عن أبي هريرة … ).
أقول: قد تقدم (ص 159)(1) وبيَّنتُ هناك أنه رواه مع أبي هريرة أنسٌ وأبو سعيد وأُبيُّ بن كعب.
ثم قال ص 247: (فهذا الحديث ونظائره وهي كثيرة يبعد على المتكلم أن يقول بصحتها فضلًا عن أن يجزم بذلك، وإذا أُلجِئَ إلى القول بصحتها لم يَألُ جهدًا في تأويلها ولو على وجه لا يساعد اللفظ عليه، بحيث يعلم السامع أن المتكلم لا يقول بجوازه في الباطن).
[ص 178] أقول: هذا يتضمّن الاعتراف بأنّ النصوصَ اللفظية تكون قطعية الدّلالة. هذا ومسلكهم في التأويل هو عينه مسلكهم في دفاع الآيات الكثيرة المخالفة لهم من القرآن، فإذا كان لا ينفي ثبوت الآيات القرآنية عن الله ورسوله قطعًا، فكذلك لا ينفي صحة الأحاديث الصحيحة ظنًّا أو قطعًا. وراجع (ص 2)(2).
وقال ص 249: (من المعروف … أنك تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته، ثم يأتي الشافعي فيرفضه لضعفٍ في سنده، وتجد المالكي يرفض الحديث لأن العمل جرى على خلافه، ويعمل به الشافعي لقوةٍ في سنده على ما رأى هو).
أقول: ما دمنا نعرف أنَّ العلماء غير معصومين، فاختلافهم في بعض الأحاديث أيؤخذ بها أم لا؟ ليس فيه ما يوهم ذا عقل أن الأحاديث كلّها لا تصلح للحجة، ولا ما يقضي أن تلك الأحاديث المختلَف فيها تصلح أو لا تصلح، بل المدار على الحجة. فقد يرى العالم اشتهار حديث بين الناس--------------------------------------------
(1) (ص 304).
(2) (ص 7 ــ 8).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 338)
فيغلب على ظنه أنه لم يشتهر إلا وأصله صحيح فيأخذ به، فيأتي غيره فيبحث فيجد مرجع تلك الشهرة إلى مصدر واحد غير صحيح، كما في مسألة القهقهة في الصلاة. وقد يبلغ العالمَ حديثٌ من طريق واحد ويرى أن أهل العلم خالفوه فيمسك عنه، فيجيء غيره فيبحث فيجد الحديث ثابتًا، ويجد بعضَ أهل العلم قد أخذوا به، وأنَّ الذين لم يأخذوا به لم يقفوا عليه، أو نحو ذلك مما يبيِّن أن عدم أخذهم به لا يخدش في كونه حجة. وقد ينعكس الحال.
وعلى مَنْ بَعْد المختلفين اتباع الحجة، فإن بقي بين مُتَّبعي الحجة خلاف فلا حرج، وإذا اتضح وبان أنَّ الحقَّ مع أحد المختلفين ولكن أَتْباعُ الآخر أَصَرُّوا على اتِّباعه، فليس في هذا ما يقدح في الحجة، سواء أعذَرْنا أولئك الأتباع أم لم نعذرهم. وهكذا الاختلاف عند معارضة الحديث لبعض القواعد الشرعية أو لجميع الأقيسة.
وقال: (في مرآة الوصول وشرحها … ).
أقول: راجع (ص 126)(1).
وذكر ص 250 عبارة لأبي يوسف نقلها من «الأم» للشافعي (307: 7 - 308)(2) وتَرَكَ قِطَعًا منها. وقد تعقَّب الشافعيُّ كلامَ أبي يوسف بما تراه هناك.
وفي كلام أبي يوسف مما أرى التنبيه عليه أخبار:
الأول: قال: «حدثنا ابن أبي كريمة عن جعفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم … ».--------------------------------------------
(1) (ص 243).
(2) (9/ 182 فما بعدها ــ ط دار الوفاء).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 339)
أشار الشافعي إلى هذا الخبر في «الرسالة» (ص 224 - 225) وقال: «رواية منقطعة عن رجل مجهول». وفي التعليق(1) هناك عن ابن معين والخطابي وغيرهم أنه موضوع.
[ص 179] الثاني: «وكان عمر فيما بلغنا لا يقبل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بشاهِدَيْنِ».
أقول: وهذا باطل قطعًا، تقدم رده (ص 46)(2).
الثالث: «وكان عليُّ بن أبي طالب لا يقبل الحديثَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».
أقول: كذا وقع، وهو باطل قطعًا، ولعله أراد أن عليًّا كان يُحلِّف مَنْ حدَّثه كما تقدم مع ردّه (ص 47)(3).
