أحوالهم وأخبارهم، واعتبروا مروياتهم كما تقدم في مواضع منها (ص 55 و 62)(1). فمن وثّقه المتثبِّتون منهم فمحاولة بعضِ العصريين اتهامه لأنه كان ــ مثلًا ــ يتشيّع أو يخالط بني أمية أو نحو ذلك لغوٌ لا يرتضيه العارف البتة. هذا حُكم يقبله علماء السنة لهم وعليهم، ألا ترى أن مسلمًا صحَّح حديث أبي معاوية عن الأعمش عن عديّ بن ثابت عن زِرٍّ قال: «قال عَلِيّ: والذي فَلَق الحَبّة وبرأ النَّسَمة إنه لَعَهد النبيّ الأميّ صلى الله عليه وسلم إليّ: أن لا يُحبَّني إلا مؤمن ولا يبغضَني إلامنافق»(2). ولا أعلم أحدًا طعن فيه، مع أن عديَّ بن ثابت معروف بالتشيُّع بل وصفه بعضُهم بالغلوِّ فيه، وكان إمامَ مسجد الشيعة وقاصَّهم، والبخاريّ وإن لم يخرج هذا الحديث فقد احتجَّ بعدي بن ثابت في عدة أحاديث، ولو كان يتَّهمه بكذبٍ ما في الرواية لما احتجَّ به البتة(3).
الأمر الثاني: ذَكَر من أسباب الكذب خطأً: أن يخطئ المخبر في معرفة حقيقة ما عاين أو سمع، وينقل الخبر بحسب ما اعتقد.
أقول: قد عرف المحدّثون هذا، ولذلك شرطوا في الراوي أن يكون ضابطًا متثبتًا عارفًا بمعاني الكلام إذا روى بالمعنى، ويختبرون حاله في ذلك باعتبار حديثه كما تقدم (ص 55 و 62)(4) وغيرهما.
الأمر الثالث: ذَكَر من أسباب تلقّي الراوي الصدوق خبر الكاذب ونقله له: حُسْن الظن بالمخبر، وموافقة الخَبَر لرغبة الراوي وضعف تمحيصه.--------------------------------------------
(1) (ص 108 ــ 109 و 121 ــ 122).
(2) أخرجه مسلم (78).
(3) ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (7/ 165 ــ 166).
(4) (ص 108 ــ 109 و 121 ــ 122).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 398)
أقول: وهذا قد عرفه أئمة الحديث، ولذلك لم يَعُدُّوا رواية الثقة لخبر عن رجل تصحيحًا ولا توثيقًا.
[ص 212] الأمر الرابع: ذَكَر أن الحكم بصحة الخبر لا ينبغي أن يُكتفى فيه بثقة الراوي، بل ينبغي أن يتقدم ذلك النظر في طبيعة الخبر وعَرْضه على أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ويقاس الغائب على الشاهد، فإذا عرف أنه ممكن نظر في حال الرواة، قال: «أما إذا كان مستحيلًا فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح».
أقول: وهذا قد عرفه الأئمة، وقدَّروا كلَّ شيء من هذا قَدْرَه. راجع (ص 191)(1).
وقال ص 334 عن ابن خلدون: (فأبو حنيفة رضي الله عنه يقال: بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثًا).
أقول: هذه مجازفة قبيحة وتفريط شائن، أفما كان ابن خلدون يجد عالمًا يسأله؟ الأحاديث المروية عن أبي حنيفة تُعدّ بالمئات، ومع ذلك لم يُرْو عنه إلا بعض ما عنده، لأنه لم يتصدَّ لإسماع الحديث. راجع (ص 34)(2).
قال: (ومالك رحمه الله إنما صحَّ عنده ما في كتاب الموطأ).
أقول: وهذه مجازفة أخرى، لم يقصد مالك أن يجمع حديثَه كلَّه ولا الصحيح منه في «الموطأ»، إنما ذكر في «الموطأ» ما رأى حاجةَ جمهورِ--------------------------------------------
(1) (ص 360 ــ 362).
(2) (ص 67 ــ 68).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 399)
الناس داعيةً إليه.
قال: (وغايتها ثلاث مائة حديث أو نحوها).
أقول: هذه مجازفة ثالثة، انظر كتاب أبي ريَّة ص 271 حيث ذكر عن الأبهري: أنها ستمائة، فأما ما ذكره هناك أن «الموطأ» كان عشرة آلاف حديث فلم يزل مالك ينقص منه، فقد فنَّده ابن حزم في «أحكامه» (137: 2)(1).
