فصل
ومن الحيل الباطلة: إذا غصَبَه(1) طعامًا ثم أراد أن يبرأ منه ولا يُعلِمه به، فليدْعُه إلى داره، ثم يقدِّم له ذلك الطعام، فإذا أكله برئ الغاصب.
وهذه الحيلة باطلة، فإنه لم يملِّكه إياه، ولا مكَّنه من التصرف فيه، فلم يكن بذلك رادًّا لعينِ ماله إليه.
فإن قيل: ما تقولون لو أهداه إليه فقبله وتصرف فيه وهو لا يعلم أنه ماله؟
قيل: إن خاف من إعلامه به ضررًا يلحقه منه برئ بذلك، وإن لم يخَفْ ضررًا وإنما أراد المنة عليه ونحو ذلك لم يبرأ، ولا سيما إن كافأه على الهدية فقبل، فهذا لا يبرأ قطعًا.
فصل
ومن الحيل الباطلة بلا شك: الحيل التي يُفتَى بها مَن حلف لا يفعل الشيء ثم حلف ليفعلنَّه، فيتحيل له حتى يفعله بلا حنث، وذكروا لها صورًا:
أحدها: أن يحلف لا يأكل هذا الطعام، ثم يحلف هو أو غيره ليأكلنَّه، فالحيلة أن يأكله إلا لقمة منه، فلا يحنث.
ومنها: لو حلف أن لا يأكل هذا الجبن، ثم حلف ليأكلنَّه، قالوا: فالحيلة أن يأكله بالخبز، ويبرّ ولا يحنث.--------------------------------------------
(1) د: «اغصبه».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 258)
ومنها: لو حلف لا يلبس هذا الثوب، ثم حلف هو أو غيره ليلبسنَّه، فالحيلة أن يقطع منه شيئًا يسيرًا ثم يلبسه، فلا يحنث.
وطردُ قولهم أن يَنْسِل(1) منه خيطًا ثم يلبسه. ولا يخفى أمر هذه الحيلة وبطلانها(2)، وأنها من أقبح الخداع وأسمجه، ولا يتمشَّى على قواعد الفقه ولا فروعه ولا أصول الأئمة؛ فإنه إن كان بتَرْك البعض لا يُعدُّ آكلًا ولا لابسًا فإنه لا يَبرُّ بالحلف ليفعلنّ، فإنه إن عُدَّ فاعلًا وجب أن يحنث في جانب النفي، وإن لم يُعدَّ فاعلًا وجب أن يحنث في جانب الثبوت، فأما أن يُعدَّ فاعلًا بالنسبة إلى الثبوت وغير فاعل بالنسبة إلى النفي فتلاعبٌ.
فصل
ومنها: الحيل التي تُبطل الظهار والإيلاء والطلاق والعتق بالكلية، وهي مشتقة من الحيلة السُّرَيجية، كقوله: إن تظاهرتُ منكِ أو آليتُ منكِ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، فلا يمكنه بعد ذلك ظهار ولا إيلاء. وكذلك يقول: إن عَتَقْتُك فأنت حر قبل الإعتاق. وكذلك لو قال: إن بعتُك فأنت حر قبل البيع. وقد تقدم بطلان هذه الحيل كلها.
فصل
ومن الحيل الباطلة: أن يكون له على رجل مالٌ، وقد أفلس غريمه وأيِسَ مِن أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه، فيصير مالكًا للوفاء، فيطالبه حينئذٍ بالوفاء، فإذا وفّاه برئ--------------------------------------------
(1) أي يَفصِل.
(2) ز، ك: «بطلانه».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 259)
وسقطت الزكاة عن الدافع.
وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه أو ملَّكه إياه بنية أن يستوفيه من دَينه، فكل هذا لا يُسقط عنه الزكاة، ولا يُعدُّ مخرجًا لها لا شرعًا ولا عرفًا، كما لو [103/أ] أسقط دينه وحسبه من الزكاة.
قال مهنَّا(1): سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دينٌ برهنٍ، وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مالٍ، قال(2): يفرِّقه على المساكين، فيدفع إليه رهنه، ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله، قال(3): لا يجزئه ذلك. فقلت له(4): فيدفع إليه زكاته، فإن ردَّه(5) إليه قضاءً مما له أخذه؟ قال: نعم.
وقال(6) في موضع آخر ــ وقيل له: فإن أعطاه ثم ردَّه إليه؟ ــ قال: إذا كان بحيلة فلا يُعجبني، قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهمَ فقضاه إياها، ثم ردَّها عليه وحسَبَها من الزكاة؟ قال: إذا أراد بهذا إحياء ماله فلا يجوز.--------------------------------------------
(1) كما في «المغني» (4/ 106).
