1 - الإيمان بالإله الواحد:
تدعو الزرادشتية إلى الإيمان بإله واحد قديم أزلي مجرد من الشهوات لم يولد، ولن يموت، وأقوى الناس يشعرون بضعفهم أمامه، ولا يقدر على إدراك حقيقته عقل بشري، ومن أجل أن يتمكن الناس من تصور هذه القوى الغيبية، فقد رُمز لهذا الإله برمزين ماديين مشاهدين هما الشمس والنار؛ الشمس في السماء تمثل روح الإله في صورة يستطيع الإنسان إدراكها لما امتازت به من صفات كالإشراق وبعث الدفء والسمو عن نزعات الشر ومجاله، والنار في الأرض هي العنصر الذي يمثل للناس قوة الله العليا، فهي قوة مطهرة باقية نافعة، ويسمى هذا الإله أهورامزدا، ومعنى الاسم: أنا الله الخالق.
ومما يدل على هذه العقيدة من نصوصهم قول زرادشت: "إلى أي أرضٍ أفر! وإلى أي اتجاه يكون المهرب! إلى النبلاء والسادة وهم يقاطعونني أم إلى الناس وهم غير راضين عني أم إلى حكام الأرض الخونة؟ كيف أبلغ رضاك يا أهورامزدا؟ ألجأ إليك لتكون لي عونًا يعطيه صديق لصديقه وعلمني بالحق كيف أحظى بالفكر الخير" وهذا النص يشير إلى ربه القادر حيث يتوجه إليه بالشكوى، ويطلب منه العون.
وقد أورد الشهرستاني مساءلات جرت بين زرادشت وبين الإله أهورمزدا، تبين أن دين الفرس قائم على أن الله واحد، قال زرادشت: ما الشيء الذي كان ويكون، وهو الآن موجود؟ قال الإله: أنا والدين والكلام؛ أما الدين فعمل أورمزدا، وأما الكلام فكلامه، وصارت بقية الأسئلة والأجوبة حول حكمة خلق الكون، وعن أصل الخلق، وعن الرسالات السابقة، وعن ملائكة الوحي، ويبدو أن المراد بالفكر الخيّر في كلام زرادشت يعني أحد هؤلاء الملائكة العظام،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
وتبدو وحدانية الله عند الزرادشتيين من العهد الذي يجب أن يأخذه الزرادشتي على نفسه، وفيه يقول: لن أُقدِم على سلب أو نهب أو تخريب أو تدمير، ولن آخذ بالثأر، وأقر أني أعبد الإله الواحد أهورمزدا، وأني اعتنق دين زرادشت، وأقر أني سألتزم التفكير في الخير والكلام الطيب والعمل الصالح.
ومن المسلم أن الله الواحد الخالق قد أوجد عديدًا من القوى المخلوقة وفق حكمة معينة ومنها قوة الخير وقوة الشر، وإليهما ترمز الزرادشتة بالنور والظلمة؛ النور رمز الخير ويطلقون عليه اسم شترا، والظلمة رمز الشر ويطلق عليها اسم أهرمن، وتؤكد النصوص أن هاتين القوتين عنصران أساسيان في قوام الحياة، أوجدهما الإله الخالق؛ لينشط كلٌّ منهما من مجال خاص به، جاء في اليسنا الثلاثين ما يلي:
في البداية الروحان اللذان هما توءمان أحدهما الخير والآخر الشر، في التفكير وفي الكلمة وفي الفعل، وبين هذين العاقل يحسن الاختيار، وليس كذلك الأحمق، وعندما يرتد أحد الروحين عن الآخر يعلمان أساس الحياة للحياة، وفي النهاية تكون أسوء الحال للأنذال، ولكن للأخيار الفكر الخيّر، من هذين الروحين اختاروا الشر لعمل السيئات، ولكن الروح القدس يكون بجانب العدالة ويعمل آنئذ كل ما من شأنه أن يرضي الله الحكيم بالأعمال الخيرة، وهذا النص صريح في أن قوة الخير وقوة الشر ليست محددة في شيء مادي معين، لكن يرمز لهما بشيء معين وأنهما من خلق الله وإيجاده.
وبعد وفاة زرادشت دخل التغيير والتحريف في هذه العقيدة الموحِّدة، فظهر من قال بأن هناك إلهين هو إله النور، وإله الظلمة، ثم قدست النار، وعبدت وأقيمت لها المعابد والبيوت، وأصبحت الديانة الفارسية بعد هذا التحريف تعرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
بالمجوسية، ذاك الاسم القديم الذي عرفت به أديان الفرس قديمًا، وأشهر المحرِّفين في الزرادشتية ماني ومزدك وديصان وملقيون، وقد عرَّف الشهرستاني معتقداتهم بالتفصيل، وسوف نجملها بعد الانتهاء من الزرادشتية إن شاء الله تعالى.
