فهذا الإمام محمد بن الحَسَن الذي أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء قد حكى الإجماع على أن الفقهاءَ كلَّهم اتفقوا على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الربِّ عز وجل؛ من غير تفسير … »، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا».
وقوله: «من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه» أي: من غير تفسير الجهمية ومن غير تأويل المعطلة؛ الذين يقولون: {استوى} بمعنى: استولى، و {خلقت بيدي}، أي: بقدرتي .. ونحو ذلك.
وقد بَيَّن الإمام محمد بن الحسن هنا: أن السلف قد أثبتوا هذه الصفات من خلال أدلة الكتاب والسنة من غير أن يتعرضوا لها بشيء من تفسيرات الجهمية التي تصف الله تعالى بالأمور السلبية غالبًا أو دائمًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)
(106) وروى البيهقيُّ وغيرُه بأسانيد صحيحة عن أبي عُبيد؛ القاسم بن سلام(1) قال: «هذه الأحاديث التي يقول فيها: «ضحك ربُّنا مِنْ قُنُوط عِباده وقُرْب غِيَره(2)»(3)، «وإنَّ جهنمَ لا تَمتلئ حتى يضع ربُّك قَدَمَه فيها»(4)، «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين»(5)، وهذه الأحاديث في (الرؤية) هي عندنا حقٌّ حَمَلَها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنَّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لا نُفَسِّرُها، وما أدركنا أحدًا يُفَسِّرها». اهـ(6).
«أبو عبيد» أحدُ الأئمة الأربعة الذين هم: الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عُبيد. وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يُوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدًا من العلماء يُفَسِّرها. أي: تفسير الجهمية.
قوله «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: {اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا--------------------------------------------
(1) أبو عبيد القاسم بن سلاّم -بالتشديد-، الإمام المشهور، ثقة، فاضل، مصنف، علامة، مات (224). تاريخ بغداد (12/ 403 - 416)، تقريب التهذيب (278).
(2) أي: وقرب تغيُّر حالهم من الجدب والقحط إلى حدوث الخصب بنزول المطر.
(3) رواه ابن ماجه (181)، وابن أبي عاصم في «السنة» (1/ 244) برقم (544)، والطبراني في «الكبير» (19/ 207، 208) من حديث أبي رزين رضي الله عنه، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (31)، ثم صححه في «الصحيحة» (2810).
(4) رواه البخاري (4850)، ومسلم (2847) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) رواه ابن أبي شيبة في «العرش» (ص 79)، والدارمي في «النقض على المريسي» (1/ 399، 400)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (1/ 301)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (2/ 196)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص 76)، وقال: «رواته ثقات»، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص 45): «صحيح موقوف».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 546)
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة 255].
وهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: "ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهاً على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب"(1).--------------------------------------------
(1) انظر مختصر الصواعق (1/ 288).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 547)
(107) وروى اللالكائي والبيهقي عن عبد الله بن المبارك أن رجلًا(1) قال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أَكره الصفة-عنى صفة الرب-فقال له عبد الله بن المبارك: «أنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثارُ بشيء جَسَرْنا عليه»(2)، ونحو هذا.
أراد ابن المبارك: أنَّا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار.
هذا منهج أهل السنة والجماعة الذي يقوم على الاتباع والاقتداء وينهى عن الابتداع والابتداء كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدئ"(3).
ويشهد لهذا أيضاً ما وذكره ابن كثير عن وهب بن منبه فقال: (وذكر أن الجعد بن درهم كان يتردد إلى وهب بن منبه 2، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهباً عن صفات الله عز وجل؛ فقال له وهب يوماً: ويلك يا جعد أقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً ما قلنا ذلك، وأن له عيناً ما قلنا ذلك، وأن له نفساً ما قلنا ذلك وأن له سمعاً ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك(4) ".--------------------------------------------
(1) الرجل هو: أفلح بن محمد، كما هو مصرح به عند اللالكائي والبيهقي والذهبي في «العلو».