(2) «قال» ليست في ك.
(3) أي الإمام أحمد (أبو عبد الله).
(4) «له» ليست في ز.
(5) ك: «رد».
(6) «المغني» (4/ 106).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 260)
ومطلق كلامه ينصرف إلى هذا المقيد؛ فيحصل من مذهبه أن دفع(1) الزكاة إلى الغريم جائز، سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقَّه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز؛ لأن الزكاة حق لله(2) وللمستحق، فلا يجوز صرفها إلى الدافع، ويفوز بنفعها العاجل.
ومما يوضح ذلك أن الشارع منعه من أخذها من المستحق بعوضها، فقال: «لا تشترِها ولا تعُدْ في صدقتك»(3)، فجعله بشرائها منه بثمنها عائدًا فيها، فكيف إذا دفعها إليه بنيةِ أخْذِها منه؟ قال جابر بن عبد الله: إذا جاء المصَّدق فادفع إليه صدقتك، ولا تشترِها، فإنهم كانوا يقولون: «ابتَعْها» فأقول: إنما هي لله(4). وقال ابن عمر: لا تشترِ طَهورَ مالك(5).
وللمنع من شرائه علتان:
إحداهما: أنه يتخذ ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحيي منه فلا يماكسه في ثمنها، وربما أرخصها ليطمع(6) أن يدفع إليه--------------------------------------------
(1) ك: «يدفع».
(2) ز: «الله».
(3) رواه البخاري (1489) ومسلم (1621) من حديث ابن عمر عن أبيه عمر.
(4) رواه عبد الرزاق (6896) وابن أبي شيبة (10601)، كلاهما من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وإسناد صحيح.
(5) رواه عبد الرزاق (6897) وابن أبي شيبة (10600)، كلاهما من طريق مسلم بن جبير عن ابن عمر بلفظ «طهرة مالك». ومسلم بن جبير ترجمه أحمد في «العلل» (2/ 512) والبخاري في «التاريخ الكبير» (4/ 258) وابن أبي حاتم (4/ 181) ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في «الثقات» (5/ 393).
(6) ز: «ليطمعا».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 261)
صدقة أخرى، وربما علم أو توهَّم أنه إن لم يبِعْه إياها استرجعها منه، فيقول: ظفري بهذا الثمن خير من الحرمان.
العلة الثانية: قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله بكل طريق، فإن النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالُها بعدُ متعلقة به، فلم تطِبْ به نفسًا لله وهي متعلقة به، فقطع عليها طمعها(1) في العود، ولو بالثمن، ليتمحَّص الإخراج لله، وهذا شأن النفوس الشريفة(2) ذوات الأقدار والهمم، أنها إذا أعطت عطاء لم تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا غيره، وتعدُّ ذلك دناءة، ولهذا مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم العائد في هبته بالكلب(3) يعود في قيئه(4)، لخِسَّته ودناءة نفسه وشُحِّه بما قاءه أن يفوته(5).
فمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء(6) صدقته، ولهذا منع مِن سكنى بلاده التي هاجر منها لله وإن صارت بعد ذلك دارَ إسلام، كما منع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين بعد الفتح من الإقامة بمكة فوق ثلاثة أيام(7)، لأنهم خرجوا عن ديارهم لله؛ فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه لله، وإن زال--------------------------------------------
(1) ك: «طمعا».
(2) «الشريفة» ليست في د.
(3) ز: «كالكلب».
(4) رواه مسلم (1622) من حديث ابن عباس.
(5) ز: «يعود به».
(6) ك: «شرى».
(7) كما في حديث العلاء بن الحضرمي الذي أخرجه البخاري (3933) ومسلم (1352).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 262)
المعنى الذي تركوها لأجله.
فإن قيل: فأنتم تجوِّزون له أن يقضي بها دين المدين، إذا كان المستحق له غيره، فما الفرق بين أن يكون الدين له أو لغيره؟ ويحصل للغريم براءة ذمته [103/ب] وراحةٌ من ثِقلِ الدَّين في الدنيا ومن حملِه في الآخرة؟ فمنفعته ببراءة ذمته خير له من منفعة الأكل والشرب واللباس، فقد انتفع هو بخلاصه من رِقّ الدين، وانتفع رب المال بتوصُّله إلى أخذ حقه، وصار هذا كما لو أقرضه مالًا ليعمل فيه ويوفِّيه دينه من كسبه.