العقيدة الثانية: الإيمان باليوم الآخر:
تدعو الديانة الزرادشتية إلى الإيمان بالآخرة حيث يحاسب الإنسان على ما عمل قبل الموت؛ لينال جزاءه العادل في الجنة أو في النار، وتبين الزرادشتية منزلة نبيها في الآخرة، فتذكر أن بيده تقرير المصير لأخطاء الناس، ومن اليسنا الفقرة 44 نقرأ: "حقًّا إنه هو النبي المرسل الذي تُوضع لروحه الساحرة كل خطايا البشر، ومع ذلك فدأبه كصديق تحيا عوالم الحياة من جديد". ويلاحظ أن النص وهو يثبت هذه المنزلة لزرادشت لم يوضح سببها وهل تكون في منزلة الشفاعة أو في صورة أخرى؟ المهم أن عقيدة الفرس تدعو إلى الإيمان باليوم الآخر، ويلاحظ كذلك أن للمتزوجين منزلة أعلى من العزاب، وأن من له بيت أسرة أفضل في الآخرة ممن لا أسرة له.
وتعتبر أكبر الكوارث التي تحل بالرجل ألا تكون له ذرية، ويذكرون أن أول سؤال يحاسب عليه الميت يدور في هذه المسألة، ولا يفترق تصور العقيدة الزرادشتية لما يحدث في اليوم الآخر عن التصور الإسلامي إلا في مسائل قليلة؛ فعقيدة الفرس: أن الميت يحاسب عقب موته، وعندهم أن الموتى يُبعثون من رقادهم حينما تقوم الساعة، ويحشرون في مكانٍ للحساب، وعندهم أن الجنة والنار منازل عديدة، ويختلفون عن التصور الإسلامي في أن الشقاء والسعادة في الآخرة تلحق الروح فقط، وفي أن الجنة تقع في أقصى شرقي جبال البرز، حيث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
يتخيلون الجبل عاليًا إلى مستوى النجوم، وعلى الجملة فإن العقيدة الزرادشتية تؤمن بالآخرة وما فيها.
ثالثا: العبادات:
يقوم الزرادشتي بعبادات معينة يؤديها للإله أهورامزدا، وأهم العبادات مجموعة من الأدعية يتلوها وهو يناجي الإله أو الملائكة أو الأرواح الهائمة، ودور العبادة تعرف بالهيكل؛ حيث تقام الصلوات فيها خمس مرات في اليوم، والهيكل على صورة دائرة في وسطه تقاد النار التي يتجهوا إليها الناس في صلواتهم التي يؤدونها في أوقات مرتبطة بحركة الشمس، كالشروق والزوال والغروب، والصلاة عبارة عن أقوال معينة يرددها المصلي، وهو متجهٌ إلى النار في ثبات، والأقوال هي: أرجو منك أيها الرب الخالق المطلق القدير أن تغفر لي ما ارتكبت من سيئات وما دار بخلدي من تفكير سيئ، وما صدر عني من قولٍ أو عمل غير صالح، إلهي أرجو منك أن تباعد بيني وبين الخطايا حتى أحشر يوم الدين مع الأطهار الأخيار.
وفي مجوسية الفرس المتأخرة نلحظ تقديسًا وتعظيمًا للنار؛ فلا ينبغي للنار أن تطفأ، ولا يلقى عليها ماء، ولا تصلها أشعة الشمس، والبيت الطيب هو الذي توقد فيه نار ولا يخلو معبد منها، وكانت المعابد تسمى بها، وتعرف باسم هيكل النار، ورجال الدين الفارسي يسمون بالموابذة، وعملهم الوعظ والتدريس والتعليم، ولهم منزلة كبيرة في المجتمع، ولهم معاونون يُعرفون بالموابذة، وهم معينون لإقامة الشعائر في المعابد وحراسة النار والمحافظة عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
وهذا نص ننقل ترجمته الحرفية من اليسنا 44 يوضح جوانب العقيدة الزرادشتية، وهو على صورة حوار بين زرادشت وأهورمزدا:
عن هذا أسألك يا أهورمزدا، فأبنْ لي الجواب! من كان عند الخلق أول أبٍ للحق؟ من رسم للشمس والنجوم طريقها؟ إذا لم تكن أنت فمن قرر نماء وشحوب القمر؟ أريد أن أعرف هذا أيها الواحد الحكيم، عن هذا أسألك، فأبن لي الجواب! من أقر الأرض تحت والسماء من فوق بسحابها لا تتحرك؟ من أسرج للريح جيادها؟ عن هذا أسألك فأبن لي الجواب! أي صناع خلق الضياء والظلام؟ أي صناع خلق النوم واليقظة؟ من خلق الصبح والضحى والأمسية؟ عن هذا أسألك فأبن لي الجواب! من شرع العبادة مقدسة مع الملكوت؟ ويتحتم على المرء أن يسترشد بالدين وبالعبادة وهي جميعًا تجعل أموري في هناء، عن هذا أسألك فأبن لي الجواب! هل سأصل بعونك إلى هدفي؟ هل سأحظى ثوابًا من الحق؟ الآلهة الزائفة هل هي آلهة حقًّا؟
هذا النص يبين عقيدة الزرادشتيين في الإله والعبادة والثواب، بصورة مجملة.
