Arabic source text

📘 আল-আনোয়ারুল কাশিফাহ লিমা ফী কিতাবি আদওয়াউ আলাস সুন্নাহ - যিমনু আসারুল মুআল্লিমী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 আল-আনোয়ারুল কাশিফাহ লিমা ফী কিতাবি আদওয়াউ আলাস সুন্নাহ - যিমনু আসারুল মুআল্লিমী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أراك تسمع لحديثي … فقال ابن عباس: إنا كنا مرَّة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتَدَرَتْه أبصارُنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناسُ الصعبَ والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف».
عَرَف ابنُ عباس أن بُشيرًا ليس بصحابي، ومع ذلك لم يدرك كبار الصحابة، ولعله مع ذلك لم يكن يُعرف بالثقة، وفوق ذلك كان يرسل. لا جَرَم لم يصغ إلى أحاديثه. فأما استعادته بعضها فكأنَّ المستعاد كان أحاديث يعرفها ابن عباس، فأراد أن يصحِّحها لبُشَير إن كان عنده فيها خطأ.
كانت القصة حوالي سنة ستين كما مرَّ، وقد ظهر الكذب بالعراق قبل ذلك كما يُؤخَذ مما يأتي، وبُشير عراقيّ، فليس في القصة ما يخدش في صدق الصحابة رضي الله عنهم، ولا ما يدلّ على ظهور الكذب بعد وفاة النبيِّ بمدّة يسيرة، وقوله في إحدى روايتي طاووس: «تركنا الحديث عنه» يريد تركنا أخذ الحديث عنه إلا من حيث نعرف.
وذكر ص 44 ما في مقدمة «صحيح مسلم»(1) أيضًا عن ابن أبي مُلَيكة: «كتبتُ إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابًا ويُخْفي عنّي، فقال: ولدٌ ناصح، وأنا أختار له الأمور اختيارًا وأُخْفي عنه، قال: فدعا بقضاء عليّ رضي الله عنه [ص 201] فجعل يكتب منه أشياء ويمرُّ به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا عليّ، إلا أن يكون ضلّ».
أقول: أورد مسلم بعد هذا: «عن طاووس قال: أُتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء عليّ … »، ثم أورد: «عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد عليّ رضي الله عنه قال رجل من أصحاب عليّ: قاتلهم الله أيَّ علمٍ أفسدوا».--------------------------------------------
(1) (1/ 13).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 378)

التفّ حَوْلَ عليّ رضي الله عنه بالكوفة نفرٌ ليس لهم علم ولا كبير دين، وذاك الكتاب جمع من حكاياتهم وحكايات غيرهم عن قضاء علي، وجيء إلى ابن عباس بنسخة منه. وذكر مسلم(1) أيضًا ونقله أبو ريَّة عن المغيرة بن مِقْسم قال: «لم يكن يَصْدُق على عليٍّ رضي الله عنه في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود».
وذلك أن ابن مسعود كان بالكوفة في عهد عمر وبعده، فكان له أصحاب طالت صحبتهم له وفقهوا، فلما جاء عليّ إلى الكوفة أخذوا عنه أيضًا وكانوا أوثق أصحابه. وهذه الآثار إنما تدل على فشوِّ الكذب بالكوفة بعد عليّ رضي الله عنه.
* * * *--------------------------------------------
(1) (1/ 14).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 379)

درجات الصحابة
وقال أبو ريَّة ص 45: (درجات الصحابة … ).
ثم قال ص 47: (رواية الصحابة بعضهم عن بعض، وروايتهم عن التابعين … ).
وعاد يبدئ ويعيد لتأكيد تلك المكيدة الجهنَّمية التي سبق الكشف عنها (ص 72 - 75 و 82 و 89 - 90 و 109 - 110 و 157 و 171)(1).
ثم قال ص 49: (نقد الصحابة بعضهم لبعض … ).
أقول: ذكر أشياء معروفة مع أجوبتها في كتب الحديث، وحاصلها: أنَّ أحدهم كان إذا سمع من أخيه حديثًا يراه معارضًا لبعض ما عنده توقّف فيه، وظنَّ أو جوّز أن أخاه أخطأ، مع تبرئة بعضهم لبعض عن تعمّد الكذب.
وذكر فيها ص 52: (ولما بلغها ــ يعني عائشة ــ قول أبي الدرداء: من أدرك الصبح فلا وتر عليه. قالت: لا، كذب أبو الدرداء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح فيوتر).
أقول: الخبر في «سنن البيهقي» (479: 2) ولفظه: «فلا وتر له» وراويه عن أبي الدرداء وعائشة أبو نَهيك الأزدي الفراهيدي، قال ابن القطان: «لا يُعرف» يعني أنه مجهول الحال(2)، ولا يُخْرجه عن ذلك ذِكْر ابن حِبّان له في «الثقات»(3)، وفوق ذلك لا يُعلَم له إدراك لأبي الدرداء وعائشة، بل الظاهر عدمه، فالخبر منقطع، ويعارضه ما في «الصحيحين»(4) وغيرهما--------------------------------------------
(1) (ص 142 ــ 150 و 161 ــ 177 و 209 ــ 214 و 300 و 325 ــ 327).
(2) انظر «تهذيب»: (7/ 142 و 12/ 234).
(3) (5/ 582).
(4) البخاري (996)، ومسلم (745).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 380)