وقال أيضًا: (إن الصحابة لم يكونوا كلهم أهل فتيا، ولا كان الدين يُؤخذ عن جميعهم)(2).
أقول: قال الإمام الشافعي: «أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كلّهم ممن له أن يقول في العلم». راجع ما تقدم (ص 42)(3).
ثم قال أبو ريَّة ص 334 - 338: (أعظم ما رزئ به الإسلام. قال الأستاذ الإمام محمد عبده … ) فذكر أمورًا قد تقدَّم النظر فيها.
وذَكَر ص 336 قول يحيى القطان: «ما رأيتُ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث». ففسَّر الصالحين بالمرائين، والمعروف عند أهل الحديث أنهم أُناس استغرقوا في العبادة والتقشُّف وغَفَلوا عن ضبط--------------------------------------------
(1) (2/ 136 ــ 137). وانظر مقدمة د. محمد مصطفى الأعظمي لطبعته من «الموطأ»: (1/ 96 ــ 118) فقد فنّد هذا القول وبسط الردّ عليه، وفاته كلام ابن حزم على أهميته.
(2) علّق أبو ريَّة على هذا قوله: «من أجل ذلك لم يأخذ أبو حنيفة بما جاء عن أبي هريرة وأنس بن مالك وسمرة … » وقد تقدم إبطال هذا ص 126 [242]. [المؤلف].
(3) (ص 81) وسبق عزو النص إلى «الأم».
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 400)
الحديث، فصاروا يُحدِّثون على التوهُّم، كأبان بن أبي عياش، ويزيد بن أبان الرَّقاشي، وصالح المرّي وغيرهم.
وفي آخر ص 337: (أما أخبار الآحاد فإنما يجب الإيمان بما ورد فيها على من بلغته وصدّق بصحة روايتها).
أقول: ومَنْ لم يصدّق فمدار الحكم فيه على المانع له من التصديق، فمن الموانع ما لا يمنع إلا الزائغ، وراجع (ص 56)(1).
[ص 213] وقال ص 338: (هل كل من وثَّقه جمهور المتقدمين يكون ثقة؟ ) وذكر في هذه الصفحة إلى ص 344: كلمات لصاحب «المنار»، منها كلام في كعب الأحبار ووهب بن منبه، وقد تقدّم النظر في ذلك (ص 67 - 70)(2) وغيرها.
ومنها في نقد المتون (ومن تعرض له منهم كالإمام أحمد والبخاري لم يُوَفِّه حقه كما تراه فيما يورده الحافظ ابن حجر في التعارض بين الروايات الصحيحة له ولغيره).
أقول: من أنعم النظر في الرواة والمرويات ومساعي أئمة الحديث في الجمع والتنقيب والبحث والتخليص والتمحيص عَرَف كيف يثني عليهم، وأبقى الله لمن بعدهم ما يتمّ به الابتلاء وتُنال به الدرجات العُلَى، ويمتاز هؤلاء عن هؤلاء. وقد أسلفتُ (ص 161 و 188)(3): أن الاستشكال لا يستلزم البطلان، بدليل استشكال كثيرٍ مِن الناس كثيرًا من آيات القرآن، وذكرتُ في (ص 172)(4): أن الخلل في ظن البطلان أكثر جدًّا من الخلل--------------------------------------------
(1) (ص 109 ــ 110).
(2) (ص 132 ــ 139).
(3) (ص 307 و 356).
(4) (ص 327).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 401)
في الأحاديث التي يصححها الأئمة المتثبِّتون.
قال: (ومنه ما كان يتعذّر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع؛ لظاهر حديث أبي ذر عند الشيخين وغيرهما: «أين تكون الشمسُ بعد غروبها»، فقد كان المتبادر منه للمتقدّمين أن الشمس تغيب عن الأرض كلها وينقطع نورها عنها مدة الليل، إذ تكون تحت العرش تنتظر الإذن لها بالطلوع ثانية).
أقول: للحديث روايات:
إحداها: رواية وكيع عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر: سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس: 38] قال: «مستقرّها تحت العرش» أخرجاه في «الصحيحين»(1).
الثانية: في «الصحيحين»(2) أيضًا من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: «دخلتُ المسجدَ ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فلما غابت الشمس قال: «يا أبا ذرّ هل تدري أين تذهب هذه؟ » قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذَن لها. وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلُع من مغربها»، قال: ثم قرأ في قراءة عبد الله: (وذلك مستقرّ لها) لا أدري من القارئ؟ ولعله إبراهيم التيمي. وظاهر اختلاف سياق الروايتين أنهما حديثان كلٌّ منهما مستقلّ عن الآخر، وليس في المرفوع من هاتين الروايتين ذِكْر أنها حين تغرب تكون تحت العرش أو في مستقرّها.--------------------------------------------
(1) البخاري (4802)، ومسلم (159).
