بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
(تابع أديان الهند الكبرى)
الديانة البوذية
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
من أديان الهند الكبرى: الديانة البوذية والجينية
أولًا: البوذية:
ظهرت البوذية في الهند كرد فعل للهندوسي، ذلك أن نظام الطبقات أعطى لطبقة البراهمة العديدَ من الامتيازات، وجعل الطبقاتِ الأخرى في خدمة البراهمة وتَحْت إمرتهم، مما أدى إلى استبداد البراهمة وظلمهم وطغيانهم، فضج الهنود من هذا الواقع السيئ، وتمنى ظهور قائد يخلصهم مما هم في من عَنَت وعسف، ويبعد عنهم سيطرةَ طبقة البراهمة، وكان لهم ما تمنوا حيث ظهر فيهم زعيمٌ روحي هو بوذا، أعلن لهم قواعد دينية جديدة تعتبر في حقيقتها تطورًا في الهندوسية وتعليمها، يقصد به إنقاذ الهنود من ظلم البراهيمة، وإبعادهم عن أي جو ديني يضعهم في ثَنايا الخضوع والذل والهوان مرةً أخرى.
وحتى تبقى البوذية -وهي الدين الذي نادى به بوذا- راسخًا ثابتًا وضع بوذا والكهنةُ من أتباعه مجموعة من التعاليم؛ لتكون مصادر لدينهم تقدم لجيلهم وللأجيال من بعدهم الدين البوذي بما فيه من إصلاح وتجديد.
بوذا مؤسس ديانة البوذية:
وُلِدَ بوذا من أسرة كشتيرية غنية سنة خمسمائة وثلاث وستين قبل الميلاد في إحدى قُرى مقاطعةٍ تقع في الناحية الشرقية من الهند، وسماه أبواه سيذهاتا، وماتت أمه بعد مولده مباشرة، ونظرًا لثراء الوالد شب الطفل في النعيم وتزوج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
ابنة أحد الأمراء، وبرغم النعيم والجاه الذي وجده سيذهاتا، نجده أخذ يفكر في آلام الناس ومتاعبهم لا في طبقته فقط، بل في سائر الطبقات، وأخذ يعيش مع المرضى والعجزة والمعذبين والمضطهدين، حتى وقر في نفسه ضرورة معرفة الكون، والوقوف على أسرار الحياة، ولم يجد مفرًّا من فكرة الملاذ وترك المتع والشهوات، ووضع منهجًا لنفسه طبقه بحزم وصلابة، حيث ترك زوجته وولده وامتطى فرسه وانطلق بعيدًا عن الأهل والمال والقصور؛ ليعيش مرحلةً جديدةً، ولم يقف به الجواد إلا بعيدًا عن أراضي عشيرته، وهناك خلع الحلي والزخارف، ووضعهما على فرسه ووجهه نحو أهله ليعود إليهم بما حمل.
وواصل سيذهاتا سيره على قدمه حتى التقَى براهبين من البراهمة، فبقي معهما وتتلمذ على يديهما، وعزم على أن يقضي معهما بقية عمره؛ ليتحقق له ما يريده. لكنه بعد مرحلة من مشاركتهما في التقشف والزهد، لاحظ أن الزهد عندهما هو الغاية، بينما يتصوره هو وسيلة لمعرفة أسرار الكون، والوقوف على حقائقه، فقرر تركهما وسعَى بنفسه نحو الغاية التي ينشدها.
تأثر سيذهاتا بالتعاليم الهندوسية، وتأثر بميولها نحو العزلة والزهد، والانقطاع والتقشف، وبدأ وحدَهُ يعيش في دنيا الرهبنة، ولذلك سمي بـ"غتاما" أي: الراهب.
لجأ سيذهاتا -أو غوتاما- إلى العزلة والتقشف وأهمل الطعام والشراب، وقام بألوان من الرياضيات، وجهد النفس وقتل الشهوات كما يفعل كهنة البراهمة، إلا أنه بعد مدة رأى أن هذا المنهجَ لا يؤدي به إلى الغاية التي ينشدها، فهجره إلى الاكتفاء بالتفكير والتأمل فقط. وذات يومٍ كان "غوتاما" يمشي وإذا به يرى شجرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
وارفة الظلال فيجلس تحتها، ويشعر برغبة في المكث تحت الشجرة بعض الوقت، فيرى ما كان يتمنى. يقول: سمعت صوتًا من داخلي يقول بكل جلاءٍ وقوةٍ: نعم، في الكون حق أيها الناسك، هنالك حق لا ريب، جاهِد نفسك اليوم حتى تناله، فجلست تحت تلك الشجرة في الليلة، وقلت لعقلي وجسدي: اسمعَا، لا تبرحَا هذا المكان حتى أجد ذلك الحق؛ لينشف الجلد، ولتنقطع العروق، ولتنفصل العظام، وليقف الدم عن الجريان، لن أقوم من مكاني حتى أعرف الحق الذي أنشده، فينجيني.
