Arabic source text

📘 আল-আদইয়ান ওয়াল মাযাহিব - জামিয়াতুল মদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

📘 الأديان والمذاهب - جامعة المدينة (جامعة المدينة العالمية)

📘 আল-আদইয়ান ওয়াল মাযাহিব - জামিয়াতুল মদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
معلميهم سواء كان "كنفشيوس" أو "لاهتوس" أو غيرهما، وتغشتها الأساطير. وقد ضمت إليها أشد الطقوس والفكرات الخرافية تعقيدًا وخروجًا عن المألوف، فلقد نشطت أفكار السحر البدائية، وتحركت الأساطير البشعة التي ظهرت في ماضي طفولة جنسنا تكافح ضد التفكير الجديد في العالم، ونجحت في أن تسدل عليه ستارًا من طقوس غريبة مضحكة، وغير معقولة، وعتيقة بالية.
وعلى الجملة: فإن أصحاب الرأي الأول لا يقولون برسالة سماوية ظهرت عند الصينيين.
الرأي الثاني: يذهب أصحاب الرأي الثاني إلى القول بظهور رسالة صادقة في بلاد الصين، تضمنت دعوتهم إلى دين صحيح، والقائلون بهذا الرأي يستدلون بما في التراث الصيني من روائع أخلاقية وحكم ووصايا، لم تقف عند حد الفكر النظري، بل وصلت إلى قمة السلوك التطبيقي.
إن العديد من علماء مقارنة الأديان يقفون معجبين بما كان عند الصينيين القدماء، وكثيرًا ما يحاولون مقارنتَه بما في الكتب السماوية المقدسة؛ لاستخراج ما بينهما من تماثل في القضايا والحكم؛ تأييدًا لرأيهم في إرجاع ما عند الصينيين لرسالة صحيحة، وهؤلاء العلماء يرون أن السماء التي اتخذها الصينيون إلهًا عظيمًا لهم ورمزًا لسمو الإله وقداسته، وكل خلق من صناعته وهم إليه منتسبون، وتبعًا لطول الزمان وبُعد الرسالة، اتخذ الصينيون مظاهر الطبيعة والأسلاف والأرواح آلهةً صغرى يعبدونها ويقدمون لها القرابين؛ خضوعًا للتحريف وتداخل التأليف البشري.
وعلى هذا، فأديان الصين عبارة عن بقايا رسالة سماوية مع تآليف بشرية خيالية من وضع الكهنة والأباطرة، ويرجع السبب في رقي الجانب الأخلاقي في نظر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)

هؤلاء العلماء إلى اهتمام الرسالة الإلهية بهذا الجانب، وتأثر العامة بها، مما جعل التحريف يعجز عن تغيير هذا الجانب الذي امتثله الناس في حياتهم، كما أن ظهور علماء مخلصين يزكون الأخلاق، ويدعون إليها، ساعد على استمرارية السمو الأخلاقي حتى اشتهرت الصين بين الأمم جميعًا بسمو الأخلاق نظريًّا وعمليًّا. ويبدو أن النظريات أسرع في النسيان من الأعمال؛ لأن الأعمال المكررة تتحول إلى عادة وتقليد، وقد تنسى فلسفتها وتبقَى صورتها، وهذا ما جعل الصينيين أصحابَ ذوق خاص، وسلوك منظم بعد ظهور الاشتراكية وإعلان الشيوعية مذهبًا تسير عليه الصين، برغم ما في الشيوعية من تعسف وإذلال.
وهكذا، ألغِيَ الدين من نظامهم، ولكنهم حافظوا على تقاليدهم الأخلاقية وعاداتهم النبيلة.
الرأي الثالث: يرى أصحاب هذا الرأي ما رآه أصحاب الرأي الثاني، ويزيدون عليه القول: بأن "كنفشيوس" كان هو الرسول المبعوث من الله تعالى إلى الصينيين، مستدلين بسمو دعوته وأصالة مبادئه، ويذكرون أن هذا المستوى الممتاز في تعاليم هذا الحكيم الصيني يرجع سببها إلى منبعها الإلهي الذي هو أصلها ومصدره.
وبهذا يكون الرأي الثالث متفقًا مع الرأي الثاني إلى حد بعيد، حيث يشتركان في إرجاع الدين وأديان الصين إلى أصول رسالة سماوية، وهذا يستتبع بالضرورة إغفال فكرة التطور الديني، وعدم التسليم بقدرة العقل للوصول وحده إلى عقيدة التوحيد الخالص.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)