(2) البخاري (4803)، ومسلم (159).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 402)
وهناك رواية ثالثة للبخاري(1) عن الفريابي عن الثوري عن الأعمش بنحو رواية أبي معاوية إلا أنه قال: «تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن … ». ونحوه بزيادة في روايةٍ لمسلم(2) من وجهٍ آخر عن إبراهيم التيمي وقال: «حتى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش فتخرّ ساجدة … ».
فقد يقال: لعلّ أصل الثابت [ص 214] عن أبي ذر الحديثان الأولان، ولكن إبراهيم التيميّ ظنَّ اتفاق معناهما فجمع بينهما في الرواية الثالثة. وقد يقال: بل هو حديث واحد اختصره وكيع على وجه وأبو معاوية على آخر. فالله أعلم.
هذا، وجَرْي الشمس هو ــ والله أعلم ــ هذا الذي يحسّه الناس، فإنه على كلِّ حال هو الذي تُطْلِق عليه العرب: (جري الشمس) تدبر(3)، وبحسب ذلك يُفهم الحديث. وقال الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18]. ومهما يكن هذا السجود فإنه يدل على الانقياد التام، والشمس منقادة لأمر ربها أبدًا، وانحطاطها في رأي العين إلى أسفل أجدر بأن يسمَّى سجودًا، والمأمور يعمل إذا انقاد، وشأنه الانقياد دائمًا، فشأنه عند توقّع أن يُؤمر بتركه أن يستأذن.
فأما طلوعها آخر الزمان من مغربها، فرأيت لبعض العصريين(4) كلامًا--------------------------------------------
(1) (3199).
(2) (159).
(3) كذا في (ط).
(4) لم أتبيَّن مَن هو.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 403)
سأذكره ليُنْظَر فيه: ذكر أنه يحتمل أن يُحْدِث الله عز وجل ما يعوق هذه الحركة المحسوسة الدائرة بين الشمس والأرض، فتبطئ تدريجًا كما يُشْعِر به ما جاء في بعض الأخبار: أن الأيام تطول آخر الزمان، حتى تصل إلى درجة استقرار، ويكون عروض هذا الاستقرار بعد غروبها عن هذا الوجه من الأرض الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تنعكس الحركة فتطلع على أهل هذا الوجه من مغربهم. قال: وذاك الموضع(1) الذي سوف تستقر فيه مُعيَّن بالنسبة إلى موضعها من الأرض، فيصح أن يكون هو المستقر. قال: وكان الظاهر ــ والله أعلم ــ أن يقال: «تحت الأرض» أي بالنظر إلى أهل الوجه، لكنه عَدَل إلى «تحت العرش» لأوجه:
منها: كراهية إثارة ما يستغربه العرب حينئذ من هيأة الخلق مما يؤدي إلى شكِّ وتساؤل واشتغال الأفكار بما ليس من مهمَّات الدين التي بُعِث لها الرسل، وقد ذكر بعضُهم نحو هذا في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189].
ومنها: أنه وإن كان تحت الأرض عند أهل هذا الوجه فهو فوقها عند غيرهم، أما العرش فذاك الموضع والعالم كله تحته، راجع «الرسالة العرشية»(2) لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومنها: أنه لما ذكر أنه موضع سجودها كانت نسبة السجود إلى كونه تحت العرش أَوْلَى.--------------------------------------------
(1) (ط): «الموضوع» خطأ.
(2) (ص 33 وما بعدها).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 404)
أقول: فلم يلزم مما في الرواية الثالثة من الزيادة غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة [ص 215] كل يوم بذاك الموضع الذي كُتِب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربُّها سبحانه.
