واقعة في آخر الكلام «إلا أن يلقي الله في نفسي (1) ما هو أملك به مني» (2) فإنه دليل صريح على عدم العصمة. لأن المعصوم يملكه الله نفسه كما ورد في الحديث «إنه كان أملكهم لأربه». (3) وأيضا مروي في دعاء الأمير «اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي» كذا أورده الرضى في (نهج البلاغة). (4)
الدليل الثاني: (5) أن الإمام لا بد من أن لا يرتكب الكفر قط، لقوله تعالى {لا ينال عهدي الظالمين} والكافر ظالم لقوله تعالى {والكافرون هو الظالمون} ولقوله تعالى {إن الشرك لظلم عظيم} وغير الأمير من الصحابة كلهم كانوا عبدوا الأصنام في الجاهلية فيكون هو إماما دون غيره. (6)
ولا يذهب على العارف أن هذا الدليل - مع كونه ناقصا مثل ما مر - فاسدة بالمرة، فلا بد أن يغير بوجه آخر صحيح. وذلك أن يقال: لم يكن أحد من الصحابة غير الأمير مؤمنا من بدء التكليف، وكل إمام يجب أن يكون مؤمنا كذلك. والقياس الآخر: إن الأمير كان مؤمنا كذلك، وكل من يكون مؤمنا كذلك فهو إمام، ويجاب عن الأول بمنع الكبرى، وسنده الإجماع على عدم الاشتراط في الإمامة بهذا الشرط، وعن الثاني بالنقض لأنه يلزم منه أن يكون كل من هو كذلك من آحاد الأمة إماما، ولا أقل من لزوم إمامة نحو عبد الله بن عباس رضي الله عنهم ا، لا يقال اشتراط العصمة يدفعه لأنا نقول إن ذلك الاشتراط بعد تسليمه لا يعتبر في هذا الدليل فالتعدد باطل، بل الثاني يصير حشوا محضا أولا فالانتقاض ضروري لا مرد له.
وقال المؤلف: وأجيب بأن هذا الشرط لم يذكره في بحث الإمامة أحد من أهل السنة والشيعة، ولكن خرط الشيعة هذا الشرط حين عمدوا إلى نفي الخلافة عن الخلفاء الثلاثة، ولهذا لم يذكر في آية ولا حديث، بل من أسلم بعد كفره مائة سنة ومن كان مسلما من سبعين بطنا متساويان في الدين والإسلام، ولم يعتبر هذا الشرط فإنه لغو وحشو، والتمسك بآية-----------------------------------
(1) في النهج: (إلا أن يكفي الله من نفسي).
(2) نهج البلاغة: (بشرح ابن أبي الحديد): 11/ 101.
(3) متفق عليه.
(4) نهج البلاغة (بشرح ابن أبي الحديد): 6/ 176.
(5) من أدلتهم العقلية.
(6) هذا ادعاء الإمامية، قال الحسن الديلمي: «ومن فضائله عليه السلام أنه نشأ وربي في الإيمان ولم يدنس بدنس الجاهلية بخلاف غيره من سائر الصحابة». إرشاد القلوب: 2/ 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
{لا ينال عهدي الظالمين} ههنا ليس إلا من المغالطة، إذ مفاد الاية أن الرياسة الشرعية لا تنال الظالم، (1) لأن العدالة في جميع المناصب الشرعية - من الإمامة الكبرى والقضاء والاحتساب والإمارة وغيرها - شرط لتحقيق فائدة ذلك المنصب، ونصب الظالم في أي رياسة موجب لفسادها، فبين الكفر والظلم والإمامة منافاة، ولا يجتمع التنافيان في وقت واحد في ذات أصلا، وهذا هو مذهب جميع أهل السنة أن الإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة مسلما عادلا، لا أنه لم يكن قبل الإمامة كافرا وظالما، ومن كفر أو ظلم ثم تاب عنه من بعد ذلك وأصلح فلا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم أصلا في لغة وعرف وشرع، إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة وفي غيره مجاز، ولا تكون المجاز أيضا مطرودا بل حيث يكون متعارفا ينبغي أن يطلق هنالك، كما تقرر في محله أن المجاز لا يطرد وإلا لجاز «نخلة» لطويل غير الإنسان، و «صبي» لشيخ، وهي سفسطة قبيحة، (2) كذا النائم للمستيقظ والفقير للغني والجائع للشبعان والحي للميت وبالعكس. وقد روى الزاهدي في حديث طويل أن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم بمحضر من المهاجرين والأنصار «وعيشك يا رسول الله، إني لم أسجد للصنم قط، فنزل جبريل وقال: صدق أبو بكر» وكذلك ذكر أهل السير والتواريخ في أحوال أبي بكر أنه لم يسجد لصنم قط، فصحت إمامته بملاحظة هذا الشرط أيضا وصارت إجماعا والحمد لله.
الدليل الثالث: أن الإمام لابد أن يكون منصوصا عليه، ولا يوجد نص في غير الأمير، فغيره لا يكون إماما بل هو الإمام. (3)
والجواب بعد أن نذكر ما اسلفنا في تصحيح الدليل الأول من عكس الترتيب وضم قياس آخر معه أن المقدمتين ممنوعتان: أما منع الصغرى فلما مر من قول الأمير: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اختاروا رجلا وسموه إماما كان لله رضًا. وأما منع الكبرى فلأنه لو وجد النص في علي، فإما في القرآن أو الحديث فقد مر الأمران جميعا.-----------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 108.
(2) السفسطة: «تمويه بحجة باطل بقضية أو قضايا فاسدة تقود إلى الباطل». الإحكام لابن حزم: 1/ 37.
(3) الحلي في نهج الحق: ص 171.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
ولأنه لو وجد النص لكان متواترا إذ لا عبرة للآحاد في الأصول، ولا أقل من أن يعرفه أهل بيته، وهم قد أنكروه، (1) ولأنه لو وجد النص في الإمام لوجد في كل الأئمة، وقد اختلف أولاد كل إمام بعد موته في دعوى الإمامة، (2) ولأنه لو وجد النص لما وقع الاختلاف بينهم، ولأنه لو وجد النص فإما أن يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدد التواتر أو لا، وعلى الأول إما أن يكتموه عند الحاجة إلى إظهاره أو يظهروه، ولا سبيل إلى الثاني بالإجماع، والأول يرفع الأمان عن التواتر ويستلزم كذب المتواترات، وإن لم يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدد التواتر لم تلزم الحجة فيه على المكلفين فتنتفي فائدة النص، بل يلزم ترك التبليغ في حق النبي وهو محال.
الدليل الرابع: أن الأمير كان متظلما ومتشكيا من الخلفاء الثلاثة دائما في حياته، وبين أنه مظلوم ومقهور، وما ذاك إلا لغصب الإمامة منه فتكون الإمامة حقه دون غيره، إذ الأمير صادق بالإجماع. (3)
وأنت تعلم أن هذا الدليل غير مذكور بتمامه، فإن كبراه مطوية وهي «وكل من كان كذلك فهو إمام» فيلوم من بعد تسليمه أن يكون كل من أوذوا وظلموا حقيقة أئمة، وهذا خلف، واعتبار القيود الأخر يبطل التعدد ويجعله حشوا.
وأجيب عن هذا الدليل بمنع صحة تلك الروايات، لأن أهل السنة لم يثبت عندهم إلا روايات الموافقة والمناصحة والثناء بالجميل ودعاء الخير فيما بينهم والمعاونة والإمداد ونحوها. وأكثر روايات الإمامية في هذا الباب موافقة لروايات كما تقدم نقله عن الأمير في نهج البلاغة في قصة عمر، ومن ثنائه عليهم بالخير في حياتهم وبعد موتهم، وارتضائه بأعمالهم وشهادته لهم بالنجاة والفوز. وروايات أهل السنة في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولنذكر منها هنا رواية واحدة رواها الحافظ أبو سعيد ابن السمعان (4) في (كتاب الموافقة)-----------------------------------
(1) تقدم هذا عن الحسن المثنى
(2) وفرق الشيعة قد اختلفت كثيرا في أئمتها، فكل فرقة تدعي أن إمامها الحق وغيره باطل.