(2) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (2/ 431)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (2/ 63)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص 110، 111).
(3) انظر: اللالكائي في شرح الاعتقاد 1/ 68.
(4) البداية 9/ 350
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 548)
(108) «وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيدَ صِحَاحٍ عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: أنَّه ههنا في الأرض»(1)، وهكذا قال الإمام أحمد وغيره»(2).
قد ذكر الإمام ابن القيم-رحمه الله-أنَّ هذا الأثر ثابت عن ابن المبارك فقال: «روى الدارمي والحاكم والبيهقي وغيرهم بأصحِّ إسناد إلى عليِّ بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نَعرف رَبَّنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه. ولا نقول كما قالت الجهمية، وفي لفظ آخر قلتُ: كيف نَعرف ربَّنا؟ قال: في السَّماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما قالت الجهمية»(3).
قوله: «بائن من خلقه» لفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود -هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثوراً حصلت به الألفة، وما كان معروفاً حصلت به المعرفة"(4).--------------------------------------------
(1) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (1/ 111، 175، 307)، والدارمي في «النقض على المريسي» (ص 23، 24)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (2/ 169)، والذهبي في «العلو» (ص 110).
(2) انظر: «الرد على الجهمية» لأحمد بن حنبل (ص 135)، و «إثبات صفة العلو» لابن قدامة (ص 167)، و «العلو» للذهبي (ص 130)، و «اجتماع الجيوش الإسلامية» (2/ 134).
(3) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (2/ 134، 135).
(4) درء تعارض العقل والنقل (1/ 271).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 549)
وقال أيضاً: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل.
ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه.
ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلاً بباطل"(1).
فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:
القسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص.
القسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها.
القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل.
القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل.
فلفظ (بائن) هي من القسم الثاني.
ومثل هذه الألفاظ كما إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات.
والمصنف رحمه الله يسرد هذه الآثار؛ ليبين أن مذهب متأخري الأشاعرة الذين نفوا صفة العلو هو مذهب متقدمي الجهمية الذي أنكره علماء السلف، وأن ما ذكره الأئمة المتقدمون منهم من اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب الجهمية هي نفسها التي تلزم على مذهب متأخري الأشاعرة في نفي صفات الله تعالى؛ علمًا بأن الأشاعرة يَزعمون أنهم ضد الجهمية والمعتزلة، وينكرون عليهم أشد النكير، وقد وقعوا في شيء مما وقعوا فيه.--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/ 254).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 550)
(109) وروى بإسناد صحيحٍ عن سليمان بن حرب-الإمام-: سمعت حَمَّاد بن زيد-وذكر هؤلاء الجهمية-فقال: «إنَّما يُحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء»(1).
حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق، ثقة ثبت فقيه، مات سنة (179 هـ).(2)
قال الذهبي بعد ما ذكر قول حماد: "هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتاً عن سيد أهل البصرة وعالمهم"(3)
وهنا بين يبين حماد بن زيد رحمه الله أن لازم مذهب الجهمية ومنتهى قولهم: أنه ليس في السماء شيء، أي: ليس ثَّم إله.
يقول ابن القيم رحمه الله: «قال شيخ الإسلام: وهذا الذي كانت الجهمية يُحاولونه قد صَرَّح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السُّنَّة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يَحول بينهم وبين التصريح به، فلما بَعُد العهدُ وخَفيت السُّنَّةُ وانْقَرَضت الأئمة صَرَّحت الجهمية النُّفاة بما كان سلفهم يحاولونه ولا يتمكنون من إظهاره»(4).--------------------------------------------
(1) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (1/ 117، 118)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص 31). وأخرجه الذهبي في العلو (ص 98) وقال: "هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتاً عن سيد أهل البصرة وعالمهم". وكذلك أخرجه في كتاب العرش 2/ 218 وفي السير (6/ 24).
(2) التقريب (ص 268 (.
(3) العلو (ص 98).