عن عائشة: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم «انتهى وتره إلى السَّحَر». وعلى فرض صحة الحكاية فإنما قال أبو الدرداء من قِبَلِ نفسه لم يذكر رواية، فكلمة [ص 202] «كذَب» بمعنى «أخطأ» كما هو معروف عنهم راجع (ص 51)(1).
قال: (وقالت عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري: ما عِلْمُ أنس بن مالك وأبي سعيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وإنما كانا غلامين صغيرين).
أقول: يُنظر في صحة هذا عنها، فقد كانا في مثل سنها أو أكبر منها، وكانا ممن يلزم النبيَّ صلى الله عليه وسلم ولا سيما أنس(2).
قال: (وكانت عائشة تردُّ ما رُوي مخالفًا للقرآن).
أقول: راجع (ص 14)(3)؛ لتعرف ما هو الخلاف الذي يقتضي الردّ.
قال: (وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع وسوء الفهم).
أقول: كلُّهم ــ بحمد الله ــ كان صادقًا عندها.
ثم حكى عن أحمد أمين عن بعض الزيدية كلمةً فيها: أن الصحابة تكلَّم بعضهم في بعض وقاتل بعضُهم بعضًا، ونحو هذا. والجواب عن ذلك مبسوط في كتب أهل العلم، وموضوعنا هنا بيان صدقهم في الحديث--------------------------------------------
(1) (ص 101 ــ 102).
(2) قول عائشة أخرجه الطبراني في «الكبير» (711) من طريق هشام بن عروة قال: قالت عائشة … قال الهيثمي في «المجمع»: (9/ 163): «هشام لم يدرك عائشة، ورجاله رجال الصحيح». وذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم»: (2/ 1100) معلقًا عن علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة. يبقى النظر في إسناد ابن عبد البر إلى علي بن مسهر. وأخشى أن يكون قوله: «عن أبيه» مقحمًا في إسناد ابن عبد البر.
(3) (ص 29).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 381)

النبوي، وقد أثبتناه ولله الحمد.
قال: (وإنما اتخذهم العامة أربابًا بعد ذلك).
أقول: أما أهل السنة فلم يتخذوا أحدًا من الصحابة ربًّا، وإنما أولئك غُلاة أصحابك الشيعة(1)!
قال: (من أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه).
أقول: أنت وهواك، أما نحن فنقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
وذكر أبو ريَّة ص 311 كلامًا للذهبي ذكر فيه ما حكى ابن وضّاح قال: «سألت يحيى بن معين عن الشافعي، فقال: ليس بثقة»، ثم قال الذهبي: «وكلام ابن معين في الشافعي إنما كان من فَلَتات اللسان بالهوى والعصبية، فإن ابنَ معين كان من الحنفية وإن كان محدّثًا».
أقول: هذه من فَلَتات القلم، وقد برَّأ الله ابنَ معين من اتباع الهوى والعصبية، وإنما كان يأخذ بقول أبي حنيفة فيما لم يتضح له الدليل بخلافه،--------------------------------------------
(1) في هامش (ط) تعليق نصه: «كان الشيعة الإمامية قبل الدولة الصفوية ينقسمون إلى غلاة ومعتدلين، وكانوا في كتبهم المؤلفة في الجرح والتعديل لا يقبلون رواية الموصوفين منهم بالغلو، ثم أعلن المتأخرون من علمائهم في الجرح والتعديل ــ ومنهم العلامة الثاني الشيخ المامقاني عند ترجمته لكلّ من كان منهم يُنبز بالغلو (ومنهم المفضَّل بن عمر الجعفي، في 240: 3 من تنقيح المقال في أحوال الرجال) ــ أن ما كان يعد غلوًّا عند قدماء الشيعة تعده الشيعة الآن من ضروريات مذهب التشيّع، أي أنهم كلهم صاروا غلاةً بلا استثناء». [محب الدين الخطيب].

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 382)