(3) بحار الأنوار: 28/ 372.
(4) أعلام النبلاء: 18/ 55؛ طبقات الحفاظ: ص 430؛ شذرات الذهب: 3/ 273.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
وغيره من المحدثين عن محمد بن عقيل بن أبي طالب أنه لما قبض أبو بكر الصديق وسجي عليه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء علي باكيا مسترجعا وهو يقول «اليوم انقطعت خلافة النبوة» فوقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى فقال «رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستروحه وثقته وموضع سره ومشاورته، كنت أول قومه إسلاما وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل، وأحوطهم لرسول الله وأشفقهم عليه، وأحدبهم الإسلام، وأمنهم على أصحابه، وأحبهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هديا وسمتا ورحمة وفضلا وخلقا، وأشرفهم عنده منزلة وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده. جزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا. كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدّقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقا فقال عز وجل {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} فالذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق أبو بكر. وأسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا وصحبته في الشدة أحسن الصحبة ثاني الاثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله عز وجل. أحسنت الخلافة حين ارتد الناس وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي. نهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ كنت خليفته حقا ولم تنازع ولم تقذع برغم المنافقين وكيد الكافرين وكره الحاسدين وضغن الفاسقين وزيغ الباغين قمت بالأمر حين فشلوا ونظفت حين تعتعوا ومضيت نفوذا إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم قوة وأقلهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا وأكبرهم رأيا وأشجعهم وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا. كنت والله للدين يعسوبا حين نفر الناس عنه وآخرا حين فشلوا. كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا تحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوه وحفظت ما أضاعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا وأدركت أوطار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
ما طلبوا ورجوا. أرشدتهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا وجليت عنهم فأبصروا.
كنت على الكافرين عذابا واصبا وللمؤمنين رحمة وأنسا وخصبا، فطرت والله بعبابها وفزت بجنابها وذهت بفضائلها وأدركت سوابقها لم تفلل حجتك ولم نضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يزغ قلبك كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن الناس عليه في صحبتك وذات بلدك. وكما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا لأحد فيك مطمع. الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق. والقريب والبعيد عندك سواء. أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وجزم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم حتى بلغت والله بهم السبيل وسهلت العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي الإيمان وثبت الإسلام والمسلمون وظهر أمر الله ووكره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك وهدت مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون». (1)
وهذه خطبة واحدة من الأمير في مدح أبي بكر، ولو أحصينا جميع خطب الأمير وكلماته في فضائل أبي بكر وعمر ومدحهما المروية في كتب أهل السنة بالطرق الصحيحة لبلغت مفردا كنهج البلاغة بل أطول منه.
فإن قلت إن روايات الشيعة في باب تظلم الأمير وشكايته إن كانت كلها موضوعة من رؤسائهم فإن مما يستبعده العقل أن جمعا كثيرا اجتمعوا على الافتراء على الأمير فلا بد من منشأ للغلط فذلك المنشأ ما هو؟ قلت: إن رواتهم كما كذبوا على الأئمة كانوا يكذبونهم كما ورد ذلك عنهم فيما تقدم، وكذبوا عليهم أيضا في المطاعن على الصحابة. وغاية ما في الباب أن مكذبات تلك الروايات وصلت إلى الشيعة أيضا بطرقهم الأخر ومكذبات روايات المطاعن على الصحابة ما وصلت من-----------------------------------
(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 30/ 438 - 440.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
طرق الشيعة إليهم أو وصلت ولم يفهموا منها التكذيب الصريح لتلك الروايات كما نقل من الصحيفة الكاملة ونهج البلاغة. ولما اجتمعت فرق الشيعة على بغض الصحابة واعتقاد السوء في حقهم لم يرووا ما يكذب تلك الروايات ولم يظهروه بل قصدوا تأييد كذب أوائلهم حيث صار هذا التأييد أهم المطلوب عندهم فمن ثمة صار هذا الكذب إجماعيا لهؤلاء الفرق وأما الأكاذيب الأخر التي في العقائد الإلهية فرواها بعضهم وكذبها بعضهم.
الدليل الخامس: أن الأمير ادعى الإمامة وأظهر المعجزة على وفق دعواه كقلع باب خيبر (1) وحمل الصخرة العظيمة ومحاربة الجن ورد الشمس بعد غروبها (2) فكان في دعواه صادقا فكان إماما. (3)
وهذا الطريق في تقرير الكلام مأخوذ من استدلال أهل السنة في إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم ولكن بينهما مشابهة في صورة الكلام دون صحة المقدمات فإنها ممنوعة منعا ظاهرا. أما أولا فلأن ذكر المعجزة في إثبات الإمامة إنما هو خطأ محض فكيف يسلم؟ إذ المعجزة لإثبات النبوة دون الإمامة وغيرها من المناصب الشرعية كالقضاء والإفتاء والاجتهاد وسلطنة الناحية وإمارة العسكر والوزارة وأمثالها. ووجهه أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لما كانت من قبل الله تعالى بلا واسطة لم يمكن إثبات نبوته بدون تصديق الله تعالى بخلق المعجزة على يده حين التحدي بخلاف هذه المناصب فإنها تثبت بقول النبي أو بتفويضها إلى الأمة. وأيضا دلالة المعجزة منحصرة في حق الأنبياء عليهم السلام فلو استدل أحد من غيرهم بها لم يكن استدلاله معتبرا في الشرع. ولما كانت الإمامة متعينة بتعيين النبي أو باختيار أهل الحل والعقد لم يجز أن تكون المعجزة دليلا عليها. على أن روايات الإمامية-----------------------------------
(1) تاريخ الطبري: 2/ 137؛ ورواها الخطيب البغدادي عن جابر بن عبد الله: «أن عليا حمل باب خيبر يوم افتتحها، وأنهم جربوه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا». تاريخ بغداد: 11/ 327؛ قال الذهبي: «هذا حديث منكر». ميزان الاعتدال: 5/ 139؛ قال السخاوي: «وطرقه كلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء». كشف الخفاء: 1/ 438.
(2) في الكشف الحثيث لإبراهيم بن محمد الطرابلسي: 1/ 44 قال: «أحمد بن داود روى حديثا في رد الشمس لعلي رضي الله عنه من حديث أسماء بنت عميس قال ابن الجوزي: أحمد بن داود ليس بشيء قال الدارقطني: متروك الحديث كذاب وقال ابن حبان كان يضع الحديث». وقال العجلوني في كشف الخفاء: 1/ 516 «حديث رد الشمس لعلي رضي الله عنه قال الإمام أحمد لا أصل له أما ابن الجوزي فأورده في الموضوعات» وأوردها من الإمامية المازندراني، مناقب آل أبي طالب: 2/ 143؛ القطب الراوندي، الخرائج والجرائح: 1/ 224؛ النوري، مستدرك الوسائل: 3/ 350؛ المجلسي، بحار الأنوار: 83/ 317.