واستمر في الجلسة حتى تمت له الإشراقة التي كان يترقبها، ومن وقتها وهو يعرف باسم بوذا، أي: العارف المستيقظ والعالم المتنور.
فبوذا هذا لقبه ومعناه العارف المستيقظ، وغوتاما اللقب الذي سبقه ومعناه الراهب، وسيذهاتا اسمه الذي سُمي به من قبل والديه.
وحين جلس تحت هذه الشجرة المشار إليها سميت الشجرة التي كان يجلس بوذا تحتها شجرة العلم، أو شجرة مقدسة، وتحتل عند البوذيين مكانةً مقدسةً، ويرون ضرورة زرع شجرة واحدة منها في كل قطر؛ ليحج إليها البوذيون. وقد توفي بوذا وأحرق وجمع رماده ووزع على ثمانية أماكن، حيث بنيت بنايات عظيمة في الأماكن الثمانية.
مصادر البوذية:
خلَّفت البوذيةُ نصوصًا كثيرةً جدًّا إلى حد القول باستحالة أن يقرأ كاهن بوذي واحد جميعَ هذه النصوص، ومع هذه الكثرة فإن من الممكن تقسيم النصوص البوذية إلى أربعة مجموعات رئيسة باعتبار اللغة التي كُتبت بها، أو باعتبار المكان الذي حافظ عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
وهذه المجموعات هي:
1 - مجموعة البالية: وتتضمن هذه المجموعة النصوصَ التي جمعها الإمبرطور أوسكا، وهي أكثر تناسقًا من غيرها، مع أنها كتبت بلغة البالية المغايرة للغة الهند القديمة السنسكريتية. ونصوص هذه المجموعة تتلى في صلوات، والمراد بالصلوات مجرد التجمع وقراءة كتب البوذية، فهذه هي صلاتهم وتلك عباداتهم، وتُوجه إلى جمع من الناس؛ لبعث روح البوذية وتعميق الإيمان بها.
الثاني: مجموعة السلات الثلاث: وقد عثر عليها بسيلان وتتكون من ثلاثة أسفار:
الأول: سفر النظام، حيث يوضح للبوذي المحذورات التي يجب أن يبتعد عنها.
والثاني: سفر الخطب، حيث يشتمل على اثنين وخمسين خطابًا، وبعض المواعظ، وبعض التراتيل والأساطير الشعبية.
الثالث: السفر الفلسفي، وهي المجموعة الطويلة المعقدة، الأمر الذي يشير إلى أنها نِتاج تطور علمي عقلي.
والسفر معناه عندهم: الكتاب.
الثالث: المجموعة السنسكريتية: وهي المجموعة التي عثر عليها باللغة السنسكريتية، وتتضمن كل النصوص الموجودة بهذه اللغة في عدد من البلدان البوذية، وهي نيبال والصين والتبت.
الرابع: المجموعة المحلية: وهي النصوص التي كتبت بلهجات محلية على مختلف العصور قديمًا وحتى الآن؛ لأن البوذيين يعتقدون أن الكهنة يُلهمون بالأقوال التي تأتيهم من قبل بوذا، وكتابتها تعني ظهور سفر جديد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
والنصوص البوذية -بصورة عامة- ظلت مدة طويلة بغير تدوين، ويقدرها بعض الباحثين بأربعمائة سنة مما يجعلها محل الريبة، فإذا ما أُضيف إلى ذلك السماح للكهنة بتسجيل نصوص مقدسة بدعوى أنهم ألهموا بها، فإن الريبة تقوى، ولعل هذا هو السبب في كثرة النصوص بصورة كبيرة لدرجة أنها لا تعرف حدًّا تنتهي عنده.
والنصوص البوذية مقدسة عند البوذيين؛ لأنهم يرونها موحًى بها على طريقته في الوحي الذي هو مجرد إلهام باطني.
أركان البوذية:
قامت البوذية كرد فعل على بعض تعاليم الهندوسية، ولذلك نجدها تحافظ على كثير من تعاليمها وإن أسمتها بمسميات جديدة، ولعلها لم تختلف معها جذريًّا إلا في نقطتين:
أولاهما: الإيمان بالآلهة.
وثانيهما: نظام الطبقات.
وكان للبوذية موقف معين إزاءَ هاتين النقطتين، ولسوف نوضح نقاط الخلاف بنوع من التفصيل، ثم نجمل مسائلَ الاتفاق.
أركان البوذية بصورة عامة، وذلك فيما يلي:
أركان البوذية:
1 - عدم الاعتراف بالآلهة:
أسس بوذا دعوتَه على المعرفة الروحية لا على شيء آخر، ولذلك نراه يغفل الحديثَ عن الإله، فلم يتناول قط جانبًا من الجوانب اللاهوتية، وكان ينهى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
أتباعَه عن الخوض في هذه المسائل ويوبخهم إذا سألوه فيها، ويقول لهم: أيها المريدون، لا تفكروا كما يفكروا الناس، بل فكروا هكذا: هذا ألم، وهذا مصدر الألم، وهذا إعدام الألم، هذا سبيل إعدام الألم، وكان يتجه إلى إنكار الإله بصورة ضمنية حتى عده البراهمة ملحدًا، ويرون أن عدم تصريحه بالإلحاد نوع من التقية وطلب الأمان.