* * * *
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 405)
بحث مع صاحب «المنار»
قال ص 339: ( … بعد العلم القطعي لا مندوحة لنا عن أحد أمرين: إمّا الطعن في سند الحديث وإن صححوه؛ لأن رواية ما يخالف القطعي من علامات الوضع عند المحدّثين أنفسهم. وأقرب تصوير للطعن فيما اشتهر رواته بالصدق والضبط: أن يكون الصحابي أو التابعي منهم سمعه مِنْ مِثل كعب الأحبار. ونحن نعلم أنّ أبا هريرة روى عن كعب الأحبار، وكان يصدِّقه، ونرى الكثير من أحاديثه عَنْعنة(1) لم يصرح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن القطعيِّ أنه لم يسمع الكثير منها من لسانه صلى الله عليه وسلم لتأخُّر إسلامه، فمن القريب أن يكون سمع بعضها من كعب الأحبار، ومرسل الصحابيّ إنما يكون حجة إذا سمعه من صحابيٍّ مثله، ومثل هذا يقال في ابن عباس وغيره ممن روى عن كعب الأحبار وكان يصدِّقه. وإما تأويل الحديث بأنه مرويّ بالمعنى، وأن بعض رواته لم يفهم المراد منه فعبَّر بما فهمه … ).
أقول: عليه في هذا مؤاخذات:
الأولى: أن الأمرين اللذين ذكر أنه لا مندوحة عنهما، وهما الطعن والتأويل لا يتعيّنان، بل بقي ثالث وهو التوقّف، ويتعيَّن حيث لا يتهيَّأ للنّاقد تأويل مقبول ولا طعن معقول.
الثانية: أنه قدَّم الطعنَ على التأويل، والواجب ما دام النظر في حديثٍ ثابت في «الصحيحين» تقديم التأويل.
الثالثة: قوله: «إن مخالفة القطعيَّ من علامات الوضع»، محلُّه إذا تحققت المخالفة، ولم يكن هناك احتمال للتأويل البتة.--------------------------------------------
(1) كذا ولعلها: «معنعنة».
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 406)
الرابعة: الطعن المعقول هو الذي يتحرَّى أضعف نقطة في السند، فما باله عَمَد إلى أقوى مَنْ فيه وهو الصحابي؟ وهو أبو ذرّ الغفاري، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء مِنْ ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر»(1). ثبتَ مِن حديث أمير المؤمنين عليّ وعدد من الصحابة.
الخامسة: أن أبا ذر لم يُنقل عنه إصغاء إلى كعب، ولا إلى مَن هو مثل كعب، بل جاء أنَّ كعبًا قال في مجلس عثمان: ما أُدِّيَتْ زكاتُه فليس بكنز. فضربه أبو ذرّ بعصاه، وقال: ما أنت وهذا يا ابن اليهودية؟ أو كما قال. وفي «المسند» (162: 5)(2) عنه: «لقد تركنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وما يتقلَّب في السماء طائر إلا ذكرنا منه علمًا». وفي البخاري(3) عنه أنه قال في زمان عثمان: «لا والله لا أسألهم دُنْيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله عز وجل». أفتراه يستغني عن إخوانه مِنْ جِلَّة الصحابة هذا الاستغناء ثم يأخذ عن كعب أو نحوه؟
[ص 216] السادسة: أن مَنْ سمع مِنْ الصحابة من كعب لم يسمعوا منه إلا بعض ما يخبر به عن صحف أهل الكتاب، ورواية أبي هريرة عن كعب قليلة وكلها من هذا القبيل، وراجع (ص 68 و 73)(4).
السابعة: لم يذكر دليلًا على دعواه أنَّ أبا هريرة وابن عباس كانا يُصدِّقان كعبًا، ولا أعلم أنا دليلًا على ذلك، أما إخبارهما عنه ببعض ما يُخْبِر به عن--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 206 ــ 207).
(2) (21439).
(3) (1408)، وهو في مسلم أيضًا (992).
(4) (ص 132 و 139).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 407)
صُحُف أهل الكتاب فغايته أنهما كانا يميلان إلى عدم كذبه.
الثامنة: أن الذي عُرِف للصحابة في قول أحدهم: «قال النبي صلى الله عليه وسلم … » أنه إن لم يكن سماعًا له من النبي صلى الله عليه وسلم فهو سماعٌ له من صحابي آخر ثابت الصحبة كما تقدم (ص 115)(1). وجميع ما ثبت عنهم جملةً وتفصيلًا مما فيه ذِكْر إرسالهم إنما هو هذا، و(2) الدليل الصريح الذي استدلوا به على أنَّ أبا هريرة قد يرسل: إنما هو حديثه في مَنْ أصبح جُنبًا فلا يصبح …(3)، وقد بيّن أنه سمعه من صحابيين فاضِلَين وهما أسامة بن زيد والفضل بن عباس، مع أنه قلّما كان يذكر الحديثَ بل كان الغالب من حاله أن يفتي بذلك فتوى ولا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا يُعْلَم أحدٌ من الصحابة قال في حديث: «قال النبي صلى الله عليه وسلم … » ثم بيّن أو ذَكَر مرةً أخرى أو تبيَّن بوجه من الوجوه أنه عنده عن تابعيّ عن صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل يعزّ جدًّا أَخْذ الصحابي عن تابعي عن صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما توجد أمثلة يسيرة جدًّا لصغار الصحابة يُسْنِدونها على وجهها، راجع (ص 156 - 157)(4).