قيل: هذه المسألة فيها روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد رضي الله عنه:
إحداهما: أنه لا يجوز له أن يقضي دينه من زكاته، بل يدفع إليه الزكاة ويؤدِّيها هو عن نفسه.
والثانية: يجوز له أن يقضي دينه(1) من الزكاة. قال أبو الحارث(2): قلت للإمام أحمد(3): رجل عليه ألف، وكان على رجل زكاة ماله ألف، فأداها عن هذا الذي عليه الدين، يجوز هذا من زكاته؟ قال: نعم، ما أرى بذلك بأسًا.
وعلى هذا فالفرق(4) ظاهر؛ لأن الدافع لم ينتفع هاهنا بما دفعه إلى الغريم، ولم يرجع إليه، بخلاف ما إذا دفعه إليه ليستوفيه منه؛ فإنه قد أحيا ماله بماله. ووجه القول بالمنع أنه قد يتخذ ذريعة إلى انتفاعه بالقضاء، مثل--------------------------------------------
(1) ز، ك: «له دينه».
(2) كما في «المغني» (9/ 325).
(3) د، ك: «لأحمد».
(4) ك: «الفرق».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 263)
أن يكون الدين لولده أو لامرأته أو لمن يلزمه نفقته فيستغني عن الإنفاق عليه؛ فلهذا قال الإمام أحمد(1): أحبُّ إليَّ أن يدفعه إليه حتى(2) يقضي هو عن نفسه، قيل: هو محتاج يخاف أن يدفع إليه فيأكله ولا يقضي دينه، قال: فقلْ له يوكِّله حتى يقضيه.
والمقصود أنه متى فعل ذلك حيلةً لم تسقط عنه الزكاة؛ فإنه لا يحل له مطالبة المُعْسِر، وقد أسقط الله عنه المطالبة، فإذا توصَّل إلى وجوبها بما يدفعه إليه فقد دفع إليه شيئًا ثم أخذه، فلم يخرج منه شيء، فإنه لو أراد الآخذ التصرُّفَ في المأخوذ وسدَّ خَلَّته منه لما مكَّنه، فهذا هو الذي لا يسقط عنه الزكاة، فأما لو أعطاه عطاء قطع طمعه من عوده إليه وملكه ظاهرًا وباطنًا ثم دفع إليه الآخذ دينه من الزكاة فهذا جائز، كما لو أخذ الزكاة من غيره ثم دفعها إليه، والله أعلم.
فصل
ومن الحيل الباطلة: التحيلُ على نفس ما نهى عنه الشارع من بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها والحَبّ قبل اشتداده، بأن يبيعه ولا يذكر تبقيته ثم يخلِّيه إلى وقت كماله، فيصح البيع ويأخذه وقتَ إدراكه، وهذا هو نفس ما نهى عنه الشارع إن لم يكن فعله بأدنى الحيل. ووجه هذه الحيلة أن موجب(3) العقد القطع، فيصح وينصرف إلى موجبه، كما لو باعها بشرط القطع، ثم القطع--------------------------------------------
(1) كما في «المغني» (9/ 325).
(2) «حتى» ليست في ك.
(3) ز: «يوجب»، تحريف.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 264)
حق لهما لا يعدوهما(1)، فإذا اتفقا على تركه جاز.
ووجه بطلان هذه الحيلة أن هذا هو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه للمفسدة التي يفضي إليها من التشاحن والتشاجر، فإن الثمار تصيبها العاهات كثيرًا، فيفضي بيعها قبل إكمالها إلى أكل مال المشتري بالباطل، كما علَّل به صاحب الشرع، ومن المعلوم قطعًا أن هذه الحيلة لا ترفع المفسدة، ولا تزيل بعضها.
وأيضًا فإن الله وملائكته والناس قد علموا أن من اشترى الثمار وهي شِيْصٌ(2) لم يمكن أحدًا أن يأكل منها، فإنه لا يشتريها للقطع، [104/أ] ولو اشتراها لهذا الغرض لكان سفهًا وبيعه مردود، وكذلك الجوز والخوخ والإجَّاص وما أشبهها من الثمار التي لا يُنتفع بها قبل إدراكها، لا يشتريها أحد إلا بشرط التبقية، وإن سكت عن ذكر الشرط بلسانه فهو قائم في قلبه(3) وقلب البائع، وفي هذا تعطيل للنص وللحكمة التي نهى الشارع لأجلها؛ أما تعطيل الحكمة فظاهر، وأما تعطيل النص فإنه إنما يحمله على ما إذا باعها بشرط التبقية لفظًا، فلو سكت عن التلفظ بذلك وهو مراده ومراد البائع جاز(4)، وهذا تعطيل لما دلَّ عليه النص وإسقاطٌ لحكمته(5).--------------------------------------------
(1) «لا يعدوهما» ليست في ز، ك.