(3) هذه الخوارق المنسوبة إلى أمير المؤمنين قد نبه حفاظ الحديث على ضعفها ووضعها منهم السخاوي في المقاصد وملا علي القاري في موضوعاته لذلك لا يصح الاستدلال بها. وأمير المؤمنين أهل لكل كرامة ولكن صحة الروايات ضرورية لقبول الأخبار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
مكذوبة لقول من يقول بادعاء الأمير للإمامة في خلافة الخلفاء الثلاثة وكذلك ما يقولون من وجوب التقية ومن أن الرسول أوصى الأمير بالسكوت كما تقدم. وظهور خوارق العادات والكرامات من الأمير مسلم الثبوت ولكن ليس ذلك مخصوصا فيه لصدور مثل ذلك من الخلفاء الثلاثة والصحابة الآخرين وصلحاء الأمة أيضا. (1) على أن قلعة لباب خيبر وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار المعجزة قبل الدعوى غير محتاج إليه ولا تثبت به الدعوى. ومحاربة الجن لا أثر لها في كتب أهل السنة بل هي مروية بمحض رواية الشيعة هكذا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة بني المصطلق أخبره جبريل في أثناء الطريق بأن الجن اجتمعت في البئر الفلانية وتريد أن تكيد لعسكركم فأرسل النبي الأمير عليهم فقتلهم! (2) فلو صحت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم. وكذا رفع الصخرة العظيمة ليس موجودا في كتب أهل السنة، بل ذكر في كتب الشيعة أن الأمير لما توجه إلى صفين عطش يوما أصحابه في أثناء المرور بفقد الماء فأمر الأمير بأن يحفروا موضعا قرب صومعة راهب فظهرت في أثناء الحفر صخرة عظيمة عجزوا عن نقلها فأخبروا بها الأمير فنزل فرفعها من هنالك ورماها إلى مسافة بعيدة وظهرت تلك الصخرة عين الماء فشرب أهل العسكر فلما شاهد راهب تلك الصومعة هذا الأمر أسلم وقال: نحن وجدنا في الكتب القديمة أن رجلا كذا وكذا ينزل قرب هذا الدير ويرفع هذه الصخرة ويكون على الدين الحق. (3) وبالجملة إن ثبتت هذه الكرامة تكون كسائر كراماته - رضي الله تعالى عنه -، وليست دعوى الإمامة مذكورة هنا، ولم تقع هذه القصة في مقابلة أهل الشام أيضا. وأما رد الشمس فأكثر محدثي أهل السنة كالطحاوي وغيره صححوه وعدوه من معجزات النبي بلا شبهة إذ أرجع الشمس بعد غروبها ليحصل وقت صلاة العصر للأمير بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولتكون صلاته أداء. (4) وأين كانت في ذلك دعوى الإمامة؟ ومن كان حينئذ منكرا ومقابلا له!-----------------------------------
(1) قال الطحاوي: (ونؤمن بما جاء من كرامتهم وصح عن الثقات من رواياتهم) وقال ابن أبي العز شارحا: «فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، وكذلك الكرمة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما فيجعلون المعجزة للنبي والكرامة للولي، وجماعها الأمر الخارق للعادة». شرح العقيدة الطحاوية: ص 424.
(2) من رواية طويلة أوردها المفيد ونسبها لابن عباس في الإرشاد: 1/ 339؛ ونقلها عنه المازندراني في مناقب آل أبي طالب: 2/ 87؛ والمجلسي في بحار الأنوار: 63/ 86.
(3) أوردها الإمامية: ابن رستم الطبري، المسترشد: ص 201؛ المازندراني، مناقب آل أبي طالب: 2/ 291؛ القطب الراوندي، الخرائج والجرائح: 1/ 220 البحراني، مدينة المعاجز: 1/ 485.
(4) إشارة إلى ما أخرجه الطبراني من حديث أسماء بن عميس قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصلِ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله e: اللهم إن عليا كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد عليه الشمس، فقالت أسماء فرأيتها طلعت بعدما غربت». المعجم الكبير 24/ 151؛ وقد ضعفه العلماء وحكم عليه ابن الجوزي والقاري بالوضع (المصنوع: ص 265) فقال ابن الجوزي: «هذا حديث موضوع بلا شك … ثم قال ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يتلمح الفائدة فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء فرجوع الشمس لا يعيدها أداء». الموضوعات: 1/ 356 - 357. يؤكد ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس». المسند: 2/ 325. وصححه ابن حجر في فتح الباري: 6/ 221. وينظر منهاج السنة النبوية: 8/ 165
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
(1)
الدليل السادس أن الشيعة قالوا: ما روى أحد من الموافق والمخالف ما يوجب الطعن والقدح في الأمير، بخلاف الخلفاء الثلاثة فإن الموافق والمخالف رويا القوادح الكثيرة في حقهم بحيث يسلب استحقاق الإمامة عنهم، فالأمير الذي هو سالم عن قوادح الإمامة يكون متعينا لها.
ولا يخفى أن هذا الدليل - على ما بيناه في تصحيح دلائلهم سابقا - ليس على ما ينبغي من طريق القياس الذي يستدل به على المطلوب، فإن ما ذكره المدعي ههنا إنما هو بيان لإثبات الصغرى في كلا القياسين اللذين يستدل بمجموعهما على المطلوب، وهما هذا: أن كلا من الخلفاء الثلاثة دون الأمير مقدوح فيه ومطعون عليه بما يسلب عنهم استحقاق الإمامة، وكل من كان كذلك فليس إماما، والأمير سالم من ذلك، وكل من كان كذلك فهو إمام، لأن كلا من الموافق والمخالف روى في حقهم ولم يروا في حقه القوادح الموجبة لسلب استحقاق الإمامة.
ويجاب بأنا لا نسلم السلامة من القوادح ولا الطعن بها في حقه وحقهم مطلقا، ولا رواية الموافق تلك القوادح أيضا، ولا سلب ما روى المخالف الاستحقاق عنهم، ولا كونها حقه، وكل ذلك ممنوع منعا ظاهرا، لأن الخلفاء الثلاثة كما روى المخالفون (2) (وهم الشيعة وإخوانهم، لا الموافقون الذين هم أهل السنة وأمثالهم) القوادح الباطلة في حقهم، كذلك رواها في حق الأمير مخالفوه من الخوارج وغيرهم، دون من يوافقونه من أهل السنة والشيعة، فلا سلامة ولا قدح من كل وجه، ولا ضير بالقوادح الباطلة من المخالف في الجانبين، فقد تبين أن حالة كحالهم مطلقا. وأما كبرى القياسين-----------------------------------
(1) الظاهر في مسألة رد الشمس أن الشيعة سمعوا من علماء أهل السنة احتجاجهم بأن ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يعد من المعجزات المحمدية، فتمادوا بعد ذلك في اختراع أن الشمس ردت لعلي مرتين. ولما كان الإمام ابن حزم يناظر الرهبان الاسبانيين في صحة الأناجيل احتجوا عليه بأن الشيعة يطعنون في صحة القرآن، فروى في كتابه (الفصل في الملل والنحل) ج 2 ص 78 طبعة 1321 أنه قال لهم: «إن الروافض ليسوا من المسلمين، وأقلهم غلوا يقولون إن الشمس ردت على علي بن أبي طالب مرتين، فقوم هذا أقل مراتبهم في الكذب، أيستشفع منهم كذب يأتون به؟!»