ونظرًا لأن الإيمان بالله فطرة وضرورة، نجد بوذا نفسه يدعو أتباعه إلى إفناء النفس الصغرى؛ لتصل جزءًا من النفس الكبرى العظيمة التي وصفها بمجموعة من الصفات المثالية، مما جعل البعض يتصور أن الإله البوذي هو هذه النفس العظيمة؛ لأنها لو لم تكن كذلك فما هي في الحقيقة؟
وقد حاول أتباع بوذا أن يبحثوا لأنفسهم عن إله خاص بهم، ووصلوا إلى أن روح الله حلت في بوذا الإنسان، أو أنه كائن علوي هبط إلى هذا العالم؛ لينقذه من شروره وسوآته، ويبدو أن إنكار بوذا للإله كان مجرد انفعال ومعاداة للهندوسية؛ لأنه لم يذكر أسبابًا معينة ومعقولة لإغفاله ذكر الآلهة. لكن الناظر في فلسفة بوذا وتعاليمه يرى أنه يؤمن بالحساب الأخروي، ويؤمن بالجنة والنار، مما يؤكد أن بوذا في صمته عن ذكر أي شيء يتعلق بالآلهة، يضطر إلى الإيمان بما يعارض هذا الإنكار.
ولم يستمر إغفال البوذيين للإله فترة طويلة بعد وفاة بوذا؛ إذ نجدهم يؤمنون مع الهندوس بآلهتهم ويتقربون إليهم، بل إنهم أخذوا يؤلهون بوذا نفسه، ولم يجدوا من تعاليم دينهم ما يحرم عليهم هذا التطور أو يجيزه لهم.
ويرى بعض العلماء أن البوذية مجرد فلسفة:
يقول أبو المكارم آزان: يبدو لي أن وضع بوذا في صفوف الفلاسفة أسهل من وضعه في صف الأنبياء؛ وذلك لأنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
لم يتعرض في مباحثه لوجود الله، بل حاول حل مسألة الحياة فقط، وانتهى منها دون التحرش بالله وبوجوده، إنه قد قطع كل علاقة له بالحياة الدينية في الهند التي كانت تدين بآلهة لا تعد ولا تحصى، إنه بدأ بحثه وفرغ منه دون أن يلجأ إلى الاعتقاد بالله، وأن الأساس الذي بنَى عليه بحثه أساس فلسفي، وكلامه حق إلى حد كبير، لولا ما في البوذية من جانب روحي، الأمر الذي دفع أتباعَه إلى الإيمان بالآلهة بصورة حماسية يقينية، لولا ذلك لكان القول بأن البوذية مجرد فلسفة مؤكدة.
الركن الثاني في البوذية: إلغاء الطبقات:
لم يعترف بوذا بالتقسيم الطبقي ونادَى بضرورة إلغائه؛ لقيامه على أساس غير أخلاقي، وملخص رأيه في هذا النظام: أنه من تأليف البراهمة؛ ليستعبدوا به الناس من غير سند ديني وكل نص أو اعتقاد يؤيد هذا النظام هو من نسج الخيال، ولتشدد بوذا في هذا جعل الشرط الرئيسي لمن يدخل في البوذية ألا يسلم بالطبقات، وكان يقول: اعلموا أنه كما تفقد الأنهار الكبيرة أسماءها عندما تُصب في البحر، كذلك تبطل الطبقات الأربعة عندما يدخل الشخص في البوذية ويقبل شريعتَها، إن ما تدعو إليه البوذية هو الرهبنة، وفي الرهبنة يتساوَى سائر البشر.
ومن المبادئ التي تؤيد وتدعم إلغاء الطبقات في البوذية عدمُ تخصيص جماعة خاصة للرهبنة والوعظ، وجعل ذلك واجبًا على البوذيين جميعًا، وكل من يلتحق بالبوذية عليه أن يرغب عن متاع الدنيا، ويتخلق بالأخلاق التي حددها بوذا ويدعو إليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
ومن هذه المبادئ: تقدير الكائن الحي إنسانًا كان أو حيوانًا فليس فيهم منبوذ، وكل الحياة جميل كريم. ومن هذه المبادئ: إلزام جميع البوذيين بالعمل الذي شرعه بوذا بصورة متساوية. ومن هذه المبادئ: دعوة جميع البوذيين إلى التنازل عن ثرواتهم؛ ليكونوا طاهرين بقدر الإمكان؛ لأن الثروةَ تؤدي إلى الظلم والطغيان، وتحول صاحبَها إلى خادم لها؛ وحينئذٍ فالتنازل عنها هو العمل السليم، أما إذا لم يستعبد المال صاحبه وهذا لا يحدث إلا نادرًا، فإن بوذا لا يمنع التملك.
