ومجيد، فهو عظيم لكونه أكبر المخلوقات وأعظمها وأعلاها، وذلك لما خص الله به هذا العرش من الاستواء عليه، ومجيد وكريم لما له من منزلة تميز بها عما سواه من المخلوقات، فهو إنما اتصف بهذه الصفات لجلالته وعظيم قدره. كما أن في قوله تعالى {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} إخبار منه تعالى عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع خلقه، ومما يدل أيضاً على عظمة هذا العرش اقترانه باسم (الرحمن) كثيراً في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وقوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}.
ففي هذا الاقتران بين اسم الرحمن والعرش حكمة وهي إخباره عز وجل بأنه قد استوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، ذلك لأن العرش محيط بالمخلوقات وقد وسعها، والرحمة بالخلق واسعة لهم(1)، كما قال تعالى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف 156].
وسنذكر في هذا المبحث بعض الخصائص التي اختص بها العرش وكرم بها، والتي جعلته يوصف بهذا الوصف في القرآن الكريم ويجعل له تلك المنزلة الرفيعة.
أولاً: الاستواء عليه:
يعتبر استواء الله سبحانه وتعالى على العرش أعظم الخصائص التي اختص بها العرش، بل إن ما سواها من الخصائص الأخرى التي تميز بها العرش إنما جعلت له لأجل استواء الله عز وجل عليه، وذلك أن الله تعالى لما اختصه بهذا الأمر جعل له من الخصائص والصفات كارتفاعه وعظم خلقه وكبره وثقل وزنه؛ لكي يتناسب مع ما ميز وشرف به من الاستواء عليه.
ومسألة الاستواء على العرش ثابتة في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر الاستواء في القرآن الكريم في سبعة مواضع، ومجيء ذكر الاستواء في القرآن بهذا العدد إنما هو ليؤكد عظم هذا الأمر وأهميته، وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار التي تثبت الاستواء وتؤكده.
وإن مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان الله عليهم أجمعين أنهم يقولون: إن الله استوى على عرشه بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، فهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله--------------------------------------------
(1) مدارج السالكين (1/ 33 - 34)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 585)
وعظمته، واستواؤه حقيقة لا مجاز كما يزعم الجهمية وأتباعهم الذين ينكرون العرش وأن يكون الله فوقه، وأما كيفية ذلك الاستواء فهي مجهولة لدينا والسؤال عن كيفية ذلك الاستواء بدعة، لأن الله سبحانه لم يطلعنا على كيفية ذاته فكيف يكون لنا أن نعرف كيفية استوائه، وهو سبحانه وتعالى يقول: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}.
ثانياً: العرش أعلى المخلوقات أرفعها وسقفها.
إن مما اختص به الخالق سبحانه وتعالى العرش مع استوائه عليه كونه أعلى المخلوقات وأرفعها وأقربها إلى الله تعالى، فقد ثبت أن العرش أعلى من السموات والأرض والجنة وأنه كالسقف عليها، والأدلة على هذا الأمر كثيرة وقد سبق أن أوردنا جزءاً منها خلال حديثنا عن مكان العرش.
والقول بأن العرش أعلى المخلوقات هو قول السلف الذي قالوا به وذهبوا إليه:
قال محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه " أصول السنة ": "ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء"(1).
وكون العرش أعلى المخلوقات يدل على أنه أقرب إلى الله تعالى وهذه ميزة أخرى تضاف إلى الخصائص التي انفرد بها العرش، ويدل على هذا الأمر ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ظهورهم العرش بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء والله تعالى فوق ذلك"(2).
وكذلك ما جاء عن ابن مسعود: "بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه"(3).
ثالثاً: العرش أكبر المخلوقات وأعظمها وأثقلها.
إن عرش الرحمن تبارك وتعالى يعتبر أكبر مخلوقات الله وأوسعها وأعظمها على--------------------------------------------
(1) أصول السنة (ص 88).
(2) تقدم تخريجه.
(3) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص 26، 27).
واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 396).
وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 100) وقال: «رواه سنيد بن داود بإسناد صحيح».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 586)
الإطلاق، فقد خص الله عز وجل العرش بهذه الميزة العظيمة وشرفه بها مع غيرها من الميزات لكي يتناسب مع ذلك الشرف العظيم ألا وهو استواء البارئ عز وجل عليه.
وعظم العرش وسعة خلقه قد دل عليهما القرآن والسنة، فالله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}، فالله سبحانه وصف العرش في هذه الآية وغيرها بكونه عظيماً في خلقه وسعته، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "أي هو مالك كل شيء وخالقه لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى"(1).
ومما يشهد لعظم العرش وسعة خلقه الأحاديث والآثار التي تتحدث عن كبر حجمه وسعته، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عرشه على سمواته وأرضه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يشبه العرش أنه كالقبة على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيهما وكالسقف عليهما.
وفي هذا بيان واضح على عظم العرش وكبر مساحته.