رابعا: الشريعة والأخلاق:
تهتم الديانة الزرادشتية بالشرائع والأخلاق، وبخاصة في الشروح التي تعلقت بالفستا، ومن أهم هذه النظم: العمل والإنتاج الزراعي، وتربية الماشية، كما تحث على النظام والنظافة وصيانة النفس والوطن، كما تدعو إلى مجموعة من الفضائل الأخلاقية التي أساسها الفكر الطيب، والكلم الطيب، والعمل الطيب، وفي نصوص الفستا دلالات واضحة على الأخلاق الكريمة التي يجب أن يتحلى بها من يدخل في دين زرادشت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
هذه هي أهم أركان الدين الفارسي كما جاءت في مصادره المقدسة، ومما تفرّع عن هذه الديانة ديانة ماني ومازدك، أو المانوية والمزدكية؛ حيث ظهر ماني ومازدك في بلاد فارس، وقد نادى كل منهما بدعوة خاصة دينية في إطار الزرادشتية إيجابًا أو سلبًا، وتعد هاتان الدعوتان أكبر الحركات التحريفية في الدين الفارسي؛ إذ أبعداه عن كل مضمون صحيح أو التقاءٍ مع بعض المبادئ المسلّمة في الأديان الصادقة، وكان لهذين الرجلين آثارٌ واضحة نظرًا لصلتهما بالسلطة ورجال الحكم، الأمر الذي ساعدهما على فرض آرائهما بالقوة والعنف، ويلاحظ أن هذين الرجلين ظهرا بعد ظهور عيسى عليه السلام ولذلك كان اختراعهما للدين عبارة عن مزج للفكر البشري في ثنايا فكر ديني صحيح.
يقول الشهرستاني: "إن الحكيم ماني زعمَ أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين؛ أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان، لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين، داركين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الخير متحاذيان تحاذي الشخص والظل، وفي رأي ماني: أن ما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور، وما فيه من مضرّة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة، وهذان القديمان -النور والظلمة- يمتزجان ويفترقان وفق فلسفة معينة عند ماني، ويرجع سبب الامتزاج إلى أبدان الظلمة التي تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت الروح فرأت النور فكلّفت الأبدان لممازجة النور فمازجته، فرأى ملك النور ذلك فبعث خمسة أجناس نورانية امتزجت بخمسة ظلامية، وبذلك خالط الدخان الهواء والحريق النار والنور والظلام والسموم الريح والضباب الماء، ولما ظهر هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
الامتزاج لملك النور خلق العالم كله على هيئة الامتزاج مستعدًّا لتخلص كل عنصر من غيره، وبذلك يحدث الخلاص التام في يوم القيامة والمعاد، وقد ظهر ماني هذا بعد ظهور المسيحية.
وحديث ماني عن ملك النور وملك الظلمة يعتبرهما الإلهين؛ لأن كلًّا منهما محيط بعالمه ظاهر وباطن، قديم لا أول له، آخر لا نهاية له، وقد تضمنت دعوة ماني تكاليف معينة كتأدية أربع صلوات في اليوم، وإخراج عشرٍ من الأموال، وترك القتل والعدوان، والسرقة، والزنا، وهجر عبادة الأوثان، والكذب، والسحر، كما تتضمن الدعوة إلى الحق والتمسك بالأخلاق الفاضلة، ويعترف ماني برسالة عددٍ من الرسل منهم عيسى عليه السلام وينكر رسالة موسى عليه السلام، ولماني -هذا- تصور معين لقيام الآخرة التي يحاسب فيها الناس على أعمالهم؛ حيث ترتفع الأعمال النورانية إلى فلك القمر فيكبر شيئًا فشيئًا، ويتغير صوره تبعًا لذلك، فإذا بلغ منتهاه أخذ يوصل للشمس التي توصل بدورها إلى النور الأعلى الخالص، ولا يزال الأمر كذلك حتى لا يبقى نور في الأرض، فيسيطر الملك الذي يجذب السموات، فيسقط الأعلى على الأدنى، وتأتي النار على كل شيء، هذا عن أفكار ماني.
أما مازدك، فلقد ظهر زمن الملك قباز؛ قبيل ظهور الإسلام، كان يقول بالنور والظلمة كأصلين قديمين كما قال ماني، إلا أنه يفترق عنه في أن النور يفعل بالقصد، والظلمة تفعل بالصدفة، والنور عالمٌ حساس، والظلام جاهل أعمى، وإن المزج بالاتفاق والخلاص بالصدفة، ويدعو مازدك إلى الطاعة وترك الكراهية والقتال، ولقد دعا مازدك إلى شيوعية عامة في المال والنساء، حتى لا يُوجد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
كراهية بين الناس؛ ولذلك اعتبر من أقدم الشيوعيين في العالم، وقد كلّف مازدك أتباعه بعبادات معينة، وصور الآلهة المعبودة بصور جسمية؛ حيث جعله قاعدًا على كرسيه العلوي يعاونه أربع قوى من ورائهم سبعة آخرون وهكذا.