وكان الصحابي إذا قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم … » كان محتملًا عند السامعين للوجهين كما مرَّ، فأما أن يكون إنما سمعه مِن تابعيّ عن صحابيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يكن عندهم محتملًا، وإذ لم يكن محتملًا فارتكاب الصحابي إياه--------------------------------------------
(1) (ص 222 ــ 223).
(2) (ط): «أو».
(3) تقدم (ص 226).
(4) (ص 298 ــ 301).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 408)
كذب، وقد برَّأهم الله تعالى عن الكذب. وأبعد من ذلك أن يكون إنما سمعه من تابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبعد وأبعد أن يكون التابعي مثل كعب.
التاسعة: زعم ــ مع الأسف ــ أن هذا أقرب تصوير للطعن، وهو كما ترى أبعد تصوير، بل هو محض الباطل، ولو احتجتُ إلى الطعن في سند الخبر لأريتُك كيف يكون الطعن المعقول بشواهده من كلام الأئمة كابن المديني والبخاري وأبي حاتم وغيرهم، فإنَّ لهم عللًا ليست كلٌّ منها قادحة حيث وقعت، ولكنها تقدح إذا وقعت في خبر تحقَّق أنه منكر. وهذا من أسرار الفن(1).
العاشرة: أن هذا الطعن يترتّب عليه من المفاسد مالا يعلمه إلا الله تعالى، وهي المَكِيدة التي مرَّت الإشارة إليها (ص 201)(2)، وإيضاحها قبل ذلك، وكلّ من التأويل ولو مستكرهًا والوقف أسلم من هذا الطعن [ص 217]. ولو غير السيد رشيد رضا قاله لذكرت قصة المرأة التي اشتكى طفلُها ولم تعلم ما شكواه، غير أنها نظرت إلى يافوخه يضطرب ــ كما هو شأن الأطفال ــ فأخذت سكينًا وبطَّت يافوخَه كما يُصنع بالدّمل … إلى آخر ما جرى.
الحادية عشرة: قوله في أبي هريرة: «من القطعي … لتأخر إسلامه». قد تقدم رده (ص 156)(3).--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة تحقيق «الفوائد المجموعة» (ص 8 ــ 9) للمؤلف.
(2) (ص 380). وانظر ما سبق (142 ــ 150 و 161 ــ 177 و 209 ــ 214 و 300 و 325 ــ 327).
(3) (ص 298 ــ 299).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 409)
الثانية عشرة: لا يخفى حال ما ذكره أخيرًا وسمَّاه تأويلًا.
وذكر ص 340 الحكايات عن كعب ووهب وقال: (لم يكن يحيى بن معين وأبو حاتم وابنه وأمثالهم يعرفون ما يصح من ذلك وما لا يصح، لعدم اطلاعهم على تلك الكتب).
أقول: في هذا أمور:
الأول: أن الأئمة كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، فبذلك كانوا يعرفون حال كعب ووهب فيما نسباه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا وثّقوهما فمعنى ذلك أنهم عرفوا صِدْقهما في هذا الباب، وهذا هو الذي يهمُّ المسلمين. فأما ما حكياه عن صُحُف أهل الكتاب فليس بحجة سواء أصَدَقا فيها أم كَذَبا.
الثاني: تقدم في فصل الإسرائيليات (ص 67 - 95)(1) ما يُعلم منه: أن غالب ما يُنسب إلى كعب لا يثبت عنه، ومرَّ (ص 91)(2): أن في كتاب «فضائل الشام» سبع عشرة حكاية عن كعب لا تثبت عنه ولا واحدة منها. وعسى أن يكون حال وهب كذلك. فمَنْ أراد التحقيق فليتتبع ما يثبت عنهما صريحًا بالأسانيد الصحيحة، ثم ليعرضه على كتب أهل الكتاب الموجودة كلها، ويتدبَّر الأمر الثالث وهو ما تقدم (ص 69 - 72)(3): مِن تتبُّع اليهود ما كان موجودًا في العالم ــ عند ظهور الإسلام وبعده إلى مدّة ــ مِن نُسَخ كتبهم في العالم كلّه وإتلافها لمخالفتها ما يرضونه من نُسَخ حديثة أبقوها، مع ما عُرف عنهم من استمرار التحريف عمدًا، وانقراض كثير من كتبهم البتة، ثم--------------------------------------------
(1) (ص 130 ــ 184).