وفي حديث أخر يبين لنا مدى عظم العرش وكبر مساحته، فليس العرش أكبر من السموات والأرض فقط، بل هو من الكبر وسعة الحجم بحيث لا تعدل السموات والأرض على سعة حجمهما بجانبه شيئاً يذكر، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة".
وفي رواية "ما السموات السبع والأراضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة".
فالحديث كما أسلفنا دليل واضح على سعة العرش وعظم خلقه، وأما مقدار ذلك الحجم وتلك السعة فلا يعلمها إلا الله تعالى.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى"(2).--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير (2/ 404).
(2) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص 71، 73، 74). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص 70، 142). وابن جرير في التفسير (3/ 10). والطبراني في المعجم الكبير (12/ 39، برقم 12404). والدارقطني في الصفات (ص 30). والحاكم في المستدرك (2/ 283). والخطيب البغدادي في تاريخه (9/ 251 - 252) من أوجه. والهروي في الأربعين (ص 125).
كلهم من طريق سفيان الثوري عن عمار الذهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً.
قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وذكر هـ الذهبي في العلو (ص 61) وقال: (رواته ثقات). وقال الألباني: (هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وتابعه يوسف بن أبي إسحاق عن عمار الذهني) انظر مختصر العلو (ص 102). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 323): (رجاله رجال الصحيح).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 587)
والعرش يمتاز مع كبر حجمه وسعته، بكونه أثقل المخلوقات وزنته أثقل الأوزان، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجويرية: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته".
قال ابن تيمية: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان"(1).
رابعاً: العرش ليس داخلا فيما يقبض ويطوى.
لقد خص الله سبحانه وتعالى العرش بخصائص منها ما انفرد بها العرش عن غيره من المخلوقات، ومنها ما اشترك بها العرش مع بعض المخلوقات الأخرى، ولقد سبق الحديث عن بعض الخصائص التي انفرد بها العرش، وأود هاهنا أن أبين بعض ما اشترك به العرش مع غيره من المخلوقات من الخصائص.
فقد سبق أن علمنا أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض فهو بهذا ليس داخلا فيما خلق في الأيام الستة، ومعلوم أن الله سبحانه قد أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه يقبض يوم القيامة السموات والأرض ويطويها ويبدلها، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر 67]، وقال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم 48]، وقال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء 104]، وقال تعالى: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق 1 - 2]، وقال تعالى: {إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ} [الانفطار 1].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقبض الله الأرض--------------------------------------------
(1) الرسالة العرشية (ص 8).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 588)
يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض"(1).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطوي الله السموات والأرض ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون"(2).
فالآيات والأحاديث السابقة تدل على أن السموات والأرض وما فيهما تقبض وتطوى وتبدل.
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى كالجنة والنار والعرش(3).
فعلى هذا يكون العرش ليس داخلا فيما يقبض ويطوى ويبدل، والأدلة على بقاء العرش كثيرة في الكتاب والسنة، فالله سبحانه وتعالى يقول مخبرا عن بقاء عرشه يوم القيامة: {وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة 14 - 17].
وكذلك ما جاء في سورة الزمر من إخباره تعالى بقبضه للأرض وطيه للسموات بيمينه وذكر نفخ الصور وصعق من في السموات والأرض إلا ما شاء الله، ثم ذكر النفخة الثانية التي يقومون بها، وأن الأرض تشرق بنور ربها وأن الكتاب يوضع، ويجاء بالنبيين والشهداء، وأنه توفى كل نفس ما عملت، وذكر سوق الكفار إلى النار، وسوق المؤمنين إلى الجنة إلى أن قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر 74 - 75].
فالآيات فيها إخبار عن الموقف يوم القيامة وفيها شاهد على أن العرش باق حتى بعد انتهاء الحساب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما العرش فلم يكن داخلا فيما خلقه في الأيام الستة ولا يشقه ويفطره، بل الأحاديث المشهورة دلت على
ما دل عليه القرآن من--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، انظر فتح الباري (13/ 367).
ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، (8/ 126).
(2) صحيح مسلم كتاب صفة القيامة (8/ 126).
(3) الفتاوى (18/ 307).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 589)
بقاء العرش، فقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن سقفها عرش الرحمن قال صلى الله عليه وسلم: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن" "(1).
حملة العرش
إن كون عرش الرحمن له حملة يحملونه هو أمر ثابت في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر حملة العرش في موضعين من القرآن الكريم قال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}، وقال تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}.
فالآيتان تدلان على أن لعرش الله حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، قال شيخ الإسلام: "إن قوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ}، وقوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}، يوجب أن لله عرشا يحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية، فإن الملك هو مجموع الخلق فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه يحملون عرشه، وآخرون يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية"(2).
وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار الدالة على أن لعرش الرحمن حملة من الملائكة يحملونه، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام"(3).--------------------------------------------
(1) نقض التأسيس (1/ 155).
(2) نقض التأسيس (1/ 575).