الخاتمة والتعليق:
بالنظر في كل ما ذُكر عند الديانة الصينية، يُلاحظ ارتباط النصوص في أغلبها بالجانب الأخلاقي، السمة الغالبة على الفكر الصيني كله، الأمر الذي يعطي عذرًا للعلماء الذين لا يرون للصينيين إلا أصحاب حكمة وفلسفة، ولولا ربط الأخلاق الصينية بالدين لرجحنا هذا الاتجاه. لقد ارتبطت الأخلاق بالدين على اعتبار أن الدين يدعو إلى حسن المعاملة، كل ما تتطلبه الآلهة هو السلوك القويم، وبالنسبة للكتب الدينية نلاحظ فيها إنها دُونت على فترات زمانية طويلة، كما أضيف إليها الحواشي والشروح العديدة التي اعتبرت أجزاءً منها، وهذا يؤكد أن قداستها اعتبارية، وأن تعظيمها جاء بسبب موقف الكهان منها، وأن نسبتها إلى أصحابها محل نظر ونقد.
وقد دخلت تطورات عديدة على أديان الصين -وبخاصة في العصر الحديث- فلقد حدث عقب ثورة 1911 ميلادية أن أُعلنت الجمهورية وأعلن دستورها الذي لم يتضمن سوى فقرات قصيرة متصلة بالدين، وقد سارع رجال الدين الصيني إلى تكوين جمعية الكنفشوسية؛ للدفاع عن دينهم، الأمر الذي كان له أثره في اتخاذ أسس الفضائل الدينية مبادئ لحركة الحياة الجديدة التي أسست سنة ألف تسعمائة وأربع وثلاثين.
وأخيرًا أعلنت الشيوعية في الصين، فعمدت إلى تغيير كافة الأوضاع في المجتمع الصيني كله، والشيوعيون يعتبرون الفكر الصيني القديم نتاجَ صراع بين الطبقات وبين أفكارهم، وبأسلوب الشيوعية المعتمدة على الظلم والقهر يحاولون نشر مبادئهم الباطلة بكافة الوسائل الظالمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)

ولكن ما هو الرأي الأرجح في تفسير نشأة الدين الصيني؟
الأرجح هو الرأي الثاني؛ جَرْيًا على ما سلمنا به، وسرنا عليه، وهو أنه ما من أمة إلا وأرسل الله لها مَن يبلغها بدينه، ويهديها إلى الحق والصواب. وإن الصين أمة كبيرة يبلغ عدد سكانها ربع العالم، ولا بد أن يُبعث فيهم رسول يدعوهم إلى الدين الصحيح. ومع الترجيح لهذا الرأي لا نسلم بأن "كنفشيوس" كان رسولًا مبعوثًا من قبل الله تعالى؛ لأن الكتب الإلهية تحدثت عن الرسل وصفاتهم ومعجزاتهم ودعواتهم، وليس "كنفشيوس" على نمطهم، لقد دَعَا إلى الإيمان بالأديان الصينية القديمة مع ما فيها من خرافات وأساطير، وأقصى ما يمكن التسليم به هو أن "كنفشيوس" أحد المؤمنين برسالة سماوية سابقة، وأنه التزم بالدعوة إلى بعض جوانبها التي تحمس لها وتصور صلاحيتها لأمته.
إن الأديان السماوية لا تمنع وجود رسالات إلهية في الصين، فلقد أخبر الله تعالى أن الرسل ورسالاتهم لم يُذكروا جميعًا على وجه الحصر، فمنهم من ورد ذكره وجاءت قصته، منهم من سكت الله عنه ولم ينزل في شأنه قرآنًا هم الجم الغفير من رسل الله تعالى، وفي نفس الوقت وضع قاعدةً تقوم على العدل الإلهي المطلق، وهي أن الرسل جاءوا إلى جميع الأمم على وجه الحصر؛ لأن الإنسان بلا رسول لا يصل إلى الحق وحده، وما دام الإنسان مسئولًا ومحاسبًا بعد الموت ليعيش في النعيم المقيم أو الشقاء الدائم، ما دام الأمر كذلك، فإن العدل يقتضي إرسال الرسل إلى جميع البشر، وهذا ما أخبر الله عنه في القرآن الكريم، حيث قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (الإسراء: 15) وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} (النحل: 36).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)

وعلى هذا، فلا معارضة في ظهور رسالة ورسالات في الصين، بل إن المعارضة تكون في القول بغير هذا.
وهنا ملاحظة تتعلق بما حدث في العصر الحديث في الصين وفي أماكن عديدة، وهي أن الشيوعية داء خطير يتجه بالهدم نحو أي عقيدة أو فكرة سامية، في محاولة لإفراغ الإنسان من داخله؛ ليمتلئ بعد ذلك بالفكر المركسي والعقيدة الشيوعية الباطلة، كما أن الشيوعية تحاول دائمًا هدمَ التاريخ بصورة عامة شاملة، فما الأديان القديمة إلا حركات وصراع مستمرة، وما الدول والجماعات إلا نتاج للصراع.
وهكذا، فإن الشيوعية تهدم وتشوه ما عداها بلا منطق ولا علم، وما دارت أنها بذلك تهدم نفسها، وتضع بذور الكفر بها وبتعاليمها، وإن غدًا لناظره قريب في الصين وفي العالم كله.
وفي نهاية المطاف ألخص ما ذكرته حول دين الصين واليابان:
وحيث إن أمة الصين من أمم الحضارات القديمة كان لها مدنية وعلم، وبالضرورة كان لها دين تدين به، وتلتزم تعاليمه وتمارس طقوسه، ولقد جربت الصين جميعَ أنواع العبادات من الخرافة إلى الأسطورة إلى الحكمة إلى الأخلاق، ودانوا بالقيم الوضعية والقيم الرفيعة على السواء، وأخذوا من دين كل الأمم واعتقادات كل الشعوب، وما يعتقدون أنه لم يكن في البداية إلا إله "بانكو" الذي كان قويًّا شديدًا رهيبًا، له رأس تنين وجسد أفعى، طال عمره إلى آلاف السنين، ولما كان الموت تجمعت أنفاسه فكانت الريح والسحب، وكانت أناته الرعد، ودمه الأنهار، ولحمه الأرض، وعرقه المطر، وعظامه الصخور، وأسنانه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)