ويوضح هذا المنهج عند بوذا إجابته عن سؤال وُجِّه إليه جاء فيه: هل أنت تدعو إلى البطالة وهجر العمل؟ فأجاب: إني أدعو إلى هجر ما لا يجوز فعله للجسد واللسان والفكر، وكذلك أدعو إلى ترك كل عمل قبيح يجر إلى الشرور، ولكن بجانب هذا أدعو إلى القيام بكل ما هو حسن، وكذلك أدعو إلى الإقبال على كل عمل يؤدي إلى الخير والسعادة.
وفكرة إلغاء الطبقات فكرة مقبولة وحسنة؛ لأن الأديان السماوية تقوم على الأخوة والمساواة والمحبة والعدل، لكن نلحظ أن بوذا يخطئ في محاولته نشر هذه الفكرة الجميلة، إنه يسلم بوجود الطبقات في غير البوذيين، وهذا لا يجوز؛ لأن كرامة الإنسان مطلقًا تتعلق بحقيقة وجوده وهو هو بجوهره أيًّا كانت عقيدته. وأيضًا فإن بوذا يقصد تكريمَ الإنسان البوذي من الرجال منهم دون النساء، ويرى أن المرأة خطر على المجتمع، ولا يصح قبولها في طائفة البوذيين. سأله مرة أحد أتباعه: كيف نعامل النساءَ أيها السيد؟ فأجابه: لا تنظر إليهن، ولا تخاطبهن، وكن منهن على حذر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
وهذا الموقف من بوذا يشير إلى جعله المرأة طبقةً منبوذةً، مع أنها إنسان تتساوى مع الرجل في التكريم والحقوق. وهناك خطأ آخر وقع فيه بوذا حينما جعل البوذيين طبقةً تتميز عن غيرها من الطبقات، بينما كان الواجب -تبعًا لفلسفته- أن يكون البوذيون مع الناس سواسية إن لم يكونوا الطبقة الخادمة الملتزمة بتحقيق الخير للجميع.
وعلى الجملة: فإن السبب في هذه الأخطاء يرجع إلى أن بوذا في دعوته كان يتجه إلى السلبيات الموجودة في الهندوسية فقط، الأمر الذي أوقعه في سلبيات أخرى.
ثالث العقائد ما يسمى بالنرفانا:
تعتمد هذه العقيدة على فكرة تناسخ الأرواح التي توجد من خلال تكرار المورد، وهي نفسها عقيدةُ الانطلاق الهندوسية، والفرق بينهما ينحصر في أن الهندوسية ترى أن الروح إذا ترك صاحبها وتغلب على شهواته ورغباته، تسمو روحه وتندمج وتفنَى في الله برهمة، بينما البوذية -لأنها تنكر الإيمانَ بالله- ترى أن الروح التي ترقّى صاحبها تصل إلى درجة الصفاء الروحي، والتخلص من جميع الأغراض الشخصية، وبذلك تنقذ الإنسان روحه من تكرار المورد، ويتوقف عن عمل الشر تمامًا.
ومعنى هذا الفرق: أن النرفانا تحدث والإنسان حي.
كان هذا عن أركان البوذية من بعد مصادرها.
فماذا عن الأخلاق في البوذية؟
تقوم البوذيةُ على الزهد والتقشف، وعلى ضرورة أن يصل معتقدوها إلى النرفانا، يتخلصوا من الآلام، ويبتعدوا عن كل عمل سيئ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
ولمساعدة البوذي على هذا وضع بوذا ما عُرف بالشريعة، وهو مجموعة قواعد أخلاقية تُعرف بالشعب الثماني للبوذية، وهي:
1 - الرؤية السليمة: وتكون بالهدوء الدائم، وعدم الاستسلام للفرح أو الحزن.
2 - القرار السليم: ويتأتى بهدوء المرء دائمًا، ولا يفعل أذًى بأي مخلوق.
3 - الكلام السليم: ويكون بالابتعاد عن الكذب والنميمة، وعدم التلفظ بألفاظ النابية.
4 - العمل السليم: ويتأتى بالبُعد عن العمل السيئ، مثل: التزييف، وأخذ السلع المسروقة، واغتصاب المرء ما ليس له.
5 - السلوك السليم: بالابتعاد عن السرقة والقتل، وفِعْل ما يأسف المرء على فعله، أو يخجل منه.
6 - الجهد السليم: بأن يسعى المرء دائمًا إلى كل ما هو خير، والابتعاد عما هو شر.
7 - العبرة السليمة: وذلك باستخلاص الخير، وفَهم الصواب، والابتعاد عما هو شر.
8 - التركيز السليم: وهو لا يتأتى إلا باتباع القواعد السابقة، وبلوغ الإنسان مرحلةَ السلام الكامل.