الرابع: «وحدثنا الثقةُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إني لأحرِّم ما حرَّم القرآنُ، والله لا تمسكون عليّ بشيء».
أقول: كذا وقع ولعله: «لا أحرِّم إلا ما حرَّم القرآن»(4) فقد رُوي بلفظ: «لا أحرِّم إلا ما حرَّم الله في كتابه» راجع «أحكام ابن حزم» (77: 2)،--------------------------------------------
(1) يعني للشيخ أحمد شاكر رحمه الله.
(2) (ص 88 ــ 90).
(3) (ص 90 ــ 91).
(4) نقله البيهقي في «معرفة السنن والآثار»: (6/ 524) كما صححه المؤلف. والحديث أخرجه الشافعي في «الأم ــ جماع العلم»: (9/ 46 ــ 47)، وعبد الرزاق (4/ 534) من مرسل طاوس بلفظ: «فإني لا أحل لهم إلا ما أحلّ الله لهم، ولا أحرِّم عليهم إلا ما حرَّم الله». وقال الشافعي عَقِبه: «هذا منقطع».
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 340)
و «مجمع الزوائد» (171: 1)(1) وهو على كلّ حال غير ثابت. ومع ذلك قد فسَّره الشافعي ثم ابن حزم بما يصحِّح معناه.
ومن تتبَّع أقوال أبي يوسف في الفقه واستدلالاته عَلِم أنه نفسه لا يرى صحة هذه الأخبار ولا يبني عليها، وإنما كَثَّر بها السواد في بيان أن الأحكام لا تُبنى إلا على رواية الثقات كما أشار إليه الشافعي، إذ قال في تعقُّبه: وقد كان عليه أن يبدأ بنفسه فيما أَمَر به أن لا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من الثقات(2).
وقال ص 251: (رأي مالك وأصحابه أنهم يقولون: تثبت السنة من وجهين: أحدهما: أن نجد الأئمة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا بما يوافقها. الثاني: أن لا نجد الناس اختلفوا فيها).
أقول: لم يذكر مصدره، وهذه كتب المالكية أصولًا وفروعًا لا تعطي هذا. نعم قد يقف المجتهد عن حديث ولا يبيّن عذرَه، أو يروي عنه بعضُ أصحابه كلمة لا يريد بها أن تكون قاعدة، فيذهب بعض أصحابه يحاول أن يضع قواعد يعتذر بها. وفي «الأم» (177: 7 ــ)(3) من قول الربيع: «قلت [للشافعي]: فاذكر ما ذهب إليه صاحبنا [مالك] من حديث النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يرو عن الأئمة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي شيئًا يوافقه. فقال: نعم سأذكر من ذلك إن شاء الله ما يدلُّ على ما وصفت، وأذكر أيضًا ما ذهب إليه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه عن بعض الأئمة ما يخالفه …--------------------------------------------
(1) (1/ 176 ــ 177).
(2) «الأم»: (9/ 192).
(3) (8/ 514).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 341)
قال أبو ريَّة: (وقد روى الدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها تكون بعدي رواة [ص 180] يروون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فحدّثوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تحدّثوا به).
أقول: لم يذكر مصدرَه، وهذا هو الخبر الأول في عبارة أبي يوسف المتقدمة (ص 178)(1) وقد حكم الأئمة بأنه موضوع كما مرَّ.
قال: (وقد طعن رجال الأثر في هذا الحديث، ورووا حديثًا هذا نصه: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه». وهذا من أعجب العجب، لأنه إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي مثل الكتاب ــ أي مثل القرآن ليكون تمامًا على القرآن لبيان دينه وشريعته ــ فلم لم يُعْنَ صلوات الله عليه بتدوينه وكتابته قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى كما عُنِيَ بتدوين القرآن).
أقول: قد تقدَّم البيان المنير في مواضع، منها (ص 20 - 21)(2).
قال: (ولم ينه عن كتابته بقوله: لا تكتبوا عني غير القرآن).
أقول: تقدّم البيان الواضح (ص 22 - 24)(3).
قال: (وهل يصح أن يدع الرسول نصف ما أوحاه الله إليه يعدو بين الأذهان بغير قيد، يمسكه هذا وينساه ذاك؟ وهل يكون الرسول ــ بعمله هذا ــ قد بلّغ الرسالة على وجهها وأدى الأمانة كاملة إلى أهلها؟ ).
أقول: قد تقدم دفع هذا الريب (ص 20 - 21)(4)، والقَدْر الذي يحصل--------------------------------------------
(1) (ص 339 ــ 340).