المعادن، وشعره الغابات والأشجار، وعينه اليسرى الشمس واليمنى القمر، أما الحشرات التي تعلقت بجسمه فهم الآدميون.
وتوالى ملوك السماء من بعده يحاولون أن يمدينوا هؤلاء الآدميين، ويهذبوهم، ويوجهوهم الوجه الصحيحة؛ حتى لا يبقوا كما خلقوا حشرات دنيئة ضارة وضالة، وعبدوا المطر والرياح والسحاب، والرعد والبرق، وكل مظاهر الطبيعة. وجعلوا السماء هي الإله الأكبر، باعتبار أن معظم الخير يأتي منها، وعبدوها بجانب الشمس والقمر والمطر، والرعد والأنهار، وأطلقوا عليها اسم الإله الأعظم "تيان" كما عبدوا أرواح أسلافهم وأجدادهم، وهذه الديانة لا تعترف بالرسل والأنبياء، وإنما يقوم بأمور الدين رجال مربون ومعلمون، ولقد دانت اليابان أيضًا بالكنفشوسية، واعتقدت مبادئها كما اعتقدت مبادئ البوذية، وديانة الشننتو القديمة، وأبرز تعاليم كنفشيوس حب العلم، ولا تزال للكنفشوسية المكانة الجليلة في اليابان.
الكنفشوسية: لقد اتصلت الفلسفة الصينية بالدين وامتزجت به امتزاجًا تامًّا، فالفسلفة في الصين لم تتجاف عن الدين ولم تنأ عنه، ولم يكن "كنفشيوس" مدعيًا للرسالة ولم يكن هو رسولًا مبعوثًا، بل كان حكيمًا فيلسوفًا يبشر بمذهب الأخلاق، وأما عقيدته فهي ما كان يعتقده الصينيون القدماء، وأساس هذه العقيدة أنهم يعبدون ثلاثة أشياء: السماء، والأرواح المسيطرة على ظواهر الأشياء الملائكة، وأرواح الآباء، ومن عقائد الصينيين أن أرواح الأموات تنفصل عنهم بعد موتهم وتبقى في الدنيا مع أسرهم، ولذلك يعبدون أرواحَ الآباء؛ تقديسًا لهم ووفاءً لعهودهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)

وعبادات الصينيين لا تعدو إلا أن تكون غناءً ورقصًا وموسيقى، ولم يكن الصينيون القدماء يؤمنون بجنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب، ولقد أخذ "كنفشيوس" بكل هذه العقائد ولم يزد عليها، فلم يؤمن باليوم الآخر ولم يفكر في حياته بعد الموت، بل كان كل همه في إصلاح الحياة الدنيا. هذا والفيلسوف الحكيم الذي لا تزال الصين تجله على اختلاف مللها ونحلها وشيوعيتها أيضًا، وله آراؤه الخلقية التي لا تزال في الصين نبراسًا يهتدى به.
ويجدر بنا أن نقول: إن ذلك الحكيم لم تكن عنايته الكبرى متجهة إلى تأليف كتب، ولكن عنايته اتجهت إلى تكوين نفوس.
وكما كانت الصين كانت اليابان في اتخاذها للكنفشوسية دينًا ومذهبًا، وما اختلط بها من الأساطير، ثم ما داهمها بعد ذلك من شيوعية وإلحاد.
وفي الأخير نذكر الصين كمثال لمسألة عدم تطور الأديان، حيث يقال: بأنها ليس من أمم الرسالات الدينية، ولم تحظَ في تاريخها القديم شيئًا من ذلك، فكيف كانت معتقداتها؟ وهل تصبح دليلًا يؤيد قضيتنا في عدم تطور الدين أم ينقضها؟
فلقد اصطلح علماء مقارنة الأديان على أن الصين على اتساع رقعتها وكثرة شعوبها، قد اختبرت جميعَ أنواع العبادات، ولكنها على الرغم من ذلك لم تحظ برسالة دينية واحدة تنشأ فيها، فلم تخرج للعالم قيمًا دينيةً تصدر منها، ولكنها أرضت العقلَ الفطري الباحث عن الألوهية بمعتقدات وردت إليها من الخارج قديمًا وحديثًا كعقائد البوذية، والمجوسية، والمسيحية، والإسلام، ولم تعط أمة عقيدتها باستثناء اليونان التي أخذت عنها رحلة "كنفشيوس" الحكيم المشهور.
ومن الجائز جدًّا كما يقول "ولز": إن أقدم حضارات الصين كانت حضارة سمراء كما كانت مماثلة في طبيعتها لأقدم الحضارات المصرية والسومارية، ومهما يكن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)