(3) خرجه الإمام أحمد في المسند (1/ 207). وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (5/ 93، برقم 4723). وأخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (1/ 69). وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة الحاقة (5/ 424 - 425، برقم 3320). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص 448). وابن أبي عاصم في السنة (1/ 253). وابن خزيمة في كتاب التوحيد (1/ 234 - 235، ح 144). والآجري في الشريعة (3/ 1089 - 1090، ح 665). وابن منده في التوحيد (1/ 117). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 390). والذهبي في العلو (ص 49). ومدار الحديث من جميع طرقه على "عبد الله بن عميرة" وعبد الله فيه جهالة، ولذلك قال الألباني في تخريج السنة (1/ 254): "إسناده ضعيف، وعبد الله بن عميرة، قال الذهبي: فيه جهالة، وقال البخاري: لا نعلم له سماعاً من الأحنف بن قيس". انتهى كلامه. ولكن الجوزقاني صرح في الأباطيل (1/ 79) بصحة الحديث. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (3/ 192) حيث قال: "إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف، ولم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدماً على نفي غيره وعدم معرفته". انتهى كلامه. وكذلك مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه. انظر تهذيب السنن (7/ 92 - 93). "
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 590)
وكذلك ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ظهورهم العرش".
والقول بأن حملة العرش هم من الملائكة هو قول السلف الذين يثبتون العرش على أنه جسم عظيم خلقه الله فوق العالم وأن الله استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وهذا ما جاء به القرآن والسنة وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم.
وأما الذين أنكروا استواء الله على عرشه وقالوا: إن استوى بمعنى استولى، وأن المراد بالعرش الملك، فإنهم أنكروا أيضا كون حملة العرش هم من الملائكة، فقالوا: إن قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}، {وَيَحْمِلُ} بالجذب، {عَرْشَ رَبِّك} ملك ربك للأرض والسموات، {فَوْقَهُم} أي فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يوم القيامة، {ثَمَانِيَةٌ} أي السموات السبع والأرض(1)، وقيل المراد بالثمانية: السموات والكرسي(2).
فقد أولوا هذه الآية كما أولوا آيات الاستواء والآيات التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن تبارك وتعالى.
أما الصنف الآخر الذين زعموا أن العرش المذكور في الآيات المراد به الفلك التاسع، وهم الفلاسفة، فهم يقولون: إن المراد بالحملة الثمانية في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}، الثمانية أفلاك التي تحت الفلك المحيط أو ما يسمونه الفلك التاسع(3).
وقد تقدم الرد على كلا الفريقين أثناء الكلام على الأقوال في العرش.--------------------------------------------
(1) تفسير القاسمي (16/ 5915).
(2) الفصل (2/ 126).
(3) تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات (رسالة في النبوات) (87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 591)
فمما تقدم تقرر أن لعرش الله حملة من الملائكة يحملونه بقدرة الله، وقد أخبرنا الله تعالى أنهم يوم القيامة ثمانية، ولكن اختلف في هؤلاء الثمانية هل هم ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف أم صفوف وهل هم اليوم ثمانية أم أقل على عدة أقوال:
القول الأول:
إن المراد بالثمانية: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، و هذا القول مروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} قال: "ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله"(1).
وهو أيضاً مروي عن سعيد بن جبير(2)، والشعبي وعكرمة
والضحاك وابن جرير(3).
القول الثاني:
إن المراد بالثمانية: أنهم ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، وهذا القول مروي عن ابن عباس(4)، وقال به مقاتل(5)، والكلبي(6).
القول الثالث:
إن حملة العرش هم اليوم ويوم القيامة ثمانية من الملائكة.
ويستدل لهذا القول بحديث العباس بن عبد المطلب الذي جاء فيه: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش".
الحديث يدل على أن حملة العرش هم اليوم ثمانية.
وروي عن العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (29/ 58). وأورده الذهبي في العلو (ص 88).
وأورده ابن كثير في تفسيره (4/ 414). جميعهم من طريق الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس بمثله. وأورده السيوطي في الدر المنثور (6/ 261)، وفي الحبائك (ص 50)، عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس من طرق بمثله.
(2) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (ص 166) بسنده من طريق عبد الأعلى بن حماد عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مثله.
وأورده الذهبي في العلو (ص 88) عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مثله.
وأورده ابن كثير في تفسيره (4/ 214) من طريق ابن أبي حاتم بسنده عن جرير عن أشعث عن جعفر بن سعيد بن جبير بمثله مقطوعاً، وإسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات سوى جعفر بن أبي المغيرة فإنه صدوق يهم.
(3) تفسير ابن كثير (4/ 414).
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح 27).
(5) زاد المسير (8/ 351).
(6) فتح القدير (5/ 282).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 592)
ثَمَانِيَةٌ}، قال: "ثمانية أملاك في صورة أوعال بين أظلافهم وركبهم مسيرة ثلاث وستين أو خمس وستين سنة"(1).
وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينه مسيرة مائة عام"(2).