(4) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (2/ 136).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 551)
(110) وروى ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية»، عن سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ أحمد-أنَّه ذكر عنده الجهمية، فقال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش. وقالوا هم: ليس عليه شيء»(1).
لما ذُكِر عند سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، ومن شيوخ أحمد-قولُ الجهمية في نفي العلو عن الله ونفي الصفات عن الله-قال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى»؛ أي: قد اجتمع اليهود والنصارى مع المسلمين على أنَّ الله على العرش، وقالت الجهمية: ليس عليه شيء. لذلك كان قولهم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى.--------------------------------------------
(1) ذكر هذا الأثر الذهبي في «العلو» (ص 117) من رواية ابن أبي حاتم، وفي «الأربعين في صفات رب العالمين» (ص 82)، وذكره البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص 31). وأورده ابن تيمية في الفتاوى (5/ 52).
ودرء تعارض العقل والنقل (6/ 261). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 215)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأورده أيضاً في الصواعق كما في مختصر الصواعق (2/ 213 - 214).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 552)
(111) وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة-إمام الأئمة-: «مَنْ لم يقر: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه-وَجَبَ أن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة»، ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح(1).
قال الذهبي "توفي ابن خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة؛ ذكره أبو إسحاق فقال: حكى عنه أبو بكر النقاش، أنه قال: "ما قلدت أحداً منذ بلغت ست عشرة سنة". أخذ الفقه عن المزني، وقال فيه المزني: "هو أعلم بالحديث مني"(2).
قلت: ولا أعلم في وقته مثله في معرفته بالفقه والحديث، وربما في وقته أفقه منه من غير علم بالحديث، أو بالعكس، أما من جمع بينهما في زمانه مثله فلا أعلم، فرضي الله عنه وعن جميع أئمة المسلمين"(3).
والأثر رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» عن ابن خزيمة، وهذا يدل على شناعة هذا القول، فحكم الإمام ابن خزيمة على مَنْ لم يقل: «إنَّ الله فوق سماواته على عرشه بائن مِنْ خلقه» بأن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة؛ لأن أهل الذمة في الأصل لا ينكرون علو الله على عرشه فوق خلقه.--------------------------------------------
(1) رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص 74)، والصابوني في «عقيدة السلف» (ص 20، 21)، وابن قدامة في «العلو» (ص 185)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص 152)، من رواية الحاكم. وأورده ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (6/ 264) وقال: "وهذا معرف عنه، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور وأبو عثمان النيسابوري في رسالته المشهورة"، وفي نقض تأسيس الجهمية (2/ 528)، وفي الفتوى الحموية (ص 35) وصححه. وأورده ابن القيم في الصواعق. انظر مختصر الصواعق (2/ 212)، وعزاه للحاكم في علوم الحديث والتاريخ. وأورده الذهبي في العلو (ص 152). وفي كتاب العرش 2/ 355.
(2) انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص 105 - 106.
(3) العرش للذهبي 2/ 355 - 356.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 553)
وهذا الحكم بالردة ليس على التعيين، وكذلك لا يحكم بذلك آحاد الناس على الأشخاص المُعينين، وكذلك إقامة حد الردة-وغيره من الحدود-مما يختص بها ولي أمر المسلمين بعد رفع الأمر للقضاء والاستتابة وغير ذلك من الأمور المرعية؛ فينبغي مراعاة ذلك حتى لا تصير الأمور إلى الفوضى ويَحكم على الناس مَنْ لا علم عنده، ومن غير تحقق من شروط التكفير وانتفاء موانعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 554)
(112) وقد روى عبد الله بن أحمد، عن عَبَّاد بن العوام الواسطي-إمام أهل واسط، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد-قال: «كَلَّمت بِشْرًا المَرِيسي وأصحاب بِشْرٍ، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء»(1).
قول عَبَّاد بن العوام الواسطي (185 هـ) هذا يُبين أن لازم قول هؤلاء المعطلة-ومنهم بشر بن غياث المَرِيسي، وهو من أئمة الجهمية، وممن ينفي الصفات عن الله عز وجل الذي رَدَّ عليه الإمامُ الدَّارمي في كتابه القيم «نقض الإمام أبي سعيد؛ عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله-عز وجل-من التوحيد».