(2) (ص 41 ــ 44).
(3) (ص 44 ــ 49).
(4) (ص 41 ــ 44).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 342)
به تبليغ الرسالة وأداء الأمانة إنما تحديده إلى الله عز وجل لا إلى المرتابين في حِكْمته سبحانه وتعالى وقدرته، وراجع (ص 32 - 33 و 52)(1).
قال ص 252: (وأين كان هذا الحديث عندما قال أبو بكر للناس .. ؟ وعند ما قال عمر … ؟ ولم يشفق … عندما فزع إلى أبي بكر).
أقول: راجع (ص 36 و 39 و 173 - 174)(2).
وذكر توقُّف مالك وأبي حنيفة عن بعض الأحاديث لمعارضتها ما هو أقوى منها عندهما، وقد مرَّ جوابه (ص 178)(3).
وذكر ص 253 قصةَ مناظرةٍ جرت بين الأوزاعي وأبي حنيفة، وهي قصة مكذوبة عارضَ بها بعضُ من لايخاف الله من الحنفية قصةَ مناظرة رواها الشافعية بسند واهٍ، راجع «سنن البيهقي» (82: 2) و «فضائل أبي حنيفة» للموفق (131: 1)، وكلتا القصتين مروية عن «الشاذكوني قال: سمعت سفيان بن عيينة … ».
ثم ذكر ص 254 كلامَ النُّحاة في الاستدلال بالأحاديث، وهذا لا يهمنا، مع أنَّ الحق أن ابن مالك توسَّع، وأنه كما مرَّ (ص 60)(4) يمكن بالنظر في روايات الأحاديث وأحوال رواتها أن يُعْرَف في طائفة منها أنها بلفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم أو بلفظ الصحابي أو بلفظ التابعي، وهو ممن يحتجّ به في العربية، لكن--------------------------------------------
(1) (ص 63 ــ 66 و 102 ــ 103).
(2) (ص 70 ــ 71 و 76 ــ 77 و 329 ــ 332).
(3) (ص 339 ــ 340).
(4) (ص 117 ــ 118).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 343)
تحقيق ذلك يصعب على غير أهله، فلذلك أعرض قدماءُ النحاة عن الاحتجاج بالحديث، ووجدوا في المتيسّر لهم من القرآن وكلام العرب ما يكفي.
وذكر ص 259 كلامًا للشيخ محمد عبده في حديث: أن يهوديًّا سَحَر النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
أقول: النظر في هذا في مقامات:
المقام الأول: مُلخَّص الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم في فترة من عمره ناله مرض خفيف، ذكرت عائشةُ أشدَّ أعراضه بقولها: «حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم»، وفي رواية: «حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن» وفي أخرى: «يُخيَّل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله»، والرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات، فالأخريان محمولتان عليها … وفي «فتح الباري» (193: 10)(1): «قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فَعَل الشيء ولم يكن فَعَله، أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت».
أقول: وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا، فإن فيه شعوره صلى الله عليه وسلم بذاك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه. فالذي يتحقَّق دلالةُ الخبر عليه: أنه صلى الله عليه وسلم كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء إلى عائشة، وهو صلى الله عليه وسلم عالم أنه لم يجئها ولكنه كان يعاوده ذاك الخاطر على خلاف عادته، فتأذَّى صلى الله عليه وسلم من ذلك. وليس في حمل الحديث على هذا تعسُّف ولا تكلُّف.--------------------------------------------
(1) (10/ 227).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 344)
المقام الثاني: في الحديث عن عائشة: «حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشعرتِ أنّ الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ أتاني رجلان (أي ملكان ــ كما في رواية أخرى ــ في صورة رجلين) … فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: مَنْ طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أيِّ شيء؟ قال: في مُشْط ومُشاطة وجُفّ طَلْع نخلة ذَكَر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فجاء … قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهتُ أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدُفِنَتْ».
ومحصّل هذا: أن لبيدًا أراد إلحاق ضرر بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فعمل عملًا في مُشط ومشاطة الخ، فهل من شأن ذلك أن يؤثر؟ [ص 182] قد يقال: لا، ولكن إذا شاء الله تعالى خَلَق الأثرَ عَقِبه. والأقرب أن يقال: نعم بإذن الله، والإذن هنا خاص، وبيانُه: أن الأفعال التي من شأنها أن تؤثِّر ضربان:
الأول: ما أذن الله تعالى بتأثيره إذنًا مطلقًا ثم إذا شاء مَنَعَه، وذلك كالاتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنًا مطلقًا، فلما أراد الله تعالى منعه قال: {يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69].