وعلى نمط ماني ومازدك ظهرت آراء متعددة لأشخاص آخرين، وكلهم يحرّفون تعاليم زرادشت، ويخلطونها بالآراء الفاسدة الباطلة.
آراء العلماء في دين الفرس
رابعا: آراء العلماء في دين الفرس:
اتخذ العلماء مواقف متعددة في تفسير نشأة الزرادشتية وتطورها؛ فمن قائل بالتطور الديني على أساس أن عقائد الفرس بدأت بالخرافات والأساطير وتأليه الظواهر المحسوسة مع تعدد الآلهة، وأنها استمرت في التطور حتى عرفت التوحيد الخالص في المراحل الراقية، ومن قائل بأن الرسالات الإلهية ظهرت في بلاد الفرس، وأنها هي التي علّمت الناس هناك وحدانية الله تعالى.
وهكذا إن الحقائق العلمية تؤيد القول بوجود رسالات صحيحة في الفرس على الأساس الذي بيناه من قبل، وهو إرسال الرسل إلى جميع الأمم، ولأن العقول البشرية لا تصل وحدها إلى التوحيد الخالص بحقائقه التي يأتي بها الرسل، وأيضًا فإن التطور يقتضي الترقي المستمر نحو الأفضل، بينما في أديان الفرس نرى أن دعوة من جاءوا بعد زرادشت كانت انحدارًا وانتكاسًا حيث دعا ماني ومازدك وغيرهما إلى تعدد الآلهة بعدما دعا زرادشت إلى التوحيد، ومع ترجيحنا هذا، فإن القول بأن زرادشت هو الرسول المبعوث لا نعلّق عليه نفيًا أو إثباتًا؛ حيث لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
تنهض الأدلة مثبتة أو نافية، وكل ما يمكن القول به أن النبوة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست ممنوعة، لكن الإيمان برسول معين توقف على ورود ذكره في القرآن الكريم، فهو الكتاب الذي قص أخبار بعض الرسل، وأشار إلى وجود رسل لم يرد لهم ذكر؛ ولذلك لزم التسليم بإمكانية إرسال رسول لكل أمة من غير تعيين شخصه ما لم يرد له ذكرٌ في القرآن الكريم.
وهذه خلاصة نذكرها عن دين الفرس:
الديانة الفارسية من الديانات الآسيوية القديمة، التي جذبت انتباه الباحثين وعلماء الأديان؛ إذ جاءت متكاملة الجوانب واضحة المعالم متميزة عن كل الديانات الآسيوية القديمة، ولقد عاش الأقدمون من الفارسيين حياة بدائية، ومارسوا عبادات وثنية، واصطنعوا دينًا خرافيًا يعتمد على السحر والشعوذة، ويألِّهوا مظاهر الطبيعة، فعبدوا الشمس إلهًا؛ لأنها تنتج المحاصيل وسموها الإله نِثرا، وعبدوا الأرض إلها للخصوبة لخصوبة تربتها وسموها الإله أنيتا، كذلك جعلوا المطر إلهًا والريح إلهًا والسحاب، وكل ما ينفعهم في البيئة الزراعية وحياتهم الرعوية إلهًا، يتوجهون إليه بالتقديس والدعاء، ويتقدمون إليه بالقرابين من أطيب طعامهم، وفي صناعة آلهتهم من الأصنام بمختلف أنواع المادة المصنّعة باختلاف الطبقات؛ فالفقراء أصنامهم من الطين والحجارة طبقة الموسرة من الفضة، والطبقة الغنية من الذهب، وأقامت المعابد، وتقربت للآلهة بواسطة الكهنة.
وظلت الأحوال الدينية هكذا في بلاد فارس حتى جاء زرادشت الذي ولد على الراجح عام 660 قبل الميلاد، وهم يجعلون لزرادشت معجزات كثيرة عند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
ولادته، وفي حالة الحمل به، ولما وُلد زرادشت أخذ يدعو إلى الدين الذي أرسل به، وينهى الناس عن الأوثان والشيطان، ولكن الناس في البداية صدوه وأعرضوا عنه، فاشتكى لربه أهورمزدا "الإله الأعظم"، وبذا يقول الشهرستاني: "وكان دين زرادشت عبادة الله والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولما كانت دعوة زرادشت تقوم على ذلك وعلى توحيد الله عز وجل ذهب بعض العلماء أنه كان نبيَّا مرسلًا من الله لأهل فارس ووصل بهم الأمر إلى أن قالوا: إن زرادشت هو إبراهيم عليه السلام، وهذا قول باطل مردود، وإن كان ما ورد عنه -إن صح- لا يحول دون نبوته ورسالته، والله أعلم.