وعن الربيع بن أنس في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}، قال: "ثمانية من الملائكة"(3).
وعن شهر بن حوشب قال: "حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك"(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص 449)، ولفظه (ثمانية أملاك في صورة الأوعال) اه. وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (ص 109). وأخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 378) وقال: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.
جميعهم من طريق شريك بن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس موقوفاً.
وأورده السيوطي في الحبائك (ص 46) من طريق عبد بن حميد وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن مردويه، والحاكم وصححه، وإسناده ضعيف لجهالة عبد الله بن عميرة.
(2) ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم (4/ 414).
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح 31).
وأورده السيوطي في الدر المنثور (6/ 261) من طريق عبد بن حميد عن الربيع بن أنس مثله. إسناده منقطع وفيه ضعف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح 24). وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (ق 284/ ب). والطبري في تفسيره (19/ 7).
كلاهما من طريق جعفر بن سليمان عن هارون بن رباب عن شهر بن حوشب من قوله.
وعند عبد الرزاق زيادة في آخره (كلهم ينظرون إلى أعمال بني قدرتك) بدل قوله (كانوا يرون أنهم يرون ذنوب بني آدم).
أما في تفسير ابن جرير فوقف على قوله (على عفوك بعد قدرتك) وقد روى الحديث من وجه آخر عن هارون بن رباب.
وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (ق 85/ ب) بسنده عن رواد بن الجراح عن الأوزاعي عن هارون بن رباب نحوه.
والبيهقي في شعب الإيمان (1/ 1/ 91/ ب، نسخة الشيخ حماد الأنصاري) بسنده عن العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رباب بنحوه.
وأورده السيوطي في الدر المنثور (5/ 346)، والحبائك (ص 47)، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان.
وجاء عندهم جميعاً زيادة (يتجاوبون بصوت حزين رخيم).
وروي أيضاً من وجه آخر عن حسان بن عطية.
أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/ 74) عن أحمد بن إسحاق، ثنا عبد الله، ثنا عباس بن الوليد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية بنحوه.
وأورده الذهبي في العلو (ص 58) قال: الوليد بن مزيد العذري، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، ثم ذكر نحوه، وقال: (إسناده قوي).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 593)
القول الرابع:
إن حملة العرش اليوم أربعة من الملائكة ويوم القيامة ثمانية.
وهذا القول رجحه ابن كثير(1)، وابن الجوزي(2) وقال هو قول الجمهور(3).
ويستدل لهذا القول بعدة أدلة منها ما رواه الطبري بسنده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية"(4).
وروى الطبري أيضاً بسنده عن ابن إسحاق قال: بلغنا أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال: "هم اليوم أربعة" يعني حملة العرش "وإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية"(5).
واستدلوا أيضاً بما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره فقال:
رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق"(6).
واستدلوا أيضاً بما جاء في حديث الصور المشهور فقد جاء فيه: "ويحمل عرش--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير (4/ 71).
(2) زاد المسير (7/ 208).
(3) زاد المسير (8/ 350).
(4) رواه الطبري من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خبر مقطوع (29/ 59)، وإسناده ضعيف.
(5) انظر تفسير الطبري (29/ 59).
(6) أخرجه أحمد في مسنده (1/ 256). والدارمي في سننه كتاب الاستئذان (2/ 296).
والبيهقي في الأسماء والصفات (2/ 206 - 207، رقم 771).
وأورده ابن كثير في النهاية (1/ 12)، وقال: (حديث صحيح الإسناد، ورجاله ثقات وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 594)
ربك فوقهم يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم"(1).
ولعل هذا القول هو الأقرب إلى الصواب، ولكن ليس هناك نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (24/ 30).
وأورده ابن كثير في النهاية (1/ 172 - 176)، وعزاه للحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، وقال: (رواه جماعة من الأئمة في كتبهم كابن جرير في تفسيره، والطبراني في المطولات وغيرها، والحافظ البيهقي في كتاب البعث والنشور، والحافظ أبي موسى المديني في المطولات أيضاً من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نكارة واختلاف).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 595)
وذكر حديث أبي رَزِين العقيلي؛ قلت: يا رسول الله، أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: «في عَمَاء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء»(1).
قال محمدٌ(2): العَماء: السحاب الكثيف المُطبق؛ فيما ذكره الخليل»، وذكر آثارًا أُخَر،
اختلف في لفظة "عما" من حيث الشكل ومن حيث المعنى المراد بها.