(2) المخالفون عند الإمامية كل من خالف عقيدتهم في الاعتقاد بالأئمة الاثني عشر وبالأخص أهل السنة. قال ابن بابويه: «لا يصح إيمان المخالفين بالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب … ولا يكون الإيمان صحيحا من مؤمن إلا من آمن بالمهدي القائم عليه السلام والأئمة عليهم السلام»، وقال الطوسي: «إن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار». تهذيب الأحكام: 1/ 335.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
فالأولى منقوضة بالأنبياء عليهم السلام لأنهم قد قدح فيهم وطعن عليهم المبطلون، وكل ما يمنع تحقق العالم يمنع تحصل الخاص بالضرورة. والأخرى بمن سلم منها باتفاق الفريقين كابن عباس وأبي ذر وعمار وأمثالهم، وإذا دريت هذا فانظر أن الذين قالوا بإمامة الخلفاء الثلاثة وهم أهل السنة والمعتزلة لم يرووا من قوادحهم قط، بل قرر الشيعة بسبب بغضهم وعنادهم للخلفاء الثلاثة بعض الأشياء بطريق المطاعن والقوادح، ليست تلك الأشياء في الحقيقة محلا لطعن وقدح أصلا كما سيأتي في المطاعن، ولو كانت محلا لها لكانت على الأنبياء والأئمة أيضا مطاعن، بل من يطالع كتب الشيعة بالتأمل يجدها مملوءة بالمطاعن في الأنبياء والأئمة، وما قالوا من أن أحدا من الموافق والمخالف لم يرو ما يقدح في حق الأمير فخبط آخر، لأنهم إن أرادوا بالمخالف أهل السنة فلا يجدي لهم نفعا، فإن أهل السنة لما كانوا معتقدين بصحة إمامته لم يرووا قوادحه، وإن أرادوا به الخوارج وأمثالهم فكذب صريح فإنهم قد سودوا الدفاتر الطويلة والزبر الكثيرة في هذا الباب. (1) ومن جملة من ذكر المطاعن الأمير عبد الحميد المغربي الناصبي في كتابه، وقد دفع كثيرا منها ابن حزم من علماء أهل السنة في كتابه (الفصل) (2) والشريف من علماء الشيعة في (تنزيه الأنبياء والأئمة) وأعرضنا عن ذكر تلك المطاعن والجواب عنها، لأن ذكرها مما لا يليق بنا في هذا الكتاب.
تتمة لبحث الإمامة
اعلم أن القدر المشترك في جميع فرق الشيعة المجمع عليه بينهم إنما هو كون الأمير - رضي الله تعالى عنه - إماما بلا فصل، وإمامة الخلفاء الثلاثة باطلة ولا أصل لها. وقد تبين بأوضح البيان إبطال أهل السنة عليهم هذا القدر المشترك، واتضح حق الاتضاح مخالفة هؤلاء الفرق كلهم في ذلك القدر بجميع وجوهه لنصوص الكتاب المجيد وأقوال العترة الطاهرة. وأما بعد هذا القدر المشترك فلهم اختلاف كثير فيما بينهم-----------------------------------
(1) ولا سيما في مراثيهم لقتلى النهروان. والخوارج كانوا أصحاب علي وجنده في صفين والجمل.
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4/ 2 وبعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
بحيث أن بعضهم يضللون ويكفرون ويبطلون بعضا آخرين ويشنعون عليهم، وكفى الله المؤمنين القتال، فقد سقط عن أهل السنة عبء تلك المجادلة الباطلة فلا حاجة بذكر الاختلافات في هذا الكتاب الذي ألف لما بين أهل السنة والشيعة خاصة. (1)
(كثرة اختلاف الشيعة)
ولنذكر قليلا من أقوالهم في شروط الإمامة ومعناها وتعيين الأئمة وعددهم تنبيها على أن كثرة الاختلاف في شيء دليل على كذبه، لينقلب عليهم طعنهم الوارد منهم على أهل السنة باختلاف الفروع، لأن اختلافهم في الأصول، وظاهر أن أديان الأنبياء السابقين كانت مختلفة في الفروع فقط ومتفقة في الأصول كما قال الله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} الآية. فالدين الذي تكون أصوله مختلفا فيها هو أعجب الأديان بل هو باطل كملة الكفر، إذ هو حينئذ لا يشبه بدين من أديان الأنبياء الماضيين فضلا عن دين الإسلام.
ثم لا يخفى ان معنى الإمامة عند الغلاة (2) محض الحكومة وإجراء الأحكام والأوامر والنواهي وشأن من شؤون الألوهية، وعند غيرهم معناها نيابة عن النبي في أمور الدين والدنيا. والزيدية قاطبة لا يشترطون العصمة في الإمامة، ولا يحسبون النص في حقه ضروريا أيضا، بل الأفضلية عندهم لازمة أيضا، وإنما معنى الإمامة عندهم الخروج بالسيف، ويعتقدون الإظهار من عمدة شرائط الإمامة. والإسماعيلية - إلا النزارية - يشترطون العصمة، (3) وأما النزارية فهم لا يثبتونها بل يقولون إن الإمام غير مكلف بالفروع، ويجوز له كل ما أراد من السوء والفحشاء كاللواطة والزنا وشرب الخمر ونحوها.-----------------------------------
(1) منها اختلافهم في عدد الأئمة أو تحديد المهدي. السيوف المشرقة
(2) نبه المامقاني في غير موضع من كتابه (تنقيح المقال في أحوال الرجال) وهو أعظم كتب الشيعة في الحرج والتعديل على أن الذين كان قدماء الشيعة بأنهم من غلاة الشيعة ويجرحون رواياتهم بسبب ذلك صاروا يعدون الآن عند الشيعة المتأخرين بأنهم غير غلاة، لأن ما كان يسميه قدماء الشيعة غلوا في التشيع هو الآن من أصول العقيدة الإمامية، والشيعة في العصور المتأخرة كلهم على عقيدة الغلو، وليس لهم عقيدة غيرها: لذلك ذهب المامقاني إلى ضرورة العدول عن جرح روايات الذين كانوا يعدون غلاة، وأفتى بوجوب تعديلهم، لأن التشيع نفسه تطور وصار أهله الآن كلهم على مذهب الغلاة القدماء.
(3) مقالات الإسلاميين: ص27؛ الفرق بين الفرق: ص47؛ الملل والنحل: 1/ 168
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
(1) ونقل شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في التهذيب (2) عن شيخه الملقب بالمفيد أنه قال: إن أبا الحسين الهاروني كان أولا شيعيا قائلا بالإمامة ثم لما التبس عليه أمر التشيع بسبب كثرة اختلاف الإمامية ووجد أخبارهم متناقضة متعارضة بغاية الكثرة والشدة رجع عنه وصار شافعيا، ومن كانوا استفادوا وتلمذوا منه في مدة عمره هذه اتبعوه في الرجوع وتبرأوا من المذهب. (3) والحق أن من تأمل في هذا المذهب تأملا صادقا وعثر على أخبار أصحابه واختلاف أقوالهم كا ينبغي فقد علم باليقين أن سبيل النجاة في هذا المذهب مسدود وطريق الخلاص من مضيق التعارض فيه مفقود، فبالضرورة يتركه ويرجع إلى المذاهب الأخرى إن كان من أهل الحق. وتفصيل ذلك أن الشيعة لهم روايات كثيرة متعارضة عن أئمتهم، بحيث يررون عن كل إمام كلاما مخالفا للإمام الآخر ومخالفا لكتاب الله وسنة رسوله، واحتمال النسخ هنا منتف البتة، إذ ناسخ كلام النبي لا يكون إلا نبيا آخر، ولا يجوز للإمام أن ينسخ أحكاما إلهية أو سنن النبي، وإلا فالإمام لا يكون إماما، إذ الظاهر أن الإمام نائب لا مخالف له ولا نبي مستقل.
وأيضا لو قلنا بالنسخ لقلنا بالضرورة إن الإمام المتأخر ناسخ لكلام الإمام المتقدم، فصار مدار العمل على روايات الإمام المتأخر مع أن هؤلاء الفرقة قد أجمعوا في كثير من المواضع على العمل بروايات المتقدم. (4) وأيضا يمتنع النسخ في الأحكام المؤبدة أيضا وإلا يلزم تكذيب المعصوم، مع أن اختلاف رواياتهم قد وقع في الأحكام المؤبدة أيضا، فزال احتمال النسخ بالكلية، ووجوه ترجيح أحد الخبرين على الأخر لتوثيق رواتهم مطلقا مسدودة، لأن عدة كتب في مذهبهم قرروها كالوحي المنزل من السماء (5) وما أتى به أحد يحسبه الآخر من تراب الأرض، فلو وثقناها كلها بزعم علمائهم لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، وإذا قلنا ما قال بعض الإخباريين-----------------------------------
(1) الفرق بين الفرق: ص265؛ الملل والنحل: 1/ 167؛ فضائح الباطنية: ص16.