(2) (ص 171).
(3) (ص 134 ــ 140).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 410)
ليحكم.
قال: (وإننا نرى بعض الأئمة المجتهدين قد تركوا الأخذ بكثير من الأحاديث الصحيحة … ).
أقول: قد تقدم النظر في هذا (ص 35 و 178)(1).
وقال ص 341 في حكايات كعب ووهب: (وما كان منها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه أكبر، كالذي ذكره كعبٌ مِن صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم في التوراة).
أقول: قد مرَّ الخبر (ص 70 - 71)(2) وأنه ثابت عن عبد الله بن عَمرو بن العاص عن التوراة، ويُروى عن عبد الله بن سلام وعن كعب. [ص 218] فأما الشبهة التي أشار إليها فلا يكاد يوجد حقٌّ لا يمكن أن يحاول مُبْطِل بناء شبهة عليه، فمَنْ التزم أن يتخلَّى عن كلِّ ما يمكن بناء شبهة عليه أوْشَك أن يتخلى عن الحقِّ كلِّه.
وقال: (وإني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابي يخالف ظاهر القرآن، وإن وثَّقوا رجاله، فربَّ راوٍ يوثَّق للاغترار بظاهر حاله وهو سيء الباطن).
أقول: قد تقدم (ص 14)(3) ما نقله أبو ريَّة عن صاحب «المنار» قال: «النبي صلى الله عليه وسلم مبيِّن للقرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان التفصيل والتخصيص والتقييد، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره». وأوضحتُ ذلك هناك، فإن أراد هنا بقوله: «يخالف ظاهر القرآن» ما لو صح لكان إبطالًا أو نقضًا فذاك، فأما البيان بالتفصيل والتخصيص--------------------------------------------
(1) (ص 71 و 338 ــ 339).
(2) (ص 137 ــ 140).
(3) (ص 29).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 411)
والتقييد ونحوها فإنه يثبت بخبر الواحد بشرطه، وأدلةُ خبرِ الواحد ــ ومنها جَرَيان العمل به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعمل أهل العلم ــ تشمل هذا، ومنها ما هو نصٌّ فيه. راجع (ص 22 و 45 و 49)(1).
ومما يزيده وضوحًا: أن دلالة العموم ونحوه كثيرًا ما تتخلَّف، وقد قيل: ما مِن عامّ إلا وقد خُصّ. وذهب بعضهم إلى أنه إذا خُصّ شيءٌ من العام سقطت دلالته على الباقي. وتخصيص العمومات ثابتٌ في قضايا لا تُحْصَى، فاحتمال القضية له أَبْيَنُ وأَوْضَح وأَوْلَى مِن احتمالٍ لا يمكنك أن تثبته في واقعة واحدة، وهو كَذِب راوٍ وثَّقه الأئمة المتثبِّتون وصحَّحوا حديثه محتجّين به، ولم يطعن فيه أحد منهم طعنًا بيِّنًا. أما كعب ووهب فليسا من هذا لوجهين: الأول: أنهما ليسا بهذه الدرجة، راجع (ص 69 - 70)(2). الثاني: أنه لم يثبت ما نسبه إليهما من سوء الظن.
ثم قال أبو ريَّة ص 342: (جل أحاديث الآحاد لم تكن مستفيضة في القرن الأول). ونقل عبارةً للسيد رشيد رضا في مقدمته لـ «مغني ابن قدامة».
وقد تقدَّم النظر فيها (ص 15)(3)، وعبارة السيد رشيد: «جلّ الأحاديث التي يحتجّ بها أهل الحديث على أهل الرأي والقياسيين من علماء الرواية»، ثم قال صاحب «المنار»: «فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام الذي جرى عليه عمل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليست مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الشاهد فيه الغائب … ».--------------------------------------------
(1) (ص 45 و 89 و 99).
(2) (ص 135 ــ 138).
(3) (ص 31).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 412)
أقول: قد تقدَّم دفع هذا (ص 28 - 35)(1)، وراجع (ص 20 - 21)(2) و (ص 52)(3). [ص 219] ثم حكى كلمات عمن ليس قوله حجة، ولا ذَكَر حُجة، فأعرضتُ عنها، ومنها ما عزاه إلى كتاب ليس عندي(4)، فليراجع.
ثم ذكر ص 347 - 348: آيات من القرآن، وقد تقدّم ما يتعلق بذلك (ص 13)(5).