يذكر عَبَّاد بن العوام الواسطي: أنه ناظر بِشْرًا المَرِيسي وأصحابَه؛ فرأى آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء.--------------------------------------------
(1) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (1/ 126، 127)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص 112)، وزاد في آخره: «أرى ألَّا يناكحوا ولا يوارثوا».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 555)
(113) وعن عبد الرحمن بن مهدي-الإمام المشهور-أنَّه قال: «ليس في أصحاب الأهواء شرٌّ من أصحاب جَهْمٍ، يَدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى-والله-أن لا يُناكحوا، ولا يُورثوا»(1).
عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، مات سنة (198 هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة(2)؛ الذي قال فيه ابن المديني 2: لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني ما رأيت أعلم منه(3)
تقدم الحديث عن الجهمية وأصولهم ومعتقداتهم وأفكارهم بما يغني عن تكرار الكلام في ذلك فليرجع إليه.--------------------------------------------
(1) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (1/ 120، 121)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (1/ 320)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص 34، 35) بألفاظ أخرى متقاربة.
(2) التقريب (ص 601)
(3) العرش للذهبي 2/ 253
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 556)
(114) وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» عن عبد الرحمن بن مهدي قال: «أصحاب جَهْمٍ يُريدون أن يقولوا: إن الله لم يُكَلِّم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يُستتابوا؛ فإن تابوا وإلا قُتِلوا»(1).
وهذا-أيضًا-لبيان شناعة قول هؤلاء الجهمية ومَن دار في فلكهم؛ فإن الإمام عبد الرحمن بن مهدي-رحمه الله-كفَّر من قال بهذا؛ فالذي لا تجوز مناكحته ولا توارثه هم الكفار.
والسبب في شناعة هدا القول: كون أنَّ الله غيب، بل هو أعظم الغيب سبحانه وتعالى؛ فمقصود الجهمية: إنكار وإبطال حقيقة وجوده، فإذا تحقق لهم هذا لم يَبق لأيٍّ من الغيبيات الأخرى أي حقيقة أو وجود.
وسبب تسَلُّط الجهمية ومَن وافقهم على هذه الصفة: هو الأصل الفلسفي الذي تقوم عليه الفلسفة: أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد. وبالتالي لا يؤمنون بأي أمر غيبي، ويبقى حديثهم عن وجود الله أنَّه أمر مُتخيل في الذهن لا وجود له في الحقيقة. وخلاصة ما يقوله هؤلاء: إذا ذُكر عُلو الله أن يقولوا: لا داخل العالم--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص 17). وعبد الله بن أحمد في السنة (1/ 121، برقم 48) بلفظ مقارب. وابن بطة في الإبانة (تتمة الرد على الجهمية) (2/ 94 - 95، برقم 327) بنحوه، وأيضا (برقم 255). وأبو نعيم في الحلية (9/ 7 - 8). والبيهقي في الأسماء والصفات (1/ 546، 608).
وأورده ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (6/ 261 - 262) وصحح إسناده، وأورده أيضا في الفتوى الحموية (ص 84). وذكره الذهبي في «العلو» (ص 118)، وقال: «نقله غير واحد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن مهدي»، وفي كتاب العرش 2/ 253 - 254، وأورده في الأربعين في صفات رب العالمين (ص 41، برقم 11). وأورده في سير أعلام النبلاء (9/ 199 - 200). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (214 - 215) "
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 557)
ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، أو يقولوا: إنه في كل مكان؛ وحاصل القولين واحد، وهو إنكار وجوده حقيقة، ومن هذا المنطلق كان قولهم شر الأقوال، كما قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله وغيره من أئمة السلف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 558)
(115) وعن الأصمعي قال: «قدمت امرأة جهم فنزلت الدبَّاغين(1)، فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود! وقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة»(2).