(2) كتاب (التهذيب) أحد الكتب الأربعة التى عليها مدار مذهب الشيعة. وهذه العبارة بشأن أبي الحسين الهاروني في خطبة كتاب التهذيب مع الإسهاب في الاعتراف بأن الشيعة أشد الفرق اختلافا في مسالئلهم وأحكامهم وأن ذلك دليل على فساد الأصل.
(3) تهذيب الأحكام: 1/ 2.
(4) أمثلة في الباب السادس.
(5) روى الصفار عن حمران بن أعين قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك بلغني أن الله تبارك وتعالى قد ناجى عليا عليه السلام قال: أجل قد كان بينهما بالطائف نزل بينهما جبريل». بصائر الدرجات: ص 291؛ المفيد، الاختصاص: ص 278. وينظر ص 160 من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
في حق بعضهم وشرعنا في الطعن والجرح عليهم بناء على قولهم يصيرون كلهم مطعونين ومجروحين فلم يظهر سبيل للترجيح أصلا، فبالضرورة لزم تساقط رواياتهم، وانجر الأمر إلى تعطيل الاحكام.
وهذه كلها في روايات فرقة واحدة منهم كالاثني عشرية مثلا، إذ كل عالم منهم يروي مخالفا لرواية الآخر. مثلا جمع منهم رووا بأسانيد صحيحة أن المذي لا ينقض الوضوء، (1) وجمع أخرون رووا كذلك أنه ينقض الوضوء. (2) وجماعة روت أن سجدة السهو لا تجب في الصلاة، وجماعة روت أنها تجب فيها، (3) والأئمة أيضا سجدوا للسهو. (4) وبعضهم يروون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، (5) وبعضهم يروون أنه لا ينقضه (6) وجمع يروون أن المصلي إن لعب عبث بلحيته أو بأعضائه الأخر لا تفسد صلاته، (7) وجمع يرون أن المصلي أن يلعب بخصيتيه وذكره تجز صلاته. (8) وهذه الأحوال توجد في جميع أخبارهم كما يشهد بذلك كتاب الفقيه.
ومن تصدى من علمائهم للجمع بين الروايات فقد أتى بأعمال عجيبة، وقد قدموا في هذا الأمر شيخ طائفتهم صاحب التهذيب (9) وغاية سعيه هو الحمل على التقية، (10) وقد حمل في بعض المواضع على التقية شيئا ليس ذلك مذهب أحد من المخالفين أو كان مذهبا ضعيفا بأن المخالفين لم يذهبوا إليه إلا أحد أو اثنان اختاروه، وظاهر أن الأئمة العظام لم يكونوا جبانين خائفين بهذا القدر حتى يبطلوا عباداتهم بتوهم أنه لعل أحدا اختار هذا المذهب ويكون حاضرا في هذا الوقت، معاذ الله من سوء الاعتقاد في جناب الأئمة! وفي بعض المواضع حمل جملة من الخبر على التقية وترك مدلول الجملة الثانية منه الذي هو مخالف لمذهب أهل السنة على حاله. ولو كانت التقية فلا معنى في اختيار التقية في جملة غير مخالفة والإظهار في جملة أخرى هي مخالفة لمذهب أهل السنة. فهل هم يعتقدون أن الأئمة كانوا - معاذ الله - براء من العقل والفهم؟ مثاله خبر علي - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بغسل الوجه مرتين وبتخليل-----------------------------------
(1) روى الإمامية عن بريد بن معاوية أنه قال: «سألت أحدهما [الباقر أو الصادق]عليه السلام عن المذي فقال: لا ينقض الوضوء ولا يغسل منه ثوب ولا جسد إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق». الكافي: 3/ 39؛ الاستبصار: 1/ 91
(2) روي عن محمد بن إسماعيل قال: «سألت أبا الحسن [الرضا]عليه السلام عن المذي؟ فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه». ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه: 1/ 65؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: 1/ 18.
(3) رووا عن أبي بصير عن أبي عبد الله [الصادق]عليه السلام: «قال إذا لم تدر خمسا صليت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك وأنت جالس ثم سلم بعدها». الكليني، الكافي: 3/ 355؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: 2/ 195.
(4) عن محمد بن علي الحلبي قال: «سمعت أبا عبد الله [الصادق] يقول في سجدتي السهو: بسم الله وبالله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته». الكليني، الكافي: 3/ 356؛ ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه: 1/ 342؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: 2/ 196.
(5) أخرج الطوسي عن زرعة بن سماعة قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن نشد الشعر هل ينقض الوضوء أو ظلم الرجل صاحبه أو الكذب؟ فقال: نعم إلا أن يكون شعرا يصدق فيه أو يكون يسيرا من الشعر، الأبيات الثلاثة والأربعة، فأما أن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء». الاستبصار: 1/ 87؛ وسائل الشيعة: 1/ 269.
(6) روى ابن بابويه وغيره عن معاوية بن ميسرة قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إنشاد الشعر هل ينقض الوضوء؟ قال: لا». من لا يحضره الفقيه: 1/ 63؛ وأخرجه الكليني، الكافي: 1/ 16؛ الطوسي الاستبصار: 1/ 86.
(7) روى الطوسي عن مسلمة بن عطا قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أي شيء يقطع الصلاة؟ قال: عبث المصلي بلحيته». تهذيب الأحكام: 2/ 378؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة: 7/ 262.
(8) تقدمت
(9) هو محمد بن حسن الطوسي المتوفي سنة 381، وتقدم أن (التهذيب) أحد الكتب الأربعة التى عليها مدار مذهبهم، وهو نفسه مؤلف كتاب (من لا يحضره الفقيه) أراد أن يكون في الفقه للشيعة ككتاب (من لا يحضره الطبيب) في الطب لمحمد بن زكريا الرازي.
(10) في كتابه ما يقارب الخمسمائة رواية عن أئمة أهل البيت فسرها بالتقية، أي نحو خمس روايات الكتاب،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
أصابع الرجلين حين غسلهما، (1) مع أن غسل الوجه مرتين مذهب الشيعة لا مذهب أهل السنة (2) فإنهم قد أجمعوا على كون التثليث مسنونا فلزم الجمع بين الإظهار والتقية! (3) وقد ارتكب في بعض المحال تأويلات ركيكة بحيث أسقط كلام الإمام عن علو مرتبة البلاغة.