الضرب الثاني: ما هو ممنوع من التأثير منعًا مطلقًا، فإذا اقتضت الحكمة أن يمكَّن من التأثير رُفِع المنع فيؤثر. وقوله تعالى في السحر: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102] يدلُّ أنه من الضرب الثاني، وأنّ المراد بالإذن الإذن الخاص، والحكمةُ في مصلحة الناس تقتضي هذا، والواقع في شؤونهم يشهد له، وإذ كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 345)
المقام الثالث: النظر في كلام الشيخ محمد عبده. وفيه ثلاث قضايا:
القضية الأولى: قال: (فعلى فرض صحته هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد).
أقول: أما صحته فثابتة بإثبات أئمة الحديث لها، فإنْ أراد الصحة في نفس الأمر فهب أنَّا لا نقطع بها ولكنَّا نظنها ظنًّا غالبًا، وعلى كلا الحالين فواضعو تلك القاعدة لا ينكرون أنه يفيد الظن، ومَن أنكر ذلك فهو مكابر، وإذا أفاد الظنَّ فلا مفرَّ من الظنّ وما يترتَّب على الظن، فلم يبق إلا أنه لا يفيد القطع، وهذا حقٌّ في كلّ دليل لا يفيد إلا الظن.
القضية الثانية: أنه مناف للعصمة في التبليغ قال: (فإنه قد خالط عقلَه وإدراكَه في زعمهم … فإنه إذا خولط … في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلّغ شيئًا وهو لم يبلغه، أو أن شيئًا ينزل عليه وهو لم ينزل عليه).
أقول: أما المتحقِّق من معنى الحديث كما قدَّمنا في المقام الأول فليس فيه ما يصحّ أن يُعَبَّر عنه بقولك: «خُولط في عقله» وإنما ذاك خاطر عابر، ولو فُرِض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا لم يتَعَدَّه إلى سائر أمور الدنيا فضلًا عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ، بل سبيلُه سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا، وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة، وراجع (ص 18 - 19)(1). وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون، وأَخْذه برأسه لظنه أنه قصَّر مع أنه لم يقصِّر، وفيه قول يعقوب لبنيه لمَّا ذكروا له ما جرى لابنه الثاني: {بَلْ سَوَّلَتْ [ص 183] لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} [يوسف: 18]--------------------------------------------
(1) (ص 36 ــ 40).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 346)
يتَّهمهم بتدبير مكيدة مع أنهم كانوا حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بعض كلمات موسى للخضر. وانظر قوله تعالى عن يونس: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87].
القضية الثالثة: الحديث مخالف للقرآن (في نفيه السحر عنه صلى الله عليه وسلم وعدّه من افتراء المشركين عليه … مع أن الذي قصَدَه المشركون ظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون: إنّ الشيطان يُلابسه عليه السلام، ومُلابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضَرْب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي يُنسب إلى لبيد … وقد جاء بنفي السحر عنه عليه السلام، حيث نَسَب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبَّخهم على زعمهم هذا، فإذًا هو ليس بمسحور قطعًا).
أقول: كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه صلى الله عليه وسلم يفتري ــ أي يتعمَّد ــ الكذب على الله عز وجل فيما يخبر به عنه، ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد، فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني بزعم أنَّ له اتصالًا بالجنّ، وأنَّ الجِنّ يُلْقون إليه ما يلقون، فيصدّقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه. هذا مدار شبهتهم، وهو مرادهم بقولهم: به جِنَّة. مجنون. كاهن. ساحر. مسحور. شاعر. كانوا يزعمون أنَّ للشعراء قُرَناء من الجن تُلقي إليهم الشعرَ؛ فزعموا أنه شاعر أي: أن الجن تُلقي إليه كما تُلقي إلى الشعراء، ولم يقصدوا أنه يقول الشعر. أو أن القرآن شعر.
إذا عُرِف هذا، فالمشركون أرادوا بقولهم: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47] أنَّ أمْرَ النبوّةِ كلّه سحر، وأن ذلك ناشئٌ عن الشياطين استولوا عليه ــ بزعمهم ــ يُلقون إليه القرآن، ويأمرونه وينهونه فيصدقهم في ذلك كلّه ظانًّا أنه إنما يتلقّى من الله وملائكته. ولا ريب أن الحال التي ذكر
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 347)
في الحديث عروضها له صلى الله عليه وسلم لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون، ولا هي من قبيلها في شيء من الأوصاف المذكورة. إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث.