الأمر فإنا نجد أنه لما وافت ألف سبعمائة وخمسين قبل الميلاد كانت الصين مكونة فعلًا من مجموعة هائلة من الممالك الصغيرة ودول المدن، وكلها تعترف بولاء المفكك العُرى وتدفع رسومًا إقطاعية لإمبراطور كاهن واحد هو ابن السماء الكاهن الأعظم، وانتهى حكم أسرة "شانج" في سنة 1025 قبل الميلاد، وخلفتها أسرة "تشاو" الطويل، وانحدرت إلى البلاد شعوب من "الهون" وأنشأت الإمارات، وقطَع الحكام المحليون الجزيةَ، وأصبحوا مستقلين.
ويقول أحد الثقات الصينيين: إن البلاد كان بها في القرن السادس قبل الميلاد خمسة أو ستة آلاف مقاطعة مستقلة تقريبًا، وهذا العصر هو الذي يسميه الصينيون في سجلاتهم باسم عصر الفوضى، ويهمنا جدًّا أن ندرك أن عصر الفوضى هذا كان مليئًا بكثير من النشاط الفكري، وبوجود كثير من مجالات الفن المحلية، والعيش المرفه والمتحضر، ومع ذلك لا نجد للدين صورة راقية تدل على التوافق بين الرقي الفكري والرقي الديني، أو بين التحضر وتطور المعتقدات الدينية. فكل ما استطاع أن يصل إليه الإنسان الصيني في هذا العصر أن وجد "كنفشيوس" الذي بشر بالحلم والصبر، والبر بالوالدين، والعطف على الأقربين والغرباء، وأوصى أن تقابل السيئة بالعدل، أو وأن يقابل الإحسان بالإحسان، وقد أحزنه كثيرًا ما يغشَى الصين من فوضى وخروج على القانون، فاختط لنفسه صورة مثل أعلى لحكومة أحسن وحياة أفضل، وأخذ يتنقل من ولاية إلى أخرى؛ باحثًا عن أمير يؤخذ بنظرياته في التشريع والتعليم وينفذها، ولكنه لم يعثر قط على ذلك الأمير، وحين عثُر عليه أحاطت به مؤامرات رجال البلاط، فقوضت سلطان "كنفشيوس" عن الأمير، وتغلبت في النهاية على مشروعاته الإصلاحية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)

ويتلخص مذهب "كنفشيوس" في منهج عيش الرجل النبيل أو الاستقراطي أو المثل الأعلى، أي: أنه شُغل بسلوك الشخص وأفعاله، فاهتم بالشئون العامة ورفى لاضطراب العالم وتعاسته، وأراد أن يجعل الناس نبلاءً -أي: فضلاء- رغبةً في إيجاد عالم فاضل، لذلك حاول أن ينظم السلوكَ إلى درجة تفوق كلَّ مألوف، وأن يدبر القواعد السليمة لكل مناسبة من مناسبات الحياة، وكانت صورة السيد المهذب الذي يهتم بالشئون العامة، والذي يأخذ نفسه بالتأديب الصارم هي المثل الأعلى.
ومات "كنفشيوس" محطم الآمال وهو يقول: لَمْ ينهض حاكم ذكي الفؤاد ليتخذني أستاذًا له، وها قد حانت منيتي. بيد أنه لما مات في سنة 478 قبل الميلاد، أقاموا له الهياكل، وعبدوه على سنتهم في عبادة أرواح الأسلاف الصالحين، وأوشكوا أن يتخذوا عبادته عبادةً رسميةً -أي: حكومية- على عهد أسرة "هان" في القرن الثاني قبل الميلاد، وأوجبوا تقديم القرابين والضحايا لذكراه في المدارس ومعاهد التعليم، وكانت هياكله في الواقع بمثابة مدارس يؤمها الناس لسماع الدروس كما يؤمونها لأداء الصلاة، ولم تزل عبادته قائمة إلى أوائل القرن العشرين، فخصوه في سنة 1906 بمراسم الإله الأكبر "شانجتي" إله السماء؛ لأنه في عرفهم ند السماء، ومن لم يؤمن اليوم بربوبيته من الصينيين المتعلمين فله في نفسه توقير يقرب من التأليه، وقد جعلوا يوم ميلاده عيدًا قوميًّا، يحجون فيه إلى مسقط رأسه.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)

‌‌الدرس: 17 أديان الفرس.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
(أديان الفرس)
‌‌مصادر أديان الفرس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
لا يزال حديثنا موصولًا عن نظرة إجمالية لبعض الأديان القديمة، تناولنا منها أديان المصريين القدماء، ودين الهند الكبرى، والصين، واليابان، ونحن مع أديان الفرس، والرومان، واليونان إن شاء الله تبارك وتعالى.
أديان الفرس، نقول وبالله التوفيق:
الفرس من الأمم ذات الحضارات العريقة الموغلة في القدم، وقد اهتم بدراسة آثار الفرس العديد من العلماء المتخصصين في العلوم المختلفة، وبخاصة علماء الأديان الذين يجدون أنفسهم أمام دينٍ متكامل الجوانب شامل للعقيدة والشريعة والسلوك، الأمر الذي يُعطي لهذا الاهتمام ضرورةً معينة من أجل المعرفة.
ومن خلال بحثنا في أديان الفرس سنتناول القضايا التالية إن شاء الله تعالى:

- التعريف بمصادر أديان الفرس.
- التعريف بزرادشت.
- التعريف بجوانب الدين، كما وضّحتها المصادر.
- ومناقشة آراء العلماء واتجاهاتهم في نشأة الدين عند الفرس وتطوره.
- وذلك كله في إيجاز وتركيز، مع المحافظة على إعطاء صورة متكاملة عن أديان الفرس.
أولًا: مصادر أديان الفرس:
برغم أن أديان الفرس ذاتُ تاريخٍ قديم فإن كتبها المقدسة التي توضح الدين وتفصّل جوانبه لم تعرف إلا على يد زرادشت؛ فلقد أحياها وشرحها، ودعا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)

الناس إليها، ولذلك نجدها لا تعرف إلا به، ووصل الأمر ببعض العلماء أن جعلوه مؤسس الدين الفارسي، وبدءوا بحثهم في أديان الفرس من زمن هذا الحكيم الكبير، والمصادر الدينية عند الفرس مجموعة من الكتب يضمها كتابٌ واحد يعرف بالفستا.
الفستا: وهو الكتاب الرئيسي للدين الفارسي، ومعناه في العربية: النص الأصلي، ويطلق عليه العرب اسم الأبستاق، وقد ظل هذا الكتاب يتداول شفويًا طيلة قرون عديدة باللغة الفهلوية القديمة، والكتاب في الجملة يؤرّخ للفرس ودينهم وأدبهم بلا ترتيب زمني، ويشتمل الكتاب الموجود في العصر الحديث على ثلاثة أقسام أو فصول هي:
القسم الأول: ويتناول حديث الإله أهورامزدا إلى زرادشت؛ حيث يعلمه أوامر الشريعة تفصيلًا كما يتناول قصة خلق العالم وتكوينه، ويبين بعض النظم الاجتماعية، ويسمى هذا القسم الفنديداد.
القسم الثاني: ويتناول توضيح الطقوس الدينية، وهو عبارة عن تراتيل وصلوات خاصة برجال الدين الفارسي، وتلاوة هذا القَسم لا تحتاج إلى جمهور يسمعها، ويُعرف هذا القسم بالفاسبرد.
القسم الثالث: ويتناول تمجيد الملائكة، ويتحدث عنهم كآلهة صغار، كما يتناول بيان صلوات وشعائر دينية، وهذا القسم له اهتمام خاص لدرجة أن البعض يعتبره الجزء الذي لم يحرّف من الفستا، ويعرف هذا القسم بالياستا.
وقد دارت حول الفستا أساطير كثيرة، نقلها بعض العلماء على أنها حقائق مسلمة؛ من هذه الروايات: إنه كُتب في اثني عشر ألف مجلد من جلود البقر والثيران والماعز، وإنه كُتب حفرًا على الجلد ونقشًا بالذهب، وإنه حفظ في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)

حوافظ الموابذة، الذين هم كبار رجال الدين الفارسي، مع كتابته على النحو المذكور، والذي يجعلنا نلحق هذه المعلومات بالأساطير شبه الإجماع عند علماء الأديان على أن الفستا لم تدوّن طيلة عدة قرون، كما أن التسليم بهذه الروايات يؤدي إلى عدم ضياعها وتحريفها، بينما المعروف أن أكثر من ثلاثة أربعها .. إن أي: كتاب ينال هذا الاهتمام حفظًا وتدوينًا كفيلٌ باستمراره مع الزمان، وبخاصة أنه وجد بين دولة تقدستة وأمة تدين به، لكن الثابت عدم استمراره، مما يؤكد أن الروايات المذكورة مبالغٌ فيها وبعيدة عن الواقع.
وقد اهتم علماء الدين الفارسي بشرح الفستا، وإحاطته بالحواشي التي تشرحه وتشرح شرحه وتبين شرح شرحه؛ وذلك واضح من الزِّند، وهو كتاب يشرح الفستا، وقد ألف بعد الفستا بمدة طويلة، والباذند وهو شرح للزند، والإياردا وهو شرح للبازند، وهذه الشروح كُتبت باللغة الفهلوية بلغة الفرس القديمة، وترجمها العلماء في العصر الحديث إلى عددٍ من اللغات الحية مع ترجمة الفستا، والعلماء المحدثون يرون أن أهم ما يوضّح العقيدة الدينية للفرس هو كتاب التراتيل المعروف باسم الياسنا، وهو القسم الثالث من الفستا، ويرون أنه يتضمن العناصر القديمة للزرادشتية، ويحتوي على أقوال زرادشت؛ ولهذا نجد العلماء يهتمون بدارسة هذا القسم وتحليله أكثر من غيره.