فمن تأويلهم لكلام السجاد الوارد عنه في دعائه أنه قال «إلهي عصيت وظلمت وتوانيت» وهذا الدعاء عن الأئمة الآخرين أيضا في كتبهم الصحيحة، وعلى كل من تقديري الصدق والكذب هو مناف للعصمة، وليس المحل محل التقية إذ حالة المناجاة لا تسعها وهم يقولون إن مراد الأئمة أن شيعتنا عصوا وظلموا وتوانوا ولكن رضينا بهم شيعة ورضوا بنا أئمة فحالنا حالهم وحالهم حالنا! سبحان الله، لو ثبت هذا الاتحاد في الأحوال بين الشيعة والأئمة كيف سرى عصيان الشيعة وظلمهم وتوانيهم في نفوس الأئمة ولم تسر طاعة الأئمة وعدلهم وعباداتهم في ذوات الشيعة؟ فحينئذ يلزم أن تغلب أحوال الشيعة على أحوال الأئمة وهي صارت مغلوبة، بل يلزم في ذوات الأئمة على هذا التقدير اجتماع أمور متناقضة كالفسق والصلاح والعصمة والمعصية والظلم والعدل، ولا يمكن أن تحمل أحوال الشيعة في حق الأئمة بالمجاز فإنه يمتنع في مثل هذه الأدعية التي يكون الحقيقة فيا من الكلام مقصودة كما هو الأظهر معاذ الله من سوء الاعتقاد! ولم يوجد قط في محاورة العرب والعجم نظير لنحو هذه التأويلات أصلا. وما يلزم - باعتبار علم الإعراب - من ركاكة الألفاظ ههنا غير خاف كحمل ضمير المتكلم الواحد على جمع الغائب وصيغة المتكلم على الغيبة. وباعتبار فن البلاغة من قباحة المعاني كإضافة المتكلم فعل الغير إلى نفسه من غير علاقة صارفة إلى المجاز من السببية والأمرية والمحلية والحالية وغير ذلك مما ذكر في موضعه، ومع ذلك ينسبون مثل هذا الكلام الفاسد إلى من بلغ الدرجة العليا من البلاغة. وما الذي يحمل الأئمة على أن ينسبوا ظلم شيعتهم وعصيانهم إلى أنفسهم فيلوثوا أذيالهم الطاهرة بتلك النسبة حتى جعلوا لمنكري عصمتهم سندا قويا وأضلوا جمعا كثيرا من الأمة بتلك الكلمات التي لم تكن ضرورية لهم حاشاهم ثم حاشاهم. وأيضا الأظهر والأجلى أن المسائل الفروعية قد وقعت فيها اختلافات القرون الأولى ولأهل السنة أيضا-----------------------------------
(1) أخرج الطوسي عن علي رضي الله عنه قال: «جلست أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ابتدأت بالوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن ثم غسلت ثلاثا، فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار». الاستبصار: 1/ 65؛ العاملي، وسائل الشيعة: 1/ 421.
(2) ثبت الوضوء بمرة ومرتين وثلاث في كتب الحديث.
(3) الكيدري، إصباح الشيعة: ص 30؛ العاملي، الدورس الشرعية: 1/ 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
اختلافات فيما بينهم ولا يحسبونها في الفروع نقصانا للمختلفين فيها ولا يطاعنون ولا يعاتب فيها بعضهم بعضا. وكان كل واحد منهم في الزمن الأول يناظر ويحاجج في الفروع ويظهر مذهبه فيها ويقيم الدلائل عليه ويستنبط ويجتهد بلا مخافة ويضعف دلائل مخالفه جهرا. فأي شيء كان حاملا للأئمة على التقية في مسائل الفروع؟ ولقد ناظر الأمير في زمن الخليفة الثاني والثالث مناظرات كثيرة في بيع أمهات الأولاد وتمتع الحج ومسائل أخر حتى انجر الأمر من الجانبين إلى العنف ولم يتنفس أحد منهم ولا سيما الخليفة الثاني فإنه كان بزعم الشيعة في هذا الباب أكثر انقيادا (1) بحيث إذا ذكر أحد دليلا من الكتاب أو السنة بين يديه اعترف حتى ألزمته امرأة من نساء العوام في المغالاة بالمهر وهو صار معترفا وقائلا «كل الناس أفقه من عمر حتى المخدَّرات (2) في الحجال» (3)
وعد الشيعة هذه القصة في مطاعنه فالأمير لم يكن ليستعمل التقية في المسائل الفروعية ويترك إظهار الحكم المنزل من الله الذي كان واجبا عليه إظهاره في ذلك الحين. وأيضا إن الأئمة المتأخرين كالسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا - رضي الله تعالى عنهم - كانوا قدوة أهل السنة وأسوة لهم، وعلماؤهم كالزهري وأبي حنيفة ومالك أخذوا العلم منهم. وقد روى محدثو أهل السنة عنهم في كل فن لا سيما في التفسير أحاديث كثيرة فأي حاجة لهؤلاء الكرام أن يرتكبوا التقية مخافة هؤلاء الناس؟ وهذا الكلام وقع في البين ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول:
(اختلاف الإمامية في أئمتهم)
اعلم أن الإمامية قائلون بانحصار الأئمة ولكنهم مختلفون في مقدارهم فقال بعضهم خمسة (4) وبعضهم سبعة (5) وبعضهم ثمانية وبعضهم اثنا عشر (6) وبعضهم ثلاثة عشر (7) وقالت الغلاة الأئمة آلهة أولهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحسين ثم من صلح من أولاد الحسين إلى جعفر بن محمد وهو الإله الأصغر وخاتم الآلهة ثم من بعده نوابه وهم من صلح من أولاد جعفر. (8) وذهبت فرقة منهم إلى أن الإمام في هذه الأمة اثنان: محمد صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب، وغيرهما ممن كان لائقا لهذا الأمر من أولاد علي فهم نوابهما. (9) وقالت الحلولية: إن الإمام من يحل فيه الإله وجرى بينهم اختلاف فقال الكيسانية: إن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم علي ثم محمد بن الحنفية. (10) وقالت المختارية منهم: إن الإمام بعد علي-----------------------------------
(1) كما أورد ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 277 ويأتي الرد.
(2) قال ابن الأثير: «الخدر: ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية خدرت فيه مخدرة». النهاية: 2/ 13.
(3) من روايات الإمامية كما في نهج الحق. ضعفها الهيثمي في مجمع الزوائد: 4/ 284؛ وقال عنها البيهقي هي رواية منقطعة: 7/ 244 ..
(4) وهم الذمية. الفرق بين الفرق: ص238؛ التبصير في الدين: ص 129؛ الملل والنحل: 1/ 176؛ المواقف: ص 673.
(5) هم فرقة السبعية من الإسماعيلية. اعتقادات فرق المسلمين: ص80؛ تلبيس إبليس: ص125؛ منهاج السنة النبوية: 3/ 481.
(6) غالبية الشيعة اليوم.
(7) ويسمون الجعفرية، فهم يجعلون بعد الحسن العسكري أخاه جعفرا.
(8) مقالات الإسلاميين: ص 14؛ الفرق بين الفرق: ص 242.
(9) يشبه قول الزيدية. الملل والنحل: 1/ 29.
(10) مقلات الإسلاميين: ص 19؛ اعتقادات فرق المسلمين: ص 62؛ الفرق بين الفرق: ص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
الحسن ثم الحسين ثم محمد بن الحنفية. (1) وكل فرقة من فرق الشيعة ينقلون عن إمامهم المزعوم أخبارا وروايات في أحكام الشريعة ويدعون تواترها: فالفرقة الأولى من الكيسانية تقول: إن محمد بن الحنيفة ادعى الإمامة بعد موت أبيه وقد نص أبوه على إمامته. والفرقة الثانية أعني المختارية يقولون: إن ادعاء محمد بن علي (2) للإمامة قد وقع بعد شهادة الإمام الحسين، ولكن رجع في الآخر عن تلك الدعوى وأقر بإمامة ابن أخيه علي بن الحسين - رضي الله تعالى عنهم - أجمعين. وروى الراوندي في (معجزات السجاد) (3) عن الحسين بن أبي العلاء وأبي المعزي حميد بن المثنى جميعا عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فقال: يا علي ألست تقر أني إمام عليك؟ فقال: يا عم لو علمت ذلك ما خالفتك وإن طاعتي عليك وعلى الخلق مفروضة، يا عم أما علمت أن أبي وصى؟ وتشاجرا ساعة فقال علي بن الحسين: بمن ترضى حتى يكون حكما بيننا؟ فقال محمد: بمن شئت. فقال: ترضى أن يكون بيننا الحجر الأسود؟ فقال: سبحان الله! أدعوك إلى الناس وتدعوني إلى حجر لا يتكلم؟ فقال علي: بلى يتكلم، أما علمت أنه يأتي يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد على من أتاه بالموافاة، فندنو أنا وأنت فندعو الله عز وجل أن ينطقه سبحانه لنا أينا حجة الله على خلقه فانطلقا ووقفا عند مقام إبراهيم ودنيا من الحجر الأسود وقد كان محمد بن الحنفية قال: لئن لم يجبك إلى ما دعوتني إليه إنك إذن لمن الظالمين فقال علي لمحمد: تقدم يا عم إليه فإنك أسن مني.