وهناك المانوية والمازدكية من ديانات الفرس المعروفة أيضًا كما أشرنا، مما يؤكد على تطور العقيدة الزرادشتية على يد البشر، فواضح أن الديانة الزرادشتية كانت في أصلها ديانة توحيد منزهٍ خالص دُعي إليها في وقت كانت فيه المجوسية تقول بأصلين أو مبدأين أو خالقين، وكان الوثنيون يعبدون الكواكب والأصنام، ولا ريب أن للزرادشتية مرجعًا من الوحي: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر: 24) فما يستطيع التطور الفكري أن يصل إلى التوحيد الحقيقي المنزه بدون معونة من الوحي أو اقتباس من ديانة موحى بها.
وواضح أن ديانة إبراهيم قد سبقت الزرادشتية بحوالي عشرة قرون، فلا مانع من أن تكون الزرادشتية مقتبسة منها أو منقولة عنها، فلما تدخل الفكر البشري الخالص مدفوعًا بطبيعة البشر العنصرية المادية الأنانية الغريزية العاجزة- أصيبت الزرادشتية بكثيرٍ من التحريف والتبديل، وأصبحت ديانة الشرك، يعتقد أتباعها بوجود إلهين أحدهما أهورامزدا، ويجعلونه إلهًا للخير، والآخر أهريمان ويجعلونه إلهًا للشر، ويرتبون على هذا الاعتقاد صراعا دائما بينهما؛ لأن كل منهما يرمي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
إلى السيطرة على العالم، ويظهر أن هذا التراجع الفكري نشأ عن عدم قدرة العقل الإنساني على مجاراة الوحي في تجريد الذات الإلهية وتنزيهها، بعدما فُقد الموجهون أو قلوا.
فقد رمزت الديانة الزرادشتية إلى قدرة الذات الإلهية برمزين ماديين محسوسين؛ أحدهما النور ممثلًا في الشمس، والآخر النار، ومن ثمّ كان حرص الديانة الزرادشتية على أن يوقد في كل هيكل من هياكلها شعلة من النار، وأن تبقى مضيئة متوهجة يتعاهدها رجال الدين الموابذة والهوابذة، فيقدمون لها وقودًا من خشب الصندل وغيره من الأعشاب والمواد العطرية، وترتل حولها الأدعية وتقام الصلوات، وقد بدأ الانحراف بالمبالغة في شأن الرمز كعادة الإنسان دائمًا حتى انتهى بتقديس النار وعبادتها لذاتها، بعد أن كانت مجرد رمز لقدرة الإله، ثم أشركوا مع النار في التقديس بدرجة أقل من النار، الماء والتراب والهواء، وهكذا الإنسان في كل زمان ومكان، يبدأ انحرافه عن الحق بالمبالغة في تقدير بعض الأشياء أو المظاهر أو الناس، ثم لا يلبث هذا التقدير أن يلبس ثوب التقديس؛ ليحلّ الزيف محل الحقيقة، والباطل محل الحق، حتى يتدخل الوحي أو الرجوع إلى الوحي الصحيح لتصحيح مسار الإنسان وتوجيه العقل أو الفطرة المستقيمة إلى الصراط المستقيم.
وقد يبدأ هذا الانحراف، وينتهي إلى نتائجه السيئة في دورٍ من أرقى أدوار الحضارة المادية لأمة من الأمم إن سُمي هذا التقدم المادي البحت حضارة، كما قد يبدأ تصحيح مسار الإنسانية في دورٍ من أسفل أدوار الانحطاط البشري المادي والعقلي أيضًا، وينتهي إلى نتائج عظيمة وخيرة للمادة والمعنى إن صح المثل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
هذه هي الحقيقة يؤيدها الواقع المادي للأمم والحضارات كما رأينا، وكما يتضح هذا من تغير الديانة الزرادشتية إلى ديانة مانوية أو مازدكية، فهذه المانوية التي ظهرت على يد ماني بن فاتك الحكيم، وذلك بعد اضمحلال المسيحية أي: بعد ظهور دين سماوي صحيح، تعرّض للتحريف ودخلته الأهواء البشرية، وتنازعته الأغراض الدنيوية، فكان ماني أو مانو يقول بنبوة المسيح عليه السلام ولكنه أدخل مع هذا القول تلك النزعة التي كثيرًا ما تصيب عباد القديم، فعاد إلى مجوسية الفرس القديمة، واقتبس منها القول بأن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين؛ أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم.
ثم اختلفت المانوية في مرجع الخير والشر، ومدى ارتباطهما بالنور والظلام، ثمّ كانت المازدكية امتدادا للمانوية، وصورة جديدة للتدخل البشري، وكيفية خضوع البشر لأهوائهم وأغراضهم الدنيوية، فكان مازدك يقول بالأصلين، لكنه ادعى أن النور يعمل بالقصد والاختيار، أما الظلام فيعمل بالصدفة والاتفاق، وأن النور بهذا يكون عالمًا حساسًا، بعكس الظلام الذي يصير جاهلًا لا يدرك ولا يحس ولا يرى، ويترتب على كل هذا أن المزاج يعمل هو الآخر بالصدفة والاتفاق، ولا يعرف قصدًا ولا اختيارًا، وكذلك النجاة والخلاص يقعان بالصدفة والاتفاق لا بالاختيار، وكان مازدك يحرص في اعتقاده على تعاون الناس واتفاقهم، كما يحرص على تحقيق الحب والمودة في حياتهم، وراح يضع خطةً لتحقيق ما يحرص عليه، فوضع أوامره العامة ومنهياته في:
1 - عدم المخالفة.