إن هذه الشعب الثماني كفيلة بتخليص الإنسان من الآلام، وإبعاده عن أسبابها، كما تحدد الشريعةُ العوائقَ التي تقف في طريق الخلاص والفوز، وهي:
1 - الوهم الخادع في وجود النفس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
2 - الشك في بوذا وتعاليمه.
3 - الاعتقاد في تأثير الطقوس والتقاليد الدينية.
4 - الشهوة والكراهية، والغرور، والرغبة في البقاء والخلود.
5 - الكبرياء، والاعتداد، والجهل.
وما دامت العوائق قد حددت بهذه الصورة، فإننا نرى البوذيةَ تطالب بالتخلص التدريجي منها، وفي مجال الأخلاق البوذية نجد عديدًا من الوصايا التي نادَى بها بوذا؛ نظرًا لأن البوذية تنكر الآلهة نجدها لا تضع عباداتٍ حيث لا حاجةَ إليها، ولم تحدد نظمًا اجتماعيةً، وتركت ذلك لأُولي الأمر، والنظام الذي وضحته فقط هو إعداد الدعاة لنشر البوذية، وهو نظام يقوم على ضرورة اختيار رجال متميزين بالفطنة والذكاء والإخلاص لتعاليم بوذا.
تلك هي أهم تعاليم البوذية، وهي -كما رأينا- عبارة عن تطور مضاد لبعض تعاليم الهندوسية، وتأكيد للبعض الآخر.
كانت هذه فكرة ملخصة عن الديانة البوذية، ثاني الديانات الكبرى في الهند.
الديانة الجينية
ثالث الديانات الكبرى في الهند ألا وهي: الجينية:
ظهرت الجينية في الهند كديانة مطورة من الهندوسية أيضًا، وتعتبر في الحقيقة رد فعل لبعض تعاليم الهندوسية، وبخاصة في عقيدة التأليه ونظام الطبقات، ولذلك كانت شبيهة بالبوذية إلى حد بعيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
ومؤسس الجينية هو مهاويرا.
ترجمته:
وُلِدَ مهاويرا من طبقة الكشترية من أسرة تقيم في إحدى قرى ولاية بِهار، وكان لوالده دورٌ هام في شئون الحرب وحُكم الإقليم، وكانت أمه بنتَ مدير الولاية، ولم يولد لهذه الأسرة سوى مهاويرا وابن آخر يكبره، ولذلك ولي الابن الأكبر ولاية الإقليم بعد وفاة أبيه. وقد سمي الابن الثاني مهاويرا أي: البطل العظيم، كما لقب بـ"جينا" أي: القاهر الغالب.
ونشأ بين الرخاء وطيب العيش، يقبل عليه الناس والعديد من الكهان والرهبان مع أهله، وسرعان ما تأثر بالمواعظ والنصائح والحكم، فمال إلى طريق الرهبنة والتبتل والزهد، وفي محاولة من والديه لإبعاده عن هذا الطريق، زوجوه صغيرًا، لكن هذا الميل كان جارفًا، ولذلك صارح أخاه برغبته بعد وفاة والديه فاستجاب له. وبعد عام من توليه جَمَعَ الأهل والأقاربَ حيث أعلن مهاويرا رغبتَه في الزهد والتبتل، وهجر المُلك ومتاع الدنيا، وسنه ائذاك ثلاثون سنة. وبعد ذلك اتخذ مهاويرا لنفسه مسلكًا قاسيًا، نتف شعر جسمه، وصار حافيًا، وأكثر من الانقطاع وعدم الطعام، والتجول في البلاد، والتأمل والتفكير.
وقد دارت حول مهاويرا الأساطير العديدة التي تعد جزءًا من فكر أتباعه وعقيدته، ومنها:
اعتبار اسم مهاويرا من اختيار الآلهة، وتصورهم أن مهاويرا ولد مزودًا بثلاث من درجات العلم والمعرفة والتي تبلغ جملتها خمس درجات، وتصورهم أن مهاويرا كان يلهم الأسئلة التي تدور بخلد مستمعيه فيجيب عليها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
وتصورهم أن مهاويرا جاء تابعًا لسلسلة طويلة من الرهبان الذين دعوا إلى الجينية، وهو الرابع والعشرون.
واعتبرنا هذه المسائل الأربع من الأساطير الوهمية؛ لأن مهاويرا نفسه ينكر الآلهةَ، فكيف يُقال: إنه مِن اختياره؟! كما أن من يولد مزودًا بأكثر من نصف العلم والمعرفة يمكن أن يصل إلى كله بمجرد النضج والتفكير العقلي بلا مشقة وتعب، وأيضًا فإن أي عاقل يعايش جماعةً من الناس يستطيع إدراك ما يجول بخواطرهم، ولو أن مهاويرا كان تابعًا لغيره لنُسبت الجينية لمن سبقه، ولَمَا عدت رد فعل للهندوسية.
يقول الجينيون: إن مهاويرا وصل بعد سنتين من صراع النفس وقَهْر شهواته إلى نهاية الطريق، وحصل على درجات العلم الخمس، فلقب بالمرشد، وأخذ يدعو الناس إلى أن جاء أجله، فقضى نحبه سنة خمسمائة وسبع وعشرين قبل الميلاد تقريبًا.