فقال محمد للحجر: أسألك بحرمة الله وحرمة رسوله-----------------------------------
(1) اعتقادات فرق المسلمين: ص 62؛ الملل والنحل: 1/ 147.
(2) هو ابن الحنفية إمام الكيسانية.
(3) فصل من كتابه الخرائج والجرائح: 1/ 255.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
وحرمة كل مؤمن إن كنت تعلم أني حجة الله على علي بن الحسين إلا ما نطقت بالحق فلم يجبه ثم قال محمد لعلي: تقدم فاسأله فتقدم علي فتكلم بكلام خفي ثم قال: أسألك بحرمة الله وحرمة رسوله وحرمة أمير المؤمنين علي وبحرمة الحسن والحسين وفاطمة بنت محمد إن كنت تعلم أني حجة الله على عمي إلا ما نطقت بذلك وتثبت له حتى يرجع عن رأيه. فقال الحجر بلسان عربي مبين: يا محمد بن علي اسمع وأطع لعلي بن الحسين لأنه حجة الله عليك وعلى جميع خلقه، فقال ابن الحنفية عند ذلك: سمعت وأطعت وسلمت. (1)-----------------------------------
(1) هذه الخرافة من مخترعات الخفاف الزندجي الأعور وزميله أبي المعزي وقد أرادا باختراعها أن يكذبا على التاريخ وعلى آل بيت الرسول صلى الله عليهم بأن هناك وصية بإمامة قبل زمن شيطان الطاق، والحقيقة هي أن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدعوا ذلك ولم يعرفوه، ولكن شيطان الطاق اخترعه لهم. فقد نقل المامقاني في تنقيح المقال (ج 1 ص 470) أن إمامهم الكشي نقل في ترجمة شيطان الطاق محمد بن علي أن هذا الشيطان قال: «كنت عند أبي عبد الله (يعني جعفرا الصادق) فدخل زيد بن علي (الإمام الذى يرجع إليه مذهب الزيدية في اليمن وهو عم جعفر الصادق) فقال الإمام زيد لشيطان الطاق: يا محمد بن علي إماما مفترض الطاعة معروفا بعينه؟ قال شيطان الطاق قلت: نعم، أبوك أحدهم. قال له زيد: ويحك، وما منعه أن يقول لي؟ فوالله لقد كان يؤتي بالطعام الحار فيقعدني على فخده ويتناول البضعة فيبردها ثم يلقمنيها، أفتراه كان يشفق علي من حر الطعام ولا يشفق على من حر النار؟ قال شيطان الطاق: قلت كره أن يقول لك فتكفر فيجب عليك من الله الوعيد ولا يكون له فيك شفاعة، فتركك مرجئا لله فيه المسالة، وله فيك الشفاعة» وهكذا اخترع شيطان الطاق أكذوبة الإمامة التى صارت من أصول الديانة عند الشيعة، واتهم الإمام عليا زين العابدين بن الحسين بأنه كتم أساس الدين حتى عن ابنه الذي هو صفوة آل محمد، كما اتهم ابنه الإمام زيدا بأنه لم يبلغ درجة أخس الروافض في قابليته للإيمان بإمامة أبيه. ولو أن غير الكشي من صناديد الشيعة روى هذا الخبر لشككنا في صحته، ولكن الشيعة هم الذين يروونه، ويعلنون فيه أن شيطان الطاق يزعم بوقاحته أنه يعرف عن والد الإمام زيد ما لا يعرفه الإمام زيد من والده مما يتعلق بأصل من أصول الدين عندهم. وليس هذا بكثير على شيطان الطاق الذى روى عنه الحافظ أنه قال في كتابه عن الإمامة إن الله لم يقل {ثاني اثنين إذ هما في الغار} انظر (الفصل) لابن حزم 4: 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
والكيسانية يصدقون هذه الدعوى ولكنهم ينكرون شهادة الحجر بل يقولون بوقوع الشهادة على العكس. فإن الحجر شهد بدعاء محمد بن الحنفية واعترف علي بن الحسين بإمامته ويؤيدون ذلك بسكوت علي بن الحسين عن الإمامة بعد هذه الواقعة وشروع محمد ابن الحنفية بإرسال رسائله وكتبه إلى المختار وشيعة الكوفة الذين كانوا مشتغلين بقتال المروانية وكانوا يرسلون الهدايا والتحف والخمس إلى محمد بن علي لا إلى علي بن الحسين وما دعاهم علي بن الحسين إلى نفسه (1) وذكر القاضي نور الله التستري في (مجالس المؤمنين) أن محمد بن الحنفية لما مات اعتقد شيعته بإمامة ابنه أبي هاشم، وكان عظيم القدر، والشيعة متبعين له وأوصى محمد بن الحنفية بإمامته، فقد علم صريحا أن محمد بن الحنفية لم يرجع عن اعتقاده حتى فوض الإمامة إلى أولاده (2) وأيضا نقل القاضي كتاب محمد بن الحنفية الذي كان أرسله إلى المختار وشيعته الكوفة بهذه العبارة: أيها المختار اذهب أنت من مكة إلى الكوفة وقل لشيعتنا اخرجوا واطلبوا ثأر الإمام الحسين، وخذ البيعة من أهل الكوفة. قالوا إن أكثر أهل الكوفة قد تولوا عن سليمان بعد إظهار المختار كتاب محمد ابن الحنفية، فقال سليمان لشيعته: إن خرجتم من قبل محمد بن الحنفية فلا بأس به، ولكن إمامي علي بن الحسين. (3) انتهى كلامه. ويدل بالصراحة ما نقله القاضي من الكتاب وقوله «تولوا عن سليمان» على أن محمد بن الحنفية لم يكن رجع عن اعتقاده. وأيضا نقل القاضي (4) عن أبي المؤيد الخوارزمي الزيدي أن المختار أرسل إلى محمد بن الحنفية رءوس أمراء الشام-----------------------------------
(1) وبهذا الخبر الثاني تعارض ما تقوله الكيسانية مع الذى تقوله الاثنا عشرية فسقطا جميعا. والخبران مخترعان من رواة كذبة لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا.
(2) محمد بن الحنفية كان أعقل وأتقى لله من أن يدخل نفسه في هذه الفتن التى صرح هو بانها تخالف الشرع عند ما دعاه ابن مطيع في المدينة إلى أقل من ذلك (انظر البداية والنهاية للحافظ ابن كثير) ج 8 ص 233.
(3) ينظر المجلسي في بحار الأنوار: 45/ 359.
(4) نور الله التستري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
مع كتاب الفتح وثلاثين ألف دينار إلى الإمام علي بن الحسين، وقد صلى هو ركعتين شكرا على هذه الموهبة، وأمر أن يعلقوا رءوس أهل الشام، وقد منعه ابن الزبير من التعليق وأمر بدفنها فدفنوها. (1) انتهى كلامه.