(2) ثمر لم يتم نضجه لسوء تأبيره أو لفساد آخر.
(3) ز، ك: «بقلبه».
(4) ز: «جائز».
(5) ك: «الحكمة».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 265)
فصل
ومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يبيعه هذه الجاريةَ، ثم أراد أن يبيعها منه، فليبعه منها تسعمائة وتسعة وتسعين سهمًا، ثم يهبه السهم الباقي. وقد تقدم نظير هذه الحيلة الباطلة. وكذلك لو حلف لا يبيعه إياها ولا يهبه إياها ففعل ذلك لم يحنث.
ولو وقعت هذه الحيلة في جارية قد وطئها الحالف اليوم فأراد المالك أن يطأها بلا استبراء، فله حيلتان على إسقاط الاستبراء:
إحداهما: أن يعتقها ثم يتزوجها.
والثانية: أن يُملِّكها لرجل ثم يزوِّجه إياها، فإذا قضى وطره منها ثم أراد بيعها أو وطْأَها بملك اليمين فليشترِها من المُملك فينفسخ نكاحه، فإن(1) شاء باعها وإن شاء أقام على وطئها.
وتقدم أن نظير هذه الحيلة لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب فلينسِلْ منه خيطًا ثم يلبسه، أو لا يأكل هذا الرغيف فليُخرِج منه لُبابَه ثم يأكله.
قال غير واحد من السلف(2): لو فعل المحلوف عليه على وجهه لكان أخفَّ وأسهلَ من هذا الخداع، ولو قابل العبد أمر الله ونهيه بهذه المقابلة لعُدَّ عاصيًا مخادعًا، بل لو قابل أحد الرعية أمر الملك ونهيه أو العبد أمرَ سيده ونهيه أو المريض أمر الطبيب ونهيه بهذه المقابلة لما عذره(3) أحد--------------------------------------------
(1) ك: «وإن».
(2) انظر: «بيان الدليل» (ص 44).
(3) ك: «أعذره».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 266)
قطُّ، ولعدَّه كل أحدٍ(1) عاصيًا، وإذا تدبَّر العالم في الشريعة أمرَ هذه الحيل لم يخْفَ عليه نسبتُها إليها ومحلُّها منها، والله المستعان.
فصل
ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يبيع هذه السلعة بمائة دينار أو ازداد(2) عليها؛ فلم يجد من يشتريها بذلك فليبعها بتسعة وتسعين دينارًا، أو مائة جزء من دينار، أو أقل من ذلك، أو يبِعْها(3) بدراهم تساوي ذلك، أو يبِعْها بتسعين دينارًا ومنديلًا أو ثوبًا ونحو ذلك.
وكل هذه حيل باطلة، فإنها تتضمن نفس مخالفته لما نواه وقصده وعقَدَ قلبه عليه، وإذا كانت يمين الحالف على ما يصدِّقه عليه صاحبه ــ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم(4) ــ، فيمينه على ما يعلمه الله من قلبه كائنًا من كان؛ فليقل ما شاء، وليتحيل ما شاء، فليست يمينه إلا على ما علمه الله من قلبه. قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] فأخبر سبحانه أنه(5) إنما يعتبر في الأيمان قصد القلب وكسبه، لا مجرد اللفظ الذي لم يقصده أو لم يقصد معناه؛ على التفسيرين في اللغو، فكيف إذا كان قاصدًا [104/ب] لضدِّ ما تحيَّل عليه؟--------------------------------------------
(1) ك: «واحد».
(2) ك: «زاد».
(3) ك: «يبيعها».
(4) تقدم تخريجه.
(5) «أنه» ليست في ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 267)
فصل
ومن الحيل الباطلة على أن يطأ أمته وإذا حَبِلَتْ منه لم تصر أم ولد، فله(1) بيعها: أن يملِّكها لولده الصغير، ثم يتزوجها ويطأها، فإذا ولدت منه عتق الأولاد على الولد؛ لأنهم إخوته، ومن ملك أخاه عتق عليه.