والشاهد أن مهاويرا الذي نشأ هذه النشأة المعينة، ووصل إلى مرحلة الذهول وعدم الإحساس بما حوله، وبَعد مدة أخذ يدعو لعقيدته في عشيرته ومدينته وفي الإقليم الذي يتبعه، مسجلًا دعوته في النصوص الكثيرة التي خاطب بها الناسَ من خلال خطبه ووصاياه، وإجابته على الأسئلة التي وُجهت إليه.
مصادر الجينية، وتعاليمها فيما يلي:
أولًا: المصادر الجينية:
يرى الجينيون أن كل ما ذكره مهاويرا يعد مصدرًا لعقيدتهم على اعتبار أنه أُلهِمَ به، ويحصي أتباع مهاويرا له خمسًا وخمسين خطبة، وإجابة ستة وثلاثين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
سؤال، وعددًا وفيرًا من الحكم والوصايا، وهو تراث قليل يسهل حفظه والمحافظة عليه بالمشافهة، ولذلك درج الجينيون طوال الثلاثة قرون على عدم كتابته، لكنهم بعد هذه المدة خافوا من ضياعه واختلاطه بغيره، فعقدوا مؤتمرًا لمدارسة الأمر، وجمعوا بعضَ نصوصهم في عدد من الأسفار، ولم يتفقوا على جميع ما وجدوا، ولذلك توقفوا عن كتابه قانون عام للجينية. ولكنهم في العام سبع وخمسين من الميلاد اجتمعوا مرةً ثانيةً لنفس الغرض، وعاودوا الاجتماع في القرن الخامس الميلادي، واتفقوا على كتابة التراث الجيني وتسجيله، ولم يكتفِ الجينيون بما ذكره مهاويرا وإنما ضموا إليه أقوالَ الكهنة والمرشدين الذين حصلوا على درجات العلم الخمس التي يتصورونها، وهي:
الأولى: الإدراك بطريق الحس والذهن.
الثانية: الإدراك بالفَهم من الوثائق المقدسة.
الثالثة: الإدراك بالروح، حيث يعلم الشخص الأشياءَ غير المرئية بواسطة الروح.
الرابعة: الإدراك بالوجدان، ويتعلق بما ليس له صورة في الواقع، أو في الذهن، وهذا الإدراك يتخطى الزمان والمكان والأشياء.
الخامسة: الإدراك بما في الضمائر والأسرار، وهو أرقى درجات العلم.
وعلى هذا، فالمصادر الجينية أقوال مهاويرا، وأقوال المرشدين الذين نالوا بواسطة الرياضة والزهد على جميع القناعة، وحصلوا على درجات العلم المذكورة.
ثانيًا: أركان الجينية:
تقدم المصادر الجينية تصورًا معينًا عن أركان الديانة الجينية، وهي في جملتها لا تختلف عن البوذية إلا في نواحٍ قليلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
وسوف نوردها هنا في إجمال:
1 - الجينية والإله:
يرى الجينيون -كما يرى البوذيون- أن ظلم البراهمة يرجع أساسًا إلى الإيمان بالآلهة، ولذلك ذهبوا إلى إنكار الآلهة تحت أي مسمى ممكن، ولا يختلف الجينيون عن البوذيين في هذا إلا في إعلان هذا الإنكار، فلم يلتزموا الصمت، ولكنهم -بسبب ميلهم الشديد إلى المسالمة وعدم العنف- ذهبوا إلى الاعتراف بآلهة الهندوس للهندوس فقط، وعلى مذهبهم في الآلهة لم يشرعوا عبادةً أو نسكًا حيث لا حاجةَ إلى ذلك، كما أنهم ليسوا في حاجة لإنكار النبوة، وقد أثر التسامح في الأجيال اللاحقة من الجينيين، حيث بدأ بعضهم يؤمنوا بإله الهندوس لنفسه، وأخذ البعض الآخر يأله مهاويرا ومَن سبقه.
الركن الثاني: الجينية والطبقة:
تنكر الجينية نظامَ الطبقات على أتباعها، إلا أنها تسلم به للهندوس؛ منعًا للتعارض معهم، وتختلف في هذا عن البوذية؛ لأن البوذية تنكر الطبقاتِ لأتباعها ولغيرهم، كما أن البوذية لا تسمح بظهور الطبقات بأي صورة من الصور، بينما الجينية تقسم أتباعها إلى عامة وإلى خاصة، وتحدد لكل طائفة واجبًا معينًا، صحيح أن واجبات الخاصة تقشف وآلام لكنها على كل حال نوع من التقسيم الطائفي.