مما ذكر في أخبار امرأة جهم ما جاء في بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولداً نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.
قال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيراً»(3).
وعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم -وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها-فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!!(4).
فقول امرأة جهم: محدود على محدود، إنكار منها لاستواء الله على عرشه، وتريد أن تثير شبهة أنه يلزم من إثبات الاستواء أن يكون الله محدودًا على العرش المحدود.
فقال الأصمعي: هي كافرة بهذه المقالة؛ التي لازمها إنكار صفة العلو.
وقولها: «محدود على محدود»: فالحد من الألفاظ المجملة التي لم تَرد في--------------------------------------------
(1) نِسبة إلى دباغة الجلود، ولعله مكان عُرف بهم.
(2) أورده ابن تيمية في الفتاوى (5/ 53). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 225) وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره الذهبي في «العلو» (ص 118)، وفي «الأربعين» (ص 81)، وقد أنكر الأصمعي على هذه المرأة بسبب نفيها للاستواء؛ فكأنها تقول: إن من قال: إن الله على العرش فقد وصفه بأنه محدود.
(3) ذم الكلام وأهله (5/ 120).
(4) الرد على الجهمية لابن بطة (3/ 189).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 559)
الكتاب ولا في السُّنَّة؛ لا بنفي ولا بإثبات؛ ولهذا رُوي عن بعض الأئمة إثبات ذلك، ورُوي عن بعضهم نفي ذلك؛ فروي عن الإمام أحمد إثبات الحد، وروي عنه نفي الحد، كذلك مِمَّنْ رُوي عنه إثبات الحَدِّ الدَّارميُّ وابنُ المبارك.
قال الإمام الذهبي(1) في: «مسألة الحد(2):
«الحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين، الذي يُمَيِّزُ بينهما؛ لئلا يَختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يَتَعَدَّى أحدهما على الآخر، وهو مأخوذ من حَدَّ الشيء عن غيره يَحُدُّهُ حَدًّا؛ إذا مَيَّزه»(3).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الحدُّ: ما يَتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره»(4).
سبق أن أسلفنا أن إطلاق السلف للحَدِّ ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، ولهم فيه استعمالان:
الاستعمال الأول: في حال الإثبات.
ومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الخلال بسنده، عن محمد بن إبراهيم القيسي، قال: «قلت لأحمد بن حنبل: يُحكى عن ابن المبارك-وقيل له: كيف نَعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بِحَدٍّ. فقال أحمد: هكذا هو عندنا»(5).--------------------------------------------
(1) كتاب «العرش» (1/ 251 - 260)
(2) الأقوال في هذه المسألة على النحو التالي:
القول الأول: قول مَنْ يقول: هو فوق العرش، ولا يُوصف بالتناهي ولا بعدمه؛ إذ لا يقبل واحدًا منهم، فعندهم أن الله فوق العرش، ولا يُوصف بأن له قدرًا. وهذا يقوله بعض أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف من الكلابية والكرامية والأشعرية ومَن وافقهم من أتباع الأئمة من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم.
القول الثاني: قول مَنْ يقول: هو غير مُتناه؛ إمَّا من جانب وإما من جميع الجوانب، وهذا يقوله-أيضًا-طوائف من أهل الكلام والفقهاء وغيرهم، وحكاه الأشعري في «المقالات» عن الطوائف.
القول الثالث: قول السلف والأئمة وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف الذين يقولون: له حد لا يَعلمه غيره. انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (6/ 300، 301).
(3) انظر: «الصحاح» للجوهري (2/ 462)، و «لسان العرب» (3/ 140).
(4) «نقض تأسيس الجهمية» (1/ 443).