قالوا: فإن خاف أن لا تتمشى هذه الحيلة على قول الجمهور الذين لا يجوِّزون للرجل أن يتزوج بجارية ابنه ــ وهو قول أحمد ومالك والشافعي ــ فالحيلة أن يملِّكها لذي رحم مَحرم منه، ثم يزوجه إياها، فإذا ولدت عتق الولد على ملك ذي الرحم؛ فإذا أراد بيع الجارية فليهَبْها له، فينفسخ النكاح، فإن لم يكن له ذو رحم محرم فليملِّكها أجنبيًّا، ثم يزوِّجه بها، فإن خاف من رِقّ الولد فليعلِّق الأجنبي عتقهم بشرط الولادة، فيقول: كل ولدٍ تَلِدينَه فهو حر، فيكون الأولاد كلهم أحرارًا؛ فإذا أراد بيعها بعد ذلك فليتَّهِبْها من الأجنبي ثم يبِعْها(2).
وهذه الحيلة أيضًا باطلة؛ فإن حقيقة التمليك لم توجد، إذ حقيقته نقل المِلك إلى المملَّك يتصرف فيه كما أحب. هذا هو المِلك المشروع المعقول المتعارف، فأما تمليك لا يتمكَّن فيه المملَّك من التصرف إلا بالتزويج وحده؛ فهو تلبيس لا تمليك؛ فإن المملَّك(3) لو أراد وطأها أو الخلوة بها أو النظر إليها لشهوة(4) أو التصرف فيها كما يتصرف المالك في--------------------------------------------
(1) «فله» ليست في ك.
(2) ك: «يبيعها».
(3) ك: «الملك».
(4) ك: «بشهوة».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 268)
مملوكه لما أمكنه ذلك؛ فإن هذا تمليكُ تلبيسٍ وخداع ومكر، لا تمليك حقيقةٍ، بل قد علم الله والمملِّك والمملَّك(1) أن الجارية لسيدها ظاهرًا وباطنًا(2)، وأنه لم يطِبْ قلبه بإخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه. وهذا التمليك بمنزلة تمليك الأجنبي مالَه كله ليسقط عنه زكاته(3) ثم يسترِدّه منه، ومعلوم قطعًا أنه لا حقيقة لهذا التمليك عرفًا ولا شرعًا، ولا يُعدُّ المملَّك(4) له على هذا الوجه غنيًّا به، ولا يجب عليه به الحج والزكاة والنفقة وأداء الديون، ولا يكون به واجدًا للطَّول معدودًا في جملة الأغنياء؛ فهذا هو الحقيقة، لا التمليك الباطل الذي هو مكر وخداع وتلبيس.
فصل
ومن الحيل الباطلة: التحيلُ على ردِّ امرأته بعد أن بانت منه وهي لا تشعر بذلك، وقد ذكر أرباب الحيل وجوهًا كلها باطلة:
فمنها أن يقول لها: حلفتُ يمينًا واستفتيتُ فقيل لي جدِّد نكاحك؛ فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرَّك، فإذا أجابته قال: اجعلي الأمر إليَّ في تزويجك. ثم يحضر الولي والشهود ويتزوجها، فتصير امرأته بعد البينونة وهي لا تشعر.
فإن لم يتمكن من هذا الوجه فلينتقل إلى وجه ثان، وهو أن يُظهِر أنه--------------------------------------------
(1) «والمملك» ساقطة من ك.
(2) د: «باطنًا وظاهرًا».
(3) ك: «زكاة».
(4) ك: «الملك».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 269)
يريد سفرًا ويقول: لا آمنُ الموت وأنا أريد أن أكتب لك هذه الدار أو أجعل لك(1) هذا المتاع صداقًا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك، فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أجعله صداقًا؛ فإذا فعلتْ عقد نكاحها على ذلك وتم الأمر.
فإن لم يُرِد السفر فليظهر أنه مريض، ثم يقول لها: أريد أن أجعل لك ذلك، وأخاف أن أُقِرَّ لك به فلا يُقبل؛ فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أجعله [105/أ] صداقًا، فإذا فعلتْ أحضرَ وليَّها وتزوَّجها.
فإن حذِرَت المرأة من ذلك كله ولم يتمكَّن منه لم يبقَ له إلا حيلة واحدة، وهي أن يحلف بطلاقها، أو يقول: قد حلفتُ بطلاقك أني أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع أو أسافر بك، وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أُدخل عليك ضرَّةً ولا تسافرين، فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أخالعكِ وأردّكِ بعد انقضاء اليوم وتتخلَّصي من الضرة والسفر، فإذا فعلتْ أحضرَ الوليَّ والشهود(2) ثم ردَّها.