الركن الثالث: تناسخ الأرواح:
يؤمن الجينيون -مثل الهندوس والبوذيين- بانتقال الروح من جسد إلى جسد على النحو الذي سبق ذكره في الديانة الهندوسية، وإذا ما ترقت الروح ووصلت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
إلى نهاية درجات الطهر والعفة، فإنها تسبح في عالم غير مادي، إنه عالم مليء بالسعادة والسرور، إنه فوق عالم البشر لا نهاية له، ولذا لا يمكن تعقله ووصفه، وكل ما يمكن الإحاطة به أن الأرواح هي التي تعيش السعادة، وهي وحدها التي تفوز وتنجو في وسط جو نوراني مليء بالمعرفة والخير، ولا يمكن الوصول إلى النجاة إلا بعد سلسلة من التناسخ والرقي، يتكرر معها الموت والولادة مع اتباع منهج صحيح يتضمن الاعتقاد الصحيح في القادة الجينيين، والعلم الصحيح بالكون المادي والروحي، والخلق الصحيح المشتمل على الأقوال والأعمال أمهاتُ الفضائل، والقناعة والزهد، ومحاربة شهوات النفس، والتحلي بالطهارة الظاهرة والباطنة.
إن مَن يتبع هذا المنهج يصل إلى النجاة، ومن العلوم أن النجاة والنرفانا والانطلاق كلها تقوم على فكرة واحدة ولا تختلف، إلا فيما تذهب إليه الهندوسية في أن الانطلاق يؤدي إلى الفناء في الإله برهمة، بينما النجاة والنرفانا لا يقولان بهذا حيث لا إلهَ في البوذية ولا الجينية.
العناصر المشتركة في أديان الهند:
إن مَن يقوم بدراسة هذه الأديان الثلاثة من أديان الهند: الهندوسية، البوذية، الجينية، يلاحظ أن هناك عناصر تلتقي عندها سائر أديان الهند، وهي بإجمال ما يلي:
1 - الإيمان بخلود الروح، واستمراريتها في أجساد متعددة، وذلك عن طريق التناسخ وتكرار المولد.
2 - الإيمان بأن الروح تبقَى متنقلةً حتى تستقر في السعادة والخير والمعرفة التامة، وهذا ما يعرف بالانطلاق أو النرفانا أو النجاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
3 - الإيمان في أن سبيل الوصول للسعادة والخير ينحصر في الزهد والبعد عن شبح الشهوة وزخارفها، ولذلك وضعت جميع الأديان مناهجها للوصول للغاية على هذه الأسس.
4 - تدعو جميع أديان الهند إلى التسامح والعفو مما جعلها تتعايش في سلام.
5 - يؤمن الجميع بالإلهام، وبه ظهرت جميع النصوص الدينية، وما زالت تظهر حتى الآن.
ومن الممكن اعتبار هذه العناصر مشتركة أساسًا تعتمده سائر الأديان التي ظهرت عند الهنود.
دور المذاهب في نشأة وتطور أديان الهند
المذاهب في تفسير نشأة وتطور أديان الهند:
ذهب العلماء في تفسير نشأة أديان الهند وتطورها مذاهبَ متعددةً نجملها في اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه الأول: يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن أديان الهند جميعًا نشأت بطريق التطور الطبيعي، ويرونها في بدايتها مجموعة من العادات والتقاليد القديمة التي حولها الهنود خلال القرن الثامن قبل الميلاد إلى دين منظم شامل لألوان من العبادة والطقوس المختلفة، ويذهب هؤلاء إلى أن البداية قامت على تعدد الآلهة في صورة بدائية، حيث كان يقولون بأن الليل إله والصبح إله، وكان يتقربون إليهما بشرب الخمر، وكان يؤلهون الشمسَ ويسمونها بأسماء متعددة، ويألهون العواصفَ ويرمزون لها بالعجل، وهكذا كثرت الآلهة في الهند بصورة واضحة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
متنقلة من صور آلهة صغيرة وضعيفة إلى آلهة قوية وكبيرة، ثم حدث رقي أكثر فظهر ثالوث الآلهة العظيم القائم على برهمة، وفشنو، وسيفا، حيث تدور حولهم الأساطير العديدة، وأخيرًا كان التطور إلى الإيمان بإله خالق متصف بصفات راقية، كما جاء في أنشودة الخلق التي تضمنها الكتاب العاشر من "الرجفيدا".
وعلى هذا تعتبر الديانة الهندوسية من صناعة الإنسان؛ حيث صارت على سنة التطور والترقي، كما تعتبر البوذية والجينية صورًا لهذا التطور وإن اتخذت اتجاهات مضادة في بعض التعاليم، وأصحاب هذا الاتجاه يرجعون جميع مصادر الأديان الهندية إلى تأليف الإنسان ووضعه، وما قداستها إلا بسبب إحاطتها بهالة من التعظيم والاحترام، وللكهنة دور رئيسي في إبراز هذا التقديس بواسطة الأساطير والمتخيلات التي يرونها عن الآلهة وآثارهم، وبواسطة هذا الاتجاه يتضح السبب في تناقض العقيدة عند الهندوس من أمثال الإيمان بالله، وإنكار النبوة، والقول بالإلهام المستمر للبراهمة الطبقة المقربة للإله برهمة، ومن أمثال الإيمان بالحساب على الأعمال بواسطة التناسخ، حيث يحمل الوزر ما لم يرتكبه.