وعدم ميله إلى الشافعي كان لسبب آخر، وثَمَّ عللٌ تقدح في صحة هذه الكلمة: «ليس بثقة» عنه، وقد أوضحتُ ذلك في «التنكيل»(1).
[ص 203] ثم ذكر أبو ريَّة ص 312 - 322 كلامًا للمقبليّ(2)، والمقبليّ نشأ في بيئة اعتزالية المعتقد، هادوية الفقه، شيعية تشيعًا مختلفًا، يَغْلُظ في أناس ويخفّ في آخرين، فحاولَ التحرُّر فنجح تقريبًا في الفقة، وقارب التوسُّط في التشيُّع، أما الاعتزال فلم يكد يتخلّص إلا من تكفير أهل السنة مطلقًا.
وكلامه هنا(3) يدور حول قضايا الاعتزال، كالقَدَر، ونفي رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، والقول بخلق القرآن، والدفاع عن عَمرو بن عُبيد أحد قدماء المعتزلة، وهذه المسائل معروفة مدروسة، والمقبليُّ لم يسبر غورَها، ولا حقَّق ما كان عليه الأمر في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بإحسان، فلذلك أخذ يلوم أحمد وينسبه إلى الإفراط في التشدّد، ولعلّه لو عَلِم ما عَلِم أحمد لنَسَبه إلى التسامح.--------------------------------------------
(1) (1/ 413 ــ 415). وقد طعنوا في رواية ابن وضّاح بأنه يخطئ كثيرًا، وأنهم رأوا في أصله الذي كتبه بالشرق: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: ثقة. وأن أصحاب ابن معين كثيرون وهم أَعْرف به وألزم له، وأثبت في النقل وأحرص= ولم ينقلوا ما نقله هذا المغربي.
أقول: وكلام الذهبي في كتابه «معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد» (ص 47).
(2) هو: صالح بن مهدي بن علي المقبلي اليماني (1038 ــ 1108)، من العلماء المجتهدين. ترجمته في «البدر الطالع»: (1/ 273)، و «الأعلام»: (3/ 197).
(3) في كتابه «العَلَم الشامخ».

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 383)

وذكر ص 315 ما رُوي عن أحمد في شأن ابن عُلَيّة ومحمد بن هارون. والإمام أحمد وإن رجا المغفرةَ للأمين فلم يزد في ابن عُلية على إنكار قوله تنفيرًا للناس عن الباطل، واستمرَّ أحمد على الرواية عن ابن عُلية، والاحتجاج به، والثناء عليه بالثبت.
وذكر ص 316 مسألة الرؤية، فخَلَط بين رؤية النبيِّ صلى الله عليه وسلم ربَّه ليلة الإسراء، وهي التي أنكرَتْها عائشةُ ومَن معها، وبين الرؤية في الآخرة.
وقال أيضًا: (لكن المحدثون لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام لأنه غير صنعتهم).
أقول: بل أنت لم تعرف مقدار الخطأ في العقيدة الإسلامية الحقَّة، ولا عرفتَ غَور القضايا المخالفة لها.
وقال ص 317: (وقال يحيى بن معين في عتبة بن سعيد بن العاص بن أمية: ثقة، وهوجليس الحجاج … بل روى له البخاري ومسلم).
أقول: إنما هو عَنْبسة بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، له عند البخاريِّ خبر واحد ذكَرَه في الجهاد والمغازي(1) مع روايته من طريق غيره، راجع «فتح الباري» (30: 6) و (376: 7)(2). وعند مسلم خبر واحد جاء ذِكْرُه فيه عَرَضًا، والاعتمادُ هناك على رواية أبي قِلابة الجَرْمي الثقة المأمون، وذلك في قصة العُرَنيين(3)، وقد أخرجها أيضًا من رواية--------------------------------------------
(1) رقم (2827، 4237)، وجاء ذكره عرضًا في الحديث رقم (4193، 6899).
(2) (6/ 41 و 7/ 491). وانظر أيضًا (12/ 241).
(3) (1671).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 384)

غيرهما. هذا جميع ما لعنبسة في «الصحيحين» كما يُعْلَم من ترجمته في كتاب «الجمع بين رجال الصحيحين»(1)، ومعنى هذا أنهما لم يحتجَّا به ولا أحدهما. فأما الذين وثَّقوه فإنهم تتبَّعوا أحاديثه فوجدوها معروفة من رواية غيره من الثقات، ولم يثبت عليه جرح بَيِّن.
أما مجالسته للحجَّاج [ص 204] فليست بجرح بَيِّن؛ إذ قد يجالسه ولا يَشْرَكه في ظلمه بل يحرص على ردّ ظلمه ما استطاع، ويرى أن استمراره على ذلك أنفع للدين وللمسلمين من مباينته له، وقد كان نبيّ الله يوسف عاملًا للمشركين بمصر والملك فيهم، ولم يكن يستطيع أن يحكم بخلاف دينهم بدليل قول الله عزوجل: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76]، وإنما كان ــ عليه السلام ــ يُعينهم على ما ليس بكفر ولا محرَّم عليه، فإذا جاء ما هو كفر أو محرَّم ولم يمكنه أن يصرفه تركه لهم، وقد أنذرهم بلُطْف وأَذِنَ الله تعالى أن يبقى معهم لِمَا عَلِم في ذلك من المصلحة.