وهذه الحيلة باطلة؛ فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه؛ فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها، وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني، ولا رضيت به، ولو علمت أنها قد ملكتْ نفسَها وبانت فلعلها لا ترغب في نكاحه، فليس له أن يخدعها على نفسها ويجعلها زوجة له(3) بغير رضاها.--------------------------------------------
(1) ك: «كل».
(2) ز، ك: «الشهود والولي».
(3) ز: «له زوجة».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 270)
فإن قيل: فالنبي(1) صلى الله عليه وسلم قد جعل جِدَّ النكاح كهزله(2)، وغاية هذا أنه هازل.
قيل: هذا ليس بصحيح، وليس هذا كالهازل؛ فإن الهازل لم يُظهر أمرًا يريد خلافه، بل تكلم باللفظ قاصدًا أن لا يلزمه مُوجَبُه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، وأما هذا فماكر مخادع للمرأة على نفسها، مظهرًا(3) أنها زوجته وأن الزوجية بينهما باقية وهي أجنبية محضة؛ فهو(4) يمكُر بها ويخادعها بإظهار أنها زوجته وهي في الباطن أجنبية؛ فهو كمن يمكُر برجل يخادعه على أخذ ماله بإظهار أنه يحفظه له ويصونه ممن يذهب به، بل هذا أفحش؛ لأن حرمة البُضْع أعظم من حرمة المال، والمخادعة عليه(5) أعظم من المخادعة على المال، والله أعلم.
فصل
ومن الحيل الباطلة الحيلة على وطء مكاتبته بعد عقد الكتابة، قال أرباب الحيل: الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير، ثم يتزوجها وهي على مِلك ابنه، ثم يكاتبها لابنه، ثم يطأها بحكم النكاح، فإن أتت بولد كانوا أحرارًا؛ إذ ولده قد ملَكَهم، فإن عجزت عن الكتابة عادت قِنًّا(6) لولده--------------------------------------------
(1) ز: «النبي». ك: «فإن النبي».
(2) تقدم تخريجه.
(3) كذا في النسخ منصوبًا على أنه حال.
(4) «فهو» ساقطة من ك.
(5) «عليه» ساقطة من ك.
(6) القِنّ: العبد الذي كان أبوه مملوكًا لمواليه، ومثله الأمة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 271)
والنكاح بحاله.
وهذه الحيلة باطلة على قول الجمهور، وهي باطلة في نفسها؛ لأنه لم يملِّكها لولده تمليكًا حقيقيًّا، ولا كاتبها له حقيقة، بل خداعًا ومكرًا، وهو يعلم أنها أمته ومكاتَبتُه في الباطن وحقيقة الأمر، وإنما أظهر خلاف ذلك توصلًا إلى وطء الفرج الذي حرم عليه بعقد الكتابة، فأظهر تمليكًا لا حقيقة له، وكتابةً عن غيره، وفي الحقيقة إنما هي عن(1) نفسه، والله يعلم ما تُخفي الصدور.
فصل
ومن الحيل المحرَّمة الباطلة: الحيل(2) التي تُسمَّى حيلة العقارب، ولها صور:
منها: أن يوقف داره أو أرضه ويُشهد على وقفها ويكتمه ثم يبيعها، فإذا علم أن المشتري قد سكنها أو استغلَّها بمقدار ثمنها أظهر كتاب الوقف وادعى على المشتري بأجرة المنفعة، فإذا قال له المشتري: أنا وزنتُ الثمن، قال: وانتفعتَ بالدار والأرض(3)، فلا تذهب المنفعة مجَّانًا.
ومنها: أن يملِّكها لولده أو امرأته، ويكتم ذلك، ثم يبيعها، ثم يدَّعي بعد ذلك مَن ملَّكها على المشتري، ويعامله تلك المعاملة، وضمَّنه المنافع تضمينَ الغاصب.--------------------------------------------
(1) «الكتابة … هي عن» ساقطة من ك.
(2) ك: «الحيلة».
(3) ك: «أو الأرض».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 272)
ومنها: أن يُؤجِرها لولده أو امرأته، ثم يؤجرها من شخص آخر، فإن ارتفع الكِرَى [105/ب] أخرج الإجارة الأولى وفسخ إجارة الثاني، وإن نقص الكِرَى أو استمرَّ أبقاها.
ومنها: أن يَرهَن داره أو أرضه، ثم يبيعها ويأخذ الثمن فينتفع به مدة، فمتى أراد فسخَ البيع واسترجاعَ المبيع أظهر كتاب الرهن.
