندهم، إلا أن يكون مشهورًا في غير تحمل العلم، كاشتهار " مالك بن دينار " في الزهد " وعمرو بن معدي كرب " في النجدة. والله أعلم].
قابل على نص النووي في التقريب (1/ 318).
(2) على هامش ص (21 / ب): بلغ ناصرالدين محمد ولد قاضي القضاة كمال الدين ابن العديم قراءة بحث عليّ، وعمه زين الدين عبدالرحمن وشمس الدسن محمد بن خليل الحلبي سماعًا. كتبه عبدالرحيم بن الحسين.
_________
* المحاسن:
" فائدة: اكتغى " ابن حبان " بمجرد رواية عدلين في التعديل أيضًا، وهو بعيد. ولا يلزم من إخراج " البخاري ومسلم " مما ذُكرَ، مصيرُهما إلى ما ذَكر؛ لأن المثل المذكورة في الصحابة، وجهالة عين الصحابي لا تضر. وهو لو قال: عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كان ذلك كافيًا. وقد قال " الحاكم " إن الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويًا غير التابعي الواحد المعروف؛ احتججنا به وصححنا حديثه؛ إذ هو على شرطهما جميعًا. فقد احتج " البخاري " بحديثِ قيس عن مرداس: " يذهب الصالحون (1) " و " مسلم " بحديثِ قيس ٍ عن عديٍّ بن عميرة: " من استعملنا … " (2) وليس لهما راوٍ غير قيس ٍ.
ثم يقال على كلام " الحاكم " وغيره: إن قيسًا لم ينفرد بالرواية عن مرداسن؛ فقد =
_________
(1) صحيح البخاري، ك الرقاق، باب ذهاب الصالحين (فتح الباري 11/ 197).
(2) صحيح مسلم، ك الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، حديث قيس عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من استعملنا منكم على عمل فكتمنا مَخِيطًا فما فوقه؛ كان غُلولا يأتي به يوم القيامة) (30 (1833).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
التاسعة: اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا يكفُر في بدعتِه (1)، فمنهم من ردَّ روايتَه مطلقًا؛ لأنه فاسقٌ ببدعتِه، وكما استوى في الكفرِ المتأولُ وغيرُ المتأول، يستوي في الفِسقِ المتأولُ وغيرُ المتأول. ومنهم من قَبِلَ روايةَ المبتدع إذا لم يكن ممن يستحلُّ الكذبَ في نصرة مذهبِه أو لأهل ِ [30 / ظ] مذهبه، سواء كان داعيةً إلى بدعتِه أو لم يكن. وعزا بعضُهم (3) هذا إلى " الشافعي " لقولِه: " أقبلُ شهادة أهل ِ الأهواء إلا الخطابيةَ من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادةَ بالزورِ لموافقيهم " *.--------------------------------------------
(1) على هامش (غ): [قال شيخنا نجم الدين: لم يذكر ابن الصلاح من يكفر ببدعته، إنما ذكر " من لم يكفر ببدعته ". فقال " النووي " هنا في (مختصره): " من كفر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق ". واعترض عليه بنقل الخطيب الخلاف فيه، فقال: الحق أنه إن كان مذهبه جواز الكذب لم تقبل روايته وإلا قبلنا] … قوبل على متن التقريب للنووي (1/ 324) وكفاية الخطيب (120 - 130) (باب ما جاء في الأخبار عن أهل البدع والأهواء والاحتجاج برواياتهم).
(2) قال العراقي: " أراد المصنف ببعضهم، أبا بكر الخطيب فإنه عزاه للشافعي في كتاب الكفاية ". التقييد 159، وانظره في الكفاية (120).