القول الأول: فالأصمعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، والأزهري وغيرهم يرون أن لفظة "عما" هي من حيث الشكل بالمد، وليست بالقصر، وأن معناها المراد في الحديث السحاب الأبيض، لأنه هذا هو معنى الكلمة في كلام العرب المنقول عنهم. ومما يشهد لذلك قول الحارث بن حلزة اليشكري:
وكأن المنون تردى بنا … أعصم ينجاب عنه العما
ومعنى البيت: أن الشاعر يقول هو في ارتفاعه، قد بلغ السحاب ينشق عنه،--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة هود (5/ 288، رقم 3109). والإمام أحمد في مسنده (4/ 11 - 12). وابن أبي شيبة في العرش (ح 7). وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (1/ 64). وابن أبي عاصم في السنة (1/ 271). وابن جرير الطبري في تفسيره (12/ 4) وفي تاريخه (1/ 19). والحكيم الترمذي في الرد على المعطلة (ق 106/ أ). وأبو الشيخ في كتاب العظمة (1/ 363 - 364، ح 83) ابن بطة في الإبانة (تتمة الرد على الجهمية، 3/ 168، ح 125). وابن أبي زمنين في أصول السنة (ص 89، ح 31). والبيهقي في الأسماء والصفات (2/ 235 - 236، ح 801 و 2/ 303، ح 864). قال الترمذي: حديث حسن. وقال الذهبي في العلو (ص 19) إسناده حسن. وقال في كتاب العرش 2/ 27 "وهذا حديث حسن رواه الترمذي وغيره. "
وقال الألباني «تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم» (1/ 272): "في تصحيحه نظر، فإن مداره على وكيع بن عدس ويقال حدس، وهو مجهول، لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء، ولا وثقه غير ابن حبان".
(2) هو ابن أبي زَمَنِين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 596)
ويقول نحن في عزنا مثل الأعصم، فالمنون إذا أرادتنا فكأنما تريد أعصم (أي الجبل الشاهق).
قال أبو عبيد: «قوله: «في عماء» في كلام العرب: السحاب الأبيض … وإنَّما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، ولا ندري كيف كان ذلك العماء وما مبلغه، والله أعلم»(1).
وقال الأزهري بعد أن رَجَّح قول أبي عبيد: «والقول عندي ما قاله أبو عبيد: أنَّه العماء-ممدود-وهو السحاب. ولا يُدرى كيف ذلك العماء بصفة تَحصره ولا نعت يَحُدُّه. ويُقَوِّي هذا القول قول الله جل وعز: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210]، فالغمام معروف في كلام العرب، إلا أنَّا لا ندري كيف الغمام الذي يأتي الله جل وعز يوم القيامة في ظُلل منه! فنحن نُؤمن به، ولا نُكَيِّف صفته. وكذلك سائر صفات الله جل وعزَّ»(2).
وقد نقل ابن عبد البر عن بعض أن الهاء في قوله: «فوقه» و «تحته» راجعة إلى العماء(3).
وهذا القول ليس فيه دليل، على قول الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، وأن مادة السموات والأرض ليست على قول الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، وأن مادة السموات والأرض ليست مبتدعة، وذلك أن الله سبحانه أخبرنا في كتابه بابتداء الخلق الذي يعيده، وأخبر بخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في غير موضع، وجاءت بذلك الأحاديث الكثيرة، وأخبر أيضاً أنه يغير هذه المخلوقات.
القول الثاني: ويرى يزيد بن هارون، وأقره على ذلك الترمذي أن لفظة "عما" هي من حيث الشكل بالمد، ولكن معناها في هذه الحديث هو: "أي ليس مع الله شيء" وعلى هذا يكون معنى الحديث أن الله كان ولم يكن شيء معه، ويشهد لهذا المعنى ما جاء في حديث عمران بن حصين من قوله صلى الله عليه وسلم: "كان الله ولم يكن شيء معه".
القول الثالث: وهناك رأي ثالث في المسألة، يخالف القولين الأولين من حيث الشكل والمعنى: فمن حيث اللفظ يرى أنه بالقصر، وليس بالمد.
وعلى هذا يكون المعنى: أنه كان حيث لا تدركه عقول بني آدم، ولا يبلغ كنهه وصف، وذلك لأن كل أمر لا يدركه القلوب بالعقول فهو عمى(4).--------------------------------------------
(1) «غريب الحديث» (2/ 8، 9).
(2) «تهذيب اللغة» (3/ 156، 157)
(3) انظر: «التمهيد» (7/ 138).
(4) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (2/ 8 - 9)، تهذيب اللغة (3/ 246)، نقص تأسيس الجهمية (1/ 591).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 597)
ثم قال: «باب الإيمان بالكرسي.
قال محمد بن عبد الله(1): ومِن قول أهل السُّنَّة: أنَّ الكرسي بين يدي العرش، وأنه مَوضع القدمين.
ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة، وفيه «فإذا كان يوم الجمعة هبط من عِلِّيين على كرسيه، ثم يَحف بالكرسي منابر من ذهب مُكَلَّلة بالجواهر(2)، ثم يَجيء النبيون فيجلسون عليها»(3).
وذكر ما ذكره يحيى بن سلام صاحب التفسير المَشهور(4): حدثني المعلى بن هلال، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «إنَّ الكرسي الذي وَسِع السماوات والأرض لموضع القدمين، ولا يَعلم قَدْرَ العرش إلا الَّذي خَلَقَه»(5).