فإن قيل: قد أطلق على تلك الحالة أنها سحر، ففي الحديث عن عائشة: «سَحَر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ … » والسحر من الشياطين، وقد قال الله تعالى للشيطان: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42].
قلت: أما الذي أخبر به النبيّ صلى الله عليه وسلم عن المَلَك فإنّما سمّاها (طبًّا) كما مرَّ في الحديث، وقد أنشد ابن فارس في «مقاييس اللغة» (408: 3):
فإن كنتُ مطبوبًا فلا زِلْتُ هكذا … وإن كنتُ مسحورًا فلا برأ السحرُ(1)
وأقلّ ما يدل عليه هذا: أنّ الطّبَّ أخصّ من السِّحْر، وأن من الأنواع التي يُصاب بها الإنسان ويطلق [ص 184] عليها «سحر» ما يقال له: «طبّ» وما لا يقال: «طب». وعلى كلِّ حال فالذي ذُكِر في الحديث ليس من نوع ما زعمه المشركون، ولا هو من ملابسة الشيطان، وإنما هو أثر نفس الساحر وفعله. وقد قدَّمْتُ أنَّ وقوع أثر ذلك نادر، فلا غرابة في خفاء تفسيره. وهذا يغني عما تقدم (ص 98)(2).
ثم نقل أبو ريَّة ص 261 ــ فصلًا عن صاحب «المنار» فيه: (إن بعض أحاديث--------------------------------------------
(1) البيت من ثلاثة أبيات اختلف في نسبتها، فقيل: لمجنون ليلى «ديوانه المجموع» (ص 100)، وقيل: للنهدي «الحماسة»: (2/ 29)، وقيل: لرجل من بني ربيعة «سمط اللآلي»: (1/ 403).
(2) (ص 190 ــ 191).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 348)
الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يَلْزم العملُ بها).
أقول: عدم الثبوت والطمأنية قد يكون لسبب بيِّن، وقد يكون لسبب محتمل يقوَى عند بعض أهل العلم ويضعف عند بعضهم، وقد يكون لما دون ذلك من هوى وزيغ وارتياب وتكذيب. وعلى الأمة أن تُنْزِل كلّ واحد من هؤلاء منزلته بحسب ما يتبيَّن من حاله. وكما أننا إذا رأينا مَنْ يتعبَّد عبادة غير ثابتة شرعًا، فسألناه، فذكر حديثًا باطلًا، فبيَّنَّا له فقال: هو ثابت عندي مطمئنٌّ به قلبي= كان علينا أن ننكر عليه، وكان على وليِّ الأمر ومن في معناه منعه ومعاقبته. فكذلك إذا رأينا رجلًا ينفي حديثًا ثابتًا وبيَّنَّا له ثبوته، فقال: لم يثبت عندي ولم يطمئنَّ به قلبي، ولم يذكر سببًا، أو ذكر سببًا لا يُعتَدُّ به شرعًا.
قال: (ولذلك لم يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث ويدعون إليها … ).
أقول: قد تقدم الكشف عن هذا (ص 20 - 50)(1).
قال: (ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحمل الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ).
أقول: إنما أنكر الإلزام بـ «الموطأ»، لأنه يعلم أنَّ فيه أحاديث أخذ بها هو وقد يكون عند غيره ما يخصِّصها، أو يقيّدها أو يعارضها، وفيه توقّف عن أحاديث قد يكون عند غيره ما يقوِّيها ويؤيِّدها، وقد يكون عند غيره أحاديث لم يقف عليها هو، وفيه كثير مما قاله باجتهاده، وفي الأمة علماء لهم أن--------------------------------------------
(1) (ص 41 ــ 99).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 349)
يجتهدوا ويعملوا بما رَجَح عندهم وإن خالفوا مالكًا، وفوق هذا كلِّه فهو يعلم أنه بنى على ما فهمه من القرآن ومن الأحاديث التي ذكرها، وأنَّ في علماء الأمة من يخالفه في بعض ذلك الفهم.
وعلى كلِّ حال فليس في امتناع مالك من إلزام الأمة كلها علمائها وعامّتها بقوله ما يقتضي أن لا يُلْزَم بالعمل بالحديث مَنْ يعلم أنه ليس عنده ما يخالفه إلا الهوى والزيغ والارتياب والتكذيب والعناد.
ثم قال ص 262: (وإنما يجب العمل … ). كرر معنى ما تقدم.
[ص 185] قال: (أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد … ).
أقول: راجع (ص 182)(1).
قال: (وكل من ظهر له علة في رواية حديث فلم يصدق رفعه لأجلها فهو معذور كذلك).
أقول: الصواب في هذا أن يُنظر في تلك العِلّة ويُعامل صاحبها بما يستحق، كما مرَّ.