2 - عدم المباغضة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
3 - عدم القتال.
أما رؤياه لما يُحقق ذلك، فقد حددته في أسباب ما يراه يوقع المخالفة والمباغضة أو المقاتلة، وهي النساء والأموال، فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل الناس شركاء فيهما كاشتراكهم في الماء والهواء والكلأ والنار، وحكي عنه أنه أمر بقتل النفس -أي: الانتحار- لتخلص من الشرّ ومزاج الظلمة، العقيدة عند مازدك برؤية العبيد قاصرة، وبعقلية البشر المستقلة العاجزة، كان مازدك يعتقد أن معبوده يجلس على كرسيه في العالم العلوي، ثم يصور نفسه ولأتباعه هذه الجلسة بصورة الملك أو القيصر أو الإمبرطور في العالم السفلي، ويقرّب الصورة أكثر فيذكر خسروبزى، وبين يديه أربعة أشخاص، وكذلك إله مازداك بين يديه أربع قوى؛ قوة التمييز، وقوة الفهم، وقوة الحفظ وقوة العلم، وهذا العدد هنا يدبر أمر العالم بسبعة من ورائهم، وهذه السبعة تدور في اثني عشر … إلى أخر هذا الكلام.
وكل إنسان تجتمع له هذه القوى الأربع، والسبع والاثنى عشر تصير ربانيًّا في العالم السفلي ويرفع عنه التكليف، وهكذا لا يزال العقل الإنساني يسبح وراء خيالات وأوهام يبنيها على أساس أو على غير أساس، حتى ينحرف عن الحقيقة أو يحرّفها أو يتلفها ويفسدها، وهكذا كان مازدك والمازدكية، وما تفرع عنها من فرق شملت بلاد فارس ونواحيها، وما تفرع للقول بالأصلين النور والظلمة وقدرتهما نفيًا وإثباتًا، قصدًا واختيارًا، أو طبعًا واضطرارًا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
كل هذه الاجتهادات الإنسانية لا تمثل غير الدليل الحي على أن البشر أعجز من أن يصلوا إلى الحقائق الدينية الصحيحة من غير الاستناد إلى الوحي الصحيح مهما كانت درجة حضارتهم المادية أو تقدمهم الفكري أو إنتاجهم العلمي.
وعليه، فلا دليل لأحد هنا على أن الدين الصحيح من صنع إنسان أي إنسان، كما لا دليل لأحد على أن الدين يتطور مع الحضارة المادية رقيًّا وانحلالًا، إلا أن يكون هذا الدين صناعة بشرية خالصة، وحتى هذه الصناعة البشرية الخالصة نجدها لا تُوافق في درجة إقناعها للعقل أية صناعة بشرية أخرى، كما سنرى ذلك بعد إن شاء الله في معتقدات اليونانيين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
الدرس: 18 أديان اليونان والرومان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
(أديان اليونان والرومان)
دين اليونان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
بقي لنا نظرات إجمالية حول أديان اليونان والرومان.
ومع دين اليونان:
تعتبر أديان اليونان نموذجًا واضحًا لعجز العقل البشري عن الوصول وحده إلى الدين الصحيح ومعرفة الله تعالى، فبرغم الرقي العقلي الذي برز في اليونان منذ القديم؛ حيث وُضعت هناك أصول الفلسفة، وقواعد التفكير العقلي السليم- برغم ذلك نرى سذاجة اليونان في تصور الآلهة وإحاطتها بالأساطير والخيالات.
إن هوميروس الشاعر اليوناني الكبير يضع قصيدته الإلياذة والأوديسة في نظم رائع جميل، يتحدث عن آلهة قومه، ويصوّرهم من واقع وجودهم، كما أن فلاسفة اليونان ساهموا مع الشعراء في الحديث عن الدين واتجاهاته، وبرغم هؤلاء العباقرة -شعراء وفلاسفة- فإن اليونانيين اتخذوا عديدًا من الآلهة، وجعلوا لهم مقرًّا رسميًّا فوق جبال الأولمبا في مكان يعرف بالأكربول.
ومن آلهتهم زيوس إله الجو، وصانع المطر أكبر الآلهة، وأعظمها شأنًا، ومن الأساطير الدائرة حول هذا الإله أن أباه كان يخاف على ملكه حتى من أبنائه؛ ولذلك قسا على زيوس وابتعدت به أمه حتى شب وترعرع، وتمكن من الاستيلاء على ملك أبيه، بعد معارك طاحنة مع أعداء الخير، وبعد أن دان له ملك أبيه رحل إلى بلاد اليونان، وسلب سلطة إلهية يونانية صغيرة، وأخضعها لسلطانه وهيمنته، ثم تزوج وأنجب عددًا من الأبناء.