‌‌التعريف بزرادشت
ثانيا: التعريف بزرادشت:
اختلف علماء الدين في حقيقة شخصية زرادشت؛ فمنهم من يرى أنها شخصية أسطورية لا وجود لها في الحقيقة، صنعها الكهنة ورجال الدين الفارسي، من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)

أجل تدعيم عملهم وتحقيق مكاسب لهم ولذويهم، وكل ما روي عن الإنسان اختلاق، وتأليف سواء كان منبعه دين قديم أو وضع بشري محدد، والقائلون بهذا لا يجدون دليلًا حقيقيًّا، وكل ما يستدلون به ما يروى عن نشأة زرادشت وحياته؛ حيث يرون تشابهًا بين ذلك وبين أحداث تعرّض لها رُسل الله من أمثال إبراهيم وعيسى، ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- وهذا الرأي لا يصح التسليم به لقيامه على الفرض المجرد من الدليل، بينما الموضوع له أهميته التي لا بد لها من البراهين القوية والأدلة الساطعة.
وأيضًا فإن المكتشفات العلمية الحديثة تؤكد بطلان هذا الرأي، ومن العلماء من يرى أن زرادشت شخصية حقيقية، وأنه هو إبراهيم عليه السلام الذي ورد ذكره في الكتب السماوية التوراة القرآن الكريم، يستدل هذا البعض بما ورد في سيرة زرادشت من أحداث تشبه بعض معجزات إبراهيم عليه السلام وبعض أحداثه التي حدثت معه مثل نجاته عليه السلام من النار بعد أن ألقي فيها، ومثل تأمله في الكواكب والنجوم، ومثل دعوته إلى الإيمان بالواحد الخالق بكل هذه الظواهر ولجميع المخلوقات، وهذه الأدلة لا تَثبت مدعاها؛ لأن التشابه في بعض الأحداث في حياة شخصين أمرٌ ممكن، كما أن من أحداث سيرة زرادشت ما يشبه بعض ما جاء، وما حدث مع موسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- مثل البَشريات والإرهاصات العديدة التي جاءت لأمه أثناء مولده، ومثل نجاته بصورة معجزة من محاولات قتله المتكررة، ومثل انتصاره على السحرة وإعجازهم، ومثل هذا التشابه جائز من غير أن يكون الشخصان شخصًا واحدًا.
وأيضًا فإن الأدلة الثابتة تؤكد أن زرادشت ليس هو إبراهيم عليه السلام؛ لأن إبراهيم عليه السلام نشأ في بلدة أور ببلاد الكلدان، بينما زرادشت ولد بأذربيجان؛

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)

ولأن إبراهيم رحل إلى مكة بينما زرادشت لم يرحل إلى بلاد الحجاز، ولم تكن له بها صلة؛ ولأن إبراهيم تزوج من سارة وهاجر، بينما زرادشت تزوج من امرأة واحدة هي هفويه، ولأن إبراهيم عليه السلام ظهر في القرن السابع عشر قبل الميلاد بينما ظهر زرادشت في القرن السابع قبل الميلاد، وكل هذا يؤكد أن زرادشت شخصية حقيقية، وليس هو سيدنا إبراهيم عليه السلام.
وإذا ثبت هذا، فمن يكون زرادشت؟
ولد زرادشت في مدينة أذربيجان الواقعة غربي بحر القزوين في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، ويروى أن أباه كان يرعى ماشيته ذات يوم إذ تراءى له شبحان نورانيان، اقتربا منه وقد ناله وقدما له غصنًا مقدسًا، وأمراه أن يحمل الغصن ويقدّمه لزوجته؛ لأنه يحمل في كيانه الطفل الروحاني، وصدع أبوه بالأمر، فحملت زوجته لليلته، وبعد خمسة شهور من الحمل أتت لأمه البشارات المتتالية، وعندما ولد لم يبكِ كسائر الأطفال، وإنما فَهِق بصوتٍ عالٍ اهتزت له أركان البيت، وهربت الأرواح الشريرة، وارتعد كبير السحرة فرقًا؛ لأنه يعلم أن هذا الوليد سيقدر على السحرة والكهان ويخرجهم من البلاد.
وقد تعرض زرادشت لمحاولات متعددة من السحرة لقتله بأن ألقي في طريق قطيع كبير من الماشية لتدوسه، لكن بقرةً أسرعت نحو الطفل ووقفت فوقه تحرسه حتى مر القطيع، وألقي في وكرَ الذئاب لتأكله أو ليموت جوعًا لكن الذئاب تسمّرت وأقبلت عنزتان، ودخلتا الوكر معه لترضعاه، ولما بلغ زرادشت السابعة من عمره أرسله أبوه إلى حكماء الفرس؛ ليتعلم منهم، ويتلقى الحكمة، واستمرت هذه الفترة ثمانية أعوام تزوج خلالها، وعاشق مهنة خدمة المرضى وعلاجهم،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)