قال: (وروى البخاري ل‌‌مروان بن الحكم).
أقول: اعتبر البخاريُّ أحاديثَ مروان فوجدها مستقيمة معروفة، لها متابعات وشواهد، ووجد أنَّ أهل عصر مروان كانوا يثقون بصدقه في الحديث، حتى روى عنه سهل بن سعد الساعدي وهو صحابي، وروى عنه زينُ العابدين عليُّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب. بقي عدالته في سيرته، فلعلّ البخاريَّ لم يثبت عنده ما يقطع بأن مروان ارتكب ما يخلّ بها غير متأوِّل.--------------------------------------------
(1) (1/ 401) لابن طاهر.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 385)

وعلى كلِّ حال، فلا وجه للتشنيع؛ إذ ليست المفسدة في الرواية عمن تُذّم حاله في الصحيح ما دام المرويّ ثابتًا من طريق غيره، ألا ترى أنه لو وقع في سند إلى بعض ثقات التابعين أنه سمع يهوديًّا يقول لعلي بن أبي طالب: سمعتُ نبيّكم يقول: كيت وكيت. فقال عليّ: وأنا سمعته يقول ذلك، لصحّ إثبات هذا الخبر في الصحيح وإن كان فيه صورة الرواية عن يهودي؟ فما بالك بمروان، مع أن روايته لا تخلو من تقوية لرواية غيره؛ لأنه على كلّ حال مسلم قد عُرِف تحرِّيه الصدق في الحديث.
وذكر ص 318: بعضَ ما نُسِب إلى بعض الصحابة ثم قال: (وما لا يحصى مما سكتّ عنه رعايةً لحقّ النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يلجئ إليه ملجئ ديني فيجب ذكره، ومن الملجئات ترتّب شيء من الدين على مروان والوليد [بن عقبة] وغيرهما فإنهما أعظم خيانة لدين الله … ).
أقول: أما الوليد فقد تقدم (ص 198)(1) أنه لم يرو شيئًا، وإنما روى عنه مجهول خبرًا لو صحَّ لما دلَّ إلا على صدقه. وأما مروان فمن تتبَّع أحاديثه الثابتة عنه علم أن البخاري لم يَبْنِ شيئًا من الدين على رواية تفرَّد بها لفظًا ومعنى. وأما غيرهما فراجع (ص 197)(2).
وقال ص 320: (وأعجب من هذا أن في رجالهما من لم يثبت تعديله .. ) وذكر حفص بن بُغيل(3)، ومالك بن الخير الزبادي(4)، وكلامًا للذهبي في--------------------------------------------
(1) (ص 372 ــ 373).
(2) (ص 371 ــ 372).
(3) في كتاب أبي ريَّة: «نفيل»! [المؤلف].
(4) في كتاب أبي ريَّة: «بجير الرمادي»! [المؤلف].

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 386)

ترجمتيهما(1) قد ردَّه الحافظ ابن حجر في ترجمة مالك بن الخير من «لسان الميزان»(2)، [ص 205] وفي مواضع أُخَر. وحفصٌ ومالك ليسا ولا أحدُهما في «الصحيحين» ولا أحدِهما، ولا فيهما ولا في أحدهما مَنْ هو مثل حفص ومالك، فإن وُجد مَنْ هو قريب من ذلك فنادرًا في المتابعات ونحوها كما بيَّنه ابنُ حجر، على أنه لو فرض أنّ البخاريَّ احتجّ في الصحيح بمن لم يوثّقه غيرُه فاحتجاجه به في «الصحيح» توثيقٌ وزيادة.
وذكر بعد ذلك في المتن والحاشية كلامًا قد تقدّم بيانُ الحقِّ فيه ولله الحمد.
ثم ذكر ص 324 - 327 كلامًا للدكتور طه حسين(3) ذكره في معرض الردّ على الذين يكذّبون غالب ما رُوي من الأحداث في زمن عثمان ويقولون: إنه «على كلّ حال لم يُرِد إلا الخير، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير»، ويرون في سائر الصحابة أنهم «يخطئون ويصيبون، ولكنهم يجتهدون دائمًا ويسرعون إلى الخير دائمًا فلا يمكن أن يتورَّطوا في الكبائر، ولا أن يُحْدِثوا إلا هذه الصغائر التي يغفرها الله للمحسنين من عباده».
أقول: أما أهل العلم من أهل السنة فلا يقولون في عثمان ولا في غيره من آحاد الصحابة: إنه معصوم مطلقًا أو من الكبائر، وإنما يقولون في المبشَّرين بالجنة: إنه لا يمكن أن يقع منهم ما يحول بينهم وبين ما بُشِّروا به، وإن الصحابيّ الذي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُعْرَف بنفاق في عهده ولا ارتدَّ--------------------------------------------
(1) في «الميزان»: (2/ 79 و 4/ 346).
(2) (6/ 439 ــ ت أبو غدة).
(3) في «الفتنة الكبرى ــ عثمان» (ص 170 ــ 173).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 387)