قال: (ولا يصح أن يقال: إنه مكذب لحديث كذا).
أقول: أمّا إن زعم أنه كذب فهو مكذِّب له، ولا يَضُرُّه ذلك مالم يلزمه أحد أمرين: إما تكذيب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإما تكذيبُ صادقٍ بغير حجة.
قال: (وهي تفيد الظن).
أقول: في هذا كلام معروف.--------------------------------------------
(1) (ص 345 ــ 346).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 350)
قال: (ومن القواعد الجليلة … أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الأحوال يكسوها ثوبَ الإجمال فيسقط به الاستدلال).
أقول: موضع هذا أن يحتمل الخبرُ وجهين ولا دليل فيه على أحدهما، فأما إذا كان أحدهما راجحًا فالحكم له.
ثم قال أبو ريَّة ص 263: (ليس في الحديث متواتر … ).
أقول: مَن نفى هذا إنما نفى التواتر اللفظيّ، فأما المعنويّ فكثير، فلتراجع الكتب التي نقل عنها.
وذكر في الحاشية: حديثَ الحوض، وكأنه استهزأ به، ومن استهزأ به فليس من أهله.
ثم ذكر شيئًا من تقسيم العلماء للحديث، إلى أن قال ص 267: (تعدد طرق الحديث لا يقويها. قال العلامة السيد رشيد رضا: يقول المحدثون في بعض الأحاديث حتى التي لم يصح لها سند: إن تعدد طرقها يقويها. وهي قاعدة للمحدّثين لم يشر إليها الله في كتابه، ولا ثبتت في سنته عن رسوله، وإنما هي مسألة نظرية غير مطَّردة).
أقول: أما إطلاق أبي ريَّة في العنوان فباطل قطعًا كما سترى. وأما إشارة القرآن فيمكن إثباتها باشتراط القرآن العدد في الشهود، وقوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14]. ومن السنة: حديث ذي اليدين، والمعقول واضح. نعم قوله: (غير مطردة) حق لا ريب فيه، بل أزيد على ذلك أن بعض الأخبار يزيده تعدد الطرق وهنًا، كأن يكون الخبر في فضل رجل، وفي كلِّ طريقٍ من طرقه كذَّاب أو مُتَّهَم ممن يتعصَّب له أو مغفَّل أو مجهول.
[ص 186] قال: (فتعدد الطرق في مسألة مقطوع ببطلانها شرعًا كمسألة الغرانيق،
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 351)
أو عقلًا لا قيمة له، لجواز اجتماع تلك الطرق على الباطل).
أقول: أما الباطل يقينًا فلا يفيده التعددُّ شيئًا، بل يبعد جدًّا أن تتعدد طرقه تعددًا يفيده قوة قوية، نعم قد يختلف المتن في الجملة ويكون الحكم بالبطلان إنما هو بالنظر إلى ما وقع في بعض الطرق، وقد يكون ذلك الخطأ وقع فيه، وقد يفهم الناظر معنى يحكم ببطلانه، وللخبر معنى آخر مستقيم، وكثيرًا ما يقع الخلل في الحكم بالبطلان.
وقال أبو ريَّة ص 269: (كتب الحديث المشهورة) ثم ذكر «الموطأ» وذكر أشياء ينبغي مراجعةُ مصادرها، إلى أن قال ص 273: (قال ابن معين: إن مالكًا لم يكن صاحب حديث، بل كان صاحب رأي).
أقول: لم يذكر مصدره إن كان له مصدر، ومن المتواتر ثناء ابن معين البالغ على مالك بمعرفة الحديث ورواته والإتقان والتثبُّت(1)، وليس من شأن ابن معين النظر في الفقه.
قال: (وقال الليث بن سعد: أحصيتُ على مالك سبعين مسألة وكلُّها مخالفة لسنة الرسول).
أقول: قد عرفنا أنَّ مالكًا ربما توقف عن الأخذ بالحديث لاعتقاده أنه منسوخ أو نحو ذلك، وقد تُبنى على الحديث الواحد مئات من المسائل، وقد قال مالك: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فما وافق السنة فخذوا به»(2).--------------------------------------------
(1) انظر «تهذيب التهذيب»: (10/ 5 ــ 9).
(2) من ترجمة مالك في تهذيب التهذيب [10/ 9]. [المؤلف].
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 352)
قال: (وقد اعترف مالك بذلك).
أقول: لم يذكر مأخذه حتى نبيِّن له غلطه أو مغالطته.