ولم تكن مصاحبة آلام الناس وأحزانهم النهاية في نشاط زرادشت، بل إنها كانت البداية؛ حيث أخذ يتساءل ويبحث عن مصدر الشرور والمتاعب، ويعجب من عدم سيطرة الخير على كل شيء، وقرر هجر زوجته والانقطاع للتأمل والبحث فوق جبل سابلا.
وذات يومٍ أدرك من تأمله في الليل والنهار أن العالم يضم الخير والشر كما يضم اليوم الليل والنهار، هكذا في صورة مستمرة من غير طغيان أحدهما على الآخر، ومع اكتشاف لهذه الحقيقة سأل نفسه: لماذا خلق الخير والشر معًا؟! ولم يدم به التساؤل طويلًا، فلقد أتاه كبير الملائكة، وقاده إلى الله تعالى أهورامزدا إله النور الأعظم، الذي يحيط به ضياء عظيم؛ حيث تلقى كلمات الحق والحقيقة وتعلم أسرار الوحي المقدسة، واستمع إلهه للنبوة.
ونزل زرادشت للجبل حاملًا رسالة الله للإيرانيين، ومعه كتاب الوحي، لكنه قوبل بالإعراض والصدود من قومه، ومن عشيرته الأقربين، وقضى في دعوته عشر سنوات متحملًا الأهوال صابرًا على الأذى محتسبًا ذلك عند أهورامزدا، الذي ظل يؤيده ويقوِّي عزيمته، ويثبّت عقيدته بالوحي المتوالي، ويقال: إن الله كلامه شفاهة وظهر له كبار الملائكة، وبعد أن جاوز عمره الأربعين آمن أخوه بدعوته، وأخبره بأنه يدعوه بأفكار صعبة لا يفهمها إلا المتعلمون والخاصة، فبدأ زرادشت لساعته يدعو المتعلمين والخاصة مبتدئًا بالملك كشتسيب والملكة والأمراء المقيمين في بلخ، وعقد الملك مناظرة بين حاشيته وبين زرادشت حتى تبين له صدق الدعوة، فآمن بالزرادشت واتبعه.
لكن الكهنة دبّروا مؤامرة كاذبة لزرادشت أدت بالملك أن يسجنه بتهمة السحر والشعوذة، وحدث أن جواد الملك أصيب بمرض غريب أدى إلى تقلص قوائمه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)

الأربعة ودخولها في بطنه، ولم يعد يظهر منها سوى الأطراف، وجمع المالك أشهر الأطباء لعلاج الجواد لكنهم عجزوا وأصيبوا بالحيرة أمام هذا المرض العجيب، وبلغ الخبر زرادشت وهو في السجن، فأرسل إلى الملك أخبره أنه يمكنه علاج الجواد، فجيء به على الفَور، فلما حضر طلب من الملك شروطًا تتحقق إذا أبرأ الجواد، فَقبل الملك ونفذ الشروط بالفعل؛ حيث آمن به حينما برأت ساقه الأمامية اليمنى، وآمن ابنه حينما برأت ساقه الأمامية اليسرى، وآمنت الملكة مع شفاء الساق الثالثة، وحاكم المتآمرين على زرادشت بعد شفاء الساق الرابعة.
ومضت الأيام والخوارق تظهر لزرادشت حتى تم له النصر، وانتشرت دعوته في إيران بمساعدة الدولة وعلى رأسها الملك والأمراء، وبعد أن اتجه زرادشت بدعوته إلى مملكة توران التي رفضت الدعوة، واشتبكوا في حرب مع الإيرانيين، وحاصروا مدينة بلخ واستولوا عليها وأقبلوا على زرادشت وهو يصلي في المعبد، وطعنوه في ظهره فسقط صريعًا، ومعه عدد كبير من الكهنة، وكان ذلك في سنة ثمانمائة وثلاث وخمسين قبل الميلاد تقريبًا، وعمره سبعة وسبعون عاما.
ولكن هل يعتبر زرادشت رسولًا من الله تعالى لقومه؟
هنا يختلف علماء الأديان؛ حيث يذهب البعض إلى التسليم بسائر ما رويناه في نشأته، ويرى ما فيها من إرهاصات ومعجزات، وقيام زرادشت بدعوة قومه إلى توحيد الإله أهورامزدا دليلًا على رسالته ونبوته، ويمثل هذا الاتجاه الأستاذ حامد عبد القادر في كتابه (زرادشت الحكيم نبي قدامى الإيرانيين)؛ حيث يقول: "إن هذا الرجل إذا قيس بمقياس التاريخ، وجب أن يعدّ في صف كبار الأنبياء الذين ظهروا في شتى البيئات والعصور، وأرشدوا الناس إلى طريق الحق والخير؛ لما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)

عرف عنهم من دقة استقامة، وشدة إخلاص لربه، وتفرغه لتقديسه، وقوة إيمانه برسالته، وشدة تحمسه في نشر دعوته" والكاتب يبين أهم الأسباب الدافعة للقول بنبوة زرادشت، ويوجزها في المعجزة، ونزول الوحي والدعوة إلى الإيمان بإله واحد هو أهورامزدا؛ أي: أنا خالق الكون.
يقول الشهرستاني: "ودين زرادشت عبادة الله، والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الخبائث" ومن أقوال الزرادشت: "النور والظلمة فصلان متضادان، وهو مبدأ موجودات العالم، وحصلت التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة، والباري تعالى خالق النور والظلمة، ومبدعهما، وهو واحد لا شريك له، ولا ضد ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة، لكن الخير والشر إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، والباري هو الذي مزجهما وخلطهما لحكمة".
ويشير الشهرستاني إلى ما يُنسب إلى زرادشت من معجزات، ومنها دخول قوائم فرس كشتاسب في بطن الفرس، وإطلاق زرادشت لها بعد عجز الأطباء، ومنها أنه مر على أعمى فوصف لقومه حشيشة عصروا ماءها في عين الأعمى فبرئ لتوِّه، وعلى هذا الاتجاه سار الأستاذ عباس العقاد في كتابه (الله)، وقد سلّم به ابن حزم بدون قطع، وهو يعتبر أهل فارس أهل كتاب بصورة عامة، ويستدل على هذا بأخذ الجزية منهم وهم المجوس.
هذا وهناك فريق آخر يرى أن زرادشت لم يكن رسولًا مبعوثًا من الله، وأن دعوته عبارة عن محاولة تطوير المجوسية القديمة وتنقيتها من بعض تعاليمها التي بان فسادها بسبب الرقي العقلي أو بسبب الاتصال بأصحاب الديانات الأخرى، يستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن ما رُوي عن حياة زرادشت من معجزات أو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)