ومن آلهتهم أثينا البنت الكبرى للإله زيوس، وهي إله الحكمة والعلوم والفنون، وكانت مقربة لأبيها، وقد أقام لها اليونان معبدًا ضخمًا وتمثالًا من الذهب يعد آية في الفن والروعة، وبها تسمى عاصمة اليونان حديثًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
ومن آلهتهم أبوللو أحد أبناء زيوس، وهو إله الشباب والقوة، يضر ويفيد، واليونانيون يمثلونه بشابٍّ جميل، وبيده القوس، وعدد من السهام رمزًا للقوة والانطلاق.
ومن آلهتهم أفروديت إله الحب والجمال، ومن مهامه إتمام عملية التزويج والولادة بمساعدة ولدها كيوبيد، واليونانيون يمثلونها بامرأة جميلة تبدو دائمًا مبتسمة، وهي راكبة عربة يجرها طائران كبيران، هكذا تمتد الآلهة في أسرة زيوس لتضم جميع أولاده، وأخواته، وزوجاته؛ حيث يتولى كلٌّ منهم التأليه في جانب ما، ويلاحظ إحاطة جميع هذه الآلهة بسائر أنشطة البشر ولو كانت سيئة، فهيرا زوجة زيوس تخونه وتعشق أريس، وزيوس نفسه يعشق مايه، وينجب منها هرميس المعروف بأنه المرشد السماوي الذي يحمل إرشادت أبيه؛ ليعلم بها الأنفس الضالة، وهذا المرشد تجده حينما يغادر السماء يتواطأ مع اللصوص، ويغش أباه الإله العظيم.
إن آلهة اليونان بدأت مسيطرة على القوى الطبيعية بصورة غامضة، ثم أخذت تترقى وظائفها، واتضحت ذواتها، خرجت إلى عالم النور وتميزت بعضها عن بعض، ولم تنحصر عددًا وإنما تزايدت بصورة بيّنة، ودائمًا وضع اليونانيون آلهتهم في صورة جميلة متحضرة تدل على الذوق الرفيع والسحر الأخّاذ؛ لقد صور هوميروس شاعر الإغريق الآلهة اليونانية في شعره الرائع في أبهى الصور وأحلاها، فمهّد بذلك أمام الفنانين الطريق ليصنعوا تماثيل الآلهة من المعادن الثمينة في هيئة رائعة الحسن خالية من العيب تأخذ الألباب والأبصار، والآلهة كما تكلم عنهم هوميروس لها سلطة عظمى على الحياة، ولها إرادة وقدرة على كل ما يحدث من خير أو من شر؛ ومن أجل هذا التزم اليونانيون بطقوس معينة يتجهون بها للآلهة كالذبح والتراتيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
لكن هل الآلهة من أسرة زيوس هي كل الآلهة - وبخاصة في المرحلة الأولى؟
لم تكن الآلهة البشرية هي كل الآلهة عند اليونان؛ لأننا نجدهم يؤمنون بآلهة خفية غامضة تميل لنشر الذعر والخوف بين الناس، وكان يرونها فوق الطبيعة وأقوى منها؛ ولذلك لم يتمكنوا من تحديد حقيقتها، لقد درج اليونانيون على تصوير آلهتهم المعروفة والخفية بأنها تُنزل قضاءها الرهيب بالخلائق، وأحاطوا هذا المعنى بالأساطير العديدة المدونة في أشعار مطولة، وكانت هذه الأساطير هي أساس روايات التراجيديا اليونانية، ذلك الفن الأدبي الذي نبع في بلاد اليونان وامتد بروعته وتأثيره إلى العالم كله.
قد استمر اليونانيون على ما هم عليه بالنسبة للآلهة حتى جاء القرن الخامس قبل الميلاد، وفيه يحدث تنظيمٌ جديد في نظرة اليونان لآلهتهم؛ حيث يُرفع إله واحد فوق جميع الآلهة، ذاك الإله هو زيوس ممثل العدالة، وكل الآلهة تخضع لقوة هذا الإله وسلطانه، كل ما يقع للناس هو بأمر زيوس، وأيضًا فإن زيوس يؤثر خيرًا وشرًّا بكل عدل ونزاهة وأمانة، وقد سلك الشعراء هذا المنحى في أشعارهم خلال القرن الخامس قبل الميلاد وبعده، ومن خلال بحث فلاسفة اليونان عن أصل العالم اتفقوا على أن أصل العالم واحد، قالوا: إنه النار أو الماء أو التراب أو العدد أو الموجود نفسه، ومهما تباينت آراء الفلاسفة في أصل العالم، فإنهم اتفقوا على أن هذا الأصل فيه قوة وإبداع لا يحاكي الإنسان الفاني لا في شكله، ولا في عقله، وما التماثيل التي صنعها الفنانون إلا صناعة بشرية صاغها الناس خضوعًا لأمزجتهم وميولهم الخاصة!