(5) أخرجه القاضي أبو يعلى في «إبطال التأويلات» (ق 151/ ب)، وفي «الروايتين والوجهين» (ص 49)، وابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (1/ 267)، وأورده ابن تيمية في «نقض تأسيس الجهمية» (1/ 428).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 560)
وعن حرب بن إسماعيل قال: «قلت لإسحاق-يعني ابن راهويه-: هو على العرش بِحَدٍّ؟ قال: نعم، بحد». وذكر عن ابن المبارك قال: «هو على عرشه بائن من خلقه بِحَدٍّ»(1).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنَّ كثيرًا من أئمة السنة والحديث(2) أو أكثرهم يقولون: إنَّه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه بحد»(3).
الاستعمال الثاني: في حال النفي.
قال حنبل: «قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله {وَهُوَ مَعَكُمْ}، و {مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ}؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة»(4).
وفي رسالة الإصطخري قال الإمام أحمد: «والله عز وجل على عرشه ليس له حد، والله أعلم بحده»(5).
توضيح المسألة:
أما الاستعمال الأول: فهو استعماله في حال الإثبات.--------------------------------------------
(1) «نقض تأسيس الجهمية» (2/ 34).
(2) كعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن المبارك، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، والخلال، وحرب الكرماني، وإسحاق بن راهويه، وابن بطة، وأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، وأبي القاسم ابن منده، وقَوَّام السنة الأصبهاني، وإسماعيل بن الفضل التيمي، والقاضي أبي يعلى، وأبي الحسن بن الزاغوني، والحافظ أبي العلاء الهمداني، وغير هؤلاء.
انظر: «الرد على بشر المريسي» (ص 23، 24)، و «الرد على الجهمية» للدارمي (ص 5)، و «التمهيد» لابن عبد البر (7/ 142)، و «إثبات الحد لله تعالى» لمحمود بن أبي القاسم الدشتي (ق 3 - 6)، و «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (2/ 33، 34، 56 - 60)، و «نقض تأسيس الجهمية» (1/ 397، 426 - 433) و (2/ 160 - 180).
(3) «نقض تأسيس الجهمية» (1/ 397).
(4) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (3/ 402)، برقم (675)، وأورده ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص 116)، برقم (95)، وأورده الذهبي في «العلو» (ص 130)، وفي «الأربعين في صفات رب العالمين» (ص 65)، برقم (50)، وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/ 496)، وأورده ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص 200)، وعزاه للالكائي. وانظر في مسألة الحد: «نقض تأسيس الجهمية» (2/ 162).
(5) «طبقات الحنابلة» (1/ 29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 561)
فقد استعمل في مسألة إثبات علو الله على خلقه وتميزه وانفصاله عنهم وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم؛ فلما زعم الجهمية أن الخالق في كل مكان، وأنه غير مباين لخلقه ولا متميز عنهم، قال بعض أئمة السلف: إن الله سبحانه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وذكروا الحَدَّ؛ لأن الجهمية زعموا أنه ليس له حد. وما لا حَدَّ له لا يُباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه: إن الخالق لا يتميز عن الخلق؛ فيجحدون صفاته التي تَمَيَّز بها، ويجحدون قَدْرَهُ؛ حتى يقول المعتزلة إذا عرفوا أنه حي، عالم، قدير: قد عرفنا حقيقته وماهيته، ويقولون: إنه لا يُباين غيره. بل إما أن يصفوه بصفة المعدوم؛ فيقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا. أو يجعلوه حالاًّ في المخلوقات أو وجوده وجود المخلوقات.
فبين ابن المبارك أن الرب سبحانه وتعالى على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد»(1).
وبناءً على ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أثبت السلف الحد؛ لِما في إثبات هذا اللفظ من ردٍّ على الجهمية فيما زعموا، ولما في معنى (الحد) من إثبات مباينة الله لخلقه، وعلوه عليهم، واستوائه على عرشه.
وإن كان السلف يقولون: إنه حَدٌّ لا يعلمه إلا الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن نقل الآثار الواردة عن السلف في إثبات الحد: «فهذا وأمثاله مما نقل عن الأئمة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول؛ فبَيَّن أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم يَنفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا عِلْمَ الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف، والأئمة يَنفون علم الخلق بقدره وكيفيته»(2).