وذكر حديث أسد بن موسى، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن عاصم(6)، عن زِرٍّ(7)،
--------------------------------------------
(1) هو ابن أبي زَمَنِين.
(2) محاطة ومحفوفة بها.
(3) رواه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص 96)، والشافعي في «الأم» (1/ 185)، وفي «مسنده» (ص 70، 71)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/ 150، 151)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب «العرش» (ص 95)، وقد ذكر ابن تيمية روايات هذا الحديث وبعض طرقه، ثم قال: «فإذا كان الحديث قد روي من تلك الطريق-أي: من رواية ابن بطة، وهي من ضمن الطرق التي ذكرها-الجيدة، اندفع الحمل عليه». انظر: «مجموع الفتاوى» (6/ 411 - 416)، وقد صححه ابن القيم في «حادي الأرواح» (ص 313)، وقال: «هذا حديثٌ كبير عظيم الشأن؛ رواه أئمة السُّنَّة وتلقوه بالقبول، وجَمَّل به الشافعيُّ مسندَه».
(4) كتاب «تفسير يحيى بن سلام»، لم يطبع حتى الآن. وقد اختصره ابن أبي زمنين، باسم «مختصر تفسير يحيى بن سلام».
(5) رواه ابن أبي شيبة في «العرش» (ص 79)، والدارمي في «النقض على المريسي» (1/ 399، 400)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (1/ 301)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (2/ 196)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص 76)، وقال: «رواته ثقات»، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص 45): «صحيح موقوف».
(6) هو عاصم ابن بهدلة بن أبي النجود، أبو بكر الأسدي، مولاهم الكوفي، من القُرَّاء السبعة. توفي سنة سبع وعشرين ومائة. انظر: «وفيات الأعيان» (3/ 9)، و «معرفة القراء الكبار» (1/ 88).
(7) هو زر بن حبيش بن حباشة بن أوس، الكوفي، أبو مريم الأسدي، أدرك أيام الجاهلية، وحدث عن جمع من كبار الصحابة. كان من القراء، وقرأ على ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما. توفي سنة إحدى وثمانين، وقد تجاوز عمره المائة. انظر: «الطبقات الكبرى» (6/ 104)، و «حلية الأولياء» (4/ 181)، و «سير أعلام النبلاء» (4/ 166).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 598)
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه»(1).
تعددت الأقوال واختلفت في الكرسي كما تعددت واختلفت من قبل في العرش. والأقوال في الكرسي هي:
القول الأول: أن المراد بالكرسي: العلم.
وهذا القول هو قول الجهمية(2)، فقد أولوا الكرسي بمعنى العلم كما أولوا العرش بمعنى الملك، وكل ذلك فراراً منهم عن إثبات علو الله واستوائه على عرشه.
وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، قال: "كرسيه علمه"(3).
وهذا القول قد رجحه الطبري بقوله: "وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن،--------------------------------------------
(1) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (1/ 243)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (ص 46)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (2/ 145)، والطبراني في «الكبير» (9/ 228)، وذكره الهيثمي في «المجمع» (1/ 86)، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح».
(2) انظر التنبيه والرد (ص 104)، والكشاف (1/ 385 - 386)، ومجموع الفتاوى (5/ 60)، والرد على بشر المريسي (ص 71)، وتفسير روح المعاني (3/ 10).
(3) أخرجه الطبري في تفسيره (3/ 9). وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (2/ 167). وابن منده في الرد على الجهمية (ص 45).
وأورده ابن كثير في تفسيره (1/ 309)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وجميعهم من طريق مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، وهو حديث غير صحيح.
وقال الدارمي: (هو من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذا قد خالفه الرواة المتقنون).
وقال ابن منده: (لم يتابع عليه جعفر وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 599)
فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد ابن جبير عنه أنه قال: هو علمه"(1).
القول الثاني: أن المراد بالكرسي هو العرش نفسه.
وهذا القول مروي عن الحسن البصري، فقد روى ابن جرير بسنده عن جويبر عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: "الكرسي هو العرش"، وقد مال ابن جرير إلى هذا القول(2)، واعتمد في ذلك على حديث عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أدع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال بأصابعه فجمعها: وإن له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله"(3).--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (3/ 11).
(2) في كلام ابن جرير في هذه المسألة تناقض، فقد ذكر أولاً أن هذا القول هو أولى بتأويل الآية، ثم نقض كلامه فقال: (أما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه)، وقد تكلم محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري على هذا التناقض وبين عدم أرجحية كلا القولين. انظر تفسير الطبري (5/ 401) طبعة دار المعارف المصرية.