وأمثال هذه العقارب التي يأكل بها أشباهُ العقارب أموالَ الناس بالباطل، ويمشِّيها لهم مَن رقَّ علمُه ودينه ولم يراقب الله ولم يخَفْ مقامه، تقليدًا لمن قلَّد قوله في تضمين المقبوض بالعقد الفاسد تضمينَ الغاصب؛ فيجعل قوله إعانة لهذا الظالم المعتدي على الإثم والعدوان، ولا يجعل القول الذي قاله غيره إعانة للمظلوم على البر والتقوى، وكأنه أخذ بشق الحديث وهو: «انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا»(1)، واكتفى بهذه الكلمة دون ما بعدها، وقد أعاذ الله أحدًا من الأئمة من تجويز الإعانة على الإثم والعدوان، ونصر الظالم، وإضاعة حق المظلوم جهارًا.
وذلك الإمام وإن قال: «إن المقبوض بالعقد الفاسد يُضمَن ضمانَ المغصوب» فإنه لم يقل: إن المقبوض به على هذا الوجه ــ الذي هو حيلة ومكر وخداع وظلم محض للمشتري وغرور له ــ يوجب تضمينه وضياعَ حقه وأخْذَ ماله كله وإيداعَه في الحبس على ما بقي وإخراجَ الملك من يده، فإن الرجل قد يشتري الأرض أو العقار وتبقى في يده مدة طويلة تزيد أجرتها على ثمنه أضعافًا مضاعفة، فيؤخذ منه العقار، ويُحسب عليه ثمنه من--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2444، 6952) من حديث أنس بن مالك، ومسلم (2584) من حديث جابر بن عبد الله.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 273)
الأجرة، ويبقي الباقي بقدر الثمن مرارًا، فربما أخذ ما فوقه وما تحته وفَضلتْ عليه فضلةٌ، فيجتاح الظالم الماكر ماله ويدَعَه على الأرض. فحاشا(1) إمامًا واحدًا من أئمة الإسلام أن يكون عونًا لهذا العقرب الخبيث على هذا الظلم والعدوان.
والواجب عقوبة مثل هذا العقوبة التي تردعُه عن لَدْغ(2) الناس والتحيل على استهلاك أموال الناس، وأن لا يُمكَّن من طلبِ عوض المنفعة. أما على أصل من لا يضمِّن منافع الغصب ــ وهم الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أصحهما دليلًا ــ فظاهر، وأما من يضمِّن الغاصب كالشافعي وأحمد في الرواية الثانية فلا يتأتَّى تضمينُ هذا على قاعدته؛ فإنه ليس بغاصب، وإنما استوفى المنفعة بحكم العقد، فإذا تبيَّن أن العقد باطل وأن البائع غرَّه لم يجب عليه ضمان، فإنه إنما دخل على أن ينتفع بلا عوض، وأن يضمن المبيع بثمنه لا بقيمته؛ فإذا تلِفَ المبيع بعد القبض تلِفَ من ضمانه بثمنه، فإذا انتفع به انتفع به(3) بلا عوض؛ لأنه على ذلك دخل، ولو قُدِّر وجوب الضمان فإن الغارَّ هو الذي يضمن؛ لأنه تسبَّب إلى إتلاف مال الغير بغروره، وكل من أتلف مال غيره بمباشرة أو سبب فإنه يضمنه.
ولا يقال: المشتري هو الذي باشر الإتلاف، وقد وجد متسبب ومباشر، فيحال الحكم على المباشر؛ فإن هذا غلط محض هاهنا؛ فإن المضمون هو--------------------------------------------
(1) ك: «فحاش».
(2) ك: «لذع».
(3) «به» ليست في ز.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 274)
مال المشتري الذي تلف عليه بالتضمين، وإنما تلف بتسبب الغارّ، وليس هاهنا مباشر يحال عليه الضمان(1).
فإن قيل: فهذا إنما يدل على أنا إذا ضمَّنّا المغرور رجع على الغارّ، لا يدلُّ على تضمين الغار أبدًا(2).
قيل: هذا فيه قولان للسلف والخلف، وقد نصَّ الإمام أحمد رضي الله عنه على أن [106/أ] من اشترى أرضًا فبنى فيها أو غرسَ ثم استحقت فللمستحق(3) قلْعُ ذلك، ثم يرجع المشتري على البائع بما نقص. ونصَّ في موضع آخر أنه ليس للمستحق قلْعُه إلا أن يضمن نقصه ثم يرجع به على البائع. وهذا أفقهُ النصَّين وأقربهما إلى العدل؛ فإن المشتري غرس وبنى غِراسًا وبناءً مأذونًا فيه، وليس ظالمًا به، فالعِرق ليس بظالم، فلا يجوز للمستحق قلعه حتى يضمن له نقصه، والبائع هو الذي ظلم المستحق ببيعه ماله وغرَّ المشتري ببنائه وغراسه؛ فإذا أراد المستحق الرجوع في عين ماله ضمن للمغرور ما نقص بقلعه ثم رجع به على الظالم، وكان تضمينه له أولى من تضمين المغرور ثم تمكينه من الرجوع على الغارّ.