_________
= روى عن مرداس ٍ، " زيادُ بنُ علاقة " أيضًا. وأما ربيعة الأسملي فقد روى عنه: " أبو عمران الجوني، ومحمدُ بن عمرو بن عطاء ". وسيأتي لهذه الأمثلة تتماتٌ في النوع السابع والأربعين. وهناك نذكر عن " ابنِ عبدالبر " أن الجهالة تزول بواحدٍ إذا كان مشهورًا في حمل العلم، كاشتهار " مالك بن دينار " بالزهد، و " عمرو بن معدي كرب " بالنجدة: وهذا خلافُ ما أطلقَ " الخطيبُ ". وقد أخرج " البخاري " للوليد بنِ عبدالرحمن الجارودي، ولا يُعرف عنه راوٍ غير ولده المنذر. انتهت " 43 / ظ.
* المحاسن:
: فائدة: لا يقال: الخطابية لا يُجوِّزون الكذب، ومن كذب عندهم خرج من مذهبهم، فإذا سمع بعضُهم بعضًا قال شيئًا؛ عرف أنه ممن لا يُجوِّز الكذب فاعتمد قوله بذلك وشهد بشهادته، فلا يكون شهِد بالزور، إنما شهِدَ بما يعرف أنه حق؛
لأنا نقول: ما بنى عليه شهادتَه أصلٌ باطل؛ فوجب ردُّ شهادته لاعتماده أصلا باطلا، وإن زعم هو أنه حق. انتهت " 44 / و.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
وقال قومٌ: تُقْبلُ روايتُه إذا لم يكن داعيةً، ولا تُقبل إذا كان داعيةً إلى بدعتِه. وهذا مذهبُ الكثيرِ أو الأكثرِ من العلماء.
وحكَى بعضُ أصحاب " الشافعي " رضي الله عنه خلافًا بين أصحابِه في قبول ِ روايةِ المبتدع ِ إذا لم يدعُ إلى بدعتِه، وقال: " أما إذا كان داعيةً فلا خلافَ بينهم في عدم قبول روايته " *.
وقال " أبو حاتم بن حِبَّان البستي " (1) - أحدُ المصنفين من أئمة الحديث -: " الداعيةُ إلى البدَع لا يجوزُ الاحتجاجُ به عند أئمتنا قاطبةً، لا أعلم بينهم فيه خلافًا ".
وهذا المذهبُ الثالثُ أعْدَلُها وأوْلاها، والأولُ بعيدٌ مباعِدٌ للشائع عن أئمةِ الحديثِ، فإن--------------------------------------------
(1) قاله ابن حبان في تاريخ الثقات، في ترجمة " جعفر بن سليمان الضبعي " تقييد العراقي 160 وفيه النص. وعقب العراقي: وفيما حكاه ابن حبان من الاتفاق نظر؛ فإنه يروى عن الإمام مالك رد روايتهم مطلقًا كما قاله الخطيب في الكفاية. اهـ: (ص 117) كفاية.
_________
* المحاسن:
" فائدة: وحُكِي عن نص الشافعي. انتهت.
وزيادة: قد خرَّج " البخاريُّ، ومسلم " عن جماعة قد قبل عنهم إنهم دعاة، فمن ذلك أن " البخاري " خرَّج لعمرانَ بنِ حِطَّانَ الخارجي، مادح ِ " عبدِالرحمن بن ملجم: قاتل عليِّ بن أبي طالب " وهذا من أكبر الدعوة إلى البِدعة. وخرَّج الشيخان لعبدالحميد بن عبدالرحمن الحِماني، وقد قال " أبو داود السجستاني ": " كان داعية إلى الإرجاء ". فالأقرب أنه لا فرق، ولذلك أطلق " الشافعي " النص المشهورَ عنه وهو قوله: " أقبل شهادةَ الجميع إلا الخطابية " وقد قال في (الأم) ما نصه: " ذهب الناسُ في تأويل ِ القرآن والسنة إلى أمور تباينوا فيها تباينًا شديدًا، واختلفوا اختلافًا بعيدًا، فلم يُرَ أحدٌ منهم ردَّ شهادة أحدٍ بتأويل، وإن خَطَّأه وضلله، ورآه استحلَّ ما حرم الله " ومحلُّ ما تقدم، في المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، أما الكافرُ ببدعته فروايتُه ساقطة على مقتضى ذلك جزمًا ". انتهت " 43 / وظ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)