بعد موته= لا يكذب عليه صلى الله عليه وسلم متعمّدًا، وقد تقدّم بيانُ ذلك(1)، ولا يُظنُّ به أن يرتكب كبيرةً غير متأوِّل ويصرّ عليها. والعارف المنصف لا يستطيع أن يجحد أنّ هذه الحال كانت هي الغالبة فيهم، فالواجب الحملُ عليها ما دام ذلك محتملًا. وعلماءُ السنة يجدون الاحتمال قائمًا في كلِّ ما نقل نقلًا ثابتًا، نعم قد يبعد في بعض القضايا ولكنهم يرونه مع بُعده أقربَ من ضدِّه، وذلك مبسوط في كتبهم.
قال ص 325: (ونحن لا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد).
أقول: وعلماء السنة كما رأيتَ لا يبلغون ذلك الحدّ، وإن كانوا يعلمون أنَّ حال الصحابة لا تُقاس بحال غيرهم.
قال: (ولا نرى في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يكونوا يرون في أنفسهم).
أقول: المدار على الحجة، فإذا ثبت عندنا أن أحدهم كان يرى في صاحبه أمرًا فليس لنا أن نوافقه إذا لم نعلم له حجة، فكيف إذا ما قامت الحجةُ على خلافه؟ وأوضح من ذلك: أنه ليس لنا أن نتَّهم غير صاحبه بمثل تلك التهمة ما دام لا حجة لنا على ذلك. فأما الاستدلال على الإمكان فعلماء السنة لم ينفوا الإمكان إلا فيما قام عليه دليلٌ شرعيّ كالتبشير بالجنة. والدليل الشرعي لا يعارضه ما دونه.
[ص 206] قال: (وهم تقاذفوا التُّهَم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، فقد رُوِي أن عمار بن ياسر … ).
أقول: أما الترامي بالفسوق بمعنى ارتكاب بعض الكبائر فقد كان بعض--------------------------------------------
(1) (ص 373 ــ 376).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 388)

ذلك وعُلِم حُكمه مِمَّا مرَّ، وأما الترامي بالكفر فلم يثبت، بل الثابت خلافه. وما ذَكَر أنه رُوي عن عمَّار وابن مسعود لم يثبت، وعلى فرض أنه ثبت عن بعضهم كلمة يظهر منها ذاك المعنى، فهي فلتة لسان عند ثورة غضب، لا يجوز أخذها على ظاهرها لشذوذها ونفي جمهور الصحابة لما يوهمه(1) ظاهرها، فكيف وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تبشير عثمان بالشهادة والجنة؟
ثم قال ص 326: (الذين رووا أخبار هذه الفتن هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء، فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا … وما ينبغي كذلك أن نصدق كل ما يُرْوَى أو نكذب كل ما يُرْوَى، وإنما الرواة أنفسهم ناس من الناس يجوز عليهم الخطأ والصواب، ويجوز عليهم الصدق والكذب، والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيئوا له ووضعوا قواعد … فليس علينا بأس من أن نسلك الطريق التي سلكوها، وأن نضيفَ إلى القواعد التي عرفوها ما عرف المحدّثون من القواعد الجديدة … ).

أقول: الرواة كما وصف، ولكن لا يجهل عاقل أن أحوالهم مختلفة: فمنهم المغفَّل المتساهل الذي يبني على التوهُّم فيكثر غلطُه، ومنهم الضابط المتقن المتثبِّت الذي يندر جدًّا أن يخطئ، وليس كلّ ما يصلح مستندًا للتوقف عن خبر الأول أو ردّه يصلح لمثل ذلك في خبر الثاني. فأما الصدق وتعمّد الكذب ولا سيما في الحديث النبوي فالأمر فيهما أعظم، و‌‌للكذب دواعٍ وموانع، والناس متفاوتون جدًّا في الانقياد للدواعي أو الموانع، فإني أعرف من الأغنياء الوجهاء من يساوم بالسلعة الخفيفة، فيقول له الدكَّاني: ثمنها ثلاثة قروش، فيقول كاذبًا: إن صاحب ذاك الدكَّان يبيعها بقرشين؛ يكذب هذه الكذبة طمعًا في أن يغرّ الدكَّانيَّ فيعطيه إياها بقرشين، مع علمه--------------------------------------------
(1) (ط): «يزعمه» والظاهر أنه تحريف عما أثبتّ.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 389)

أن كذبه قد ينكشف عن قُرب، بل إذا نجح فأخذها بقرشين، قد يذهب فيخبر بالقصة متمدِّحًا بكذبه. وأعْرِفُ من المُقلّين من لا تسمح له نفسه بمثل هذا الكذب ولو ظنَّ أنه يتحصَّل به على مقدار كبير. فأما الحديث النبوي فالأمر فيه أشدّ، والمتديّنون من الكذب فيه أبعد وأبعد.
فإن قيل: قد ذكر أهلُ الحديث أنّ جماعةً صالحين كانوا يكذبون في الحديث عمدًا في المواعظ ونحوها [ص 207] وذكروا في الهيثم بن عدي ــ وهو ممن يكذبون ــ أنه كان يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب.
قلت: أما صالحٌ يتعمَّد الكذب فلا يكون إلا شديد الجهل بالدين، ومثل هذا نادر لا يسوغ أن يُقاس به من عُرِف بالدين والعلم والصدق، ولو ساغ هذا لساغ أن يتَّهم كلُّ إنسان بكلِّ نقيصةٍ عُرفت لغيره، ولو عُرف بأنه من أبعد الناس عنها.
فأما الهيثم بن عدي؛ فتلك الحكاية إنما حكاها عباس الدّوري قال: «حدثنا بعضُ أصحابنا قال: قالت جاريةُ الهيثم بن عدي: كان مولاي … »(1). والجارية لا يُعرَف حالها، والمُخْبِرُ عنها لا يُدرى مَن هو وما حاله، وإنما ذكروا هذه الحكاية على أنها نادرة مستطرفة؛ لأن مثل هذا نادر كما مرَّ، وإنما استندوا في تكذيب الهيثم إلى دلائل ثابتة.
هذا وعلماء السنة لا يستندون في التصديق والتكذيب إلى أنَّ ذاك يروقهم وهذا لا يعجبهم، ولكنهم ينظرون إلى الرواة؛ فمَن كان من أهل الصدق والأمانة والثقة لا يكذِّبونه، غير أنهم إذا قام الدليل على خطئه--------------------------------------------
(1) انظر «تاريخ بغداد»: (14/ 53)، و «السير»: (10/ 104).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 390)