قال: (وألَّف الدارقطني جزءًا فيما خولف فيه مالك من الأحاديث في الموطأ وغيره، وفيه أكثر من عشرين حديثًا)(1).
أقول: منها ما الصواب فيه مع مالك، ومنها ما كلا الوجهين صحيح، ومنها ما الاختلاف فيه في أمر لا يضر.
ثم قال: (البخاري وكتابه … ) إلى أن قال ص 274: (كان البخاري يروي بالمعنى … ).
أقول: تقدم النظر في ذلك (ص 95)(2).
قال: (قال ابن حجر: من نوادر ما وقع في البخاري أنه يخرج الحديث تامًّا بإسناد واحد بلفظين … ).
أقول: عزاه إلى «فتح الباري» (186: 10) وإنما هو في (193: 10)(3) من الطبعة الأولى الميرية، وبيَّن ابن حجر هناك أن اختلاف اللفظ وقع ممن فوق البخاري لا من البخاري، فراجعه، وتعجَّب من أمانة أبي ريَّة!
[ص 187] ثم قال: (موت البخاري قبل أن يبيّض كتابه. يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبييض كتابه، فقد ذكر ابن حجر في «مقدمة فتح الباري» أن أبا إسحق--------------------------------------------
(1) طبع الكتاب وفيه (83) حديثًا. والأمر كما ذكر الشيخ، وانظر مقدمة تحقيقه (ص 21) ط الرشد، تحقيق رضا بوشامة الجزائري.
(2) (ص 186 ــ 187).
(3) (10/ 227 ــ السلفية).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 353)
إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِرَبْري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها. فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. قال أبو الوليد الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول: أن رواية أبي إسحاق المستملي ورواية … مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدَّر كلُّ واحد منهم فيما كان في طُرَّة(1) أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه(2) إليه. ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث).
أقول: قول أبي ريَّة (قبل أن يبيض) يوهم احتمال أن يكون في النسخة مالم يكن البخاريُّ مطمئنًّا إليه على عادة المصنِّفين، يستعجلُ أحدُهم في التسويد على أن يعود فينقِّح. وهذا باطل هنا، فإنَّ البخاريَّ حدَّث بتلك النسخة، وسمع الناسُ منه منها، وأخذوا لأنفسهم نُسَخًا في حياته، فثبت بذلك أنه مطمئنّ إلى جميع ما أثبته فيها، لكن ترك مواضع بياضًا رجاء أن يُضيفها فيما بعد فلم يتفق ذلك. وهي ثلاثة أنواع:
الأول: أن يثبت الترجمة وحديثًا أو أكثر، ثم يترك بياضًا لحديث كان يفكِّر في زيادته، وأَخَّر ذلك لسببٍ ما، ككونه كان يحبّ إثباته كما هو في أصله ولم يتيسر له الظَّفَر به حينئذ.
الثاني: أن يكون في ذهنه حديث يرى إفراده بترجمة، فيثبت الترجمةَ ويؤخر إثبات الحديث لنحو ما مرَّ.--------------------------------------------
(1) (ط): «طرق» خطأ.
(2) (ط): «أضافه» والمثبت من «هُدَى الساري» وكتاب أبي ريَّة.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 354)
الثالث: أن يثبت الحديث ويترك قبله بياضًا للترجمة؛ لأنه يُعنى جدًّا بالتراجم ويضمِّنها اختياره، وينبِّه فيها على معنى خفيّ في الحديث أو حَمْله على معنى خاص أو نحو ذلك. فإذا كان متردِّدًا تَرَك بياضًا ليتمَّه حين يستقرَّ رأيه. وليس في شيء من ذلك ما يوهم احتمال خلل في ما أثبته. فأما التقديم والتأخير فالاستقراء يبيّن أنه لم يقع إلا في الأبواب والتراجم، يتقدّم أحدُ البابين في نسخة ويتأخّر في أخرى، وتقع الترجمة قبل هذا الحديث في نسخة وتتأخر عنه في أخرى، فيلتحق بالترجمة السابقة. ولم يقع من ذلك ما يمسّ سياق الأحاديث بضرر. وفي «مقدمة الفتح»(1) بعد العبارة السابقة: «قلت: وهذه قاعدة حسنة يُفْزَعُ إليها حيث يتعسَّر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا».
ثم قال أبو ر ية ص 275: (وقد انتقده الحفّاظ في عشرة ومائة حديث، منها 32 حديثًا وافقه مسلم على إخراجها).
أقول: قد ساقها الحافظ ابن حجر في «مقدمة الفتح»(2) وبيَّن حالها، ومن تدبَّر ذلك علم أن الأمر فيها هيِّن [ص 188] ليس فيه ما يحطّ مِن قَدْر البخاريِّ وصحيحه.