فقد تبين أن المختار كان معتقدا بإمامة محمد بن علي، ولا يحمل اعتقاده على التقية إذ لا ضرورة له عليها. وينبغي أن يستمع الآن كلام القاضي نور الله الآخر، ويفهم منه المدعى، فإنه نقل في أحوال المختار عن العلامة الحلي انه قال لا كلام للشيعة في حسن عقيدته، (2) غاية الأمر أنهم كانوا يعترضون على بعض أعماله ويذكرونه بالسوء فاطلع الإمام الباقر على ذلك فمنع الشيعة من التعرض للمختار وقال: «إنه قتل قتلتنا، وأرسل نقودا كثيرة» (3) فلا بد للعاقل أن يتأمل ههنا إذ يعلم من هذا الكلام أن إنكار إمامة إمام الوقت (4) لا يكون سببا للسب والشتم في حق ذلك المنكر.-----------------------------------
(1) ينظر بحار الأنوار: 45/ 386.
(2) الخلاصة: ص 169.
(3) عن أبي عبد الله أنه قال: «لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا، وطلب بثأرنا، وزوج أراملنا، وقسم فينا المال على العسرة». رجال الكشي: ص 125؛ رجال ابن أبي داود: ص 513.
(4) هو عند الإمامية الإمام المعصوم حاضرا كان أم غائبا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
(1) بل يلاحظ محبته لأهل بيت الرسول، وجهاده أعداء الله، وإذلال الكفرة والانتقام منهم (2) وإعلاء كلمة الله تنجيه وتوجب فلاحه، وما يصدر منه من الشنائع يجب علينا أن نستره ونستغفر الله له. وهذا هو مذهب أهل السنة في حق من ينكر إمامة إمام وقته ولكنه متصف بهذه الصفات المذكورة.
وقالت (الزيدية): إن الإمام بعد الإمام الحسين زيد بن علي، ولا يقولون بإمامة علي بن الحسين لأن الخروج بالسيف شرط للإمامة عندهم، والسكوت والتقية منافيان لها ويررون أن زيد بن علي نقل عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين نصوصا وبشارات في حق إمامته، وكان زيد بن علي منكرا لجميع معتقدات الإمامية كما روى الزيدية والإمامية معا إنكاره. (3)
و (الباقرية) يعتقدون أن الإمام الباقر مهدي موعود، وحي لا يموت.
وكذلك (الناووسية) في حق الإمام الصادق، ويروون نصا صريحا بزعمهم عن الصادق وهو قوله «لو رأيتم رأسي تدهده - أي تدحرج - عليكم من هذا الجبل فلا تصدقوا، فإن صاحبكم صاحب السنين».
وروى (المهدوية) من الإسماعيلية في حق إسماعيل بن جعفر نصه بالتواتر أن هذا الأمر في الأكبر، ما لم تكن به عاهة. ويكذبون الإمام الكاظم في دعوى الإمامة ويذكرونه بالسوء فإنه أنكر النص المتواتر بزعمهم كأبي بكر في حق علي.
وقالت (القرامطة) صار محمد إماما بعد أبيه إسماعيل.-----------------------------------
(1) والواقع أن إمامة الوقت لم تكن اخترعت بعد، والإمام الباقر وأبوه علي زين العابدين عاشا وماتا وهما لا يعرفان أنفسهما أنهما إماما الوقت، وكل ما يعرفانه أنهما من بيت النبوة وأن الإمامة تستمد من بيعة المسلمين لمن بايعونه، بل إن جدهما أمير المؤمنين عليا نفسه لما بويع يوم الخميس 24 ذي الحجة سنة 35 (كما ورد في تاريخ الطبري ج 6 ص 157) ارتقى في يوم الجمعة 25 منه أعواد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد حق إلا أن أمرتم. وقد افترقنا في الأمس على أمر (أي على البيعة له) فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد.» فهو يعلن على رءوس الأشهاد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى منبره وبعد البيعة له أنه لا يستمد الخلافة من حق يدعيه ولا من شئ سبق، بل يستمدها من البيعة إذا أرتضها الأمة، وإلا فإنه - كإخوانه الثلاثة الذين سبقوه - أرفع من أن يجعلها أكبر همه وغرض نفسه. هذا هو الذي وقع، وهذه الحقائق صدرت من فم علي بن أبي طالب نفسه، ومن سنة 35 إلى اليوم الذى تحاور فيه الإمام زيد بن علي بن الحسين مع شيطان الطاق لم يخطر على بال أحد من آل البيت رضي الله عنهم لا علي، ولا الحسن، ولا الحسين، ولا علي بن الحسين، ولا محمد بن الباقر، ولا غيرهم - أن هناك إمامة لآل البيت كما اخترعها شيطان الطاق فأساء بذلك إلى الإسلام وإلى آل البيت، وإلى أمة محمد جميعا، فالله حسبه.
(2) المؤلف يستعمل أسلوب الشيعة ويتكلم بلغتهم لإلزامهم وإقامة الحجة عليهم.
(3) رووا أن شيطان الطاق قال: «إن زيد بن علي بن الحسين بعث إليه وهو مختفٍ قال فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟ قال فقلت له: إن كان أبوك أو أخوك خرجت معه، قال فقال لي: فإني أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال قلت: لا أفعل جعلت فداك قال فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ قال فقلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله عز وجل في الأرض معك حجة فالمتخلف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله معك حجة فالمتخلف عنك والخارج معك سواء، قال: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي علي فيلقمني اللقمة ويبرد لي اللقمة الحرة حتى تبرد من شفقته عليّ، ولم يشفق عليّ من حر النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني … ». الكافي: 1/ 174؛ الاحتجاج: ص 376. وهذا يعارض رواية الحجر الأسود لأنه ينفي الإمامة عن علي بن الحسين أيضا وبعد خروجه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
و (الأفطحية) يعتقدون أن عبد الله بن جعفر إمام بلا فصل بعد أبيه لكونه شقيقا لإسماعيل، ولما مات إسماعيل بحضور أبيه وكان النص في حقه بعد موت أبيه أصاب ذلك الشقيق مضمون ذلك النص ميراثا لا غيره من بني العلات، (1) وكانت أم إسماعيل وعبد الله فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فهذان الأخوان كانا سيدين حسينين من الطرفين.
وقالت (الموسوية) إن الإمام بعد الصادق موسى الكاظم.
وقالت (الممطورية) هو حي لا يموت وهو القائم المنتظر، ويروون عن الأمير نصا متواترا في هذا المدعى أنه قال «سابعهم قائمهم!». و (الاثنا عشرية) معتقدون الإمامية إلى الإمام العسكري بالاتفاق. ثم اختلفوا فقالت (الجعفرية) بإمامة جغفر بن علي، ويقولون: إن الإمام العسكري لم يخلف أبنا، بدليل أن تركته قد ورثها أخوه جعفر كما ثبت بالإجماع، ولو كان له ولد لم يصب جعفر ميراثه. وقيل كان للإمام العسكري ولد صغير مات في زمن أبيه. وروى الكليني عن زرارة أبن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لا بد للغلام من غيبة. قلت: ولم؟ قال: يخاف! قلت: وما يخاف؟ فأومأ بيده إلى بطنه. (2) وفهم بعض الاثني عشرية معنى الإشارة «أن الناس كانوا يشكون في ولادته: سيقول بعض منهم سقط حمله، وبعض يقولون لم يكن حمل أيضا» (3) ولكن لا يخفى على العاقل أن إشارة الإمام إلى بطنه في جواب «ما يخاف؟» تأبى هذا المعنى صريحا، لأن الجنين لا يكون له خوف، ولو وجد الخوف لا يندفع باختلاف الناس. (4)
هذا بالجملة، إنما المقصود من بيان اختلاف فرقتهم وادعاء كل منهم التواتر على-----------------------------------
(1) «بنو العلات: بنو رجل واحد من أمهات شتى». لسان العرب: مادة علل، 11/ 470.
(2) الكافي: 1/ 342.
(3) ينظر كلام ابن طاوس في جمال الأسبوع: ص 520.
(4) أخرج ابن بابويه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا بد للغلام من غيبة، فقيل له: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: يخاف القتل». علل الشرائع: 1/ 243.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)