خطَّأوه، سواء كان ذلك فيما يسوؤهم أم فيما يعجبهم. وأما مَن كان كذَّابًا أو متَّهمًا أو مغفَّلًا أو مجهولًا أو نحو ذلك فإنهم لا يحتجّون بروايته.
ومن هؤلاء جماعة كثيرة(1) قد رووا عنهم في كتب التفسير، وكثير من كتب الحديث والسِّيَر والمناقب والفضائل والتاريخ والأدب، وليست روايتهم عنهم تصديقًا لهم وإنما هي على سبيل التقييد والاعتبار، فإذا جاء دور النقد جَرَوا على ما عرفوه، فما ثبت مما(2) رواه هؤلاء برواية غيرهم من أهل الصدق قبلوه، وما لم يثبت فإنْ كان مما يقرُبُ وقوعه لم يروا بذكره بأسًا وإن لم يكن حجة، وإن كان مما يُسْتَبعْد أنكروه، فإن اشتدَّ البُعْد كذَّبوه. وهذا التفصيل هو الحقّ المعقول، ومعلوم أنّ الكذوب قد يصدُق، فإذا صدَّقناه حيث عرفنا صدقه واستأنسنا بخبره حيث يقرُب صدقُه لم يكن علينا ــ بل لم يكن لنا ــ أن نصدّقه حيث لم يتبيَّنْ لنا صدقه، فكيف إذا تبيَّنَ لنا كذبه؟
أما القواعد النظرية قديمها وحديثها فحقُّها أن تضاف ــ كما أشار إليه الدكتور ــ إلى القواعد السَّنَدية بعد دراسة الناقد لهذه دراسة وافية وإيفائها حقَّها. فأما الاقتصار على القواعد النظرية أو ترجيح غير القطعي الحقيقي منها على رواية الثقات الأثبات، أو الاستدلال به على صدق الحكايات الواهية فضرره أكثر من نفعه.
كثيرًا ما يبلغنا حدوثُ حادثةٍ في عصرنا هذا فنرى صحتها؛ لأننا نرى أن الأسباب تستدعيها وتكاد توجب وقوعَها، ثم يتبيّن أنها لم تقع. وتبلغنا واقعة فنرتاب فيها ونكاد نجزم بتكذيبها، ثم يتبيَّن أنها وقعت.--------------------------------------------
(1) (ط): «كثير».
(2) (ط): «عما».

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 391)

[ص 208] فإن قيل: إنما ذلك لخطئنا في اعتقاد أن هذا سبب أو مانع، أو في تقدير قوَّته، أو لجهلنا بأسباب وموانع أخرى أقوى مما عرفناه؟ قلت: فإذا كان هذا جهلنا بزماننا ومكاننا وبيئتنا، فكيف بما مضى عليه بضعة عشر قرنًا؟
ومما يجب التنبّه له أنه قد يثبت من جهة السَّنَد نصٌّ يستنكره بعضُ النقَّاد، وحقّ مثل هذا أن لا يبادَرَ إلى ردِّه، بل يُمعنَ النظرُ في أمرين: الأول: معنى النص، فقد يكون المراد منه معنًى غير الذي استُنْكِرَ. الثاني: سبب الاستنكار، فكثيرًا ما يجيء الخلل من قِبَله.
وقد تقتضي(1) القرائنُ وقوعَ أمر سكتتْ عنه الروايات الصحيحة، وتَرِدُ رواية واهية السند فيها ما يؤدِّي ذاك الأمر في الجملة، فيبادر الناقد إلى تثبيتها، وفي هذا ما فيه. ألا ترى أنه قد يجيئك شخص ضَرَبَه آخر فتسأله: لِمَ ضَرَبك؟ فيقول: بلا سبب، فترتاب في صدقه، فإذا جاء خصمه فقال: إنما ضربته لأنه سبَّني سبًّا شنيعًا، قال: كيت وكيت، ظننتَ أنه صادق في الجملة، أي أنه قد كان سبٌّ، ولكنه قد يكون دون ما ذكره الضاربُ بكثير. فالصواب أن تذكر الرواية وأنها واهية السند، ثم يقال: ولكن القرائن تقتضي أنه قد كان شيء من ذاك القبيل. هذا هو مقتضى التحقيق والأمانة.
ثم قال أبو ريَّة ص 328: (طالب الحديث بغير فقه … ).
أقول: قال أبو ريَّة ص 46: وروى البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مَثَل ما بعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكان منها أجادب--------------------------------------------
(1) (ط): «تقضي»، وستأتي على الصواب في آخر الفقرة.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 392)

أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب بها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تُمسكُ ماءً ولا تُنبت كلأً»(1).
إذا طُبّق هذا الحديث على أهل الحديث فثقاتهم كلّهم داخلون في الفرقتين الأوليين المحمودَتَين، راجع «فتح الباري» (161: 1)(2). وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الترمذي وغيره: «نضَّر الله امرءًا سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه»(3). فشمل الدعاء كما ترى من حَفِظ وبَلَّغ وإن لم يكن فقيهًا.
وذَكَر عن الثوري: «لو كان الحديث خيرًا لذهب كما ذهب الخير».
أقول: لم يقصد نفيَ الخير عن الحديث نفسه، كيف والقرآن خير كلُّه ولم يذهب، ولا عن طلب الحديث جملة [ص 209]، فإن المتواتر المعلوم قطعًا عن الثوري خلاف ذلك، وإنما قَصَد أنّ كثيرًا من الناس يطلبون الحديث لغير وجه الله، وذلك أنه رأى أن الرغبة في الخير المحض لم تزل تَقِلّ؛ كانت في الصحابة أكثر منها في التابعين، وفي كبار التابعين أكثر منها في صغارهم، وهلُمَّ جرًّا، وفي جانب ذلك رأى رغبةَ الناس في طلب الحديث لم تنقص، فرأى أنها ليست خيرًا على الإطلاق، يعني أن كثيرًا ممن--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (79) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2) (1/ 198).
(3) أخرجه أحمد (21590)، وأبو داود (3660)، والترمذي (2656)، وابن ماجه (230) وغيرهم من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان (680)، وله شواهد من حديث جماعة كثيرة من الصحابة. انظر «موافقة الخُبر الخَبر»: (1/ 363 ــ 393).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 393)

يطلب الحديث يطلبه ليُذْكَر ويَشْتَهِر ويقصده الناس ويجتمعوا حوله ويعظِّموه.
وأقول: إنّ العليم الخبير أحكم الحاكمين كما شرع الجهاد في سبيله لإظهار دينه، ومع ذلك يسّر ما يُرَغِّب فيه من جهة الدنيا، فكذلك شَرَع حفظَ السنّة وتبليغها، ومع ذلك يسَّر ما يرغِّب في ذلك من جهة الدنيا؛ لأنه كما يحصل بالجهاد عن الإسلام وإن قلَّ ثواب بعض المجاهدين، فكذلك يحصل بطلب الحديث وحفظه حفظ الدين ونشره وإن قَلَّ أجر بعض الطالبين.
وذكر أبو ريَّة ص 330 كلمات لبعض المحدِّثين في ذمِّ أهل الحديث يَعْنُون طلابه، التقطها من كتاب «العلم» لابن عبد البر، وقد قال ابن عبد البر هناك (125: 2)(1): «وهذا كلامٌ خرج على ضَجَر، وفيه لأهل العلم نظر».
وإيضاحُ ذلك: أنَّ الرغبةَ في طلب الحديث كانت في القرون الأولى شديدة، وكان إذا اشتهر شيخٌ ثقة معمّر مكثر من الحديث قَصَده الطلابُ من آفاق الدنيا، منهم من يسافر الشهر والشهرين وأكثر ليدرك ذاك الشيخ، وأكثر هؤلاء الطلاب شُبَّان، ومنهم مَنْ لا سَعَة له من المال، إنما يستطيع أن يكون معه من النَّفَقة قدرٌ محدود يتقوّت منه حتى يرجع، أو يلقى تاجرًا من أهل بلده يأخذ منه الشيء، وكان منهم مَنْ كُلُّ نفقته جِراب يحمله، فيه خبزٌ جافّ يتقوَّت كلَّ يومٍ منه كسرة يبلّها بالماء ويجتزئ بها، ولهم في ذلك قَصَص عجيبة(2).--------------------------------------------
(1) (2/ 1016).
(2) انظر طائفة منها في «تقدمة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، وفي كتاب «الرحلة في طلب الحديث» للخطيب.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 394)