ونظير هذه المسألة: لو قبض مغصوبًا من غاصبِه ببيع أو عارية أو إيهابٍ(4) أو إجارة وهو يظن أنه مالك(5) لذلك أو مأذونٌ له فيه، ففيه قولان:--------------------------------------------
(1) «وإنما تلف … الضمان» ساقطة من ز.
(2) ز: «ابتداء».
(3) ك: «للمستحق».
(4) كذا في النسختين، وهو مصدر الفعل الرباعي «أوهبَ». وفي المطبوع: «اتهاب».
(5) ك: «ملك».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 275)
أحدهما: أن المالك مخيَّر بين تضمين أيهما شاء، وهذا المشهور عند أصحاب الشافعي وأحمد، ثم قال أصحاب الشافعي: إن ضمن المشتري وكان عالمًا بالغصب لم يرجع بما ضمن على الغاصب، وإن لم يعلم نظرت فيما ضمن، فإن التزم ضمانه بالعقد كبدل العين وما نقص منها لم يرجع به على الغاصب؛ لأن الغاصب لم يغرَّه، بل دخل معه على أن يضمنه.
وهذا التعليل يوجب أنه يرجع بما زاد على ثمن المبيع إذا ضمنه؛ لأنه إنما التزم ضمانه بالثمن لا بالقيمة، فإذا ضمنه إياه بقيمته رجع بما بينهما من التفاوت.
قالوا: وإن لم يلتزم ضمانه نظرت؛ فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع به على الغاصب، لأنه غرَّه ودخل معه على أنه لا يضمنه، وإن حصلت له به في مقابلته منفعة كالأجرة والمهر وأَرْش البكارة ففيه(1) قولان:
أحدهما: يرجع به؛ لأنه غرَّه ولم يدخل معه على أن يضمنه.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه حصل له في مقابلته منفعة.
وهذا التعليل أيضًا يوجب على هذا القول أن يرجع بالتفاوت الذي بين المسمَّى ومهر المثل وأجرة المثل اللذين ضمنهما؛ فإنه إنما دخل على الضمان بالمسمَّى لا بعوض المثل، والمنفعة التي حصلت له إنما هي بما التزمه من المسمَّى. ومذهب الإمام أحمد وأصحابه نحو ذلك.--------------------------------------------
(1) ك: «فعنه».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 276)
وعقْدُ الباب عندهم أنه يرجع إذا غُرم على الغاصب بما لم يلتزم ضمانه خاصة، فإذا غُرم وهو مُودعٌ أو متَّهبٌ قيمة العين والمنفعة رجع بهما؛ لأنه لم يلتزم ضمانًا، وإن ضمن وهو مستأجر قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة العين والقدر الزائد على ما بذله من عوض المنفعة.
وقال أصحابنا: لا يرجع بما ضمنه من عوض المنفعة؛ لأنه دخل على ضمانه، فيقال لهم: نعم دخل على ضمانه بالمسمَّى لا بعوض المثل، وإن كان مشتريًا وضُمن قيمةَ العين والمنفعة؟ فقالوا: يرجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين؛ لأنه التزم ضمان العين ودخل على استيفاء المنفعة بلا عوض.
والصحيح أنه يرجع بما زاد من قيمة العين على الثمن الذي بذله، وإن كان مستعيرًا وضمن قيمة العين والمنفعة رجع بما غرمه من ضمان المنفعة؛ لأنه دخل على استيفائها مجانًا، ولم يرجع [106/ب] بما ضمنه من قيمة العين؛ لأنه(1) دخل على ضمانها بقيمتها.
وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن ما حصل له منفعة تقابل(2) ما غرم كالمهر والأجرة في المبيع وفي الهبة وفي العارية، وكقيمة الطعام إذا قدم له أو وهب منه فأكله فإنه لا يرجع به؛ لأنه استوفى العوض، فإذا غرم عوضه لم يرجع به.
والصحيح القول الأول؛ لأنه(3) لم يدخل على استيفائه بعوض، ولو--------------------------------------------
(1) ك: «لا».
(2) ك: «فقابل».
(3) ك: «أنه».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 277)