(3) أخرجه الدارمي في الرد على المريسي (ص 74)، مرسلا. وابن أبي عاصم في السنة (1/ 251 - 252، برقم 574). وعبد الله بن أحمد في السنة (1/ 301، ح 585) موقوفا من قول عمر. وابن جرير في تفسيره (3/ 11) من طريق عبد الله بن أبي الزناد، قال: ثنا يحي بن أبي بكير، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة الهمداني، عن عمر. وقد أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (1/ 244، 245 برقم 150) وقال: "وقد روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة أظنه عن عمر "-وذكره. وقال: حدثنا، يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال حدثنا يحي بن أبي بكير، قال: ثنا إسرائيل، قال أبو بكر: ما أدري، الشك والظن أنه عن عمر، هو من يحي بن أبي بكير، أم من إسرائيل. قد رواه وكيع بن الجراح مرسلاً ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن، وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات" اه. والبزار في مسنده (1/ 457، برقم 325). وأخرجه الدارقطني في الصفات (ص 48) موقوفا. وابن بطة في الإبانة (كتاب الرد على الجهمية) (3/ 178 - 180). والخطيب في تاريخه (8/ 52) مرسلا. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 5) وقال بعد سياقه للحديث: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده مضطرب جدًا، وعبد الله بن خليفة ليس من الصحابة، فتارة يرويه ابن خليفة عن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة يقفه على عمر، وتارة يوقف على ابن خليفة" اه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 84) وقال: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح". وأورده ابن كثير في تفسيره (1/ 310) وعزاه للبزار في مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير في تفسيرهما، والطبراني، وابن أبي عاصم في كتاب السنة لهما، والحافظ الضياء في كتاب المختارة. وقال ابن كثير: "من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عن عمر موقوفاً، ومنهم من يرويه عن عمر مرسلاً، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها" اه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "مختاره". وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي، وابن الجوزي، وغيرهم. لكن أكثر أهل السنة قبلوه. وفيه قال "إن عرشه" أو "كرسيه" "وسع السموات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع" أو "فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع" "وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه". ولفظ (الأطيط) قد جاء في حديث جبير بن مطعم. الذي رواه أبو داود في السنن. وابن عساكر عمل فيه جزءاً، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق. والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد، وأبي داود، وغيرهما، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى. ولفظ "الأطيط" قد جاء في غيره. وحديث ابن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصراً، وذكر أنه حدث به وكيع. لكن كثيراً ممن رواه رووه بقوله: "إنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع"، فجعل العرش يفضل منه أربعة أصابع. واعتقد القاضي، وابن الزاغوني، ونحوهما، صحة هذا اللفظ، فأمروه وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه الاستواء. وذكر عن ابن العايذ أنه قال: "هو موضع جلوس محمد صلى الله عليه وسلم". والحديث قد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره، ولفظه "وإنه ليجلس عليه، فما يفضل منه قدر أربع أصابع" بالنفي. فلو لم يكن في الحديث إلا اختلاف الروايتين -هذه تنفي ما أثبتت هذه-. ولا يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الإثبات، وأنه يفضل من العرش أربع أصابع لا يستوي عليها الرب. وهذا معنى غريب ليس له قط شاهد في شيء من الروايات. بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر. وهذا باطل، مخالف للكتاب والسنة، وللعقل. ويقتضي أيضاً أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه. فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو أعظم من الرب. وهذا معنى فاسد، مخالف لما علم من الكتاب والسنة والعقل. فإن طريقة القرآن في ذلك أن يبين عظمة الرب، فإنه أعظم من كل ما يعلم عظمته. فيذكر عظمة المخلوقات ويبين أن الرب أعظم منها. كما في الحديث الآخر الذي في سنن أبي داود، والترمذي، وغيرهما (حديث الأطيط) لما قال الأعرابي: "إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله تعالى، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: "ويحك! أتدري ما تقول؟ أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك. إن عرشه على سمواته هكذا" -وقال بيده مثل القبة- "وإنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه". فبين عظمة العرش، وأنه فوق السموات مثل القبة. ثم بين تصاغره لعظمة الله، وأنه يأط به أطيط الرحل الجديد براكبه، فهذا فيه تعظيم العرش، وفيه أن الرب أعظم من ذلك كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتعجبون من غيرة سعد! لأنا أغير منه، والله أغير مني". وقال: "لا أحد أغير من الله. من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن". ومثل هذا كثير. وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش، وأنه مع هذه العظمة فالرب مستوٍ عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع. وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان، كما يقدر في الميزان قدره فيقال: (ما في السماء قدر كف سحاباً). فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع، وأصغر ما عندهم الكف. فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به، فقالوا: (ما في السماء قدر كف سحاباً)، كما يقولون في النفي العام {إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَةٍ} و {لَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير}، ونحو ذلك. فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يفضل من العرش شيء ولا هذا القدر اليسير الذي هو أيسر ما يقدر به وهو أربعة أصابع. وهذا معنى صحيح موافق للغة العرب، وموافق لما دل عليه الكتاب والسنة، موافق لطريقة بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، له شواهد. فهو الذي يجزم بأنه في الحديث. ومن قال: (ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع) فما فهموا هذا المعنى، فظنوا أنه استثنى، فاستثنوا، فغلطوا. وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام. وإلا فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية، وتلك الأصابع أصابع من الناس، والمفهوم من هذا أصابع الإنسان. فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه؟ والعرش صغير في عظمة الله تعالى. وقد جاء حديث رواه ابن أبي حاتم في قوله {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} لمعناه شواهد تدل على هذا فينبغي أن نعتبر الحديث، فنطابق بين الكتاب والسنة. فهذا هذا والله أعلم. قال حدثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ}، قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله أبداً". وهذا له شواهد، مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}، قال ابن عباس: "ما السموات السبع والأراضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". ومعلوم أن العرش لا يبلغ هذا، فإن له حملة وله حول. قال تعالى {اَلذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} ". اه. مجموع الفتاوى (16/ 434 - 439). وانظر المسألة كذلك في منهاج السنة (2/ 628 - 631). "
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 600)
القول الثالث: أن المراد بالكرسي قدرته التي يمسك بها السموات والأرض(1).