ثم ذكر ص 348: قول ابن حجر في «الفتح»(6) في الكلام على حديث إيصاء النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن: «اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تِبيان كلِّ شيء إما بطريق النصّ أو بطريق الاستنباط، فإذا تَبِعَ الناسُ ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به».
كذا صنع أبو رية! وآخر عبارة ابن حجر في «الفتح» (5: 268) هكذا: « … عملوا بكلِّ ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به؛ لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] الآية … ».
وقال ص 349: (وعن أبي الدرداء مرفوعًا: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وماحرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية … ).
أقول: هذا يرويه إسماعيل بن عَيّاش، وهو صدوق، عن عاصم بن--------------------------------------------
(1) (ص 56 ــ 69).
(2) (ص 41 ــ 44).
(3) (ص 102).
(4) (ط): «عنده» والصواب ما أثبت.
(5) (ص 27).
(6) (5/ 361).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 413)
رجاء بن حَيْوَة، وهو صدوق يهم، عن أبيه رجاء، عن أبي الدرداء. ورجاء لم يدرك أبا الدرداء، فالخبر منقطع مع ما في سنده(1)، ولو صحَّ لما كان فيه ما يخالف الحجج القطعية، فقد حرَّم الله في كتابه معصية رسول الله والمخالفة عن أمره، وأمر بأخذ ما آتى، والانتهاء عما نهى. وراجع (ص 13)(2).
ثم ذكر مرسل ابن أبي مُلَيكة، وقول عمر: «وعندنا كتاب الله حسبنا». وقد تقدّم النظر فيهما (ص 36 و 39)(3).
قال: (ولما سُئلت عائشةُ عن خُلق النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالت: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن).
أقول: خلقه صلى الله عليه وسلم يشمل جميع أحواله وأفعاله وأقواله، فرأتُ عائشةُ أنه لا يمكنها تفصيل ما تعلم مِن ذلك كله لذلك السائل، وعلمَتْ أنه يقرأ القرآن وفيه تفصيل كثير من الأخلاق التي كانت من خُلُق النبيّ صلى الله عليه وسلم وإجمال الباقي فأحالته عليه، وقد عاد السائل فسألها عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أعماله، فأخبرته. وفي ذلك وسائر أحاديث عائشة نفسها ذِكْر أشياء كثيرة جدًّا لا يفهمها الناس مِن نصِّ القرآن وإنما هي من بيانه(4) له بما فيه التفصيل والتخصيص والتقييد ونحو ذلك.
ثم قال أبو ريَّة: (وقال الأستاذ الإمام محمد عبده رضي الله عنه: إن المسلمين ليس--------------------------------------------
(1) أخرجه البزار (4087)، والدارقطني: (3/ 59)، والحاكم: (2/ 375)، والبيهقي: (10/ 12) وغيرهم. وصحح إسناده الحاكم. وفيه النظر الذي ذكره المؤلف.
(2) (ص 27).
(3) (ص 72 و 78).
(4) (ط): «بيان».
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 414)
لهم إمام في هذا العصر غير القرآن).
[ص 220] أقول: ها أنتم تلقِّبون الشيخ محمد عبده نفسه بهذا اللقب نفسه (الإمام) وتقتدون به، وتترضَّون عنه كما يُترَضَّى عن الصحابة، مع أنكم كثيرًا ما تذكرون النبيَّ صلى الله عليه وسلم فلا تصلّون عليه، وتسيئون القولَ في الصحابة رضي الله عنهم، وفي كتاب أبي ريَّة كثيرٌ من ذلك، فكأنكم أردتم له أن تسلبوا أئمة الحقِّ هذا اللقب وتخصّوه به.
أما القرآن فهو الإمام حقًّا، وهو نفسه يثبت الإمامةَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم كلّ راسخ في العلم والدين مُبلِّغ لأحكام الشرع فإنه إمام، إلا أنه كالمبلِّغ لتكبيرات إمام الصلاة، وإن بان وقوعُه في مخالفةٍ للإمام اتبعنا الإمامَ دونَه.
وقال: (لا يمكن لهذه الأمة أن تقوم ما دام هذه الكتب فيها).
أقول: إن أراد جميع الكتب غير القرآن فالواقع أنَّ فيها الحق والباطل، وكثير من الحق الذي فيها إذا فات لا يُعَوَّض، فأما الباطل فكما قيل: إن ذهب عَير، فعَير في الرباط، ومَن عَرف الحقَّ واتبعه فقد استقام، ولا يضره بعد ذلك أن يعرف أضعافَ أضعافِه من الباطل.