الاستعمال الثاني: استعماله في حال النفي.
وذلك في مسألة نفي الإحاطة بالله علمًا وإدراكًا، فلا منازعة بين أهل السنة بأن الله--------------------------------------------
(1) «نقض تأسيس الجهمية» (1/ 442، 443).
(2) «درء تعارض العقل والنقل» (2/ 35).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 562)
تعالى غير مدرك الإحاطة والخلق عاجزون عن الإحاطة به، فهم لا يستطيعون أن يحدوا الخالق جل وعلا، أو يُقَدِّرُوه، أو يبلغوا صفته؛ فمن نفى الحد على هذا المعنى فهو مُصيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المحفوظ عن السلف والأئمة: إثبات حد لله في نفسه، وقد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يَحُد أحدٌ الله»(1).
وقال أيضًا: «وقوله: بلا حد ولا صفة» نَفَى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه؛ ليبين أن عقول الخلق لا تُحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة «الرسالة»: «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يَصفه به خلقه»(2).
ولهذا قال أحمد: «لا تُدركه الأبصار بحد ولا غاية»؛ فنفى أن يُدرك له حد أو غاية»(3).
وهذا المحفوظ عن السلف والأئمة من إثبات حد لله في نفسه قد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه؛ ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يحد أحد الله، كما ذكره حنبل عنه في كتاب «السنة والمحنة». وقد رواه الخلال في «كتاب السنة»: أخبرني عبد الله بن حنبل، حدثني حنبل بن إسحاق، قال: قال عمي: «نحن نؤمن بالله عز وجل على عرشه كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يَبلغها واصف أو يحده أحد؛ فصفات الله عز وجل منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف، وهو كما وصف نفسه، وليس من الله شيء محدود، ولا يبلغ علمه وقدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وكان الله قبل أن يكون شيء، والله الأول، وهو الآخر، ولا يبلغ أحدٌ حَدَّ صفاته؛ فالتسليم لأمر الله والرضا بقضائه، نسأل الله التوفيق والسداد؛ إنه على كل شيء قدير.
وذلك أن لفظ (الحد) عند كل من تكلم به يراد به شيئان:
يُراد به: حقيقة الشيء في نفسه. ويراد به: الوجود العيني، أو الوجود الذهني؛--------------------------------------------
(1) «نقض تأسيس الجهمية» (2/ 162).
(2) «الرسالة» للشافعي (ص 8).
(3) «درء تعارض العقل والنقل» (2/ 33).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 563)
فأخبر أبو عبد الله أنه على العرش بلا حد يَحده أحد أو صفة يبلغها واصف، وأتبع ذلك بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} بحد ولا غاية، وهذا التفسير الصحيح للإدراك: أي: لا تحيط الأبصار بحده ولا غايته؛ ثم قال: {وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ}؛ وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب؛ ليتبين أنه عالم بنفسه وبكل شيء.
وقال الخلال: «وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى «أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا»، و «أن الله يضع قدمه»، وما أشبه هذه الأحاديث! فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها ولا كيف، ولا معنى، ولا نَرُدُّ منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صِحاح، ولا نَرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه ولا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء.
قال: وقال حنبل في موضع آخر قال: ليس كمثله شيء في ذاته، كما وصف به نفسه، فقد أجمل-تبارك وتعالى-بالصفة لنفسه؛ فحد لنفسه صفة، ليس يشبهه شيء؛ فيعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه؛ قال تعالى {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}.
قال: وقال حنبل في موضع آخر: قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا يتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا يتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخُلُوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلمًا، عالمًا غفورًا، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُرد، وهو على العرش بلا حد، كما قال: {ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش} كيف شاء، المشيئة إليه عز وجل، والاستطاعة له {لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيء}، وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه، سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قول إبراهيم لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ}؛ فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه، لا تعدى القرآن والحديث والخبر، يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن، ولا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد؛ تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة»(1).--------------------------------------------
(1) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (2/ 30 - 32).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 564)