خوارق هي من فعل الكهنة، ومن الأساطير التي روجها العامة، كما أن دعوة زرادشت يشوبها الشرك وتعدد الآلهة؛ حيث تقدس النار وتدعو لعبادتها، كما أنها تنظر إلى أهورامزدا وأهرومن على اعتبار أنهما إلهان اثنان.
وبالنظر في هذه الاتجاهين نلمح ضعف الرأي الثاني؛ حيث لا دليل معه حول ما يزعمه من أسطورية نشأة زرادشت، كما أن الشرك وتعدد الآلهة، وعبادة النار وُجدت في المجوسية، وهي ليست دعوة زرادشت؛ إن المجوسية لونٌ من ألوان الشرك ظهر منذ فجر التاريخ، وقد انتشرت في ممالك فارس القديمة، وتمكنت من أن تحرّف دعوة زرادشت بعد وفاته، والذي ننبه عليه هو أن المجوسية ليست من الزرادشتية، وليست هي الزرادشتية، هذا من جهة، ومن جهة ثالثة لا نؤيد الرأي الأول على إطلاقه؛ لضياع أغلب كتب الزرادشتية، كما أن البعض الباقي يداخله شك كبير في إثبات صحة نسبته لصاحبه، كما لا ننكره على إطلاقه؛ لأن إرسال الرسل في سائر الأمم أمرٌ مقرر شرعًا عند أصحاب الملل، ومن الجائز أن يكون زرادشت واحدًا من هؤلاء الرسل.
إن الدعوة الإلهية تتضمن بشكل رئيسي الدعوة إلى الله الواحد الأحد المتصف بكل كمال يليق به الخالق لكل شيء، وتتضمن القيام بعبادات ونسك لهذا الإله، كما تشتمل على الأخلاق الفاضلة، والتعريف باليوم الآخر بما فيه من حساب، إن أي: دعوة تتضمن هذا هي دعوة رسول مرسل، فإن كان الرسول قد ذُكر في الكتب السماوية نؤمن برسالته ونصدق بدعوته، وإن لم يرد ذكره في الكتب السماوية، فإننا نتوقف مكتفين بالتسليم المجمل في قضية الإيمان بالمرسلين، وعلى الجملة فإن الأولى هو التوقف في القطع برسالة زرادشت مع الاكتفاء بدراسة تعاليمه كما وردت عند العلماء والإحاطة بما ذُكر في هذا المجال.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)

‌‌أركان الدين الفارسي
ثالثا: أركان الدين الفارسي:
عرف الفارسيون منذ القديم -وقبل زرادشت بزمن سحيق- الدين، ولكنه كان دين قائمًا على تقديس الطبيعة، واتخاذ مظاهرها آلهة يعبدونها، وكانت تصوراتهم الدينية لا تزيد عن الأمل في نماء الزرع، ووفرة الخير والبركة، وقد ألّهوا من بين من ألّهوا التماثيل والأصنام، ووظّفوا لخدمتهم الرهبان والكهنة الذين أصبحوا طبقة مميّزة عن سائر الإيرانيين، جعلتهم يزعمون للناس وساطتهم الحتمية لمن يتقرب للآلهة، وهكذا كانت فكرة قُدامى الإيرانيين عن الدين، وهم قدامى المجوس الذين كانوا قبل زرادشت، والمعلومات عن هذه الفترة تعتمد على الظن في أغلبها؛ لعدم تدوينها وحفظها بطريقة ما، وجاء زرادشت وظهرت الكتب المقدسة مفصِّلة جوانب دين عرف بدين الفرس أو بالزرادشتية نسبة لهذا الحكيم الذي له الفضل الأكبر في نشره بين الإيرانيين.
يقول جميس هنري برستيد: "الزرادشتية من أنبل الديانات التي ظهرت في العالم القديم؛ حيث دعت كل إنسان، وأهابت به أن يختار أحد الطريقين؛ إما أن يملأ قلبه بالخير والنور أو ينغمس في الشر والظلمة؛ ليلاقي جزاءه ويحاسب على ما آتاه".
فما أركان هذه الديانة إذن؟
تتحدث الفستا وشروحها عن جوانب الدين الفارسي كما دعا إليه زرادشت بالتفصيل، وتحدد أهم معالمه وهي كما يلي:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)