ويقول هؤلاء: إن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي اجعل له ما يعمده ويمسكه(2).
القول الرابع: أن الكرسي هو الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت(3).
وقد قال بهذا القول بعض المتكلمين في علم الهيئة من الفلاسفة المنسوبين للمسلمين كابن سينا وغيره وهؤلاء هم الذين قالوا إن العرش هو الفلك التاسع.--------------------------------------------
(1) انظر تفسير القرطبي (3/ 276)، تهذيب اللغة (10/ 53)، أقاويل الثقات في تأويل آيات الأسماء والصفات (ص 116)، لسان العرب (6/ 194).
(2) تفسير القرطبي (3/ 276)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان (3/ 18)
(3) كتاب الكليات (4/ 122)، البداية والنهاية (1/ 14)، تفسير ابن كثير (1/ 310).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 602)
القول الخامس: إن الكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ عز وجل(1).
وهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن والسنة والإجماع ولغة العرب التي نزل القرآن بها.
فالأحاديث والآثار الثابتة على هذا وبينته بياناً واضحاً لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار:
حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فجلست إليه، فقلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أفضل؟ قال: "آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة"(2).
وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم 109) بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث: "وجملة القول إن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه قائم بنفسه وليس شيئاً معنوياً وفيه رد على من تأوله بمعنى الملك وسعة السلطان".
وأيضاً ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، قال: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد"(3).
وهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين منهم ابن مسعود(4)، وأبو موسى الأشعري(5)،--------------------------------------------
(1) الفتاوى (5/ 54)، تفسير ابن كثير (1/ 309)، أقاويل الثقات (116)، الأسماء والصفات (510)، شرح العقيدة الطحاوية (ص 313).
(2) تقدم تخريجه ص 246.
(3) تقدم تخريجه.
(4) تقدم تخريج الأثر الوارد عنه.
(5) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (60). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص 70، 143) عن أبيه. وابن جرير في تفسيره (3/ 9) عن علي بن مسلم الطوسي. وابن منده في الرد على الجهمية (ص 46) عن علي بن مسلم. والبيهقي في الأسماء والصفات (ص 509 - 510) عن هارون بن عبد الله.
كلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. وأورده الذهبي في العلو (ص 84).
وقال الألباني في مختصر العلو (ص 123 - 124): (رجاله كلهم ثقات معروفون).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 603)
ومجاهد(1)، وغيرهم.
ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف"(2).
وقال شارح العقيدة الطحاوية: "وإنما هو-الكرسي-كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه"(3).
وقال محمد بن عبد الله بن زمنين: "ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين"(4).
وقال القرطبي: "والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"(5).
كما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى الكرسي غير هذا المعنى، قال الزجاج: "والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض"(6).
وقال ثعلب: "الكرسي ما تعرفه العرب من كراسي الملوك"(7).
ومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول وموافقته للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومطابقته لما جاء في لغة العرب، وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها.
وأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس، فهو غير صحيح كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: "الكرسي موضع القدمين .... "، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (45). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص 74). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص 71). والبيهقي في الأسماء والصفات (ص 511).
وأورده الذهبي في العلو (ص 94).
وأورده ابن حجر في فتح الباري (13/ 411) وقال: (أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره بسند صحيح عنه.
(2) الفتاوى (6/ 584).
(3) شرح العقيدة الطحاوية (ص 313).
(4) أصول السنة (ص 96).
(5) تفسير القرطبي (3/ 276).
(6) تهذيب اللغة (10/ 53).
(7) تهذيب اللغة (10/ 53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 604)
وأما القول الثاني: إن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن البصري، لأن في إسناده جوبيراً وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: "ضعيف جداً".
وقال ابن كثير: "رواه ابن جرير من طريق جوبير، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره"(1).
وقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: "هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"(2).
ومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله بن خليفة ضعيف كما تقدم.
أما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو أيضاً تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي.
وأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول كما ذكره ابن كثير وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية (1/ 13).
(2) الأسماء والصفات: ص 493.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 605)