وأصحاب هذا الرأي عديدون، وهم لا يهتمون بتحليل الأديان الهندية أو مصادرها، حيث لا فائدةَ من هذا التحليل؛ لأن أي تعارض أو تضاد مُسلَّم عندهم حيث يقتضي التطور ذلك.
الاتجاه الثاني: يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن وجود التوحيد التام المنزه من كل ريب ونقص في الهندوسية، دليلٌ على أن الدعوة الإلهية قد جاءت مباشرةً أو وصلت إليهم بطريقة ما، ويستدلون على ذلك بعجز العقل عن الوصول وحده إلى التوحيد المطلق بكل تفصيلاته وكمالاته، كما يستدلون بأن القول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
بالتطور والترقي يقضي بظهور التوحيد في المرحلة الأخيرة من التطور، بينما التوحيد وُجِدَ في الهند منذ البداية.
يقول "ماكس مولر": أيًّا كان العصر الذي تم فيه جمع الأناشيد المستورة في الريجفيدا، فقبل ذلك العصر كان قبل الهنود مؤمنون بالله الواحد الأحد الذي لا هو بذكر ولا بأنثى، ولا تحده أحوال التشخيص وقيود الطبيعة الإنسانية، وقد ارتفع شعراء الفيدا في الواقع إلى أوج سام، سام في إدراكهم لحقيقة الربوبية، إنه إدراك أرفع وأعلى مما يطيف بأذهان قوم يدعون أنفسهم بالمسيحيين، بل إن البوذية والجينية وهما تنكران الإله ولا يعترفان بالعديد من التعاليم الهندوسية، جاءت متأخرةً، مما يؤكد أن الدين في الهند كان يتردى في كثير من الحالات.
ويقول أصحاب هذا الاتجاه: بأن عقيدة التوحيد عند الهنود دخلها تحريف البشر، ولهذا نرى الكتب الهندوسية تتضمن التوحيدَ مع التعدد، وتنكر النبوة، وتحيط الآلهة بالأساطير، وتقدس نظامَ الطبقات، وكل ذلك ألوان من التحريف، كما أن البوذية والجينية لا تزيد عن هذه الاتجاهات المحرفة، ومن الممكن تفسير تناقضات موجودة في أديان الهند على هذا، بأن البعض يرجع إلى الدين الحقيقي كالإيمان بالجنة والنار، والإيمان بقوة الروح، ويرجع البعض الآخر إلى التحريف والتأليف البشري.
إن الرسالات السماوية برغم كتبها المقدسة وتعاليمها الرشيدة تظهر مع الأفكار المحرفة والاتجاهات الضالة، ولذلك لا تلبث الفرق العديدة إلا وتظهر مدعيةً تبعيتها للرسالة الإلهية، بل وتزعم أنها الوحيدة المتمسكة بالحق، إن هذا يؤكد الاتجاه الثاني، ويشير إلى أن دخول التحريف في أي دين ممكن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
هذا، وقد أشار بعض علماء مقارنة الأديان إلى وجود تشابه يكاد أن يتطابق بين نصوص دينية هندية وبين نصوص نصرانية موجودة في الأناجيل، الأمر الذي يضع الباحث أمام ضرورة أن أحدهما تأثر بالآخر ونقل عنه في إطار عدد من الاحتمالات العقلية والوقائع العلمية الثابتة.
وإني هنا أكتفي بذكر مختارات من هذه النصوص المتطابقة نقلًا عن كتاب (الديانات القديمة) للشيخ محمد أبي زهرة.
فالنصوص الهندية ومقابلها في النصوص النصرانية نجد الآتي:
في النصوص الهندية: قد يجد الملائكة، ويحاكي والده، كرشنا ابن الله، وقالوا: يحق للكون أن يفاخر بابن هذه الطاهرة. في النصوص النصرانية: دخل الملك على مريم العذراء والدة يسوع المسيح، وقال لها: سلام لك أيها المنعم عليها، الرب معك.
في النصوص الهندية: عرف الناس ولادةَ كرشنا من نَجمه الذي ظهر في السماء. وفي النصوص النصرانية: لما ولد يسوع المسيح ظهر نجمه في المشرق وبواسطة ظهور نجمه عرف الناس محل ولادته.
في النصوص الهندية: لما ولد كرشنا أضيء الغار بنور عظيم، وصار وجه أمه ديفاكي يرسل أشعة نور ومجد. في النصرانية: لما ولد يسوع المسيح أضيء الغار بنور عظيم، أعيا بلمعانه عيني القابلة وعيني خطيب أم يوسف النجار.
وفي النصوص الهندية: وعرفت البقرة أن كرشنا إله وسجدت له. وفي النصرانية: وعرف الرعاعُ يسوعًا وسجدوا له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)