قال: (وكذلك ضعَّف الحفَّاظُ من رجال البخاري نحو ثمانين رجلًا … ).
أقول: سيأتي النظر في هذا قريبًا(3).
قال: (وقال السيد محمد رشيد رضا بعد أن عرض للأحاديث المنتقدة على--------------------------------------------
(1) (ص 8).
(2) (ص 346 ــ 383).
(3) (ص 356 ــ 358).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 355)
البخاري ما يلي: وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن … ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه (فتح الباري) رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها مع محاولة الجمع بين المختلفات وحل للمشكلات بما يرضيك بعضه دون بعض).
أقول: السيد رشيد رضا وغيره يعلمون أنَّ في القرآن آيات يُشكل بعضُها على كثير من الناس، وآيات يتراءى فيها التعارض. والذين فسَّروا القرآن ــ ومنهم السيد رشيد ــ يحاولون حلّ ما يتراءى إشكاله والجمع بين ما يتراءى تعارضه (بما يرضيك بعضُه دون بعض). والقرآن كلُّه حقّ {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]. فثبت بهذا أن ما ذكره السيد رشيد رضا في تلك الأحاديث لا تصلح دليلًا على البطلان.
هذا، وللاستشكال أسباب، أشدّها استعصاء: أن يدلّ النص على معنى هو حقّ في نفس الأمر لكن سبق لك أن اعتقدت اعتقادًا جازمًا أنه باطل.
وقال ص 276: (وقال الدكتور أحمد أمين … إن بعض الرجال الذين روى لهم [البخاري] غير ثقات، وقد ضعَّف الحافظ من رجال البخاري فوق الثمانين).
أقول: هذا الأمر يتراءى مَهُولًا، فإذا تدبَّرنا حالَ أولئك الثمانين واستقرأنا ما أخرجه البخاري لهم= اتضح أنّ الأمر هيِّن، وقد ساق الحافظ ابن حجر في «مقدّمة فتح الباري»(1) تراجم هؤلاء وما قيل فيهم من مدح وقدح، وما أخرجه لهم البخاري، فذكر في أولهم ممن اسمه أحمد تسعةَ نفرٍ اختلف فيهم، وغالبهم من شيوخ البخاري الذين لقيهم واختبرهم، فثلاثة منهم اتضح أنهم ثقات وأنَّ قَدْح مَن قَدَح فيهم ساقطٌ، كما تراه جليًّا في--------------------------------------------
(1) (ص 384 ــ 465).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 356)
«مقدمة الفتح». وثلاثة فيهم كلام، وإنما أخرج لكل واحد منهم حديثًا واحدًا متابعة، يروي البخاريُّ الحديث عن ثقة أو أكثر، ويرويه مع ذلك عن ذاك المتكلَّم فيه، واثنان روى عن كلٍّ منهما أحاديث [ص 189] يسيرة متابعة أيضًا.
التاسع: أحمد بن عاصم البلخي ليس له في الصحيح نفسه شيء، ولكن المتسملي ــ أحد رواة الصحيح عن الفِرَبْرِي عن البخاري ــ أدرج في باب رفع الأمانة من الرقاق قوله: «قال الفربري: قال أبو جعفر: حدثت أبا عبد الله [البخاري] فقال: سمعت أبا [جعفر] أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول: قال الأصمعي وأبو عَمْرو وغيرهما: جذر قلوب الرجال ــ الجذر الأصل من كل شيء، والوَكْت أثر الشيء ــ».
هذا هو التحقيق، وإن وقع في «التهذيب» و «مقدمة الفتح»(1) ما يوهم خلافه، وراجع «الفتح» (386: 11)(2).
وإذ قد عرفتَ حالَ التسعة الأوَّلين فَقِسْ عليهم الباقي، وإن شئت فراجع وابحث يتضِحْ لك أنَّ البخاريَّ عن اللوم بمنجاة.
ثم قال أحمد أمين: (وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل، فالوقوف على أسرار الرجال محال، نعم إنّ مَن زلّ زلة واضحة سهل الحكم عليه، ولكن ماذا يصنع بمستور الحال؟ ).
أقول: الخبير الممارس لأحوال الناس وطباعهم، وللرواية وأحوال الرواة، وما جرى عليه أئمة النقد يتبين له أن الله تعالى قد هيَّأ الأسباب لبيان--------------------------------------------
(1) «التهذيب»: (1/ 46)، و «هُدَى الساري» (ص 386).
(2) (11/ 334). ووقع في (ط): (11/ 286) خطأ.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 357)