وذكر ص 350 أمورًا قد تقدَّم النظر فيها (ص 175 - 177)(1) وغيرها.
ثم قال: ( … ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا).
أقول: تقدم تفنيد هذا، وبيان ما وقع فيه من الغلط (ص 15)(2).
قال ص 351: (هذه هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إطلاقها على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث).--------------------------------------------
(1) (ص 332 ــ 334).
(2) (ص 31).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 415)
أقول: تقدم تفنيده (ص 12)(1).
ثم قال: (أحاديث الآحاد التي لم يعمل بها جمهور السلف هي محل اجتهاد في أسانيدها ومتونها؛ لأن ما صح منها يكون خاصًّا بصاحبه).
أقول: إن أراد بقوله: (صاحبه) من عَرف صحّته، بمعنى أنه ليس له إلزام غيره فسيأتي قريبًا، وإن أراد به الصحابي الذي ورد فيه، فإنما يصح هذا حيث يثبت دليل على الخصوصية. وراجع (ص 28 - 35)(2).
قال: (ومن صح عنده شيء منها روايةً ودلالةً عمل به، ولا تُجْعَل تشريعًا عامًّا تُلزمه الأمة إلزامًا تقليدًا لمن أخذ به).
أقول: على مَنْ صحّ عنده أن يُبيِّن ذلك لغيره ويعذره إن خالفه ولم يتبيَّن له عناده أو زيغه، وإلا لزمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الإمام أن يمنع من يتبيَّن له خطؤه من الإفتاء بذلك الخطأ، ويمنع الناس من الأخذ بفتواه، وفي سيرة عمر رضي الله عنه ما يبيّن هذا.
[ص 221] ثم ذكر أشياء قد تقدَّم النظر فيها، إلى أن قال: (وما كل مالم يصح سنده يكون متنه غير صحيح).
أقول: وجه ذلك أنه قد يثبت بسند آخر صحيح، لكن لا يخفى أن هذا الاحتمال لا يفيد المتنَ شيئًا من القوَّة، غايته أن يقتضي التريُّث في الجزم بضعفه مطلقًا حتى يبحث فلا يوجد له سند صحيح.
وذكر أشياء تقدَّم النظر فيها، إلى أن قال ص 352: (ولم يَظْهر البخاريُّ ولا غيره من كتب الحديث إلا بعد انقضاء خير القرون).--------------------------------------------
(1) (ص 25).
(2) (ص 56 ــ 69).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 416)
أقول: هذا مأخوذ من قدح بعض الملحدين في القرآن؛ بأن المصاحف لم تكن في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكما يقال لهذا: ليس المدار على المصاحف إنما المدار على ما فيها، وقد ثبت أنه القرآن الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، فكذلك نقول هنا: الأحاديث التي في «صحيح البخاري» ثبت أنها كانت معروفة عند خير القرون، وإنما رواها الثقات منهم وعنهم، بل ثبتت بالحجة الشرعية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال: (لم يقل أحدٌ من سلف الأمة وأئمة الفقه: إن معرفة الدين تتوقَّف على الإحاطة بجميع ما رواه المحدِّثون ولا بأكثرها).
أقول: لا ريب أن الأحاديث الضعيفة والواهية والمكذوبة لا تتوقّف معرفةُ الدين على الوقوف عليها، ومِن الصحيحة ما يُرْوَى من عِدّة طرق قد تبلغ المِئين، ويكفي لمعرفة الدين معرفة المتن من طريق صحيحة منها.
ومنها أحاديث يتفق العددُ منها في المعنى أو فيما هو المقصود، كأحاديث تحريم الربا وأحاديث التشهُّد، ويكفي لمعرفة الدين معرفة واحدٍ منها.
ومنها أحاديث يوجد في كتاب الله عز وجل ما يفيد معناها، ويكفي لمعرفة الدين معرفة تلك الدلالة من القرآن.
وبعد هذا كله، فمعرفة الدين ليست أمرًا لا يزيد ولا ينقص، وقد عَلِمْنا أنّ الشريعةَ لم توجب أن يكون كلّ مسلم عالمًا، وإنما أوجبت على الأمة أن يكون فيها علماء بقدر الكفاية يرجع إليهم العامّة في كلِّ ما يعرض لهم، ولم توجب على العالم أن يكون محيطًا بالدين، بل كما أن العامِّي يستكمل ما يحتاج إليه بسؤال العلماء، فكذلك العالم يستكمل ما يخفى عنه أو يُشْكِلُ
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 417)