فكان يجتمع لدى الشيخ جماعةٌ من هؤلاء، كلّهم حريص على السماع منه، وعلى الاستكثار ما أمكنه في أقلِّ وقت، إذ لا يمكنه إطالة البقاء هناك لقلَّة ما بيده من النفقة، ولأنه يخاف أن يموت الشيخُ قبل أن يستكثر من السماع منه، ولأنه قد يكون شيوخ آخرون في بلدان أخرى يريد أن يدركهم ويأخذ عنهم. فكان هؤلاء الشباب يتكاثرون على الشيخ ويُلحُّون عليه ويُبْرِمونه، فيتعب ويضيق بهم ذرعًا، وهو إنسان له حاجات، وأوقات يجب أن يستريح فيها، وهم لا يَدَعُونه، ومع ذلك فكثير منهم لا يرضون أن يأخذوا من الشيخ سلامًا بسلام، بل يريدون اختباره ليتبيَّن لهم أضابط هو أم لا؟ فيورِدون عليه بعض الأسئلة التي هي مظنَّة الغلط ويناقشونه في [ص 210] بعض الأحاديث، ويطالبونه بأن يُبرز أصلَ سماعه. وإذا عثروا للشيخ على خطأ أو سقط أو استنكروا شيئًا من حاله، خرجوا يتناقلون ذلك بقصد النصيحة، فكان بعض أولئك الشيوخ إذا ألحَّ عليه الطلبة وضاق بهم ذرعًا أطلق تلك الكلمات: «أنتم سخنة عين. لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربًا. ما رأيت علمًا أشرف ولا أهلًا أسخف من أهل الحديث. صرت اليوم ليس شيء أبغض إليّ من أن أرى واحدًا منهم. إن هذا الحديث يصدّكم عن ذِكْر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون. لأنا أشدُّ خوفًا منهم من الفساق»؛ لأنهم يبحثون عن خطئه وزلله ويشيعون ذلك.
والغريب أنَّ أولئك الطلاب لم يكونوا يَدَعون هذه الكلمات تذهب، بل يكتبونها ويروونها فيما يروون، فيذكرها من يريد عتاب الطلاب وتأديبهم كابن عبد البر، ويهتبلها أبو ريَّة ليعيب بها الحديثَ وأهلَه جملةً.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 395)

فأما قول الثوري: «أنا في هذا الحديث منذ ستين سنة، وَدِدْتُ أني خرجتُ منه كفافًا لا عليَّ ولا لي»(1). فهذا كلام المؤمن الشديد الخشية، تتضاءل عنده حسناتُه الكثيرة العظيمة، ويتعاظم في نظره ما يخشى أن يكون عَرَضَ له من تقصير أو خالطه من عُجْب، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو هذا فيما كان له بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل(2)، وإنما كان عمله ذلك جهادًا في سبيل الله، وإعلاء دينه، وتمكين قواعده، وإقامة العدل التام، وغير ذلك من الأعمال الفاضلة. وقد كان فيها كلها أبعد الناس عن حظِّ النفس، بل كان يبالغ في هضم نفسه وأهل بيته. وكلُّ عارفٍ بالإيمان وشأنه يعرف لكلمة عمر حقَّها، ولكن الرافضة عكسوا الوضع، وقفاهم أبو ريَّة في كلمة الثوري وما يشبهها!
وعلَّق أبو ريَّة على كلمة: «لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب الخ» ما تقدَّم تفنيده في مواضع.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم»: (2/ 1025).
(2) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 124)، وبنحوه في «الرقة والبكاء» (145) لابن أبي الدنيا.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 396)

خاتمة أبي رية
قال ص 331: (خاتمة … ).
ذكر عبارات لابن خَلْدون تتلخص في أمور:
الأول: ذَكَر من الدواعي إلى الكذب: التشيُّع للمذاهب، والتزلّف إلى ذوي المراتب.
فأقول: قد عرف المحدّثون هذا وعدّةَ أسباب أخرى أشاروا إليها في البواعث على الوضع، وإنما الفرق بينهم وبين بعض مَنْ يتعاطى النقدَ في عصرنا أنَّ المحدّثين علموا أنّ هذين الداعيين مثلًا لا يدعوان إلى الكذب لأنه كذب، وإنما يدعو الأول إلى ذِكْر ما يؤيّد المذهب، والثاني إلى ذكر ما يرضي ذا المرتبة، [ص 211] وإنَّ كُلًّا من التأييد والإرضاء ليس وقفًا على الكذب، بل يمكن أن يقع بما هو صدق. إذن فالمخبر بما يؤيّد مذهبه أو يرضي رئيسه يجوز ــ مع صرف النظر عن الأمور الأخرى ــ أن يكون صادقًا وأن يكون كاذبًا، فالحكم بأحدهما لوجود الداعي غير سائغ، بل يجب النظر في الأمور الأخرى ومنها الموانع، فإذا وُجِد داعٍ ومانع وانحصر النظرُ فيهما تعيَّن الأخذُ بالأقوى، وكلّ من الدواعي والموانع تتفاوت قُوَّتُه في الأفراد تفاوتًا عظيمًا، فلابد من مراعاة ذلك.
ومن تدبَّر هذا علم أنّ الحقَّ لا ريب فيه، وأنه يرى شواهده في نفسه وفي مَنْ حواليه، وعلم أن ما يسلكه بعضُ متعاطي النقد من أهل العصر في اتهام بعض أفاضل المتقدِّمين بالكذب لوجود بعض الدواعي عندهم في الجملة تهوُّرٌ مؤسف. أمّا أئمة الحديث فقد عرفوا الرواةَ وخَبَروهم، وعرفوا

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 397)