وجاء أفلاطون ووضع نظريته في المثل حيث يرى أن الموجودات كلها خيالات وصور ممثلة لحقيقة موجودة في الملأ الأعلى، وهي الوجود المؤثر في الكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
المرئي، قد سمى أفلاطون هذا الموجود الحقيقي بالخير الأسمى أو مثال الخير، وإذا تتبعنا أقواله عن هذا الوجود الحقيقي نجده يشير إلى الله، ويعبر عنه أحيانًا بصيغة المفرد، وأحيانًا أخرى بصيغة الجمع، ويقول: إن هناك خالقًا أعلى يدبر العالم ويحكمه، وبعد أفلاطون صار الفلاسفة على نمطه في تجريد التفكير فيما وراء الطبيعة أو الحقيقة الإلهية، وما يحيط بها من غيب؛ حيث نجد أرسطو يقول: إن الله هو الموجود حقًّا؛ لأن له أتم صورة، كلما قارب الشيء من كمال الصورة كان أقرب إلى الحقيقة، وهي العلة الصورية والغائية والمحركة لهذا العالم، وإذا كان الله هو العلة الصورية كان الله مثلًا أو فكرة أو عقلًا، وإذا كان هو العلة الغائية كان هو غاية الغايات، وهو الذي يسعى إليه ويقصد نحوه كل موجود، وإذا كان هو العلة المحركة كان هو المحرك الأول، وهو مصدر كل حركة، وإن كان هو ليس متحركًا.
وحديث أرسطو، وإن كان ذا تركيب عقلي، فإنه غامض مبهم يوقع القارئ في البحث من جديد عن الإله الذي دعا إليه أرسطو، ويسأل: هل الله مشخص موجود أم لا وجود له في الحقيقة؟ وتساهم آراء أرسطو في تأييد هذا وذاك، الأمر الذي يؤكد غموض الفكرة وخفاءها، يستمر الفلاسفة في مسيرتهم حتى تظهر الأفلاطونية الحديثة في مدرسة الإسكندرية، وتحاول تفسير غموض الفكر اليوناني الفلسفي، فتقول بالواحد غير المتعدد فوق المادة وفوق الروح، قائم بنفسه، ولا يمكن وصفه إلا بصفات سلبية، وهو ليس مادة، وليس حركة، وليس صفة، ولا نهاية له وهكذا، ومن هذا الواحد انبثق العقل ليفكر في الله وفي نفسه، وقد خلع أفلوطين على هذا العقل خصائص المثال الموجود الحقيقي عند أفلاطون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
ومن العقل انبثقت النفس، ولها نيلان تعلو إلى الواحد، وتهبط إلى الطبيعة، إن النفس الكلية أقل مرتبةً من العقل، ومن النفس انبثقت نفس ثانية هي الطبيعة، وهي نفس جزئية وسعادتها في اقترابها إلى أصلها أي: النفس الكلية، وشقاؤها في الهبوط إلى الدرجة التي تليها، وهي المادة.
إذن، فهناك الواحد والعقل، والنفس الكلية، والنفس الجزئية، وبعد ذلك نسأل: هل هذا توضيح أم إخفاء؟ إنه إخفاء بلا شك، ولا لوم على الفلاسفة في هذا، فهم بشر تحركوا على قدر طاقاتهم، ويلاحظ أن الأفلاطونية الحديثة وجدت في أوائل القرن الثالث الميلادي، لدرجة أن من العلماء من يرى أن الغموض الذي دخل في المسيحية في تفسيرها للتوحيد حيث تقول: إن الأب والابن والروح القدس أقانيم ثلاثة، تعني واحدًا هو الله، وتقول: إن الابن انبثق من الأب، والروح القدس انبثق من الأب أو منه ومن الابن، وإذا علم أن الأقنوم يعني ذاتًا مستقلة بصفات إلهية مستقلة؛ لظهر أمامنا الغموض الذي دخل في المسيحية من خلال فلسفة الإغريق، وفكر أفلوطين.
إن الذي يقارن بين الأقانيم الثلاثة، وبين الواحد والعقل والنفس في الأفلوطونية -يرى وحدة الفكر والتصور بلا فرق، إلا في أن المسيحية ترى أن الأقانيم متساوية في الجوهر والرتبة، بينما الأفلاطونية لا تساوي بين الواحد والعقل والنفس؛ ترى أنها منبثقة عن بعضها كما ذكرنا، وإنها تمثل ثلاث درجات روحية متفاوتة، لا يمكن القول بأن العقل البشري، وهو صانع أديان اليونان كان يتحرك للأمام ويتطور إلى العلا؛ لأن الآلهة يومًا كانت في زيوس وأسرته، كانت تزداد عددًا وتقل قدرًا، ولم يحط بها رقي أو سمو إلا في جانب التصوير الأدبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)